Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ (٣٧) - بَابُ التَّهْىِ عَنْ صَوْمِ اللَّهْرِ، وَبَيَانِ أَفْضَلِ الصِّيَامِ - حديث رقم (٢٧٣٠) مَسْجِدٍ، وكِبَراً، وزانُ عِنَبٍ، فهو كبير، وجمعه كِبارٌ، والأنثى كبيرة، وكَبُر الشيء بالضمّ، كُبْراً، من باب قَرُب: عَظُمَ، فهو كبير، أفاده الفيّوميّ(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن كَبِر بمعنى طَعَن في السنّ كما هنا بكسر الموحّدة، من باب فَرِحَ، وأن كبُر بمعنى عظُم قدره فهو بضمّها، من باب قَرُب، ولا يناسب هنا. قال شارح ((القاموس)) بعد ذكر ضبطه ككرُم، وكفرِح ما نصّه: عُلِم منه ومن الذي قبله أن فعل الكبر بمعنى العظمة مضموم العين، وبمعنى الطعن في السنّ مكسورها، وهو كذلك اتّفاقاً، فاحفظه، فإنه قد يَغْلَطُ فيه الخاصّة فضلاً عن العامّة، فيستعملون أحدهما مكان الآخر، ولا قائل به. انتهى(٢)، وهو بحث مفيدٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. (وَدِدْتُ) بكسر الدال الأولى، من باب تَعِبَ، أي تمنّيتُ. [تنبيه]: قال الفيّوميّ نَظُّهُ: وَدِدْتُهُ أَوَدُّهُ، من باب تَعِبَ وَدّاً، بفتح الواو وضمها: أحببته، والاسم: الْمَوَدَّة، وَوَدِدْتُ لو كان كذا أَوَدُّ أيضاً وُدّاً، وَوَدَادةً بالفتح: تمنيته، وفي لغة وَدَدتُ أَوَدّ بفتحتين، حكاها الكسائيّ، وهو غَلَطْ عند البصريين، وقال الزجاج: لم يقل الكسائي إلا ما سَمِعَ، ولكنه سمعه ممن لا يوثق بفصاحته. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ضعّفه من ضبط ودّ بالفتح أثبته في (القاموس)) حيث قال: ووَدَدْته - أي بالفتح - ووَدِدته - أي بالكسر - أَوَدّه فيهما. انتهى. وعبارة الشارح المرتضى تَخْثُهُ: وحَكَى الزَّجَّاجيُّ عن الكسائيّ ((وَدَدْتُه)) بالفتح، وقال الجوهَرِيُّ: تقول: وَدِدْتُ لو تَفْعَل ذلك، ووَدِدْتُ لو أَنَّك تَفْعَل ذلك، أَوَدُّ وُدّاً، ووَدّاً، ووَدَادَةً، ووِدَاداً: تَمنَّيْتُ، قال الشاعرُ [من الوافر]: (١) ((المصباح المنير)) ٥٢٣/٢. (٢) راجع: ((تاج العروس من جواهر القاموس)) ٥١٤/٣، وما كتبه نصر الهورينيّ في هامش ((القاموس)) ١٢٤/٢. (٣) ((المصباح المنير)) ٦٥٣/٢. ٤٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام وَدِدْتُ وِدَادَةً لَوْ أَنَّ حَظِّي مِنَ الخُلَّانِ أَنْ لا يَصْرِمُونِي قال: وَوَدِدْتُه أَي: بالكسر أَوَدُّه أَي: بالفتح في المضارع فيهما، أَمَّا في المَكْسُور فعلى القِيَاس، وأَما المفتوح فعَلَى خِلَافِهِ، حكاه الكسائيُّ؛ إذ لا يُفْتَح إِلَّ الحَلْقِيُّ العَينِ أَو اللام، وكلاهما مُنْتَفٍ هُنا، فلا وَجْهَ للفتْحِ، وهكذا في ((المصباح)). قال أَبو منصور: وأَنكَر البَصرِيُّون ((وَدَدْتُ)) - أي: بالفتح - قال: وهو لَحْنٌ عندهم، وقال الزَّجَّاج: قد عَلِمْنَا أَنّ الكسائيَّ لم يَحْكِ وَدَدْتُ إِلَّا وقد سَمِعَه، ولكنّه سَمِعَه ممن لا يَكُونُ حُجَّةً. قال شيخُنَا (١): وأَوْرَدَ المعنيينِ في ((الفصيح)) على أَنهما أَضْلَانِ حَقِيقَةٌ، وأَقَرَّه على ذلك شُرَّاحُه، وقال الْيَزيديُّ في ((نَوادرهَ)): وليس في شَيْءٍ من العَربيّة ((وَدَدْتُ)) مفتوحةً، وقال الزمخشريُّ: قال الكسائيُّ وَحْدَه: ((وَدِدْتُ)) الرجُلَ: إِذا أَحْبَبْتَه، و((وَدَدْتُه)) ولم يَرْوِ الفتحَ غيرُهُ، قَلْت(٢): ونقلَ الفَتْحَ أَيضاً أَبو جَعْفَر اللّبّي في ((شرح الفصيح))، والقَزّاز في ((الجامع))، والصاغانيّ في ((التّكْملة)) كلهم عن الفَرَّاءِ. انتهى(٣) . قال الجامع: قد أفاد ما سبق أن ((وَدَدْتُ)) بالفتح جائز أيضاً، وإن مخالفاً للقياس، فهو سماعيّ أثبته الكسائيّ، والفرّاء، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (أَنِّي كُنْتُ قَبِلْتُ رُخْصَةَ نَبِيِّ اللهِ وَ﴿)، أي: تسهيله، وحثّه عليه. وفي الحديث جواز تحدّث المرء بما عَزَم عليه من فعل الخير، وتفقد الإمام لأمور رعيته، كلياتها وجزئياتها، وتعليمهم ما يُصْلِحهم. وفيه تعليل الحكم لمن فيه أهلية ذلك، وأن الأولى في العبادة تقديم الواجبات على المندوبات، وأن من تَكَلَّف الزيادة على ما طُبع عليه يقع له الخلل في الغالب. وفيه الحضّ على ملازمة العبادة؛ لأنه *** مع كراهته له التشديد على نفسه (١) هو شيخ صاحب ((التاج))، وهو المناويّ. (٢) القائل صاحب ((التاج)). (٣) (تاج العروس من جواهر القاموس)) ٥٢٩/٢. ٤٦٣ (٣٧) - بَابُ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ، وَبَيَانِ أَفْضَلِ الصِّيَامِ - حديث رقم (٢٧٣٠) حَضّه على الاقتصاد، كأنه قال له: ولا يمنعك اشتغالك بحقوق مَن ذُكِر أن تُضَيِّع حق العبادة، وتترك المندوب جملةً، ولكن اجمع بينهما، قاله في (الفتح))(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان مسائله، وأذكر هنا ما يتعلّق بجزء القراءة فقط، فأقول: (مسألة): في اختلاف أهل العلم في مقدار مدّة ختم القرآن: قال القرطبيّ تَخْتُهُ: ذهب إلى منع الزيادة على السبع كثير من العلماء، واختار بعضهم قراءته في ثمان، وكان بعضهم يختم في خمس، وآخر في ست، وبعضهم يختم في كل ليلة، وكأن من لم يمنع الزيادة على السبع حَمَلَ قوله: ((لا تزد)) على أنه من باب الرفق، وخوف الانقطاع، فإن أَمِن ذلك جاز بناءً على أن ما كثر من العبادة والخير فهو أحب إلى الله. قال: والأولى ترك الزيادة؛ أخذاً بظاهر المنع، واقتداءً برسول الله وَلق﴾، فلم يُرْوَ عنه أنه ختم القرآن كله في ليلة، ولا في أقل من سبع(٢)، وهو أعلم بالمصالح والأجر، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فقد يعطي على القليل ما لا يعطي على الكثير، لا سيما وقد تبيّنت مصلحة القلة، والمداومة، وآفة الكثرة الانقطاع. انتهى كلام القرطبيّ كَُّهُ، وهو بحث نفيسٌ. وقال في ((الفتح)): قراءة القرآن في ثلاث هو اختيار أحمد، وأبي عبيد، وإسحاق ابن راهويه، وغيرهم، وثبت عن كثير من السلف أنهم قرؤوا القرآن في دون ذلك، قال النوويّ: والاختيار أن ذلك يختلف بالأشخاص، فمن كان من أهل الفهم، وتدقيق الفكر استُحبّ له أن يقتصر على القدر الذي لا يُخلّ به المقصود، من التدبّر، واستخراج المعاني، وكذا من كان له شغل بالعلم، أو غيره، من مهمات الدين، ومصالح المسلمين العامّة يستحبّ له أن يقتصر منه (١) ((الفتح)) ٥٦٢/٣ كتاب ((التهجّد)) رقم (١١٥٣). (٢) ورد من حديث عائشة ﴿ثقا: ((أن النبيّ ◌َ ي كان لا يختم القرآن في أقلّ من ثلاث)). أخرجه ابن سعد في ((الطبقات))، وصححه الشيخ الألبانيّ كَُّ، راجع: ((السلسلة الصحيحة)) ٦٠٠/٥. ٤٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام على القدر الذي لا يُخلّ بما هو فيه، ومن لم يكن كذلك، فالأولى له الاستكثار ما أمكنه من غير خروج إلى الملل، ولا يقرؤه هذرمة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((فالأولى له الاستكثار ما أمكنه إلخ)) فيه نظر، بل الأولى له التقيّد بما صحّ عنه و18َّ من عدم تجاوز الثلاث، والله تعالى أعلم. وقال الحافظ في موضع آخر: وكأن النهي عن الزيادة ليس على التحريم، كما أن الأمر في جميع ذلك ليس للوجوب، وعُرف ذلك من قرائن الحال التي أرشد إليها السياق، وهو النظر إلى عجزه عن سوى ذلك في الحال، أو في المآل. وأغرب بعض الظاهريّة، فقال: يحرم أن يقرأ القرآن في أقلّ من ثلاث. وقال النوويّ: أكثر العلماء على أنه لا تقدير في ذلك، وإنما هو بحسب النشاط والقوّة، فعلى هذا يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذا الكلام نظر من أوجه: (أحدها): أن قوله: وكأن النهي ليس للتحريم، وتشبيهه بالأمر غير صحيح؛ لأنه ليس هنا قرينة تدلّ على أنه ليس للتحريم، بل القرائن كلها إنما تدلّ على عدم كون الأمر للوجوب، كما لا يخفى لمن تأمل. و(الثاني): قوله: ((وأغرب بعض الظاهرية إلخ)) هذا عجيب منه، فهل يوصف من كان ظاهر النصوص معه بأنه يُغرب؟ بل الذي يُغرب هو الذي خالف ظواهر النصوص المتقدّمة، وتأولها بما يخرجها عن موضوعها . (والثالث): قول النوويّ: إنما هو بحسب النشاط، والقوّة عجيب أيضاً، فهل هناك نشاط أكثر من نشاط عبد الله بن عمرو الذي شدّد، فشدّد النبيّ وَل عليه، فنهاه أن يقرأ في أقلّ من ثلاث؟، وهل بعد صحة قوله وَلّ - كما في حديث ابن مسعود -: ((لا تقرؤوه في أقلّ من ثلاث)) مجال لتعليق الأمر على النشاط؟ فهيهات هيهات. (والرابع): قوله أيضاً: ((أكثر العلماء على أنه لا تقدير في ذلك)) غريبٌ، فهل كثرة القائلين مع مخالفة النصّ الصريح لهم تكون حجة؟ كلّا، وإنما الحجة في قوله ◌َ﴾: ((لا تقرؤوا القرآن في أقلّ من ثلاث))، فقط، وأما ٤٦٥ (٣٧) - بَابُ الَّهْىِ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ، وَبَيَانِ أَفْضَلِ الصِّيَامِ - حديث رقم (٢٧٣١) الأكثرون، فيُعتذر لهم بعدم ثبوت الخبر لديهم، أو نحو ذلك. والحاصل أنه لا ينبغي قراءة القرآن في أقلّ من ثلاث؛ للأحاديث المذكورة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٣١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ فِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ((مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّام): ((فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، فَذَلِكَ الدَّهْرُ كُلُّهُ))، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: قُلْتُ: وَمَا صَوْمُ نَبِيِّ اللهِ دَاوُدَ؟ قَالَ: ((نِصْفُ الذَّهْرِ))، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ شَيْئاً، وَلَمْ يَقُلْ: ((وَإِنَّ لِزَوْرَِ عَلَيْكَ حَقّا))، وَلَكِنْ قَالَ: ((وَإِنَّ لِوَلَدَِكَ عَلَيْكَ حَقّاً)). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) تقدّم أيضاً في الباب الماضي. ٣ - (حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ) هو: حسين بن ذكون الْعَوْذيّ المكتب البصريّ، ثقةٌ، ربّما وَهِمَ [٦] (١٤٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧٩/١٩. وایحیی بن أبي كثير)) ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية حسين المعلّم، عن يحيى بن أبي كثير هذه ساقها البخاريّ تَخّْثُ في ((صحيحه))، ولكنه قال: ((وإن لزورك عليك حقّاً))، ولم يقل: ((وإن لولدك عليك حقّاً))، قال تَّلهُ: (٦١٣٤) - حدّثنا إسحاق بن منصور، حدثنا رَوْح بن عُبادة، حدثنا حسين، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو، قال: دخل عليّ رسول الله وَل﴿ فقال: ((ألم أُخَبر أنك تقوم الليل، وتصوم النهار؟)) قلت: بلى، قال: ((فلا تفعل، قم، ونَمْ، وصُمْ، وأَفْطِرْ، فإن لجسدك عليك حقّاً، وإن لعينك عليك حقّاً، وإن لزَوْرك عليك حقّاً، وإن ٤٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام لزوجك عليك حقّاً، وإنك عسى أن يطول بك عمر، وإن من حسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام، فإن بكل حسنة عشرَ أمثالها، فذلك الدهر كله))، قال: فشَدَّدت، فشُدِّد عليّ، فقلت: فإني أطيق غير ذلك، قال: ((فصُمْ من كل جمعة ثلاثة أيام))، قال: فشَدَّدت فشُدِّد عليّ، قلت: أطيق غير ذلك، قال: ((فصم صوم نبي الله داود)) قلت: وما صوم نبي الله داود؟ قال: ((نصف الدهر)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَذَثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٧٣٢] ( .. ) - (حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ بَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى بَنِي زُهْرَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: وَأَحْسَبُنِي قَدْ سَمِعْتُهُ أَنَا مِنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((اقْرَأْ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ))، قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً، قَالَ: ((فَاقْرَأْهُ فِي عِشْرِينَ لَيْلَةً))، قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً، قَالَ: ((فَاقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ، وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) القرشيّ، أبو محمد الطحّان الكوفيّ، ثقةٌ [١١] مات في حدود (٢٥٠) (م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤. ٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي المختار الْعَبسيّ، تقدّم قريباً. ٣ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن النحويّ، أبو معاوية البصريّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ صاحب كتاب [٧] (ت١٦٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى بَنِي زُهْرَةَ) هو: محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان العامريّ، عامر قريش المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ٣٣/ ١٤٠٤. [تنبيه]: كون محمد بن عبد الرحمن هو ابن ثوبان هو الذي صَرّح به في ((الفتح))، ودونك نصّه: قوله: ((عن يحيى)) هو ابن أبي كثير، ومحمد بن عبد الرحمن مولى ٤٦٧ (٣٧) - بَابُ النَّهْيٍ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ، وَبَيَانِ أَفْضَلِ الصِّيَامِ - حديث رقم (٢٧٣٢) زهرة، وهو محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، فقد ذكر ابن حبان في ((الثقات)) أنه مولى الأخنس بن شَرِيق الثقفيّ، وكان الأخنس يُنْسَب زُهْريّاً؛ لأنه كان من حلفائهم، وجزم جماعة بأن ابن ثوبان عامريّ، فلعله كان يُنْسَب عامريّاً بالأصالة، وزُهْرِيّاً بالحلف، ونحو ذلك، والله أعلم. انتهى(١). وقال في ((التقريب)): محمد بن عبد الرحمن مولى بني زُهرة مجهول من السادسة، وقيل: هو ابن ثوبان. انتهى، ونحوه في ((التهذيب))، ورمز له فيهما لمسلم فقط، وفيه نظر لا يخفى، فقد أخرج له البخاريّ أيضاً هذا الحديث، فقال: حدّثني إسحاق، أخبرنا عبيد الله بن موسى، ثم ساقه بسند المصنّف، فهو ممن اتّفقا عليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم. والباقون ذُكروا قبله، و((يحيى)) هو: ابن أبي كثير. وقوله: (وَأَحْسَبُنِي قَدْ سَمِعْتُهُ أَنَا مِنْ أَبِي سَلَمَةَ) قائل ذلك هو یحیی بن أبي كثير، قال في ((الفتح)): قال الإسماعيليّ: خالف أبان بن يزيد العطارُ شيبانَ بن عبد الرحمن في هذا الإسناد، عن يحيى بن أبي كثير، ثم ساقه من وجهين، عن أبان، عن يحيى، عن محمد بن إبراهيم التيميّ، عن أبي سلمة، وزاد في سياقه بعد قوله: ((اقرأه في شهر)) قال: إني أجد قوّة، قال: ((في عشرين))، قال: إني أجد قوّةً، قال: ((في عشر))، قال: إني أجد قوّة، قال: ((في سبع، ولا تزد على ذلك)). قال الإسماعيليّ: ورواه عكرمة بن عمّار، عن يحيى، قال: حدّثنا أبو سلمة بغير واسطة، وساقه من طريقه. قال الحافظ: كأن يحيى بن أبي كثير كان يتوقف في تحديث أبي سلمة له، ثم تذكر أنه حدّثه به، أو بالعكس، كان يصرِّح بتحديثه، ثم توقف، وتحقّق أنه سمعه بواسطة محمد بن عبد الرحمن، ولا يقدح في ذلك مخالفة أبان؛ لأن شيبان أحفظ من أبان، أو كان عند يحيى عنهما، ويؤيِّده اختلاف سياقهما . قال: وقد تقدم في ((الصيام)) - أي عند البخاريّ - من طريق الأوزاعيّ، عن يحيى، عن أبي سلمة مُصَرَّحاً بالسماع بغير توقّف، لكن لبعض الحديث في (١) ((الفتح)) ٣٠٣/١١ كتاب ((فضائل القرآن)) رقم (٥٠٥٤). ٤٦٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام قصة الصيام حسبُ، قال الإسماعيليّ: قصة الصيام لم تَخْتَلِف على يحيى في روايته إياها عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو بغير واسطة. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن يحيى سمع هذا الحديث عن أبي سلمة بلا واسطة، ولكنه كان يتشكّك في بعضه، وقد تبيّن الواسطة، وهو محمد بن عبد الرحمن المذكور، فصحّ بلا شكّ، ولله الحمد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٧٣٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قِرَاءَةً، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَن ابْنِ الْحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((يَا عَبْدَ اللهِ، لَا تَكُنْ بِمِثْلِ فُلانٍ(١)، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ، فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ) أبو الحسن النيسابوريّ المعروف بحمدان، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٦٤) وله (٨٠) سنةً (م دس ق) تقدم في (المقدمة)) ٩٠/٦. ٢ - (عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) التَّنِيسيّ - بمثنّاة، ونون ثقيلة، بعدها تحتانيّة، ثم مهملة - أبو حفص الدمشقيّ، مولى بني هاشم، صدوقٌ له أوهامٌ، من كبار [١٠]. رَوَى عن الأوزاعيّ، وصدقة بن عبد الله السمين، وحفص بن ميسرة الصنعانيّ، وعبد الله بن العلاء بن زَبْر، ومالك، والليث، وغيرهم. وروى عنه ابنه سعيد، والشافعيّ، وعبد الله بن محمد المسنديّ، ودُخَیم، وأحمد بن صالح المصريّ، وأحمد بن يوسف الصيدلانيّ، ومحمد بن يحيى الذهليّ، وغيرهم. (١) وفي نسخة ((لا تكن مثل فلان)). ٤٦٩ (٣٧) - بَابُ الَّهْىِ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ، وَبَيَانِ أَفْضَلِ الصِّيَامِ - حديث رقم (٢٧٣٣) قال أحمد بن صالح المصريّ: كان حسن المذهب، وكان عندي شيء سمعه من الأوزاعيّ عرضه، وشيء أجازه له، فكان يقول فيما سمع: حدّثنا الأوزاعيّ، ويقول في الباقي: عن الأوزاعيّ، وقال حميد بن زنجويه: لما رجعنا من مصر قال لنا أحمد: مررتم بأبي حفص؟ قلنا: وأيّ شيء عنده؟ إنما عنده خمسون حديثاً، والباقي مناولة، قال: المناولة كنتم تأخذون منها، وتنظرون فيها، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم: يُكْتَب حديثه، ولا يحتجّ به، وقال العقيليّ: في حديثه وَهَمٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال الساجيّ: ضعيف، وقال أحمد: رَوَى عن زهير أحاديث بواطيل، كأنه سمعها من صدقة بن عبد الله، فغَلِط فقلبها عن زهير، وساق الساجيّ منها حديثه عن زهير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: كان رسول الله وَيقر يسلم تسليمة، وقال عقبه: وقفه الوليد بن مسلم، عن زهير، عن عائشة . قال ابن يونس: كان من أهل دمشق قَدِم مصر، وسكن تِنِيس، حَدَّث عن الأوزاعيّ، وعن مالك بـ((الموطأ))، وكان ثقةً تُوُفّي بتنيس سنة ثلاث عشرة ومائتين، وقال مرةً: سنة (١٤)، وقال البخاريّ عن الحسن بن عبد العزيز الجزريّ: مات قريباً من سنة (١٢)، وقال أبو زرعة الدمشقيّ، وغيره: مات سنة (١٤). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو الإمام الفقيه الحجة المشهور [٧] (ت١٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. ٤ - (ابْنُ الْحَكَم بْنُ ثَوْبَانَ) هو: عُمَر بن الحكم بن ثوبان الحجازيّ، أبو حفص المدنيّ، صدوقٌ [٣]. رَوَى عن أسامة بن زيد، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وكعب بن مالك، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وغيرهم. وروى عنه سعيد المقبريّ، وشريك بن أبي نَمِر، ومحمد بن إبراهيم ٤٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام التيميّ، ويحيى بن أبي كثير، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وغيرهم. قال ابن معين: هو عم عبد الحميد بن جعفر، وهو ابن الحكم بن سنان، وقال غيره: هما اثنان، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث صالحةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). قال يحيى بن بكير: مات سنة سبع عشرة ومائة، وله ثمانون سنة، وكذا قال ابن حبان، وزاد: وكان من جِلّة أهل المدينة، وهو عمر بن الحكم بن أبي الحکم، واسم أبي الحكم ثوبان. أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. والباقون ذُكروا قبله. شرح الحديث: (عَن) عمر (بْنِ الْحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ) أنه قال: (حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هكذا في رواية المصنّف بإدخال الواسطة بين يحيى بن أبي كثير وأبي سلمة، قال الدارقطنيّ كَُّهُ في ((التتبّع)): أخرجاه من حديث ابن المبارك، ومبشّر عنه، قال: وقد تابعهما أبو إسحاق الفزاريّ، وخالفهم ابن أبي العشرين، والوليد بن مسلم، وعمر بن عبد الواحد، وبشر بن بكر، وعَمْرو بن أبي سَلَمة، فرووه عن الأوزاعيّ، عن يحيى، عن عُمَر بن الحكم بن ثوبان، عن أبي سلمة، زادوا رجلاً، وأخرج مسلم الحديث من طريق عَمْرو بن أبي سلمة، عن الأوزاعيّ. انتهى. ونصّ البخاريّ كَّلُ: حدّثنا عباس بن الحسين، حدثنا مبشر بن إسماعيل، عن الأوزاعي (ح) وحدّثني محمد بن مقاتل أبو الحسن، قال: أخبرنا عبد الله، أخبرنا الأوزاعيّ، قال: حدّثني يحيى بن أبي كثير، قال: حدّثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: حدثني عبد الله بن عمرو بن العاص ﴿ قال: قال لي رسول الله وَله: ((يا عبد الله لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل، فترك قيام الليل)). وقال هشام: حدّثنا ابن أبي العشرين، حدّثنا الأوزاعيّ، قال: حدّثني ٤٧١ (٣٧) - بَابُ النَّهْىٍ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ، وَبَيَانِ أَفْضَلِ الصِّيَّامِ - حديث رقم (٢٧٣٣) يحيى، عن عمر بن الحكم بن ثوبان، قال: حدّثني أبو سلمة مثله، وتابعه عَمْرو بن أبي سلمة، عن الأوزاعيّ. قال في ((الفتح)): قوله: ((وقال هشام)) هو ابن عمار، وابن أبي العشرين بلفظ العدد، وهو عبد الحميد بن حبيب، كاتب الأوزاعيّ، وأراد البخاريّ بإيراد هذا التعليق التنبيه على أن زيادة عُمر بن الحكم، أي: ابن ثوبان بين يحيى وأبي سلمة من المزيد في متصل الأسانيد؛ لأن يحيى قد صرح بسماعه من أبي سلمة، ولو كان بينهما واسطة لم يُصَرِّح بالتحديث، ورواية هشام المذكورة وصلها الإسماعيليّ وغيره. وقوله: ((وتابعه عَمرو بن أبي سَلَمة)) أي تابع ابنَ أبي العشرين على زيادة عُمر بن الحكم، ورواية عمر المذكورة وصلها مسلم، عن أحمد بن يوسف الأزديّ عنه، قال: وظاهر صنيع البخاريّ ترجيح رواية يحيى، عن أبي سلمة بغير واسطة، وظاهر صنيع مسلم يخالفه؛ لأنه اقتصر على الرواية الزائدة، والراجح عند أبي حاتم والدارقطني وغيرهما صنيع البخاريّ، وقد تابع كلّاً من الروايتين جماعة من أصحاب الأوزاعيّ، فالاختلاف منه، وكأنه كان يحدِّث به على الوجهين، فَيُحْمَل على أن يحيى حمله عن أبي سلمة بواسطة، ثم لقيه، فحدثه به، فكان يرويه عنه على الوجهين. انتهى كلام الحافظ رَُّ . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن رواية يحيى بن أبي كثير هذه صحيحة بالطريقين: طريق روايته عن أبي سلمة مباشرةً، كما هو عند البخاريّ، وطريق روايته عن عُمر بن الحكم، عن أبي سلمة، كما هو عند مسلم هنا، فلا تعارض بين الروايتين، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﴿ها) قال الحافظ كَّتُهُ: لم أقف على تسميته في شيء من الطرق، وكأن إبهام مثل هذا لقصد الستر عليه، كالذي تقدّم قريباً في الذي نام حتى أصبح، ويَحْتَمِل أن يكون النبيّ وَّ لم يقصد شخصاً معيّناً، وإنما أراد تنفير عبد الله بن عمرو من الصنيع المذكور. انتهى. وتعقّبه العينيّ، فقال: كل ذلك غير موجَّه، أما قوله: الستر عليه، فغير سديد؛ لأن قيام الليل لم يكن فرضاً على فلان المذكور، فلا يكون بتركه عاصياً حتى يستر عليه، وأما قوله: ((ويَحْتَمِل ... )) إلى آخره فأبعد من الأول ٤٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام على ما لا يخفى؛ لأن الشخص إذا لم يكن معيَّناً كيف ينفر غيره من صنيعه، وأما قوله: أراد تنفير عبد الله فكان الأحسن فيه أن يقال: أراد ترغيب عبد الله في قيام الليل حتى لا يكون مثل من كان قائماً منه ثم تركه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى على البصير كون هذه التعقّبات مجرّد تشويش، فليُتنبّه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((يَا عَبْدَ اللهِ، لَا تَكُنْ بِمِثْلِ فُلَانٍ) بزيادة الياء، وفي نسخة: ((لا تكن مثل فلان)) بإسقاط الباء، أي لا تكن مثله في هذه الخصلة التي أذكرها لك، وهي أنه (كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ) أي بعضه للتهجد فيه، وفي رواية البخاريّ: ((من الليل))، قال في ((العمدة)): وليس في رواية الأكثرين لفظ ((من)) موجوداً، بل اللفظ: ((كان يقوم الليل))، أي في الليل، والمراد في جزء من أجزائه، فتكون ((من)) بمعنى ((في))، نحو قوله تعالى: ﴿إِذَا تُودِىَ لِلصَّلَوةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] أي في يوم الجمعة. انتهى (١). (فَتَرََّكَ قِيَامَ اللَّيْلِ))) الظاهر أن تركه ذلك كان من غير عذر؛ لأنه لو كان لعذر لما ذُمّ بتركه، بل ثبت أنه يكتب له أجره، لما أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) من حديث أبي موسى الأشعري: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ، أَوْ سَافَر، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيماً، صَحِيحاً)). وكأنه وسلّه يُرغّب عبد الله بن عمرو ظًا في الاقتصاد في العبادة، وعدم التشديد على نفسه بتكليفها ما لا تستطيع القيام به؛ لأن ذلك يؤدي إلى تركها، فيكون مثل هذا الرجل المذموم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو ها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧٣٣/٣٧] (١١٥٩)، و(البخاريّ) في ((التهجّد)) (١) ((عمدة القاري)) ٧/ ٢١٠. ٤٧٣ (٣٧) - بَابُ الَّهْىِ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ، وَبَيَانِ أَفْضَلِ الصِّيَامِ - حديث رقم (٢٧٣٤) (١١٥٢)، و(النسائيّ) في ((قيام الليل)) (٢٥٣/٣) و((الكبرى)) (٤١١/١ - ٤١٢)، و(ابن ماجه) في ((إقامة الصلاة)) (١٣٣١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢/ ١٧٠)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٧٣/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦/ ٣٦٨)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٣١/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣/ ٢٣٧)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٣٤٩/٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٤/٣)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٩٣٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ذمّ ترك قيام الليل إذا كان بغير عذر. ٢ - (ومنها): ما قال ابن العربيّ كَّلُهُ: فيه دليل على أن قيام الليل ليس بواجب؛ إذ لو كان واجباً لم يَكْتَف لتاركه بهذا القدر، بل كان يذمه أبلغ الذم. ٣ - (ومنها): ما قال ابن حبان: فيه جواز ذكر الشخص بما فيه من عيب، إذا قصد بذلك التحذير من صنيعه. ٤ - (ومنها): استحباب الدوام على ما اعتاده المرء من الخير، من غير تفريط . ٥ - (ومنها): الإشارة إلى كراهة قطع العبادة، وإن لم تكن واجبة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٣٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءَ يَزْعُمُ أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسَِّ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِوَّ بْنِ الْعَاصِ ﴿هَا يَقُولُ: بَلَغَ النَّبِيّ ◌َّهِ أَنِّي أَصُومُ أَسْرُهُ، وَأُصَلِّي اللَّيْلَ، فَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَيَّ، وَإِمَّا لَقِيتُهُ، فَقَالَ: ((أَلَمْ أُخْبَرْ (١) أَنَّكَ تَصُومُ وَلَا تُفْطِرُ، وَتُصَلِّ اللَّيْلَ، فَلَا تَفْعَلْ، فَإِنَّ لِعَيْنِكَ(٢) حَظّاً، وَلِنَفْسِكَ حَظّاً، وَلِأَهْلِكَ حَظّاً، فَصُمْ، وَأَفْطِرْ، وَصَلِّ، وَثَمْ، وَصُمْ مِنْ كُلِّ عَشْرَةٍ أَيَّامٍ يَوْماً، وَلَكَ أَجْرُ تِسْعَةٍ))، قَالَ: إِنِّي أَجِدُنِي (١) وفي نسخة: ((فقال لي: ألم أخبر)). (٢) وفى نسخة: ((فإن لعينيك)). ٤٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ، يَا نَبِيَّ اللهِ، قَالَ: ((فَصُمْ صِيَامَ دَاوُدَ))، قَالَ: وَكَيْفَ كَانَ دَاوُدُ يَصُومُ مَا نَبِيَّ اللهِ؟ قَالَ: ((كَانَ يَصُومُ يَوْماً، وَيُفْطِرُ يَوْماً، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى))، قَالَ: مَنْ لِي بِهَذِهِ يَا نَبِيَّ اللهِ؟، قَالَ عَطَاءٌ: فَلَا أَدْرِي كَيْفَ ذَكَرَ صِيَامَ الْأَبَدِ، فَقَالَ الَّبِيُّ وَغِ: ((لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ)(١)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) تقدّم قريباً . ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بَنْ همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (أَبُو الْعَبَّاسَِّ) السائب بن فَرّوخ الشاعر الأعمى المكيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن ابن عمر، وابن عمرو بن العاص، وعنه حبيب بن أبي ثابت، وعمرو بن دينار، وعطاء بن أبي رَبَاح. قال شعبة، عن حبيب: سمعت أبا العباس الأعمى، وكان صَدوقاً، وقال أحمد، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ثبتٌ، وقال مسلم: كان ثقةً عدلاً، وقال ابن سعد: كان بمكة زمن ابن الزبير، وهواه مع بني أمية، وكان قليل الحديث، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١١٥٩) وكرّره ثلاث مرّات، و(١٧٧٨) و(٢٥٤٩). و((عبد الله بن عمرو څ)) ذُكر قبله. وقوله: (بَلَغَ النَّبِيَّ ◌َّهِ﴾ تقدّم أن الذي بلّغه هو أبوه عمرو بن العاص وقوله: (أَنِّي أَصُومُ أَسْرُهُ) بضم الراء، من باب نصر، أي أُولي بينه، يقال: سَرَدت الحديث سَرْداً، من باب نصر: أتيت به على الولاء، وقيل لأعرابيّ: أتعرف الأشهر الحرم؟ فقال: ثلاثة سَرْدٌ، وواحد فرْدٌ، فالسرد: ذو (١) وفي نسخة: ((لا صام من صام الأبد، لا صام من صام الأبد)) مرتين. ٤٧٥ (٣٧) - بَابُ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ، وَبَيَانِ أَفْضَلِ الصِّيَامِ - حديث رقم (٢٧٣٤) القَعدة، وذو الحجة، والمحرّم، والفرد: رجب، قاله الفيّوميّ كَذَتُهُ(١). وقال في ((القاموس)) و((شرحه)): السرد: متابعة الصوم وموالاته، وسَرد فلان، كَفَرِح، يسرد صومه، ويواليه، ويتابعه. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((كفرح)) الظاهر أنه غلطً؛ إذ معاجم اللغة ضبطته كنصر، فقد نصّ في ((المصباح)) أنه من باب قتل، ونصّ في ((مختار الصحاح)) أنه من باب نصر، فليُتنّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَيَّ، وَإِمَّا لَقِيتُهُ) تقدّم أن هذا شك من بعض الرواة، وليس من عبد الله بن عمرو ظُه؛ لأنه ◌َّ قصده إلى بيته، فدلّ على أن لقاءه إیاہ کان عن قصد منه. وقوله: (أَمْ أُخْبَرْ ... إلخ) بالبناء للمفعول. وقوله: (فَلَا تَفْعَلْ) نهيٌ عن الاستمرار في فعل ما التزمه لأجل ما يؤدّي إليه من المفسدة التي نَبَّهَ عليها بقوله: ((فإنك إذا فعلت ذلك هَجَمت له عيناك))، قاله القرطبيّ ◌َخَذُ(٣). وقوله: (وَلِنَفْسِكَ حَظّاً) هو بمعنى قوله الماضي: ((حقّاً))، والمعنى: إن عليك لنفسك حقّاً، وهو أن تعطيها ما تحتاج إليه ضرورة البشريّة مما أباحه الله تعالى للإنسان، من الأكل والشرب، والراحة التي تقوم بها بدنه؛ ليكون أعون على عبادة ربه، ومن حقوق النفس قطعها عما سوى الله تعالى، لكن ذلك يختص بالتعلقات القلبية. وقوله: (وَلِأَهْلِكَ حَظّاً) أي حقّاً، أي: تنظر لهم فيما لا بُدّ لهم منه، من أمور الدنيا والآخرة، والمراد بالأهل الزوجة، أو أعمّ من ذلك، ممن تلزمه نفقته . وقوله: (فَصُمْ، وَأَفْطِرْ) أي: فإذا عرفت ذلك، فصم تارةً، وأفطر تارةً؛ لتجمع بين المصلحتين. (١) ((المصباح المنير)) ٢٧٣/١، و((الصحاح)) ٤٢٤/٢. (٢) (تاج العروس من جواهر القاموس)) ٣٧٥/٢. (٣) («المفهم)) ٢٢٤/٣. ٤٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام وقوله: (وَصُمْ مِنْ كُلِّ عَشْرَةٍ أَيَّامِ يَوْماً ... إلخ) هذا في معنى الرواية السابقة: ((صم من كل شهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها)) وذلك قوله في الرواية الأخرى: ((صم يوماً، ولك أجر ما بقي)) على ما يأتي، وهذا الاختلاف وشبهه من باب النقل بالمعنى(١). وقوله: (وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى) تنبيهٌ على أن صوم يوم، وفطر يوم لا يُضعف مُلتزمه، بل يحفظ قوّته، ويجد من الصوم مشقّته، كما قدّمناه، وذلك بخلاف سرد الصوم، فإنه يُنهِك البدن والقوّة، ويُزيل رُوح الصوم؛ لأنه يعتاده، فلا یبالي، ولا يجد له معنى(٢). وقوله: (مَنْ لِي بِهَذِهِ) معناه: هذه الخصلة الأخيرة، وهي عدم الفرار صعبة عليّ، كيف لي بتحصيلها(٣). وقال القرطبيّ تَُّ: فيه إشارة إلى استبعاد عدم الفرار، وتمنٍّ أن لو كانت له القوّة، ومعنى قوله: من لي بهذا الشيء؟ أي من يتكفّل لي؟ أو من يُحصّله لي؟. وقوله: (قَالَ عَطَاءٌ: فَلَا أَدْرِي كَيْفَ ذَكَرَ صِيَامَ الْأَبَدِ) أي أن عطاء لم يحفظ كيف جاء ذكر صيام الأبد في هذه القصّة، إلا أنه حَفِظ أن فيها أنه وَلِلّه قال: ((لا صام من صام الأبد)) (٤). وقال القرطبيّ كَُّهُ: هو شكٌّ عرض للراوي، ثم قال بعد أن عرض له ذلك الشك: ((لا صام من صام الأبد))، فأتى بصوم الأبد على هذا اللفظ من غير شك ولا تردد، بل حقق نقله، وحرر لفظه. وأما الذي تقدم في حديث أبي قتادة، فإنه شكّ في أي اللفظين قال، فذكرهما، فقال فيه: قال: يا رسول الله! كيف من يصوم الدهر؟! قال: ((لا صام، ولا أفطر))، أو: ((لم يصم، ولم يفطر)). وقد تقدم القول في صوم الدهر. انتهى(٥) . (١) «المفهم)) ٢٢٥/٣. (٣) ((شرح النوويّ)) ٤٥/٨. (٥) («المفهم)) ٢٢٦/٣ - ٢٢٧. (٢) ((المفهم)) ٢٢٦/٣. (٤) ((الفتح)) ٣٩٩/٥. ٤٧٧ (٣٧) - بَابُ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ، وَبَيَانِ أَفْضَلِ الصِّيَامِ - حديث رقم (٢٧٣٤) وقوله: (فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ)) هكذا هو مكرّر ثلاث مرّات في بعض النسخ، وبعضها مرّتين، وهذا فيه دليل على تحريم صوم الأبد، وقد تقدّم أن هذا هو القول المختار، وأجاب الجمهور القائلون بجواز صوم الدهر بأجوبة: (أحدها): أنه محمول على حقيقته، بأن يصوم معه العيدين، وأيام التشريق. وفيه نظر؛ لأنه ظُبه قد قال جواباً لمن سأله عن صوم الدهر: ((لا صام، ولا أفطر))، وهو يؤذن بأنه ما أُجر، ولا أثم، ومن صام الأيام المحرّمة لا يقال فيه ذلك؛ لأنه عند من أجاز صوم الدهر إلا الأيام المحرّمة يكون قد فعل مستحبّاً وحراماً. وأيضاً فإن أيام التحريم مستثناة بالشرع غير قابلة للصوم شرعاً، فهي بمنزلة الليل، وأيام الحيض، فلم تدخل في السؤال عند من علم تحريمها، ولا يصلح الجواب بقوله: ((لا صام، ولا أفطر)) لمن لم يعلم تحريمها، كذا ذكره الحافظ في ((الفتح))، وهو ملخّص كلام ابن القيّم في ((الهدي))، وقد تقدّم نصّ کلا مه . وقد تَعَقَّب ابن دقيق العيد تأويل الجمهور هذا بوجه آخر، من شاء الوقوف عليه فليرجع إلى ((شرح العمدة))(١). (الثاني): أنه محمول على من تضرّر به، أو فوّت به حقّاً، قالوا: ويؤيده أن النهي كان خطاباً لعبد الله بن عمرو بن العاص، وقد ذكر مسلم أنه عجز في آخر عمره، ونَدِم على كونه لم يقبل الرخصة، قالوا: فنهى ابن عمرو لعلمه بأنه سیعجز عنه، ويضعف، وأقرّ حمزة لعلمه بقدرته بلا ضرر. وفيه أن هذا التأويل أيضاً مردود لما سبق من قوله ◌ّر في حديث أنس ظه: ((ومن رغب عن سنتي، فليس مني))، ويردّه أيضاً قوله: ((لا أفضل من ذلك)). ويردّه أيضاً ورود قوله: ((لا صام، ولا أفطر)) وقوله: ((لا صام من صام (١) راجع: ((شرح العمدة)) ٤٠٩/٣ - ٤١٢ بنسخة الحاشية. ٤٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام الأبد)) عن غير واحد من الصحابة، سوى عبد الله بن عمرو، كما تقدّم. ويردّه أيضاً حديث أبي موسى المتقدّم، وكلّ ذلك يدلّ على أن هذا الحكم ليس خاصّاً بابن عمرو، بل هو عامّ لجميع المسلمين، وأما إقراره لحمزة على سرد الصوم، فلا حجة فيه، كما سبق. (الثالث): أن معنى ((لا صام)) أنه لا يجد من مشقّته ما يجدها غيره، فيكون خبراً لا دعاء. وتعقّبه الطيبيّ بأنه مخالف لسياق الحديث، ألا تراه كيف نهاه عن صيام الدهر كله، ثم حثّه على صوم داود، والأولى أن يكون خبراً عن أنه لم يمتثل أمر الشارع، أو دعاء كما تقدّم. وأجابوا عن حديث أبي موسى المتقدم ذكره - وهو: ((من صام الدهر، ضُيِّقت عليه جهنّم)) - وهو حديث صحيح، بأن معناه ضُيّقت عليه، فلا يدخلها، فعلى هذا تكون ((على)) بمعنى ((عن))، أي ضيّقت عنه، وهذا التأويل حكاه الأثرم عن مسدّد، وحكى ردّه عن أحمد، كما سبق. وقال ابن خزيمة: سألت المزنيّ عن هذا الحديث؟ فقال: يشبه أن يكون معناه ضُيّقت عنه، فلا يدخلها، ولا يشبه أن يكون على ظاهره؛ لأن من ازداد عملاً وطاعةً ازداد عند الله رفعةً، وعنه كرامة. ورجّح هذا التأويلَ جماعةٌ، منهم الغزاليّ، فقالوا: له مناسبة من جهة أن الصائم لما ضيّق على نفسه مسالك الشهوات بالصوم ضيّق الله عليه النار، فلا يبقى له فيها مكان؛ لأنه ضيّق طرقها بالعبادة. وتُعقّب بأنه ليس كلّ عمل صالح إذا ازداد العبد منه ازداد من الله تقرّباً، بل ربّ عمل صالح إذا ازداد منه ازداد بعداً، كالصلاة في الأوقات المكروهة، وأيضاً لو كان المراد ما ذكروه لقال: ضيّقت عنه، وأما التضييق عليه فلا يكون إلا وهو فيها . قال ابن حزم بعد ذكر التأويل ما لفظه: هذه لُكْنة وكَذِبٌ، أما اللكنة فإنه لو أراد هذا لقال: ضيّقت عنه، ولم يقل: عليه. وأما الكذب فإنما أورده رواته كلهم على التشديد، والنهي عن صومه. انتهى(١). (١) ((المحلى) ١٦/٧. ٤٧٩ (٣٧) - بَابُ النَّهْىٍ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ، وَبَيَانِ أَفْضَلِ الصِّيَامِ - حديث رقم (٢٧٣٥) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بهذا الصواب إجراء الحديث على ظاهره، والقول بمنع صيام الدهر مطلقاً؛ لوضوح حجّته، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٣٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: إِنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ الشَّاعِرَ أَخْبَرَهُ، قَالَ مُسْلِمٍ: أَبُو الْعَبَّاسِ الْسَّائِبُ ابْنُ فَرُوخَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ ثِقَةٌ عَدْلٌ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون السمين البغداديّ، صدوقٌ فاضلٌ، ربما وَهِم [١٠] (ت٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٤/١. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) بن عثمان الْبُرسانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت٢٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٩/٦٥. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (قَالَ مُسْلِمٍ: أَبُو الْعَبَّاسِ السَّائِبُ ... إلخ) هذا صريح في أن التوثيق من المصنّف نفسه، وذكره البخاريّ عن الراوي عنه، فقال في ((صحيحه)): حدّثنا آدم، حدّثنا شعبة، حدّثنا حبيب بن أبي ثابت، قال: سمعت أبا العبّاس المكيّ، وكان شاعراً، وكان لا يُتّهم في حديث - قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص نظافته .... قال في ((الفتح)): قوله: ((وكان شاعراً ... إلخ)) فيه إشارة إلى أن الشاعر بصدد أن يُتَّهَم في حديثه؛ لما تقتضيه صناعته من سلوك المبالغة في الإطراء وغيره، فأخبر الراوي عنه أنه مع كونه شاعراً كان غير متهم في حديثه. وقوله: ((في حديثه)) يَحْتَمِل مرويه من الحديث النبويّ، ويَحْتَمِل فيما هو أعم من ذلك، والثاني أليق، وإلا لكان مرغوباً عنه، والواقع أنه حجة عند كل من أخرج الصحيح، وأفصح بتوثيقه أحمد، وابن معين، وآخرون. انتهى(١). (١) ((الفتح)) ٤٠٣/٥ - ٤٠٤. ٤٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام [تنبيه]: رواية محمد بن بكر، عن ابن جريج هذه، ساقها ابن خزيمة تَخْدَّثُ في ((صحيحه)) (٢٩٥/٣) فقال: (٢١٠٩) - حدّثنا الحسن بن تسنيم، أخبرنا محمد - يعني ابن بكر - وحدّثنا محمد بن رافع، حدّثنا عبد الرزاق، قالا: أخبرنا ابن جريج، قال: سمعت عطاء، يزعم أن أبا العباس الشاعر أخبره، أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص، يقول: بلغ النبيّ ◌َ ﴿ أني أسرُد، وأصلي الليل، قال: وإما أرسل إليه، وإما لقيه، فقال: ((ألم أُخْبَر أنك تصوم ولا تفطر، وتصلي الليل، فلا تفعل، فإن لعينيك حظّاً، ولنفسك حظّاً، ولأهلك حظّاً، فصم وأفطر، وصلِّ ونم، وصم كل عشرة أيام يوماً، ولك أجر تسعة))، قال: فإني أجدني أقوى لذلك يا رسول الله، قال: ((فصم صيام داود))، قال: وكيف كان داود يصوم يا رسول الله؟ قال: كان يصوم يوماً، ويفطر يوماً، ولا يَفِرّ إذا لاقى))، قال: من لي بهذه يا نبي الله؟ قال عطاء: فلا أدري كيف ذكر صيام الأبد، فقال النبيّ ◌َلهو: ((لا صام من صام الأبد)). هذا حديث الْبُرْسانيّ، وفي حديث عبد الرزاق: قال: إني أصوم أسرُد، وقال: فإما أرسل إليّ، وقال: إني أجدني أقوى من ذلك. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٧٣٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: قَالَ لِي عَنْ حَبِيبٍ، سَمِعَ أَبَا الْعَبَّاسِ، سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو ◌َ﴾ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو، إِنَّكَ لَتَصُومُ الذَّهْرَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ، وَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ لَهُ الْعَيْنُ، وَنَهَكَتْ، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ، صَوْمُ ثَلَاثَةٍ أَيَّامِ مِنْ الشَّهْرِ صَوْمُ الشَّهْرِ كُلِّهِ»، قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: ((فَصُمْ صَوَّمَ دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ يَوْماً، وَيُفْطِرُ يَوْماً، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) تقدّم في الباب الماضي.