Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ (٣) - بَابُ التَّلْبِيَةِ، وَصِفَتِهَا، وَوَقْتِهَا - حديث رقم (٢٨١٥) شرح الحديث: (عَن ابْنِ عَبَّاسِ رِ﴾) أنه (قَالَ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ رَسُّولُ اللهِ وَلِ: ((وَيْلَكُمْ قَدْ قَدْ))) - بسكون الدال، وكسرها، مع التنوين فيهما -؛ أي: كفاكم هذا الكلام، فاقتصروا عليه، ولا تقولوا: إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك، قاله القاري كَّتُهُ(١). وقال الطيبيّ تَخَّتُهُ: كان المشركون يقولون هذا الكلام، فإذا انتهى كلامهم إلى ((لا شريك لك)) قال النبيّ وَلقول: ((قد قد))؛ أي: اقتصروا عليه، ولا تجاوزوا عنه إلى ما بعده. انتهى (٢) . وقال النوويّ تَّتُهُ: قوله: ((قَدْ قَد)) رُوي بإسكان الدال، وكسرها مع التنوين، ومعناه: كفاكم هذا الكلام، فاقتَصِرُوا عليه، ولا تزيدوا، وهنا انتهى كلام النبيّ مَّ، ثم عاد الراوي إلى حكاية كلام المشركين، فقال: ((إلا شريكاً هو لك)) إلى آخره، معناه: أنهم كانوا يقولون هذه الجملة، وكان النبيّ وَّل يقول: اقتصروا على قولكم: (لبيك لا شريك لك)). انتهى(٣). (فَيَقُولُونَ: إِلَّا شَرِيكاً) قال الطيبيّ تَُّ: الظاهر فيه الرفع على البدلية من المحلّ، كما في كلمة التوحيد، فاختير في الكلمة السفلى اللغة السافلة، كما اختير في الكلمة العليا العالية. انتهى(٤). وقوله: (هُوَ لَكَ) جملة في محلّ نصب صفة لـ((شريكاً))، وكذا جملة قوله: (تَمْلِكُهُ) وقوله: (وَمَا مَلَكَ) ((ما)) موصولة، قاله القاري. قال الجامع عفا الله عنه: أراد القاري بذلك أنه معطوف على الضمير المنصوب في ((تملكه))؛ أي: تملك ذلك الشريك، وتملك أيضاً الذي ملكه، هكذا تقرير كلامه. وعندي أن الأولى كون ((ما)) نافيةً، والجملة معطوفة على ((تملكه))، والمعنى إنك تملك ذلك الشريك، ولا يملك هو شيئاً، فهم يعترفون بأنه لا (١) ((مرقاة المفاتيح)) ٤٥٨/٥ (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٩٥٧/٥. (٣) ((شرح النوويّ)) ٩٠/٨. (٤) ((الكاشف)) ١٩٥٧/٥. ١٦٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج يستحقّ شيئاً من العبادة؛ لأنه لا يملك شيئاً لنفسه، ولا لغيره، وإنما المالك هو الله تَعْلَ، ومع ذلك يشركونه في العبادة معه نزَلَ، جهلاً وغباوة، وحماقةً، بل وعناداً وعتوّاً واستكباراً، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وهذا التقرير الذي ذكرته هو الموافق لمعنى قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا (١٩٢) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (4) [الأعراف: ١٩١ - ١٩٢]، وقوله تعالى: ﴿وَأَتَّخَذُواْ مِن دُونِ ءَالِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرَّا وَلَ نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَوَةٌ وَلَا [الفرقان: ٣]. نُشُورًا (يَقُولُونَ) أي: المشركون، وهو مقول ابن عبّاس ظنّهَا (هَذَا) أي: القول المذكور، وهو قولهم: ((إلا شريكاً)) مع ما قبله وما بعده (وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ) جملة حاليّة من الفاعل. [تنبيه]: أخرج هذا الحديث البيهقيّ مطوّلاً، في ((السنن الكبرى)) (٤٥/٥) فقال : (٨٨١٩) - أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، أنبأ أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفّار، ثنا أحمد بن محمد البرتي القاضي، ثنا أبو حذيفة، ثنا عكرمة، عن أبي زُمَيل، عن ابن عباس، قال: إن المشركين كانوا يطوفون بالبيت، فيقولون: لبيك لبيك لا شريك لك، فيقول النبيّ وَّلقول: ((قد قد))، فيقولون: إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك، ويقولون: غفرانك غفرانك، قال: فأنزل الله وَت: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِهِمَّ وَمَا كَانَ اللَّهُ (1)) [الأنفال: ٣٣]، فقال ابن عباس: كان فيهم أمانان: مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ نبيّ الله وَّر، والاستغفار، قال: فذهب نبيّ الله وَله، وبقي الاستغفار، ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤]، قال: فهذا عذاب الآخرة، وذلك عذاب الدنيا. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. ١٦٣ (٣) - بَابُ التَّلْبِيَةِ، وَصِفَتِهَا، وَوَقْتِهَا - حديث رقم (٢٨١٥) مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ◌َّ هذا من أفراد المصنّف وَخْذُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨١٥/٣] (١١٨٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٥/٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٣٢/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٧٢/٣)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٤٥/٨) و((الكبير)) (٢٠/١٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة التلبية في الحجّ والعمرة. ٢ - (ومنها): بيان أن الحج كان من العبادة القديمة الموروثة للعرب من جلد . دین إبراهيم ٣ - (ومنها): بيان جهل المشركين وعنادهم حيث يعلمون أن الله رحمك هو المالك لكل شيء، ولا تملك الأصنام شيئاً، ومع ذلك يشركونها في عبادته، فيقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك ... إلخ، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً . ٤ - (ومنها): وجوب إنكار المنكر لمن علم كونه منكراً بقدر المستطاع، فقد أنكر ◌ّ ر على المشركين هنا بالقول؛ إذ هو الذي يستطيعه في ذلك الوقت، وإلا فالإزالة باليد مقدّمة على اللسان، فقد أخرج مسلم من حديث أبي سعيد الخدريّ رَؤُه، مرفوعاً: ((من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَّوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَهِ عَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ . ١٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج (٤) - (بَابُ أَمْرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِالْإِحْرَامِ مِنْ عِنْدِ مَسْجِدٍ ذِي الْحُلَيْفَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨١٦] (١١٨٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ رَُّهَ يَقُولُ: بَيْدَاؤُكُمْ هَذِهِ أَّتِي تَكْذِبُونَ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَهِ فِيهَا، مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِلَّ مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ، يَعْنِي ذَا الْحُلَيْفَةِ). رجال هذا الإسناد: خمسة : وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي. شرح الحديث: (عَنْ سَالِم بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عمر (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ) عبد الله بن عمر بن (يَقُولُ: بَيْدَاؤُكُمْ) بالمدّ (هَذِهِ) التي فوق عَلَمي ذي الحليفة لمن الخطّاب صَعِد الوادي، قاله أبو عبيد البكريّ وغيره، وأضافها إليهم؛ لكونهم كَذَبوا بسببها كَذِباً يَحْصُل لها به الشرف، قاله الزرقانيّ كَُّهُ(١). وقال النوويّ كَُّ: قال العلماء: هذه البيداء هي الشَّرَف الذي قُدّام ذي الحليفة إلى جهة مكة، وهي بقرب ذي الحليفة، وسُمِّيت بيداء؛ لأنه ليس فيها بناء، ولا أَثَرٌ، وكل مَفَازة تُسَمَّى بيداء، وأما هنا فالمراد بالبيداء ما ذكرناه. انتھی(٢). وقال البكريّ: البيداء هذه فوق عَلَمي ذي الحليفة لمن صَعِد من الوادي، وفي أول البيداء بئر ماء. انتهى (٣). (الَّتِي تَكْذِبُونَ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَعليهِ فِيهَا) وفي الرواية التالية: ((كان ابن إذا قيل له: الإحرام من البيداء، قال: البيداء التي تكذبون فيها على عمر رض (١) ((شرح الزرقانيّ)) ٣٢٨/٢ (٣) راجع: ((المرعاة)) ٩/ ٤٤٧. (٢) ((شرح النوويّ)) ٩٤/٨. ١٦٥ (٤) - بَابُ أَمْرٍ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِالْإِحْرَامِ مِنْ عِنْدِ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ - حديث رقم (٢٨١٦) رسول الله (ص))، فقوله: ((فيها))؛ أي: في شأنها، ونسبة الإحرام إليها بأنه كان من عنده، وقال الزرقانيّ كَّلُ؛ أي: بسببها، فـ((في)) للتعليل، نحو: قوله تعالى: ﴿لُمْتُنَِّ فِيَّةٍ﴾ [يوسف: ٣٢]، وقوله: ﴿لَمَتَّكُمْ فِي مَّآ أَفَضْتُمْ﴾ [النور: ١٤]، وحديث: ((دخلت النار امرأة في هرة))، فتقولون: إنه أحرم منها، ولم يُحرم منها. انتهى(١). وقال النوويّ كَّثُ: قوله: ((تكذبون فيها))؛ أي: تقولون: إنه بَّ و أحرم منها، ولم يُحرم منها، وإنما أحرم قبلها من عند مسجد ذي الحليفة، ومن عند الشجرة التي كانت هناك، وكانت عند المسجد، وسماهم ابن عمر كاذبين؛ لأنهم أخبروا بالشيء على خلاف ما هو، وقد سبق في أول هذا الشرح في مقدمة ((صحيح مسلم)) أن الكذب عند أهل السنة هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو، سواء تعمده، أم غَلِطَ فيه، أو سها، وقالت المعتزلة: يُشترط فيه العمدية، وعندنا أن العمدية شرط لكونه إثماً، لا لكونه يُسَمَّى كذباً، فقول ابن عمر ﴿ جارٍ على قاعدتنا، وفيه أنه لا بأس بإطلاق هذه اللفظة. انتهى (٢). وقال في ((العمدة)): [فإن قلت]: كيف يجوز لابن عمر أن يُطلِق الكذب على الصحابة؟ [قلت]: الكذب يجيء بمعنى الخطإ؛ لأنه يشبهه في كونه ضدّ الصواب، كما أن ضدّ الكذب الصدق، وافترقا من حيث النية والقصد؛ لأن الكاذب يَعْلَم أن الذي يقوله كذبٌ، والمخطئ لا يَعْلَم، ولا يُظَنّ به أنه كان يَنْسُب الصحابة إلى الكذب. انتهى(٣). (مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللهِنَّهَ﴾ أي: ما رفع صوته بالتلبية (إِلَّ مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ، يَعْنِي ذَا الْخُلَيْفَةِ) أي: حين ركب راحلته، لا حين فرغ من الركعتين، وفي الرواية التالية: ((ما أهلّ رسول الله وَله إلا من عند الشجرة، حين قام به بعیرہ)) . عند قال الحافظ تَخْدَثُ: وكان ابن عمر ﴿مَا ينكر رواية ابن عباس (١) (شرح الزرقانيّ)) ٣٢٨/٢. (٣) ((عمدة القاري)) ١٥٩/٩. (٢) ((شرح النوويّ)) ٩٤/٨. ١٦٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج البخاريّ بلفظ: ((رَكِبَ راحلته حتى استوى على البيداء أَهَلّ))، وقد أزال الإشكال ما رواه أبو داود، والحاكم من طريق سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: عَجِبتُ لاختلاف أصحاب رسول الله بَّ في إهلاله، فقال: إني لأعلم الناس بذلك، إنما كانت من رسول الله وَل حجة واحدة، فمن هنا اختلفوا، خرج ◌َل حاجّاً، فلما صلى في مسجد ذي الحليفة ركعتين، أوجب في مجلسه، فأَهَلّ بالحج حين فَرَغْ منهما، فسمع ذلك منه قوم، فحَفِظُوه، ثم ركب، فلما استقلّت به راحلته أهلّ، وأدرك ذلك قومٌ لم يشهدوا في المرة الأولى، فسمعوه حين ذاك، فقالوا: إنما أهلّ حين استقلت به راحلته، ثم مضى، فلما علا شرف البيداء أهلّ، وأدرك ذلك قوم لم يشهدوه، فنَقَلَ كل واحد ما سمع، وإنما كان إهلاله في مصلاه، وأيمُ الله، ثم أهلّ ثانياً وثالثاً. وأخرجه الحاكم من وجه آخر من طريق عطاء، عن ابن عبّاس نحوه دون القصّة، فعلى هذا فكان إنكار ابن عمر على من يخص الإهلال بالقيام على شرف البيداء، وقد اتَّفَقَ فقهاء الأمصار على جواز جميع ذلك، وإنما الخلاف في الأفضل. انتهى(١). قال الزرقانيّ كلُّ بعد ذكر ما تقدّم ما نصّه: وحديث ابن عباس ، وإن زال به الإشكال، لكن فيه خُصَيف بن عبد الرحمن ضعيف عند الجمهور، ومحمد بن إسحاق الراوي عنه مدلِّس، وفيه مقال، وإن صرح بالتحديث، ولذا قال النوويّ، والمنذريّ: حديث ضعيف. وعلى تسليم توثيق خُصيف وتلميذه، فقد عارضه حديث ابن عمر وأنس في ((الصحيحين) وغيرهما أنه ◌َ﴿ إنما أهلّ حين استوت به ناقته قائمةً. انتهى (٢)، وهو تعقّبٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر هذا متّفقٌ عليه. (١) ((الفتح)) ٤٢١/٤. (٢) ((شرح الزرقانيّ على الموطإ)) ٣٢٨/٢. ١٦٧ (٤) - بَابُ أَمْرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِالْإِحْرَامِ مِنْ عِنْدِ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ - حديث رقم (٢٨١٦) (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨١٦/٤ و٢٨١٧] (١١٨٦)، و(البخاريّ) في ((الحجّ)) (١٥٤١)، و(أبو داود) في ((المناسك)) (١٧٧١)، و(الترمذيّ) في ((الحجّ)) (٨١٩)، و(النسائيّ) في ((المناسك)) (١٦٢/٥) و((الكبرى)) (٢٥٥/٢)، و(مالك) في ((الموطًٍ)) (٣٣٢/١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٦٥٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٠/٢ و٢٨ و٦٦ و٨٥ و١١١ و١٥٤)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٦١١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٧٦٢)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٤٢٣/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢/ ٢٧٢)، و(الطحاويّ) في (شرح معاني الآثار)) (١٢٢/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٨/٥)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٨٦٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أمر أهل المدينة بالإحرام من عند مسجد ذي الحليفة؛ اقتداءً بالنبيّ ◌َلَد. ٢ - (ومنها): أن فيه دلالةً على أن ميقات أهل المدينة من عند مسجد ذي الحليفة، ولا يجوز لهم تأخير الإحرام إلى البيداء، وبهذا قال جميع العلماء، قاله النوويّ رَكَّتُهُ . ٣ - (ومنها): بيان أن الإحرام من الميقات أفضل من دويرة أهله؛ لأنه وعَله ترك الإحرام من مسجده، مع كمال شرفه. [فإن قيل]: إنما أحرم من الميقات؛ لبيان الجواز. [قلنا]: هذا غلط لوجهين: [أحدهما]: أن البيان قد حَصَل بالأحاديث الصحيحة في بيان المواقيت. [والثاني]: أن فعل رسول الله وَله إنما يُحْمَل على بيان الجواز في شيء يتكرر فعله كثيراً، فيفعله مرّةً أو مرات على الوجه الجائز؛ لبيان الجواز، ويواظب غالباً على فعله على أكمل وجوهه، وذلك كالوضوء مرةً ومرتين وثلاثاً كله ثابت، والكثير أنه وَ ﴿ل توضأ ثلاثاً ثلاثاً، وأما الإحرام بالحج فلم يتكرر، وإنما جَرَى منهِ وَّهِ مرةً واحدةً، فلا يفعله إلا على أكمل وجوهه، قاله ١٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج النوويّ كَّفُ(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٨١٧] (.) - (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، يَعْنِي ابْنَ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِم، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﴿يَا إِذَا قِيلَ لَهُ: الْإِحْرَامُ مِنْ الْبَيْدَاءِ، قَالَ: الْبَيْدَاءُ الَّتِيَّ تَكْذِبُونَ فِيهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ وَلِّ، مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ وَِّ إِلَّ مِنْ عِنْدِ الشَّجَرَةِ، حِينَ قَامَ بِهِ بَعِيرُهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. وقوله: (حِينَ قَامَ بِهِ بَعِيرُهُ) - بفتح الموحّدة، وكسر العين المهملة -: مثلُ الإنسان يقع على الذكر والأنثى، يقال: حَلَبت بَعِيري، والْجَمَلُ بمنزلة الرجل يختص بالذكر، والناقة بمنزلة المرأة تختص بالأنثى، قاله الفيّوميّ نَّهُ(٢). قال الجامع عفا الله عنه: تبيّن بما ذُكر من أن البعير يُطلق على الذكر والأنثى أنه لا تخالف بين هذه الرواية، والرواية السابقة بلفظ: ((ثم إذا استوت به ناقته قائمةً عند مسجد ذي الحليفة أَهَلَّ)، فالمراد بالبعير هنا هي الناقة، وبمعنى ذلك الرواية التي قبلها: ((كان إذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذي الحليفة أَهَلّ))، فالراحلة هي الناقة، وقد ذكر أهل اللغة أن الراحلة تُطلق أيضاً على الذكر والأنثى(٣). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَغْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (١) ((شرح النوويّ)) ٨/ ٩٢. (٣) راجع: ((المصباح المنير)) ٢٢٢/١. (٢) ((المصباح المنير)) ١/ ٥٣. ١٦٩ (٥) - بَابُ الْإِهْلَالِ مِنْ حَيْثُ تَنْبَعِثُ الرَّاحِلَةُ - حديث رقم (٢٨١٨) (٥) - (بَابُ الْإِهْلَالِ مِنْ حَيْثُ تَنْبَعِثُ الرَّاحِلَةُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨١٨] (١١٨٧) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْج، أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ضَِّ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعاً، لَمَّ أَرَ أَحَدَأَ مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا، قَالَ: مَا هُنَّ يَا ابْنَ جُرَيْجِ؟ قَالَ: رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنَ الْأَرْكَانِ إِلَّا الْيَمَانِيَيْنِ، وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبَّتِيَّةَ، وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ، وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الْهِلَالَ، وَلَمْ تُهْلِلْ أَنْتَ حَتَّى يَكُونَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: أَمَّا الْأَرْكَانُ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَمَسُّ إِلَّا الْيَمَانِيَيْنِ، وَأَمَّا النِّعَالُ السَّيْئِيَّةُ، فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ، وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا، وَأَمَّا الصُّفْرَةُ، فَإِنِّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا، وَأَمَّا الْإِهْلَالُ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ وَِّ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ) أبو سَعْد المدنيّ، واسم أبيه كيسان، ثقةٌ فاضلٌ [٣] مات في حدود (١٢٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان)» ٣٦/ ٢٥٠. ٢ - (عُبَيْدُ بْنُ جُرَيْجِ) التيميّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن ابن عمرَ، وابن عباس، وأبي هريرة، والحارث بن مالك بن الْبَرْصاء. وروى عنه زيد بن أبي عَتّاب، وسليمان بن موسى، ويزيد بن أبي حبيب، ويزيد بن عبد الله بن قُسَيط. قال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقة، وقال العجليّ: مكيّ تابعيّ ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). ١٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، والترمذيّ في ((الشمائل))، وابن ماجه، وليس له عندهم إلا هذا الحديث فقط. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ◌َذَلُهُ . ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه، وقد دخلها . ٣ - (ومنها): أن فيه روايةً تابعيّ عن تابعيّ، وهو من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الثالثة. ٤ - (ومنها): أن ابن عمر ها أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْج) قال في ((الفتح)) هو مدنيّ مولى بني تيم، وليس بينه وبين ابن جريج الفقيه المكيّ مولى بني أمية نَسَبٌ، فإن الفقيه هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وقد يُظَنّ أن هذا عمه، وليس كذلك، وهذا الإسناد كله مدنيون، وفيه رواية الأقران؛ لأن عبيداً وسعيداً تابعيان من طبقة واحدة. (١) انتھی(١). (أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ضَا: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) كنية عبد الله بن عمر ﴿ّ (رَأَبْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعاً) أي: أربع خصال (لَمْ أَرَ أَحَداً مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا) يعني أصحاب رسول الله وَّة، والمراد بعضهم، والظاهر من السياق انفراد ابن عمر بما ذُكِر دون غيره، ممن رآهم عبيد بن جريج، وقال المازريّ: يَحْتَمِل أن يكون مراده: لا يصنعهن غيرك مجتمعةً، وإن كان يصنع بعضها . (قَالَ) ابن عمر ﴿ّ (مَا هُنَّ يَا ابْنَ جُرَيْج؟) ((ما)) استفهاميّة؛ أي: أيُّ شيء هذه الخصال؟ (قَالَ) عبيد (رَأَيْتُكَ لَا تَمِّسُّ) من مَسَِست أَمَسُّ بكسر الماضي، وفتح المستقبل مَساً ومسيساً، وهو الذي اختاره ثعلب في مَسِست أمسّ بكسر الماضي في ((الفصيح))، وفي (الصحاح))، و((أفعال ابن القطاع)) عن (١) ((الفتح)) ٤٦٢/١. ١٧١ (٥) - بَابُ الْإِهْلَالِ مِنْ حَيْثُ تَتْبَعِثُ الرَّاحِلَةُ - حديث رقم (٢٨١٨) أبي عبيدة، والمطَرِّزيّ في ((شرحه)) عن ابن الأعرابيّ، وابن فارس في ((مُجْمَله))، وابن السِّكِّيت في ((كتاب الإصلاح)) مَسِسْتُ بالكسر، ومَسَست بالفتح، وبالكسر أفصح، وحكاه أيضاً ابن سِيدَهْ، وزعم ابن درستويه في كتاب ((تصحيح الفصيح)) أن مَسَسْتُ بالفتح خطأ، مما تلحن فيه العامة، ذكره في ((العمدة))(١). (مِنَ الْأَرْكَانِ) أي: أركان الكعبة الأربعة، وظاهره أن غير ابن عمر من الصحابة الذين رآهم عبيد كانوا يستلمون الأركان كلها، وقد صَحّ ذلك عن معاوية وابن الزبير (إِلَّا الْيَمَانِيَيْنِ) تثنية يَمَانٍ، بتخفيف الياء، هذا هو الأفصح الذي اختاره ثعلب، ولم يذكر ابن فارس غيره، وذكر الْمُطَرِّزيّ في كتابه ((غرائب أسماء الشعر)) عن ثعلب، عن سلمة، عن الفراء، عن الكسائيّ، قال: العرب تقول في النسبة إلى اليمن: رجل يَمَانٍ، ويَمَنِيّ، وَيَمَانِيٍّ، وفي ((الجامع)): النسبة إلى اليمن يَمَانٍ على غير قياس، والقياس يَمَنِيّ. وفي ((الْمُحْكَم)): يَمَانٍ على نادر المعدول، وألفه عوض عن الياء؛ لأنه يدلّ على ما تدل عليه الياء، وبنحوه ذكره في ((المغرب))، وفي ((الصحاح)): قال سيبويه: وبعضهم يقول: يمانيّ بالتشديد، قال أمية بن خلف [من الوافر]: وَيَنْفُخُ دَائِماً لَهَبَ الشُّوَاظِ (٢) يَمَانِيّاً بَظَلُّ يَشُدُّ بِيراً وسُميت باليمن؛ لأنها تلي يمين الكعبة، كما قيل للشام شام؛ لأنها عن شمال الكعبة(٣). والمراد بهما الركن الأسود، والذي يسامته من مقابلة الصفا، وقيل للأسود: يمان تغليباً (٤). وقال النوويّ تَخْذَلُ في ((شرحه)): قوله: ((إلا اليمانيين)) هما بتخفيف الياء، هذه اللغة الفصيحة المشهورة، وحَكَى سيبويه وغيره من الأئمة تشديدها في لغة قليلة، والصحيح التخفيف، قالوا: لأن نسبه إلى اليمن، فحقّه أن يقال: (١) ((عمدة القاري)) ٣٧/٣. (٣) ((لسان العرب)) ٤٦٤/١٣. (٢) راجع: ((عمدة القاري)) ٣٧/٣. (٤) ((الفتح)) ١/ ٤٦٣. ١٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج اليمنيّ، وهو جائز، فلما قالوا: اليماني أبدلوا من إحدى ياءي النسب ألفاً، فلو قالوا: اليمانيّ بالتشديد لزم منه الجمع بين البدل والمبدل، والذين شدّدوها قالوا: هذه الألف زائدة، وقد تزاد في النسب، كما قالوا في النسب إلى صَنْعاء صنعانيّ، فزادوا النون الثانية، وإلى الرّيّ رازيّ، فزادوا الزاي، وإلى الرَّقَبَة رَقَبانيّ(١)، فزادوا النون. والمراد بالركنين اليمانيين: الركن اليمانيّ، والركن الذي فيه الحجر الأسود، ويقال له العراقيّ؛ لكونه إلى جهة العراق، وقيل للذي قبله: اليمانيّ؛ لأنه إلى جهة اليمن، ويقال لهما: اليمانيان، تغليباً لأحد الاسمين، كما قالوا: الأبوان للأب والأم، والقمران للشمس والقمر، والعمران لأبي بكر وعمر ◌ًا، ونظائره مشهورة، فتارةً يُغَلِّبون بالفضيلة، كالأبوين، وتارة بالخفة كالعمرين، وتارة بغير ذلك. قال العلماء: ويقال للركنين الآخرين اللذين يليان الْحِجْر - بكسر الحاء -: الشاميان؛ لكونهما بجهة الشام، قالوا: فاليمانيان باقيان على قواعد إبراهيم ◌َ، بخلاف الشاميين، فلهذا لم يُسْتَلَما، واستُلِم اليمانيان؛ لبقائهما على قواعد إبراهيم وَّر، ثم إن العراقيّ من اليمانيين اختَصَّ بفضيلة أخرى، وهي الْحَجَر الأسود، فاختص لذلك مع الاستلام بتقبيله، ووضع الجبهة عليه، بخلاف اليمانيّ، والله أعلم. قال القاضي عياض: وقد اتَّفَقَ أئمة الأمصار والفقهاء اليوم على أن الركنين الشاميين لا يُسْتَلمان، وإنما كان الخلاف في ذلك العصر الأول، من بعض الصحابة، وبعض التابعين، ثم ذهب. انتهى (٢). وقال في ((العمدة)): واليمانيّان: الركن اليماني، والركن الذي فيه الحجر الأسود، ويقال له: الركن العراقيّ؛ لكونه إلى جهة العراق، والذي قبله يمانيّ؛ (١) قال في ((القاموس)): الأرقبُ: الأسد، والغليظ الرَّقَبَ، كالرَّقَبَانيّ، والرَّقَبَان محرّكةً، والاسم: الرَّقَبَةُ محرَّكة. انتھی. (٢) ((شرح النوويّ)) ٩٤/٨ - ٩٥. ١٧٣ (٥) - بَابُ الْإِهْلَالِ مِنْ حَيْثُ تَنْبَعِثُ الرَّاحِلَةُ - حديث رقم (٢٨١٨) لأنه من جهة اليمن، ويقال لهما: اليمانيان تغليباً لأحد الاسمين، وهما باقيان على قواعد إبراهيم ملقى. [فإن قلت]: لِمَ لا قالوا: الأسودين، ويأتي فيه التغليب أيضاً؟ [قلت]: لو قيل كذلك ربما كان يشتبه على بعض العوام أن في كل من هذين الركنين الحجر الأسود، وكان يفهم التثنية، ولا يفهم التغليب؛ لقصور فهمه بخلاف اليمانيين. انتهى(١). (وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ) بفتح أوله، وثالثه، من باب تَعِبَ، لُبْساً بضم، فسكون (النِّعَالَ) بكسر النون: جمع نعل، وهي الْحِذاءُ، وهي مؤنّئَةٌ، وتُجمَع أيضاً على أَنْعُل، مثلُ سَهْم وسِهَام، وأسهُمِ (٢). وقال في ((الفتح)): النعال: جمع نَعْل، وهي مؤنّثة، قال ابن الأثير: هي التي تُسمّى الآن تاسومةً، وقال ابن العربيّ: النعل لباس الأنبياء، وإنما اتخذ الناس غيرها لما في أرضهم من الطين، وقد يُطلق النعل على كلّ ما يقي القدم، قال صاحب ((المحكم)): النعل، والنعلة: ما وقيت به القدم. انتهى(٣). (السِّبْتِيَّةَ) - بكسر المهملة -: هي التي لا شعر فيها، مشتقة من السَّبْت، وهو الحلق، قاله في ((التهذيب))، وقيل: السبت جلد البقر المدبوغ بالقَرَظ، وقيل: بالسُّبْت بضم أوله، وهو نبت يُدْبَغ به، قاله صاحب ((المنتهى))، وقال الهرويّ: قيل لها: سبتية؛ لأنها انسبتت بالدباغ؛ أي: لانت به، يقال: رطبةٌ منسبتةٌ؛ أي: لَيِّنَةٌ، قاله في ((الفتح)) (٤) . وقال النوويّ كَخُّْ: وأما ((السبتية)) - فبكسر السين، وإسكان الباء الموحدة - وقد أشار ابن عمر ها إلى تفسيرها بقوله: ((التي ليس فيها شعر))، وهكذا قال جماهير أهل اللغة، وأهل الغريب، وأهل الحديث: إنها التي لا شعر فيها، قالوا: وهي مشتقة من السَّبْتِ - بفتح السين - وهو الْحَلْق، والإزالة، ومنه قولهم: سَبَتَ رأسَهُ؛ أي: حلقه، قال الهرويّ، وقيل: سُمِّيت (١) ((عمدة القاري)) ٣٨/٣. (٢) ((المصباح المنير)) ٦١٣/٢. (٣) ((الفتح)) ٣٤١/١٣ ((كتاب اللباس)) رقم (٥٨٥٠). (٤) ((الفتح)) ١ / ٤٦٢. ١٧٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج بذلك؛ لأنها انسبتت بالدباغ؛ أي: لانت، يقال: رَظْبَةٌ مُنْسَبِتَةٌ؛ أي: لَيِّنَةٌ، قال أبو عمرو الشيبانيّ: السبت كلُّ جلد مدبوغ، وقال أبو زيد: السبت جلود البقر مدبوغةً كانت، أو غير مدبوغة، وقيل: هو نوع من الدباغ يَقْلَع الشعر، وقال ابن وهب: النعال السبتية كانت سُوداً لا شعر فيها، قال القاضي عياض: وهذا ظاهر كلام ابن عمر في قوله: ((النعال التي ليس فيها شعر))، قال: وهذا لا يخالف ما سبق، فقد تكون سُوداً مدبوغةً بالقرظ، لا شعر فيها؛ لأن بعض المدبوغات يبقى شعرها، وبعضها لا يبقى، قال: وكانت عادة العرب لباس النعال بشعرها غير مدبوغة، وكانت المدبوغة تُعْمَل بالطائف وغيره، وإنما كان يلبسها أهل الرَّفَاهية، كما قال عنترة يمدح رجلاً [من الكامل]: بَطَلٌ كَأَنَّ ثِيَابَهُ فِي سَرْحَةٍ يُحْذَى نِعَاَل السِّبْتِ لَيْسَ بِتَوْءَمِ يعني أنه لم يولد توأماً(١). وقال كُثَيِّر [من الوافر]: إِذَا مَا قَارَفَتْ قَمْعَ الذُّبَابِ كَأَنَّ مَشَافِرَ النَّجَدَاتِ مِنْهَا نِعَالُ السِّبْتِ أَوْ عَذْبُ النِّيَابِ بِأَيْدِي مَأْتَم مُتَصَاعِدَاتٌ شَبَّهَ اضطرابٌ مشافر الإبل، وهي تنفي الذباب عنها بنعال السِّبت في أيدي المأتم، والمأتم النساء اللواتي يبكين، ويَنُحْنَ على الميت. وقوله: ((أو عذب الثياب)) يريد خِرَقاً يَحْبِسها النساء بأيديهنّ عند النياح، ويَحْبِسْن أيضاً النِّعَال بأيديهنّ، كان هذا من فعل المأتم في الجاهلية، قاله ابن عبد البرّ ◌َّتُهُ(٢). وقال القاضي عياض تخّْثُ: والسين في جميع هذا مكسورة، قال: والأصح عندي أن يكون اشتقاقها، وإضافتها إلى السِّبْت الذي هو الجلد المدبوغ، أو إلى الدباغة؛ لأن السين مكسورة في نسبتها، ولو كانت من السَّبْت الذي هو الحلق، كما قاله الأزهريّ وغيره لكانت النسبة سَبْتِيّة، بفتح السين، ولم يروها أحد في هذا الحديث، ولا في غيره، ولا في الشِّعر فيما علمت إلا (١) ((التمهيد)) لابن عبد البر ٧٧/٢١. (٢) ((التمهيد)) ٧٧/٢١ - ٧٨. ١٧٥ (٥) - بَابُ الْإِهْلَالِ مِنْ حَيْثُ تَنْبَعِثُ الرَّاحِلَةُ - حديث رقم (٢٨١٨) بالكسر. انتهى كلام القاضي ◌َّهُ(١). (وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ) - بضم الباء الموحّدة، وفتحها - لغتان مشهورتان، حكاهما الجوهريّ وغيره، قال المازريّ: قيل: المراد في هذا الحديث صَبْغُ الشعر، وقيل: صَبْغ الثوب، قال: والأشبه أن يكون صبغ الثياب؛ لأنه أخبر أن النبيّ وَّه صبغ، ولم يُنْقَل عنه ◌َِّ أنه صبغ شعره. قال القاضي عياض: هذا أظهر الوجهين، وإلا فقد جاءت آثار عن ابن عمر بَيَّنَ فيها تصفير ابن عمر لحيته، واحتج بأن النبيّ وَّ كان يُصَفِّر لحيته بالوَرْس والزعفران، رواه أبو داود(٢). وذكر أيضاً في حديث آخر احتجاجه بأن النبيّ ولو كان يصبغ بها ثيابه حتى عمامته(٣). انتهى (٤). وقال ابن عبد البرّ كَذَتُهُ في ((الاستذكار)): اختَلَفَ العلماء في تأويل هذا الحديث، فقال قوم: أراد الخضاب بها، واحتجوا بما وقع في بعض روايات هذا الحديث بلفظ: ((وأما تصفيري لحيتي، فإني رأيت رسول الله اله يُصَفِّر لحيته))، وفي رواية محمد بن إسحاق لهذا الحديث عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبيد بن جريج قال: قلت لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن رأيتك تُصَفِّر لحيتك، قال: إن رسول الله وَّهِ كان يُصَفِّر بالوَرْس، فأنا أُحِبّ أن أُصَفِّر به كما كان يصنع، ورواه حماد بن سلمة، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن ابن جريج(٥)، قال: رأيت ابن عمر يُصَفِّر لحيته، قلت له: رأيتك تصفر لحيتك، قال: رأيت رسول الله وَله يصفّر لحیته. قال: وفي حديث أبي الدرداء به أنه قال: ما كان رسول الله وَله يَخْضِب، ولكنه قد كان فيه شعرات بِيضُ، فكان يغسلها بالحناء والسدر. (١) ((إكمال المعلم)) ١٨٥/٤ - ١٨٦. (٢) حديث صحيحٌ، رواه أبو داود في ((سننه)) ٤٠٤/٢. (٣) رواه أبو داود في ((سننه)) بإسناد صحيح ٣٧٤/٢. (٤) ((إكمال المعلم)) ٤/ ١٨٤. (٥) هو عبيد بن جُريج، فتنبّه. ١٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج وقال آخرون: معنى قول عبيد بن جريج: ((رأيتك تصبغ بالصفرة))، أراد أنه كان يُصَفِّر ثيابه، ويلبس ثياباً صُفْراً، وأما الخضاب فلم يكن رسول الله وَليه یخضب . ثم أخرج بسنده عن حميد الطويل قال: سئل أنس بن مالك عن الخضاب، فقال: خضب أبو بكر بالحنّاء والكتم، فخضب عمر بالحناء، قيل له: فرسول الله مثله؟ قال: لم يكن في لحيته عشرون شعرة بيضاء(١)، قال حميد ظُ كُنّ سبع عشرة شعرةً. وأخرج أيضاً عن قتادة، قال: سألت سعيد بن المسيِّب: أخضب رسول الله ﴾؟ قال: لم يبلغ ذلك. وذكر مالك عن نافع، عن ابن عمر رضيها أنه كان يلبس الثوب المصبوغ بالْمِشْق، والمصبوغ بالزعفران. ثم قال أبو عمر كَذَتُهُ: حديث ابن عمر هذا يدلّ على أن قوله في حديث عُبيد بن جريج كان في صبغ الثياب بالصُّفْرة، لا في خضاب الشعر. (٢) انتھی قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الأصحّ كون المراد بقوله: ((تصبغ بالصفرة)) صبغ الشعر والثياب؛ لما تقدّم من أن ابن عمر كان يُصفّر لحيته، ويحتجّ بأن النبيّ ◌َل﴾ كان يُصَفِّر لحيته بالوَرْس والزعفران، وهو حديث صحيحٌ رواه أبو داود. ولِمَا صحّ أيضاً في حديثه الآخر من احتجاجه بأن النبيّ وَّ كان يصبُغ بها ثیابه حتی عمامته. انتھی. ويُجمع بين هذا وبين نفي أنس ظه خضابه وَ ﴿ بأن ابن عمر ◌ًا أخبر (١) حديث أنس به هذا أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) عن محمد بن سيرين، قال: سألت أنس: أخضب النبيّ وَّر؟ قال: لم يبلغ الشيب إلا قليلاً))، وعن ثابت قال: سئل أنس عن خضاب النبيّ وَّر، فقال: إنه لم يبلغ ما يُخْضَب. (٢) ((الاستذكار)) ٤/ ٥٣ - ٥٤. ١٧٧ (٥) - بَابُ الْإِهْلَالِ مِنْ حَيْثُ تَنْبَعِثُ الرَّاحِلَةُ - حديث رقم (٢٨١٨) عنه se بما شاهده، ويدلّ على أن ذلك كان في بعض الأحيان، وأما نفي أنس فهو محمول على الأكثر الأغلب من حاله وَ﴿، أشار إلى هذا في ((الفتح))(١)، وسيأتي الجمع بين هذا الحديث وحديث النهي عن التزعفر للرجال في ((كتاب اللباس)) حيث يذكر المصنّف تَّلُ هناك حديث النهي عن التزعفر للرجال - إن شاء الله تعالى -. (بِالصُّفْرَةِ) متعلّق بـ«تصبغ))، وهو بضمّ الصاد المهملة، وسكون الفاء: لون دون الحمرة. (وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الْهِلَالَ) أي: رفعوا أصواتهم بالتلبية من أول ذي الحجة (وَلَمْ تُهْلِلْ أَنْتَ حَتَّى يَكُونَ) ولفظ البخاريّ: ((حتى كان))، ويجوز في ((تكون)) أن تكون تامةً، وأن تكون ناقصةً، فإن كانت تامة يكون ((يومُ)) مرفوعاً؛ لأنه اسم ((يكون))، وإن كانت ناقصة تكون خبر (یکون»(٢). (يَوْمُ التَّرْوِيَةِ) أي: الثامن من ذي الحجة، ومراده: فتُهِلّ أنت حينئذ، وتَبَيَّن من جواب ابن عمر ﴿هَا أنه كان لا يُهِلّ حتى يركب قاصداً إلى منى(٣). قال النوويّ كَّلُهُ: يوم التروية بالتاء المثناة فوقُ، وهو الثامن من ذي الحجة، سُمِّي بذلك؛ لأن الناس كانوا يتروون فيه من الماء؛ أي: يحملونه معهم من مكة إلى عرفات؛ ليستعملوه في الشرب وغيره. انتهى(٤). وقال في ((العمدة)): اختلفوا في سبب التسمية بيوم التروية على قولين، حكاهما الماورديّ وغيره : [أحدهما]: لأن الناس يتروون فيه من الماء من زمزم؛ لأنه لم يكن بمنى ولا بعرفة ماء. [والثاني]: أنه اليوم الذي رأى فيه آدم معظلّله حواء. قال: وفيه قول آخر، وهو أن جبريل لعلّ أرى فيه إبراهيم أول (١) ((الفتح)) ٤١٦/١٣ ((كتاب اللباس)) رقم (٥٨٩٤). (٢) راجع: ((عمدة القاري)) ٣٨/٣. (٤) ((شرح النوويّ)) ٩٦/٨. (٣) ((الفتح)) ١ / ٤٦٢. ١٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج المناسك، وعن ابن عباس ظًا: سُمِّي بذلك؛ لأن ابراهيم عليَل أتاه الوحي في منامه أن يذبح ابنه، فتَرَوَّى في نفسه: أمن الله تعالى هذا أم من الشيطان؟ فأصبح صائماً، فلما كان ليلة عرفة أتاه الوحي، فعرف أنه الحقّ من ربه، فسُمِّيت عرفة، رواه البيهقيّ في ((فضائل الأوقات)) من رواية الكلبيّ، عن أبي صالح عنه(١)، ثم قال: هكذا قال في هذه الرواية. ورَوَى أبو الطفيل، عن ابن عباس ﴿ًّا أن إبراهيم عليهلا لما ابْتُلِي بذبح ابنه أتاه جبريل عليّ، فأراه مناسك الحج، ثم ذهب به إلى عرفة، قال: وقال ابن عباس: سميت عرفة؛ لأن جبريلمعظلّم قال لإبراهيم علّ: هل عرفتَ؟ قال: نعم، فمن ثَمّ سُمِّيت عرفة. انتهى (٢). (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) ﴿ه مجيباً لِعبيد بن جُريج عما سأله عنه (أَمَّا الْأَرْكَانُ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَمَسِنُّ إِلَّ الْيَمَانِيَيْنِ، وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ، فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ، وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا) أي: في النعال، قال النوويّ: معناه: يتوضّأ، ويلبسها، ورجلاه رطبتان. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال النوويّ، وفيه نظر، بل الظاهر أنه وَله كان يتوضّأ، ويغسل رجليه، وهما في نعليه، فتأمل، والله تعالى أعلم. (فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا، وَأَمَّا الصُّفْرَةُ، فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا، وَأَمَّا الْإِهْلَالُ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يُهِلَّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ) أي: حتى تستوي قائمة، يقال: بعثتُ الناقةَ: أَثَرتُها، فانبعثت هي، وبعثته، فانبعث في السير؛ أي: أسرع، والمعنى هنا: استواؤها قائمةً، وفي الحقيقة هو كناية عن ابتداء الشروع في أفعال الحج. والراحلةُ: هي الْمَرْكَبُ من الإبل ذكراً كان أو أنثى، كما تقدّم(٣). قال المازريّ تَخّْتُهُ: أجاب ابن عمر ﴿ّ السائل بضرب من القياس، حيث لم يتمكن من الاستدلال بنفس فعل رسول الله بص لة على المسألة بعينها، فاستَدَلّ بما في معناه، ووجه قياسه أن النبيّ ◌َّ إنما أحرم عند الشروع في (١) والكلبيّ ضعيف. (٣) ((عمدة القاري)) ٣٩/٣. (٢) ((عمدة القاري)) ٣٨/٣ - ٣٩. ١٧٩ (٥) - بَابُ الْإِهْلَالِ مِنْ حَيْثُ تَنْبَعِثُ الرَّاحِلَةُ - حديث رقم (٢٨١٨) أفعال الحج، والذهاب إليه، فأَخَّر ابن عمر الإحرام إلى حال شروعه في الحجّ، وتوجهه إليه، وهو يوم التروية، فإنهم حينئذ يخرجون من مكة إلى منى. قال: ووافق ابن عمر على هذا الشافعيّ، وأصحابه، وبعض أصحاب مالك وغيرهم، وقال آخرون: الأفضل أن يُحرم من أول ذي الحجة، ونقله القاضي عن أكثر الصحابة، والعلماء، والخلاف في الاستحباب، وكل منهما جائز بالإجماع. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ◌ًا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨١٨/٥ و٢٨١٩ و٢٨٢٠ و٢٨٢١ و٢٨٢٢] (١١٨٧)، و(البخاريّ) في ((الوضوء)) (١٦٦)، و((الحجّ)) (١٥١٤ و١٥٥٢) و((اللباس)) (٥٨٥١)، و(أبو داود) في ((المناسك)) (١٧٧٢)، و(الترمذيّ) في ((الشمائل)) (٧٤)، و(النسائيّ) في ((الطهارة)) (٨٠/١ - ٨١) و((المناسك)) (٥/ ١٦٣ - ١٦٤)، و(ابن ماجه) في ((المناسك)) (٣٦٢٦)، و(مالك) في ((الموطًا)) (٣٣٣/١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٦٥١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٤٣/٨)، و(أحمد) في («مسنده)) (١٧/٢ - ١٨ و٢٩ و٣٧)، و(الدارميّ) في (سننه)) (٧١/١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٧٢٥)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٣٧٦٣)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٨٤/٢)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (١٥/٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٢٤/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٧٣/٣)، و(البيهقيّ) في (الكبرى)) (٣١/٥ و٧٦) و((المعرفة)) (٥٣/٤)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٨٧٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن الأفضل في الإحرام أن يكون وقت انبعاث الراحلة (١) ((شرح النوويّ)) ٩٦/٨. ١٨٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج متوجّهةً إلى مكةً، لا عقب الركعتين، قال النوويّ نَخْذُ قوله في هذا الحديث: ((حتى تنبعث به راحلته))، وفي الحديث السابق: ((ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهلّ))، وفي الحديث الذي قبله: ((كان إذا استوت به راحلته قائمةً عند مسجد ذي الحليفة أهلّ))، وفي رواية: ((حين قام به بعيره))، وفي رواية: ((يُهِلّ حين تستوي به راحلته قائمةً)). هذه الروايات كلها متفقة في المعنى، وانبعاثها هو: استواؤها قائمةً، وفيها دليل لمالك، والشافعيّ والجمهور، أن الأفضل أن يُحْرِم إذا انبعثت به راحلته . وقال أبو حنيفة: يُحْرِم عقب الصلاة، وهو جالس قبل ركوب دابته، وقبل قيامه، وهو قول ضعيف للشافعيّ، وفيه حديث من رواية ابن عباس ظنًّا، لكنه ضعيف. انتهى(١). ٢ - (ومنها): أن فيه بيان أن التلبية لا تتقدّم على الإحرام. ٣ - (ومنها): أن فيه جواز لبس النعال السّبتيّة، قال ابن عبد البرّ دَخَذّتُهُ: لا أعلم خلافاً في جواز لبسها في غير المقابر، وأما في المقابر فقد جاء فيها النهي عن النبيّ وَّهِ وعن العلماء. انتهى. ٤ - (ومنها): ما قال أبو عمر تَّتُهُ: في هذا الحديث دليلٌ على أن الاختلاف في الأفعال والأقوال والمذاهب كان في الصحابة موجوداً، وهو عند العلماء أصحُّ ما يكون في الاختلاف، إذا كان بين الصحابة، وأما ما أجمع عليه الصحابة، واختَلَف فيه مَن بعدهم، فليس اختلافهم بشيء، وإنما وقع الاختلاف بين الصحابة والله أعلم في التأويل الْمُحْتَمِل فيما سمعوه، ورأوه، أو فيما انفرد بعلمه بعضهم دون بعض، أو فيما كان منه ◌َّي على طريق الإباحة في فعله لشيئين مختلفين. انتهى(٢). ٥ - (ومنها): ما قاله أبو عمر تَخْذَلُ أيضاً: وفي هذا الحديث دليلٌ على أن الحجة عند الاختلاف السنّة، وإنها حجة على من خالفها، وليس من خالفها (١) (شرح النوويّ)) ٩٤/٨. (٢) ((التمهيد)) لابن عبد البر ٧٥/٢١ - ٧٦.