Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ (٨) - بَابُ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ - حديث رقم (٢٨٥٤) وفيه استحباب إرسال السلام إلى الغائب، سواء كان أفضل من المرسل، أم لا؟ لأنه إذا أرسله إلى من هو أفضل، فمن دونه أولى، قال النوويّ: قال أصحابنا: ويجب على الرسول تبليغه، ويجب على المرسل إليه ردّ الجواب حين يبلّغه على الفور. انتهى. وقوله: (وَإِنَّهُمْ قَدْ خَشُوا) بفتح الخاء، وضم الشين المعجمتين، لا بفتحها، كما ◌ُظُنَّ، وأصله (خَشِيوا)) بكسرها، فنقلت ضمة الياء إليها؛ استثقالاً للصعود من الكسرة إلى الضمّة، ثم حذفت الياء؛ لالتقاء الساكنين، فصار (خَشُوا)) بفتح، فضمّ، فليُتُنّه. وقوله: (أَنْ يُقْتَطَعُوا دُونَكَ) بالبناء للمفعول؛ أي: أن يقطعهم العدو دون أن يصلوا إليك. وقوله: (انْتَظِرْهُمْ) بصيغة فعل الأمر، من الانتظار. وقوله: (فَانْتَظَرَهُمْ) بصيغة فعل الماضي؛ أي: انتظر النبيّ وَّ أصحابه. وقوله: (إِنِّي أَصَدْتُ) قال النوويّ تَظُّهُ: هكذا هو في بعض النسخ، وهو بفتح الصاد المخففة، ويقال: بتشديد الصاد، وفي بعض النسخ: صِدْتُ، وفي بعضها: اصطَدْتُ، وکله صحیحٍ. انتهى. وقوله: (وَمَعِي مِنْهُ فَاضِلَةٌ) الضمير في منه يعود على الصيد المحذوف الذي دل عليه أصَدتُ؛ أي: قطعة فضلت منه؛ أي: بقيت، وعند النسائيّ: ((فأنبأته أن عندنا من لحمه فاضلةً)) أي: قطعة فاضلة، أي: بقيت بعد أكله، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَقَالَ النَّبِيُّ وَلِ لِلْقَوْمِ: ((كُلُو))) صيغة الأمر هنا للإباحة، لا للوجوب؛ لأنها وقعت جواباً عن سؤالهم عن الجواز، لا عن الوجوب، فوقعت الصيغة على مقتضى السؤال. قال في ((الفتح)): ولم يذكر في هذه الرواية أنه وَلي أكل من لحمها، وذُكر عند البخاريّ في روايتي أبي حازم، عن عبد الله بن أبي قتادة، ولم يَذكر ذلك أحد من الرواة عن عبد الله بن أبي قتادة غيره، ووافقه صالح بن حسان عند أحمد، وأبي داود الطيالسيّ، وأبي عوانة، ولفظه: ((فقال: كلوا، وأطعموني))، وكذا لم يذكرها أحد من الرواة عن أبي قتادة نفسه إلا المطلب، عند سعيد بن منصور. ٢٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج قال: ووقع لنا من رواية أبي محمد، وعطاء بن يسار، وأبي صالح، ومن رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن، عند إسحاق، ومن رواية عباد بن تميم، وسعد بن إبراهيم عند أحمد. انتهى(١). والحديث متّفقٌ عليه، وبقية مباحثه تقدمت قبل حديثين، فراجعها تزدد علماً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٨٥٥] ( .. ) - (حَدَّثَنِي أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ ◌َ لُهُ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ حَاجّاً، وَخَرَجْنَا مَعَهُ، قَالَ: فَصَرَفَ مِنْ أَصْحَابِهِ، فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ، فَقَالَ: خُذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ، حَتَّى تَلْقَوْنِي، قَالَ: فَأَخَذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا قِبَلَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ، إِلَّا أَبَا قَتَادَةَ، فَإِنَّهُ لَمْ يُحْرِمْ، فَبَيْتَمَا هُمْ يَسِيرُونَ، إِذْ رَأَوْا حُمُرَ وَحْشٍ، فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ، فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَاناً، فَنَزَلُوا، فَأَكَلُوا مِنْ لَحْمِهَا، قَالَ: فَقَالُوا: أَكَلْنَا لَحْماً، وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ، قَالَ: فَحَمَلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْم الْأَثَانِ، فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللهِوَهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا أَحْرَمْنَا، وَكَانَ أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ، فَرَأَيْنَا حُمُرَ وَحْشٍ، فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ، فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَاناً، فَتَزَلْنَا، فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا، فَقُلْنَا: نَأْكُلُ لَّحْمَ صَيْدٍ (٢)، وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ، فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا، فَقَالَ: ((هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ(٣) أَمَرَهُ، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ؟» قَالَ: قَالُوا: لَا، قَالَ: ((فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ) فضيل بن حسين الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧. (١) ((الفتح)) ٩٢/٥. (٣) وفي نسخة: ((هل معكم أحدٌ)). (٢) وفي نسخة: ((من لحم صيد)). ٢٨٣ (٨) - بَابُ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ - حديث رقم (٢٨٥٥) ٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) تقدم في ((المقدمة)) (ع) ٢/ ٤. ٣ - (عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ) التيميّ مولاهم المدنيّ الأعرج، وقد يُنسب إلى جدّه، ثقةٌ [٤] (ت١٦٠) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١١٤/٤. والباقيان ذُكرا قبله. قوله: (عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ) - بفتح الهاء - مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، روى هنا عن تابعيّ أكبر منه قليلاً. وقوله: (خَرَجَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ حَاجّاً) قال الإسماعيليّ تَخْتُ: هذا غلط؛ فإن القصة كانت في عمرة، وأما الخروج إلى الحجّ فكان في خلق كثير، وكان كلهم على الجادّة، لا على ساحل البحر، ولعل الراوي أراد خرج مُحرماً، فعبّر عن الإحرام بالحج غلطاً . وتعقّبه الحافظ، فقال: لا غلط في ذلك، بل هو من المجاز السائغ، وأيضاً فالحج في الأصل قصد البيت، فكأنه قال: خرج قاصداً للبيت، ولهذا يقال للعمرة: الحج الأصغر، قال: ثم وجدت الحديث من رواية محمد بن أبي بكر المقدَّميّ، عن أبي عوانة بلفظ: ((خرج حاجّاً أو معتمراً))، أخرجه البيهقيّ فتبيّن أن الشك فيه من أبي عوانة، وقد جزم يحيى بن أبي كثير بأن ذلك كان في عمرة الحديبية، وهذا هو المعتمد. انتهى. وقوله: (أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ، إِلَّا أَبَا قَتَادَةَ) كذا بالنصب في رواية المصنّف، وكذا هو عند البخاريّ في الكشميهنيّ، ولغيره: ((إلا أبو قتادة)) بالرفع، قال ابن مالك ◌َّتُ في ((التوضيح)): حق المستثنى بـ((إلا)) من كلام تامّ موجَب أن ينصب مفرداً كان أو مكملاً معناه بما بعده، فالمفرد نحو قوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّءُ يَوْمَيِذٍ ﴾ [الزخرف: ٦٧] والْمُكْمَل نحو: ﴿إِنَّا بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ عَدُوُّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ إِلَ [الحجر: ٥٩ _ ٦٠ لَمُتَبُوهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿َ إِلَّا أَمْرَأَتَهُ فَذَرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَرِينَ ٦٠]، ولا يَعرِف أكثر المتأخرين من البصريين في هذا النوع إلا النصب، وقد أغفلوا وروده مرفوعاً بالابتداء، مع ثبوت الخبر، ومع حذفه، فمن أمثلة الثابت الخبر قول عبد الله بن أبي قتادة: ((أحرموا كلهم إلا أبو قتادة لم يحرم))، فـ((إلا)) بمعنى ((لكن))، و((أبو قتادة)) مبتدأ، و((لم يُحْرِم)) خبره، ونظيره من ٢٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج كتاب الله تعالى: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدُّ إِلَّا أَقْرَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ [هود: ٨١]، فإنه لا يصح أن يجعل ﴿اقْرَأَنَكٌ﴾ بدلاً من ﴿أَحَدُّ﴾ لأنها لم تَسْرِ معهم، فيتضمنها ضمير المخاطبين، وتكلَّف بعضهم بأنه وإن لم يُسْرَ بها لكنها شَعَرت بالعذاب فتبعتهم، ثم التفتت فهلكت، قال: وهذا على تقدير صحته لا يوجب دخولها في المخاطبين بقوله: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدُّ﴾، وهذا - والحمد لله - بَيِّنٌّ، والاعتراف بصحّته متعيّنٌ. وفي المبتدإ الثابت الخبر بعد ((إلا)) ما جاء في ((جامع المسانيد)) من قول النبيّ ول: ((ما للشياطين من سلاح أبلغ في الصالحين من النساء، إلا المتزوّجون، أولئك المطهّرون المبرّؤون من الخنا)). وجعل ابن خروف من هذا القبيل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيَعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ ( [الغاشية: ٢٣، ٢٤]. ٢٤ ومن أمثلة المحذوف الخبر قوله وصا *: ((ولا تدري نفس بأيّ أرض تموت إلا الله))، رواه البخاريّ، وقوله وَّ﴾: ((كلُّ أمتي مُعَافَى إلا المجاهرون))؛ أي: لكن المجاهرون بالمعاصي لا يُعَافَون، ومنه من كتاب الله تعالى قوله تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٩] أي: لكن قليل منهم لم يشربوا. ومثله قول الشاعر: لِدَمٍ ضَائِعٍ تَغَيَّبَ عَنْهُ أَقْرَبُوهُ إِلَّا الصَّبَا وَالدَّبُورُ أي: لكن الصبا والدبور لم يتغيّبا عنه. قال: وللكوفيين في هذا الثاني مذهب آخر، وهو أن يجعلوا ((إلا)) حرف عطف، وما بعدها معطوفٌ على ما قبلها. انتهى(١). قال الحافظ: وفي نسبة الكلام المذكور لعبد الله بن أبي قتادة دون أبي قتادة نظر، فإن سياق الحديث ظاهر في أنه قول أبي قتادة، حيث قال: ((أن أباه أخبره أن رسول الله و ﴿ خرج حاجّاً، فخرجوا معه، فصَرَف طائفةً منهم، فيهم أبو قتادة - إلى أن قال -: أحرموا كلهم إلا أبو قتادة))، وقول أبي قتادة: ((فيهم (١) ((شواهد التوضيح)) ص٤١ - ٤٤. ٢٨٥ (٨) - بَابُ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ - حديث رقم (٢٨٥٦) أبو قتادة)) من باب التجريد، وكذا قوله: ((إلا أبو قتادة))، ولا حاجة إلى جعله من قول ابنه؛ لأنه يستلزم أن يكون الحديث مرسلاً. قال: ومن توجيه الرواية المذكورة، وهي قوله: ((إلا أبو قتادة)) أن يكون على مذهب من يقول: عليّ بن أبو طالب. انتهى. وقوله: (فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ، فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَاناً) في هذا السياق زيادة على جميع الروايات؛ لأنها متفقة على إفراد الحمار بالرؤية، وأفادت هذه الرواية أنه من جملة الْحُمُر، وأن المقتول كان أتاناً؛ أي: أنثى، فعلى هذا في إطلاق الحمار عليها تجوّز. وقوله: (فَحَمَلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْم الْأَثَانِ) وفي رواية أبي حازم عند البخاريّ في ((الهبة)): ((فرُحْنا، وخبأتُ العضَد معي))، وفيه: ((معكم منه بشيء؟ فناولته العضد، فأكلها حتى تعرَّقها))، وله في ((الجهاد)): ((قال: معنا رجله، فأخذها، فأكلها))، وفي رواية المطّلب: ((قد رفعنا لك الذراع، فأكل منها)). وقوله: (فَقَالَ: ((هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ؟)) قَالَ: قَالُوا: لا) وفي رواية شعبة، عن عثمان التالية: ((أمنكم أحدٌ أمره أن يَحمِل عليها، أو أشار إليها))، وفي رواية: ((أشرتم، أو أعنتم، أو اصطدتم؟))، ولأبي عوانة من هذا الوجه: ((أشرتم، أو اصطدتم، أو قتلتم؟)). وقوله: (قَالَ: ((فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا))) صيغة الأمر هنا للإباحة، لا للوجوب، كما تقدّم بيانه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظْهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٨٥٦] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ شَيْبَانَ، جَمِيعاً عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، فِي رِوَايَةٍ شَيْبَانَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟))، وَفِي رِوَايَةٍ شُعْبَةَ: قَالَ: ((أَشَرْتُمْ، أَوْ أَعَنْتُمْ، أَوْ أَصَدْتُمْ؟))، قَالَ شُعْبَةُ: لَا أَدْرِي قَالَ: ((أَعَنْتُمْ، أَوْ أَصَدْتُمْ؟»). ٢٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) القرشيّ الطحّان، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١١] مات في حدود (٢٥٠) (م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤. ٢ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن موسى بن أبي المختار باذام الْعَبْسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ كان يتشيّع [٩] (ت٢١٣) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤. ٣ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن النحويّ، أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقة، صاحب كتاب [٧] (ت١٦٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤. والباقون ذُكروا في الباب وفيما قبله. وقوله ◌َ: (أشرتم، أو أعنتم، أو أصدتم) رُوي بتشديد الصاد وتخفيفها، ورُوي: ((صِدْتُمْ))، قال القاضي عياض تَُّ: رويناه بالتخفيف في ((أَصَدتم))، ومعناه: أمرتم بالصيد، أو جعلتم من يصيده، وقيل: معناه أثرتم الصيد من موضعه، يقال: أصدت الصيد مخففاً؛ أي: أثرته، قال: وهو أولى من رواية من رواه: ((صِدْتُمْ))، أو ((اصَّدتم)) بالتشديد؛ لأنه وَّ قد عَلِم أنهم لم يصيدوا، وانما سألوه عما صاده غيرهم. انتهى (١). [تنبيه]: رواية شعبة، عن عثمان بن عبد الله بن موهب هذه ساقها الإمام أحمد تَّتُ في ((مسنده)) (٣٠٢/٥) فقال: حدّثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، قال: سمعت عثمان بن عبد الله بن موهب، قال: سمعت عبد الله بن أبي قتادة، يحدث عن أبيه أبي قتادة، أنهم كانوا في مسير لهم، فرأيت حمار وحش، فركبت فرساً، وأخذت الرمح فقتلته، قال: وفينا المحرم، قال: فأكلوا منه، قال: فأشفقوا، قال: فسألت رسول الله وص له، أو قال: فسئل رسول الله وَّل، قال: ((أشرتم، أو أعنتم، أو أصدتم؟)) قال شعبة: لا أدري قال: ((أعنتم، أو أصدتم؟)) ثم قالوا: لا، فأمرهم بأكله. انتهى. وأما رواية شيبان، عن عثمان، فلم أر من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) ((إكمال المعلم)) ٢٠٣/٤. ٢٨٧ (٨) - بَابُ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ - حديث رقم (٢٨٥٧) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٨٥٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، وَهُوَ ابْنُ سَلََّمِ، أَخْبَرَنِ يَحْيَى، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ أَبَاهُ رَبُهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ غَزَا مَّعَ رَسُولِ اللهِ نَِّ غَزْوَةَ الْحُدَيْبِيَةِ، قَالَ: فَأَهَلُّوا بِعُمْرَةٍ غَيْرِي، قَالَ: فَاصْطَدْتُ حِمَارَ وَحْشٍ، فَأَطْعَمْتُ أَصْحَابِي، وَهُمْ مُحْرِمُونَ، ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّةِ، فَأَنْبَأْتُهُ أَنَّ عِنْدَنَا مِنْ لَحْمِهِ فَاضِلَةً، فَقَالَ: (كُلُوهُ))، وَهُمْ مُحْرِمُونَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السمر قنديّ الحافظ، ثقةٌ ثبتٌ متقنٌّ فاضلٌ [١١] (ت٢٥٥) وله (٧٤) سنةً (م دت) تقدم في ((المقدمة)) ٢٩/٥. ٢ - (يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) التِّنِيسيّ البصريّ، نزيل تِنِّيس، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٨) (خ م د ت س) تقدم في ((الحيض)) ٧٢٣/٧. ٣ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّام) بن أبي سلّام، أبو سلّام الدمشقيّ، وكان يسكن حمص، ثقةٌ [٧] مات في حدود (١٧٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٠٩/٤٩. والباقون ذُكروا قبله، و((يحيى)) هو: ابن أبي كثير. [تنبيه]: رواية معاوية بن أبي سلّام، عن يحيى بن أبي كثير هذه ساقها البيهقيّ دَخْتُهُ في ((الكبرى)) (١٧٨/٥) فقال: (٩٦٢٧) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الوليد، ثنا عبد الله بن محمد، ثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ، ثنا يحيى بن حسان، ثنا معاوية بن سلام، أخبرني يحيى، أخبرني عبد الله بن أبي قتادة، أن أباه أخبره، أنه غزا مع رسول الله وَلّ غزوة الحديبية، فأهلُّوا بعمرة غيري، قال: فاصطدت حمار وحش، فأطعمت أصحابي، وهم محرمون، ثم أتيت النبيّ وَلّر، فأنبأته أن عندنا من لحمه فاضلةً، قال: ((كلوه))، وهم محرمون. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ٢٨٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَذَثُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٥٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ النُّمَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِهِ رَبُهُ أَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وَهُمَّ مُحْرِمُونَ، وَأَبُو قَتَادَةَ مُحِلٌّ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَقَالَ: ((هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٍ؟(١)) قَالُوا: مَعَنَا رِجْلُهُ، قَالَ: فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللهِ وَهِ، فَأَكَلَهَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ) أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (٢٤٥) (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٣/١. ٢ - (فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ النُّمَيْرِيُّ) أبو سليمان البصريّ، صدوق، له خطأٌ كثير [٨] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في ((الصيام)) ٢٥٣٤/٨. ٣ - (أَبُو حَازِم) سلمة بن دينار التمّار الأعرج المدنيّ، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت ١٤٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان) ٣١٣/٥٠. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية أبي حازم، عن عبد الله بن أبي قتادة هذه ساقها البخاريّ ◌َخْتُ في ((صحيحه))، فقال: (٢٨٥٤) - حدّثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا فُضيل بن سليمان، عن أبي حازم، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، أنه خرج مع النبيّ وَّ، فتخلّف أبو قتادة مع بعض أصحابه، وهم محرمون، وهو غير محرم، فرأوا حماراً وحشيّاً قبل أن يراه، فلما رأوه تركوه، حتى رآه أبو قتادة، فركب فرساً له، يقال له: الْجَرَادة، فسألهم أن يناولوه سوطه، فأبوا، فتناوله، فحمل فعقره، ثم أكل فأكلوا، فقَدِموا، فلما أدركوه، قال: ((هل معكم منه شيء؟)) قال: معنا رجله، فأخذها النبيّ وَلقر، فأكلها. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) وفي نسخة: ((هل عندكم منه شيءٌ؟)). ٢٨٩ (٨) - بَابُ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ - حديث رقم (٢٨٥٩) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخّْثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٨٥٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَخْوَصِ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَإِسْحَاقُ، عَنْ جَرِيرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنٍ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: كَانَ أَبُو قَتَادَةَ فِي نَفَرٍ مُحْرِمِينَ، وَأَبُو قَتَادَةَ مُحِلّ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: قَالَ: ((هَلْ أَشَارَ إِلَيْهِ إِنْسَانٌ مِنْكُمْ، أَوْ أَمَرَهُ بِشَيْءٍ؟»، قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((فَكُلُوا))). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو الْأَخْوَصِ) سلّام بن سُليم الْحَنَفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٥/٤. ٢ - (إِسْحَاقُ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠. ٤ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْع) أبو عبد الله المكيّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ [٤] (ت١٠٣) (ع) تقدم في ((الجمعة) ٢٠١٠/١٥. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: رواية عبد العزيز بن رُفيع، عن عبد الله بن أبي قتادة هذه ساقها ابن حبّان تَّتُ في ((صحيحه)) (٢٨٦/٩) فقال: (٣٩٧٤) - أخبرنا حامد بن محمد بن شعيب البلخيّ، حدّثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا أبو الأحوص، عن عبد العزيز بن رُفيع، عن عبد الله بن أبي قتادة، قال: كان أبو قتادة في ناس محرمين، وأبو قتادة حِلٌّ، فأبصر القوم حمار وحش، فلم يؤذنوه حتى أبصره أبو قتادة، فقعد على ظهر فرس، واختَلَس من بعضهم سوطاً، فحَمَل على الحمار، فصرعه، فأتاهم به، فأكلوه، وحملوا، فلقوا رسول الله و #، فسألوه عما صنع أبو قتادة، فقال وَّ ى: ((هل أشار إليه إنسان منكم بشيء، أو أمره؟» قالوا: لا، قال: ((فكلوه)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ٢٩٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٦٠] (١١٩٧) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَن ابْنِ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ، عُنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، وَنَحْنُ حُرُمٌ، فَأُهْدِيَ لَهُ طَيْرٌّ(١)، وَطَلْحَةُ رَاقِدٌ، فَمِنَّا مَنْ أَكَلَ، وَمِنَّا مَنْ تَوَرَّعَ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ طَلْحَةُ، وَفَقَ مَنْ أَكَلَهُ، وَقَالَ: أَكَلْنَاهُ(٢) مَعَ رَسُولِ اللهِ وَِّ) . رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ) بن عبد الله بن الْهُدَير التيميّ المدنيّ، ثقة فاضل [٣] (ع) تقدم في ((الطهارة)) ١١/ ٥٨٤. ٢ - (مُعَاذُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيُّ) من آل طلحة، لأبيه صحبة، وهو صدوقٌ [٣] (خ م س) تقدم في ((الطهارة)) ٤/ ٥٥٥. ٣ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله بن عثمان بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة التيميّ، صحابيّ أسلم يوم الحديبية، وقيل: يوم الفتح، وكان يقال له: شارب الذهب. روى عن النبيّ ◌َّ، وعن عمه طلحة بن عبيد الله، وعثمان بن عفان. ورَوى عنه ابناه: عثمان، ومعاذ، والسائب بن يزيد، وابن المسيب، ومحمد بن إبراهيم التيميّ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وغيرهم. قُتل مع عبد الله بن الزبير، ودُفن بالْحَزَوَّرَة، فلما زيد في المسجد دخل قبره في المسجد الحرام. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (١١٩٧) وحديث (١٧٢٤): ((نهي عن لقطة الحاجّ)). ٤ - (طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة التيميّ، أبو محمد المدنيّ، أحد العشرة المبشّرين بالجنّة ظ ◌ُه، استُشْهِد يوم الْجَمَل سنة (٣٦) وهو ابن (٦٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٩/٢. (١) وفي نسخة: ((فأُهدي لنا طيرٌ)). (٢) وفى نسخة: ((وأكلنا)). ٢٩١ (٨) - بَابُ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ - حديث رقم (٢٨٦٠) والباقون ذُكروا في الباب، و((يحيى بن سعيد)) هو: القطّان. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنف ◌َّلُهُ. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من ابن المنكدر، وابن جريج مكيّ، ویحیی بصريّ، وزهير بغداديّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. ٤ - (ومنها): أن طلحة ظُه أحد العشرة المبشرين بالجنة تعالى أعلم. تج، والله شرح الحديث: (عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الرحمن بن عثمان ◌َظُه، أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) أحد العشرة ◌َُّه (وَنَحْنُ حُرُمٌ) بضمّتين: جمع حَرَامِ، بمعنى محرم، والجملة في محل نصب على الحال (فَأُهْدِيَ لَهُ طَيْرٌ) ببناء الفعل للمفعول، والضمير لطلحة بنظبه، وفي نسخة: ((فأهدي لنا طير)) (وَطَلْحَةُ رَاقِدٌ) جملة حالية؛ أي: والحال أنه نائم (فَمِنَّا مَنْ أَكَلَ) من ذلك الطير (وَمِنَّا مَنْ تَوَرَّعَ) أي: كفّ عن الأكل منه؛ لكونهم محرمين، وقال القرطبيّ دَخَذُّهُ: قوله: ((فمنا من تورّع))؛ أي: كفّ ورَعاً؛ أي: لم يتوقّف جازماً بالمنع، ولكنّه تردّد، وتخوّف، فتورّع، والوَرَعُ والرَّعَةُ: الانكفاف عما يريب. انتهى (١). (فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ طَلْحَةُ) ◌َبه من نومه (وَفَّقَ مَنْ أَكَلَهُ) أي: صوّب أكل من أكله، يقال: وفّقه الله توفيقاً: سدّده، قاله الفيّوميّ ◌َُّ. (وَقَالَ) طلحة ـه ، مستدلاً على تصويبه فعل من أكل (أَكَلْنَاهُ) أي: جنس الطير، فليس المراد أنهم أكلوا الذي أُهدي له في ذلك الوقت (مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّ﴾ أي: ونحن محرمون، فهو حلال لكم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) ((المفهم)) ٢٨٣/٣. ٢٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج مسألتان، تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث طلحة بن عبيد الله رضيالله من أفراد المصنّف نَخْذّتُهُ. [تنبيه]: ذكر الدارقطنيّ ◌َّهُ الاختلاف في إسناد هذا الحديث، ونصّ ((العلل)): (٥١٩) - وسئل عن حديث عبد الرحمن بن عثمان التيميّ، عن طلحة، عن النبيّ وَّه في إباحة لحم الصيد للمحرم. فقال: يرويه محمد بن المنكدر، واختُلِف عنه، فرواه ابن جريج، عن محمد بن المنكدر، عن معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان، عن أبيه، عن طلحة، وتابعه ربيعة بن عمر، عن ابن المنكدر. ورواه فُليح بن سليمان، عن ابن المنكدر، عن عبد الرحمن بن عثمان، عن طلحة، ولم يذكر معاذاً. ورواه أبو حنيفة، عن ابن المنكدر، عن عثمان بن محمد، عن طلحة. ورواه الثوريّ، عن ابن المنكدر، عن شيخ لم يسمّه، عن طلحة. والصواب حديث ابن جريج، وهو حَفِظ إسناده، ورواه سلمة بن صالح الأحمر، عن ابن المنكدر، فقال: عن عبد الرحمن بن عثمان، أو عثمان بن عبد الرحمن، حدثناه عبد الملك بن أحمد، قال: ثنا حفص بن عمرو، وثنا أبو الحسن بن مبشر، قال: ثنا أحمد بن سنان، وثنا محمد بن سهل بن الفضيل، ثنا حميد بن الربيع، وثنا أبو ذرّ، ثنا عُمَر بن شَبّة، قالوا: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، أخبرني، وقال ابن سنان: حدّثني محمد بن المنكدر، عن معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان، عن أبيه، قال: كنا مع طلحة، ونحن حُرُم، فأُهدي له طير، وطلحة راقد، فمنا من أكل، ومنا من تورّع، فلما استيقظ طلحة وافق من أكله، وقال: أكلناه مع رسول الله وَعليه. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن رواية المصنّف صحيحة لا كلام فيها، وإنما الكلام فيما خالفها، وإنما ذكرت كلام الدارقطنيّ تَخْشُهُ؛ لبيان (١) ((العلل الواردة في الأحاديث النبوية)) للدارقطني تخلّثم ٢١٥/٤ - ٢١٦. ٢٩٣ (٩) - بَابُ بَيّانِ مَا يُؤْمَرُ بِقَتْلِهِ مِنَ الدَّوَابُّ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ - حديث رقم (٢٨٦١) وقوع الاختلاف، لا لبيان العلّة في رواية المصنّف، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨٦٠/٨] (١١٩٧)، و(النسائيّ) في ((المناسك)) (١٨٢/٥) وفي ((الكبرى)) (٣٧٩٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٦١/١ و١٦٢)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٦٣٨)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٨٦/٣)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٨٢٩)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِللهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (٩) - (بَابُ بَيَانِ مَا يُؤْمَرُ بِقَتْلِهِ مِنَ الدَّوَابِّ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَم) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٦١] (١١٩٨) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا (١) ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ مِقْسَم يَقُولُ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِّ ◌َ﴿ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((أَرْبَعْ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحِدَأَةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ))، قَالَ: فَقُلْتُ لِلْقَاسِمِ: أَفَرَأَيْتَ الْحَيَّةَ؟ قَالَ: تُقْتَلُ بِصُغْرٍ لَهَا). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) المصريّ، تقدّم قبل بابين. ٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله، تقدّم أيضاً قبل بابين. ٤ - (مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ) بن عبد الله بن الأشجّ، أبو المِسْور المدنيّ، صدوقٌ [٧] (ت١٥٩) (بخ م د س) تقدم في ((الطهارة)) ٤/ ٥٥٤. (١) وفي نسخة: ((حدّثنا)). ٢٩٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج ٥ - (أَبُوهُ) بكير بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت١٢٠) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٤/٤. ٦ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مِقْسَم) المدنيّ، ثقةٌ مشهور [٤] (خ م د س ق) تقدم في ((الجنائز)) ٢٢٢٢/٢٣. ٧ - (الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن أبي بكر الصدّيق، تقدّم قبل باب. ٨ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ◌َّا، تقدّمت أيضاً قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف رَّتُهُ، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ الاتحاد الأخذ والأداء، كما سبق غير مرّة. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مخرمة بن بكير، والباقون مصريّون . ٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: بكير، عن عبيد الله، عن القاسم، وفيه رواية الابن عن أبيه. ٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث، والإخبار، والسماع، إلا في موضع. ٥ - (ومنها): أن القاسم أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة ◌َّا من المكثرين السبعة. شرح الحديث: عَنْ بُكير بن عبد الله بن الأشجّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ مِقْسَم) بكسر الميم، وسكون القاف (يَقُولُ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِّ وَّهِ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: (أَرْبَعٌ) أي: من الدوابّ، وهو مبتدأ؛ لتخصّصه بالصفة المقدّمة، وقوله: (كُلُّهُنَّ) توكيد لـ((أربعٌ))، وقوله: (فَاسِقٌ) خبر المبتدإ، أو ((كلّهُنّ)) مبتدأ و((فاسق)) خبره، والجملة خبر المبتدإ، وقوله: ((يُقْتَلْنَ)) بالبناء للمفعول خبر بعد الخبر. [تنبيهات]: (الأول): إنما أفرد ((فاسق)) باعتبار كلّاً منهنّ، يعني أن كلّاً منهنّ فاسق، ٢٩٥ (٩) - بَابُ بَيَانِ مَا يُؤْمَرُ بِقَتْلِهِ مِنَ الدَّوَابِّ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ - حديث رقم (٢٨٦١) وقال في ((الفتح)): قيل: ((فاسق)) صفة لـ((كلُّ)، وفي ((يُقتلن)) الضمير راجع إلى معنى ((كلّ)). انتهى (١). (الثاني): سيأتي في الرواية الآتية: ((خمسٌ فواسقُ، يُقتلن ... إلخ))، قال النوويّ كَّلُهُ: هو بإضافة ((خمس)) لا بتنوينه، وجوّز ابن دقيق العيد الوجهين، وأشار إلى ترجيح الثاني، فإنه قال: رواية الإضافة تُشعر بالتخصيص، فيخالفها غيرها في الحكم من طريق المفهوم، ورواية التنوين تقتضي وصف الخمس بالفسق من جهة المعنى، فيُشعر بأن الحكم المرتب على ذلك، وهو القتل مُعَلَّل بما جُعل وصفاً، وهو الفسق، فيدخل فيه كل فاسق من الدوابّ، ويؤيده رواية يونس التي في حديث الباب(٢). وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: الفسق لغة هو الخروج مطلقاً، وهو في لسان الشرع: اسم ذَمِّ؛ إذ هو خروج عن الطاعة، أو عن الحرمة، وتسميته وَ خلال هذه الخمس فواسق؛ لأنهن خرجن عن الحرمة التي لغيرهن من الحيوانات، لا سيما على المحرم، وفي الحرم، وفي الصلاة. ويَحْتَمِل أن يقال: سميت فواسق: لخروجهن عن جِحَرَتهن لإضرار بني آدم، وأذاهم. انتهى (٣). وقال النووي وغيره: تسمية هذه الخمس فواسق تسمية صحيحةٌ جارية على وفق اللغة، فإن أصل الفسق لغة الخروج، ومنه فَسَقَت الرَّطْبة: إذا خرجت عن قشرها، وقوله تعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِِّهُ﴾ [الكهف: ٥٠] أي: خرج، وسُمّي الرجل فاسقاً لخروجه عن طاعة ربه، فهو خروج مخصوص، وزعم ابن الأعرابيّ أنه لا يُعْرَف في كلام الجاهلية، ولا شعرهم فاسق، يعني بالمعنى الشرعيّ، وأما المعنى في وصف الدواب المذكورة بالفسق، فقيل: لخروجها عن حكم غيرها من الحيوان في تحريم قتله، وقيل: في حل أكله؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَّ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وقيل: لخروجها عن حكم غيرها بالإيذاء والإفساد، وعدم الانتفاع، ومن ثَمَّ اختَلَفَ أهل الفتوى، فمن قال (١) ((الفتح)) ١٠٢/٥. (٣) («المفهم)) ٢٨٤/٣ - ٢٨٥. (٢) ((الفتح)) ١٠٢/٥. ٢٩٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج بالأول ألحق بالخمس كل ما جاز قتله للحلال في الحرم وفي الحلّ، ومن قال بالثاني ألحق ما لا يؤكل إلا ما نُهِي عن قتله، وهذا قد يجامع الأول، ومن قال بالثالث يخص الإلحاق بما يحصل منه الإفساد. ووقع في حديث أبي سعيد ظُه عند ابن ماجه: ((قيل له: لم قيل للفأرة: فُويسقة؟ فقال: لأن النبيّ وَل﴿ استيقظ لها، وقد أخذت الفتيلة؛ لتحرق بها البيت)»، فهذا يومئ إلى أن سبب تسمية الخمس بذلك؛ لكون فعلها يُشبه فعل الفُسَّاق، وهو يرجح القول الأخير، والله أعلم. انتهى (١). (الثالث): قال في ((الفتح)): قوله: ((خمسٌ ... إلخ)): التقييد بالخمس، وإن كان مفهومه اختصاص المذكورات بذلك، لكنه مفهوم عدد، وليس بحجة عند الأكثرين، وعلى تقدير اعتباره، فيَحْتَمِل أن يكون قاله وَ ﴿ أوّلاً، ثم بيّن بعد ذلك أن غير الخمس يشترك معها في الحكم، فقد ورد في بعض طرق عائشة ﴿يا بلفظ: ((أربع))، وفي بعض طرقها بلفظ: ((ستّ)). فأما طريق ((أربع)) فأخرجها مسلم من طريق القاسم، عنها، فأسقط الغراب، وأما طريق ((ست))، فأخرجها أبو عوانة في ((المستخرج)) من طريق المحاربيّ، عن هشام، عن أبيه، عنها، فأثبتها، وزاد الحيّة، ويشهد لها ما رواه مسلم عن شيبان بن فرّوخ، عن أبي عوانة، عن زيد بن جبير، قال: سأل رجل ابن عمر: ما يقتل المحرم، من الدوابّ، وهو محرم؟ قال: حدثتني إحدى نسوة النبيّ وَّر: ((أنه كان يأمر بقتل الكلب العقور، والفأرة، والعقرب، والحُديّا، والغراب، والحيّة)). وأغرب عياض، فقال: وفي غير كتاب مسلم ذكر الأفعى، فصارت سبعاً . وتُعُقّب بأن الأفعى داخلة في مسمى الحية، والحديث الذي ذُكِرَت فيه أخرجه أبو عوانة في ((المستخرج)) من طريق ابن عون، عن نافع في آخر حديث الباب، قال: قلت لنافع: فالأفعى؟ قال: ومن يشكّ في الأفعى؟ انتهى. وقد وقع في حديث أبي سعيد، عند أبي داود نحو رواية شيبان، وزاد السَّبُع العادي، فصارت سبعاً. (١) ((الفتح)) ١٠٢/٥ - ١٠٣. ٢٩٧ (٩) - بَابُ بَيّانِ مَا يُؤْمَرُ بِقَتْلِهِ مِنَ الدَّوَابُّ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ - حديث رقم (٢٨٦١) وفي حديث أبي هريرة ظه عند ابن خزيمة، وابن المنذر زيادة ذكر الذئب، والنَّمِر على الخمس المشهورة، فتصير بهذا الاعتبار تسعاً، لكن أفاد ابن خزيمة عن الذهليّ أن ذكر الذئب، والنمر من تفسير الراوي للكلب العقور. ووقع ذكر الذئب في حديث مرسل، أخرجه ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، وأبو داود من طريق سعيد بن المسيّب، عن النبيّ وَّ، قال: ((يقتل المحرم الحية، والذئب))، ورجاله ثقات. وأخرج أحمد من طريق حجاج بن أرطاة، عن وَبَرَة، عن ابن عمر، قال: ((أمر رسول الله ◌َّه بقتل الذئب للمحرم))، وحجاج ضعيف، وخالفه مِسْعَر، عن وَبَرَة، فرواه موقوفاً، أخرجه ابن أبي شيبة. قال الحافظ تَّتُهُ: فهذا جميع ما وقفت عليه في الأحاديث المرفوعة، زيادة على الخمس المشهورة، ولا يخلو شيء من ذلك من مقال. انتهى(١). وقوله: (يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَم) وفي حديث ابن عمر: ((خمس لا جُناح على من قتلهنّ في الحرم، والإحرام))، وفي لفظ: ((خمس ليس على المحرم في قتلهنّ جُناح))؛ أي: إثمّ. فعرف بهذا أنه لا إثم في قتلها على المحرم، ولا على الحلال، في الحرم، ولا في غيره، ويعرف حكم الحلال أيضاً بكونه لم يَقُم به مانع، وهو الإحرام، فهو بالجواز أولى. ثم إنه ليس في نفي الجناح، وكذا الحرج في طريق سالم دلالة على أرجحية الفعل على الترك، لكن ورد في طريق زيد بن جبير، بلفظ: ((أَمَرَ))، وكذا في طريق معمر، ولأبي عوانة من طريق ابن نمير، عن هشام، عن أبيه بلفظ: (ليقتل المحرم))، وظاهر الأمر الوجوب، ويَحْتَمِل الندب، والإباحة. وروى البزّار من طريق أبي رافع، قال: ((بينا رسول الله وَّ في صلاته، إذ ضرب شيئاً، فإذا هي عقرب، فقتلها، وأمر بقتل العقرب، والحية، والفأرة، والحدأة للمحرم)). لكن هذا الأمر ورد بعد الحظر؛ لعموم نهي المحرم عن القتل، فلا يكون (١) ((الفتح)) ١٠١/٥ - ١٠٢. ٢٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج للوجوب، ولا للندب، ويؤيّد ذلك رواية الليث، عن نافع، بلفظ: ((أَذِنَ»، أخرجه مسلم، والنسائيّ، عن قتيبة، عنه، لكن لم يسق مسلم لفظه، وفي حديث أبي هريرة رضيبه عند أبي داود، وغيره: ((خمس قتلهنّ حلال للمحرم)). انتھی(١). (الْحِدَأَةُ) مقصوراً، بوزن عِنَبة، واحدة الْحِدَإِ بكسر أوله، وفتح ثانيه، بعدها همزة بغير مدّ، وحكى صاحب ((المحكم)) المدّ فيه ندوراً، والهاء فيه ليست للتأنيث، بل هي للوحدة، كالهاء في ((التمرة))، وحكى الأزهريّ ((حِدَوَة)) بواو بدل الهمزة، ووقع في رواية هشام بن عروة، عن أبيه بلفظ ((الْحُدَيًّا)) بضمّ الحاء، وفتح الدال، وتشديد الياء بصيغة التصغير مقصوراً، وكذا في حديث ابن عمر من طريق زيد بن جبير. وقد أنكر ثابت في ((الدلائل)) هذه الصيغة، وقال: الصواب الْحُديأة، أو الْحُديّة؛ أي: بهمزة، وزيادة هاء، أو بالتشديد بغير همزة، قال: والصواب أن الحديّاة ليست من هذا، وإنما هي من التحدّي، يقولون: فلان يتحدّى فلاناً؛ أي: ينازعه ويغالبه، وعن أبي حاتم: أهل الحجاز يقولون لهذا الطائر: الحديّا، ويجمعونه الحدادي، وكلاهما خطأ، وأما الأزهريّ فصوّبه، وقال: الحديّاة تصغير الحدى. انتهى(٢). ومن خواصّ الحدأة أنها تقف في الطيران، ويقال: إنها لا تختطف إلا من جهة اليمين، قاله في ((الفتح))(٣). وقال الفيّوميّ تَخْذُهُ: الْحِدأة مهموزٌ، مثلُ عِنَبَة: طائر خبيث، والجمع بحذف الهاء، وحِدّانٌ أيضاً، مثلُ غِزْلانٍ. انتهى (٤). [تنبيه]: يلتبس بالحدأة الْحَدَأة بفتح أوله، وهو فأس له رأسان. (وَالْغُرَابُ) زاد في رواية سعيد بن المسيِّب، عن عائشة الآتية: ((الأبقع))، وهو الذي في ظهره، أو بطنه بياض، وأَخذ بهذا القيد بعض أصحاب (١) ((الفتح)) ١٠٣/٥ - ١٠٤. (٢) ((الفتح)) ٥٩٣/٧ ((كتاب بدء الخلق)) رقم (٣٣١٤). (٣) ((الفتح)) ١٠٥/٥. (٤) ((المصباح المنير)) ١/ ١٢٥. ٢٩٩ (٩) - بَابُ بَيَانِ مَا يُؤْمَرُ بِقَتْلِهِ مِنَ الدَّوَابِّ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ - حديث رقم (٢٨٦١) الحديث، كما حكاه ابن المنذر وغيره، قال الحافظ: ثم وجدت ابن خزيمة قد صرّح باختياره، وهو قضيّة حمل المطلق على المقيّد. وأجاب ابن بطال بأن هذه الزيادة لا تصحّ؛ لأنها من رواية قتادة، عن سعيد، وهو مدلس، وقد شذّ بذلك. وقال ابن عبد البرّ: لا تثبت هذه الزيادة، وقال ابن قُدامة: الروايات المطلقة أصحّ. وفي جميع هذا التعليل نظر: أما دعوى التدليس، فمردودة بأن شعبة لا يروي عن شيوخه المدلّسين إلا ما هو مسموع لهم، وهذا من رواية شعبة، بل صرّح النسائيّ في روايته من طريق النضر بن شُميل، عن شعبة بسماع قتادة. وأما نفي الثبوت، فمردود بإخراج مسلم. وأما الترجيح فليس من شرط قبول الزيادة، بل الزيادة مقبولة من الثقة الحافظ، وهو كذلك هنا . نعم قال ابن قدامة: يلتحق بالأبقع ما شاركه في الإيذاء، وتحريم الأكل. وقد اتفق العلماء على إخراج الغراب الصغير الذي يأكل الحبّ من ذلك، ويقال له: غراب الزرع، ويقال له: الزاغ، وأفتوا بجواز أكله، فبقي ما عداه من الغربان ملتحقاً بالأبقع. ومنها الغُدَاف على الصحيح كما في ((الروضة))، بخلاف تصحيح الرافعيّ، وسمى ابن قدامة الغداف غراب البين، والمعروف عند أهل اللغة أنه الأبقع، قيل: سمي غراب البين؛ لأنه بان عن نوح ظلّلا لما أرسله من السفينة ليكشف خبر الأرض، فلقي جيفة، فوقع عليها، ولم يرجع إلى نوح، وكان أهل الجاهلية يتشاءمون به، فكان إذا نعب مرتين، قالوا: آذن بشرّ، وإذا نعب ثلاثاً قالوا: آذن بخير، فأبطل الإسلام ذلك. وكان ابن عباس ﴿ إذا سمع الغراب قال: اللَّهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك. وقال صاحب ((الهداية)): المراد بالغراب في الحديث الغُداف، والأبقع؛ لأنهما يأكلان الْجِيَف، وأما غراب الزرع، فلا، وكذا استثناه ابن قُدامة، وما ٣٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج أظنّ فيه خلافاً، وعليه يحمل ما جاء في حديث أبي سعيد عند أبي داود، إن صحّ، حيث قال فيه: ((ويرمي الغراب، ولا يقتله))، وروى ابن المنذر وغيره نحوه عن عليّ، ومجاهد. قال ابن المنذر: أباح كل من يُحفظ عنه العلم قتل الغراب في الإحرام إلا ما جاء عن عطاء، قال في محرم كسر قرن غراب، فقال: إن أدماه، فعليه الجزاء، وقال الخطابيّ: لم يتابع أحد عطاء على هذا. انتهى. ويَحْتَمِل أن یکون مراده غراب الزرع. وعند المالكية اختلاف آخر في الغراب، والحدأة، هل يتقيّد جواز قتلهما بأن يبتدىء بالأذى، وهل يختصّ ذلك بكبارها؟ والمشهور عنهم - كما قال ابن شاس - لا فرق، وفاقاً للجمهور. ومن أنواع الغربان الأعصم، وهو الذي في رجليه، أو في جناحيه، أو بطنه بياض، أو حمرة، وله ذِكْر في قصّة حفر عبد المطلب لزمزم، وحكمه حکم الأبقع. ومنها: العقعق، وهو قدر الحمامة على شكل الغراب، قيل: سمي بذلك؛ لأنه يعقّ فراخه، فيتركها بلا طعام، وبهذا يظهر أنه نوع من الغربان، والعرب تتشاءم به أيضاً . ووقع في ((فتاوى قاضي خان)) الحنفيّ: مَن خرج لسفر، فسمع صوت العقعق، فرجع كَفَر. وَحُكْمُهُ حُكْمُ الأبقع على الصحيح، وقيل: حكم غراب الزرع، وقال أحمد: إن أكل الجيف، وإلا فلا بأس به، قاله في ((الفتح))(١). (وَالْفَأْرَةُ) - بهمزة ساكنة، ويجوز فيها التسهيل - ولم يختلف العلماء في جواز قتلها للمحرم، إلا ما حُكي عن إبراهيم النخعيّ، فإنه قال: فيها جزاء، إذا قتلها المحرم، أخرجه ابن المنذر، وقال: هذا خلاف السنة، وخلاف قول جميع أهل العلم. ورَوَى البيهقيّ بإسناد صحيح عن حماد بن زيد، قال: لما ذكروا له هذا (١) ((الفتح)) ١٠٤/٥ - ١٠٥.