Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
(٣٢) - بَابُ فَضْلِ الصِّيَامِ - حديث رقم (٢٧٠٦)
العظيم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في بيان اختلاف أهل العلم في المعنى المراد بقول الله
تعالى: ((الصوم لي، وأنا أجزي به))، مع أن الأعمال كلها لله تعالى، وهو
الذي يجزي بها :
(اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك على أقوال، أوصلها الحافظ تَّتُهُ في
((الفتح)) إلى عشرة:
[أحدها]: أن الصوم لا يقع فيه الرياء؛ كما يقع في غيره، حكاه
المازريّ، ونقله عياض عن أبي عُبيد، ولفظ أبي عُبيد في ((غريبه)): قد علمنا أن
أعمال البرّ كلها لله، وهو الذي يَجزي بها، فنرى - والله أعلم - أنه إنما خصّ
الصيام؛ لأنه ليس يظهر من ابن آدم بفعله، وإنما هو شيء في القلب، ويؤيّد
هذا التأويل قوله ◌َطاهر: ((ليس في الصيام رياء»، حدّثنيه شبابة، عن عُقيل، عن
الزهريّ، فذكره - يعني مرسلاً -. قال: وذلك لأن الأعمال لا تكون إلا
بالحركات، إلا الصوم، فإنما هو بالنيّة التي تخفى عن الناس، هذا هو وجه
الحدیث عندي. انتهى.
وقد روى الحديثَ المذكورَ البيهقيُّ في ((الشعب)) من طريق عُقيل، وأورده
من وجه آخر عن الزهريّ موصولاً، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وإسناده
ضعيف، ولفظه: ((الصيام لا رياء فيه، قال الله رَك: هو لي، وأنا أجزي به)).
وهذا لو صحّ لكان قاطعاً للنزاع. وقال القرطبيّ: لما كانت الأعمال يدخلها
الرياء، والصوم لا يَطَّلِعُ عليه بمجرّد فعله إلا الله، فأضافه الله إلى نفسه، ولهذا
قال في الحديث: ((يَدَعُ شهوته من أجلي)).
وقال ابن الجوزيّ: جميع العبادات تظهر بفعلها، وقلّ أن يَسلَم ما يظهر
من شَوْب، بخلاف الصوم، وارتضى هذا الجواب المازريّ، وقرّره القرطبيّ
بأن أعمال بني آدم لما كانت يمكن دخول الرياء فيها أضيفت إليهم، بخلاف
الصوم، فإن حال الممسك شبعاً مثلُ حال الممسك تقرّباً. يعني في الصورة
الظاهرة.
قال الحافظ: معني قوله: ((لا رياء في الصوم)) أنه لا يدخله الرياء بفعله،
وإن كان قد يدخله الرياء بالقول، كمن يصوم، ثم يخبر بأنه صائم، فقد يدخله

٣٦٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
الرياء من هذه الحيثية، فدخول الرياء في الصوم إنما يقع من جهة الإخبار،
بخلاف بقيّة الأعمال، فإن الرياء قد يدخلها بمجرّد فعلها، وقد حاول بعض
الأئمّة إلحاق شيء من العبادات البدنيّة بالصوم، فقال: إن الذكر بـ((لا إله إلا الله))
يمكن أن لا يدخله الرياء، لأنه بحركة اللسان خاصّة، دون غيره من أعضاء
الفم، فيمكن الذاكر أن يقولها بمحضر الناس، ولا يشعرون منه بذلك.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إن أراد قائل هذا القول إلحاق الذكر
المذكور بالصوم من حيث عدم دخول الرياء، فمسلّم، وإن أراد إلحاقه به من
حيث الثواب والجزاء، فليس بصحيح، فإن هذا مما لا مدخل للقياس فيه، فلا
يلحق بالصوم في الثواب شيء من العبادات، بل يقتصر الوارد عليه، كما هو
ظاهر النصّ. والله تعالى أعلم.
[ثانيها]: أن المراد بقوله: ((وأنا أجزي به)) أني أنفرد بعلم مقدار ثوابه،
وتضعيف حسناته، وأما غيره من العبادات، فقد اطلع عليها بعض الناس.
قال القرطبيّ كَُّ: معناه أن الأعمال قد كُشفت مقادير ثوابها للناس،
وأنها تضاعف من عشرة إلى سبعمائة إلى ما شاء الله، إلا الصيام، فإن الله
يُثيب عليه بغير تقدير، ويشهد لهذا السياق رواية الأعمش، عن أبي صالح،
حيث قال: ((كلّ عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة
ضعف، إلى ما شاء الله، قال الله: إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به)). أي
أجازي عليه جزاء كثيراً من غير تعيين لمقداره، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّا يُوَّ
الصَِّرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. انتهى، و((الصابرون)) الصائمون في أكثر
الأقوال، وسبق إلى هذا أبو عُبيد في غريبه، فقال: بلغني عن ابن عُيينة أنه قال
ذلك، استدلّ له بأن الصوم هو الصبر؛ لأن الصائم يصبر نفسَهُ عن الشهوات،
وقد قال الله تعالى: ﴿إِنََّا يُوَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. انتهى.
ويشهد له رواية المسيّب بن رافع، عن أبي صالح، عند سمويه: ((إلى
سبعمائة ضعف، إلا الصوم، فإنه لا يدري أحد ما فيه)).
ويشهد له أيضاً ما رواه ابن وهب في ((جامعه)) عن عمر بن محمد بن
زيد بن عبد الله بن عمر، عن جدّه زيد مرسلاً، ووصله الطبرانيّ، والبيهقيّ،
في ((الشعب)) من طريق أخرى، عن عمر بن محمد، عن عبد الله بن دينار، عن

٣٦٣
(٣٢) - بَابُ فَضْلِ الصِّيَامِ - حديث رقم (٢٧٠٦)
ابن عمر، مرفوعاً: ((الأعمال عند الله سبع)) الحديث. وفيه: ((وعمل لا يعلم
ثواب عامله إلا الله))، ثم قال: ((وأما العمل الذي لا يعلم ثواب عامله إلا الله،
فالصيام)»، ثم قال القرطبيّ: هذا القول ظاهر الْحُسْن، قال: غير أنه تقدّم،
ويأتي في غير ما حديث أن صوم اليوم بعشرة أيام، وهي نصّ في إظهار
التضعيف، فبَعُدَ هذا الجوابُ، بل بطل.
قال الحافظ: لا يلزم من الذي ذُكِرَ بطلانه، بل المراد بما أورده أن صيام
اليوم الواحد يكتب بعشرة أيام، وأما مقدار ثواب ذلك، فلا يعلمه إلا الله تعالى.
ويؤيده أيضاً العرف المستفاد من قوله: ((أنا أجزي به))؛ لأن الكريم إذا
قال: أنا أتولى الإعطاء بنفسي كان في ذلك إشارة إلى تعظيم ذلك العطاء
و تفخيمه .
(ثالثها): معنى قوله: ((الصوم لي))، أي إنه أحبّ العبادات إليّ، والمقدم
عندي، وقد تقدّم قول ابن عبد البرّ: كفى بقوله: ((الصوم لي))، فضلاً للصيام
على سائر العبادات، وروى النسائيّ وغيره من حديث أبي أمامة، مرفوعاً:
((عليك بالصوم، فإنه لا مثل له))(١)، لكن يعكر على هذا الحديثُ الصحيحُ:
((واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة)).
(رابعها): الإضافة إضافة تشريف، وتعظيم، كما يقال: بيت الله، وإن
كانت البيوت كلها لله، قال الزين ابن المنيّر: التخصيص في موضع التعميم في
مثل هذا السياق لا يفهم منه إلا التعظيم والتشريف.
(خامسها): أن الاستغناء عن الطعام وغيره من الشهوات من صفات الربّ
جلّ جلاله، فلما تقرّب الصائم إليه بما يوافق صفاته أضافه إليه. وقال
القرطبيّ: معناه أن أعمال العباد مناسبة لأحوالهم، إلا الصيام، فإنه مناسب
لصفة من صفات الحقّ، كأنه يقول: إن الصائم يتقرّب إليّ بأمر هو متعلّق بصفة
من صفاتي.
(سادسها): أن المعنى كذلك، لكن بالنسبة إلى الملائكة؛ لأن ذلك من
صفاتهم.
(١) حديث صحيح، أخرجه النسائيّ برقم ٢٢٢٠/٤٣.

٣٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
(سابعها): أنه خالص لله، وليس للعبد فيه حظّ. قاله الخطابيّ. هكذا
نقله عياض وغيره، فإن أراد بالحظّ ما يحصل من الثناء عليه لأجل العبادة رجع
إلى المعنى الأول، وقد أفصح بذلك ابن الجوزيّ، فقال: المعنى ليس لنفس
الصائم فيه حظّ، بخلاف غيره، فإن له فيه حظّاً لثناء الناس عليه لعبادته.
(ثامنها): سبب الإضافة إلى الله أن الصيام لم يُعبَد به غيرُ الله، بخلاف
الصلاة، والصدقة، والطواف، ونحو ذلك.
واعترض على هذا بما يقع من عبّاد النجوم، وأصحاب الهياكل،
والاستخدامات، فإنهم يتعبّدون لها بالصيام.
وأجيب بأنهم لا يعتقدون إلهيّة الكواكب، وإنما يعتقدون أنها فعّالة
بأنفسها .
قال الحافظ: وهذا الجواب عندي ليس بطائل؛ لأنهم طائفتان: إحداهما
كانت تعتقد إلهيّة الكواكب، وهم من كان قبل ظهور الإسلام، واستمرّ منهم من
استمرّ على كفره. والأخرى من دخل منهم في الإسلام، واستمرّ على تعظيم
الكواكب، وهم الذين أشیر إليهم.
(تاسعها): أن جميع العبادات تُوَفَّى منها مظالم العباد إلا الصيام، روى
البيهقيّ من طريق إسحاق بن أيوب بن حسان الواسطيّ، عن أبيه، عن ابن
عيينة، قال: إذا كان يوم القيامة يُحاسب الله عبده، ويؤدي ما عليه من المظالم
من عمله حتى لا يبقى له إلا الصوم، فيتحمل الله ما بقي عليه من المظالم،
ويدخله بالصوم الجنّة.
قال القرطبيّ: قد كنت استحسنت هذا الجواب إلى أن فكّرت في حديث
المقاصّة، فوجدت فيه ذكر الصوم في جملة الأعمال حيث قال: ((المفلس الذي
يأتي يوم القيامة بصلاة، وصدقة، وصيام، ويأتي وقد شَتَم هذا، وضَرَب هذا،
وأَكَل مال هذا ... )) الحديث، وفيه: ((فيؤخذ لهذا من حسناته، ولهذا من
حسناته، فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أُخذ من سيئاتهم، فطُرحت
عليه، ثم طُرح في النار))، فظاهره أن الصيام مشترك مع بقيّة الأعمال في ذلك.
قال الحافظ: إن ثبت قول ابن عيينة أمكن تخصيص الصيام من ذلك،
فقد يستدلّ له بما رواه أحمد من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد،

٣٦٥
(٣٢) - بَابُ فَضْلِ الصِّيَامِ - حديث رقم (٢٧٠٦)
عن أبي هريرة ◌ُه رفعه: ((كلّ العمل كفارة إلا الصوم، الصوم لي، وأنا
أجزي به)).
وكذا رواه أبو داود الطيالسيّ في ((مسنده))، عن شعبة، عن محمد بن
زياد، ولفظه: ((قال ربّكم تبارك وتعالى: كلّ العمل كفّارة إلا الصوم)).
ورواه قاسم بن أصبغ من طريق أخرى، عن شعبة بلفظ: ((كلّ ما يعمله
ابن آدم كفّارة له إلا الصوم)».
وقد أخرجه البخاريّ في ((التوحيد)) عن آدم، عن شعبة بلفظ: ((يرويه عن
ربكم، قال: لكلّ عمل كفّارة، والصوم لي، وأنا أجزي به))، فحذف الاستثناء.
وكذا رواه أحمد عن غندر، عن شعبة، لكن قال: ((كلّ العمل كفّارة))،
وهذا يخالف رواية آدم؛ لأن معناه أن لكلّ عمل من المعاصي كفّارة من
الطاعات، ومعنى رواية غندر: كلّ عمل من الطاعات كفّارة للمعاصي. وقد
بيّن الإسماعيليّ الاختلاف فيه في ذلك على شعبة. وأخرجه من طريق غندر
بذكر الاستثناء، فاختلف فيه أيضاً على غندر، والاستثناء المذكور يشهد لما
ذهب إليه ابن عيينة، لكنه وإن كان صحيح السند، فإنه يعارضه حديث حذيفة:
((فتنة الرجل في أهله، وماله، وولده يكفّرها الصلاة، والصيام، والصدقة)).
(عاشرها): أن الصوم لا يظهر، فتكتبه الحفظة كما تكتب سائر الأعمال،
واستند قائله إلى حديث واهٍ جدّاً أورده ابن العربيّ في ((المسلسلات))، ولفظه:
((قال الله: الإخلاص سرّ من سرّي، استودعته قلب من أُحبّ، لا يطّلع عليه
ملك، فيكتبَهُ، ولا شيطان، فيفسدَهُ)). ويكفي في ردّ هذا القول الحديثُ
الصحيح في كتابة الحسنة لمن همّ بها، وإن لم يعملها .
قال الحافظ: فهذا ما وقفت عليه من الأجوبة، وقد بلغني أن بعض
العلماء بلّغها إلى أكثر من هذا، وهو الطالقانيّ في ((حظائر القدس)) له، ولم
(١)
أقف عليهُ
(١) ثم وقف عليه بعدُ، فقال في كتاب ((اللباس)) رقم (٥٩٢٧) ما نصّه: وقد تقدّم شرح
هذا الحديث مستوفَى في كتاب ((الصوم)) مع الإشارة إلى ما بيّنت هنا، وذكرت
أقوال العلماء في معنى إضافته ك الصيام إليه بقوله: ((فإنه لي))، ونقلت عن =

٣٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
قال الحافظ: وأقرب الأجوبة التي ذكرتها إلى الصواب الأول، والثاني،
ويقرب منها الثامن والتاسع.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأقرب هو الجواب الثاني، وهو
أنه تعالى منفرد بعلم مقدار ثوابه، وأنه يثيب الصائم بغير حساب، فهذا هو
الذي يؤيّده السياق، بل هو كالصريح فيه، حيث قال: ((كلُّ عمل ابن آدم
يضاعف، الحسنةُ بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء الله، قال الله:
إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): اتفقوا على أن المراد بالصيام هنا صيام من سَلِمَ
صيامه من المعاصي قولاً وفعلاً.
ونقل ابن العربيّ عن بعض الزهّاد أنه مخصوص بصيام خواصٌ
الخواصّ، فقال: إن الصوم على أربعة أنواع:
صيام العوام، وهو الصوم عن الأكل والشرب والجماع.
وصيام خواصّ العوامّ، وهو هذا، مع اجتناب المحرّمات، من قول أو
فعل.
وصيام الخواصّ، وهو الصوم عن غير ذكر الله وعبادته.
وصيام خواصّ الخواصّ، وهو الصوم عن غير الله، فلا فطر لهم إلى يوم
القيامة، وهذا مقام عال، لكن في حصر المراد من الحديث في هذا النوع نظر
لا يخفى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل في كون هذا النوع داخلاً في الحديث
المذكور نظر لا يخفى؛ إذ الصوم الشرعيّ هو الذي نزل القرآن ببيان وقته
= أبي الخير الطالقاني أنه أجاب عنه أجوبة كثيرة، نحو الخمسين، وأنني لم أقف
عليه، وقد يسّر الله تعالى الوقوف على كلامه، وتتبَّعت ما ذكره متأمّلاً، فلم أجد
فيه زيادة على الأجوبة العشرة التي حرّرتها هناك إلا إشارات صوفيّة، وأشياء
تكرّرت معنى، وإن تغايرت لفظاً، وغالبها يمكن ردّها إلى ما ذكرته. انتهى كلام
الحافظ ذله .

٣٦٧
(٣٢) - بَابُ فَضْلِ الصِّيَامِ - حديث رقم (٢٧٠٦)
المحدّد بما بين تبيّن طلوع الفجر الصادق، إلى غروب الشمس، حيث نصّ
عليه في قوله رَ: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَقَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اْأَسْوَدِ مِنَ
الْفَجْرِ ثُمَّ أَنِقُواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِّ﴾ [البقرة: ١٨٧] الآية. فحيثما ورد فضل الصوم في
النصّ فإنما يُراد به هذا النوع، وأما إعراض المرء عن غير الله تعالى، فليس له
وقت محدّد، وأيضاً إن أراد بغير الله ما يصدّ عن ذكر الله تعالى، ويَشغل عن
طاعته، فإن هذا الإعراض مطلوب محمود شرعاً، ولكن إطلاق الصوم عليه في
عرف الشرع محلّ نظر، وإن أراد عدم الالتفات إلى غير الله تعالى أصلاً، سواء
كان ذلك أمراً دينيّاً أو دنيوياً، بحيث إنه لا يلتفت إلى التكاليف الشرعيّة، فلا
يصلّي، ولا يصوم، ولا، ولا، لكونه وصل إلى مراده، فهذا ضلال، وزندقة،
وإلحاد، فضلاً عن أن يكون مطلوباً للشارع الحكيم جلّ وعلا، فتنبّه، فقد زلّ
فيه كثير من جهال العبّاد، فاعتبروا هذا مقاماً شريفاً، وحالاً منيفاً، بينما هو
الضلال والهلاك.
﴿رَبَّنَا لَا تُرْ قُوَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَُّنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ
[آل عمران: ٨]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): قال الحافظ وليّ الدين تَّثُهُ: اختلف في معنى كون
هذا الخلوف أطيب من ريح المسك بعد الاتفاق على أنه رحمت منزه عن استطابة
الروائح الطيّبة، واستقذار الروائح الخبيثة؛ فإن ذلك من صفات الحيوان الذي
له طبائع تميل إلى شيء، فتستطيبه، وتنفر من شيء، فتقذّره(١)، على أقوال:
(١) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما أوقعهم في هذه الأقوال المنتشرة التي لا تنبني
على حجة، إلا مجرّد التخيّل، وقياس الغائب بالشاهد، تقليداً للمتكلّمين الذين هم
أذناب الفلاسفة الملحدين، وإلا فلو فكروا في أن الله تعالى له الصفات العلى، لا
تشبه صفات المخلوقين، كما أن ذاته المقدسة لا تشبه ذواتهم، لما تطرّق إلى
أذهانهم الإشكال المزعوم أصلاً، كما هو هدي السلف الصالحين الذين كانوا إذا
سمعوا مثل هذا الحديث لم يتلجلج في قلوبهم شيء من الخيالات الفاسدة،
والأوهام الكاسدة، بل سلّموا، وأثبتوا ما أثبته النصّ، على مراد الله تعالى،
والخير كل الخير هو الذي كانوا عليه:
وَكُلّ خَيْرٍ فِي اتِّبَاعٍ مَنْ سَلَفْ
وَكُلُّ شَرِّ فِي ابْتِدَاعٍ مَنْ خَلَفْ

٣٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
(أحدها): قال المازريّ: هو مجاز، واستعارة؛ لأنه جرت عادتنا بتقريب
الروائح الطيّبة منّا، فاستعير ذلك في الصوم؛ لتقريبه من الله تعالى. انتهى.
فيكون المعنى: إن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك عندكم،
أي إنه يقرب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم، وذكر ابن عبد البرّ نحوه.
(الثاني): أن معناه أن الله تعالى يجزيه في الآخرة حتى تكون نكهته
أطيب من ريح المسك؛ كما يقال في المكلوم في سبيل الله: ((الريح ريح
المسك». حكاه القاضي عياض.
(الثالث): أن المعنى أن صاحب الخُلُوف ينال من الثواب ما هو أفضل
من ريح المسك عندنا، لا سيّما بالإضافة إلى الخلوف، وهما ضدّان. حكاه
القاضي عياض أيضاً.
(الرابع): أن المعنى أنه يُعتدّ برائحة الخلوف، وتدّخر على ما هي عليه
أكثر مما يعتدّ بريح المسك، وإن كانت عندنا بخلافه. حكاه القاضي عياض
أيضاً.
(الخامس): أن المعنى أن الخلوف أکثر ثواباً من المسك، حیث ندب
إليه في الجُمَع والأعياد، ومجالس الحديث والذكر، وسائر مجامع الخير. قاله
الداوديّ، وابن العربيّ، وصاحب ((المفهم))، وبعض الشافعيّة، قال النوويّ: إنه
الأصحّ.
(السادس): قال صاحب ((المفهم)): يَحْتَمِل أن يكون ذلك في حقّ
الملائكة، يستطيبون ريح الخلوف أكثر مما يستطيبون ريح المسك. انتهى كلام
وليّ الدين(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الأقوال كلها ساقطة، لا أثارة عليها
من علم، بل هي مبنيّة على هواء الهوى الفاسد، والتشبيه المتخيّل الكاسد،
وليس فيها عن السلف شيء، بل كلها جاءت عن متأخري الأشاعرة، ومن سار
على دَرْبهم، فإن الله ◌َلَ حينما أنزل على رسول الله وَلفيه: ((لخلوف فم الصائم
أطيب عند الله من ريح المسك)) لم يأمره ببيان كونه من المتشابه، وأن ظاهره
(١) ((طرح التثريب)) ٩٥/٤ - ٩٦.

٣٦٩
(٣٢) - بَابُ فَضْلِ الصِّيَامِ - حديث رقم (٢٧٠٦)
غير مراد، بل تأويله كذا وكذا، مع أنه تعالى هو الذي قال له: ﴿وَأَنْنَآ إِلَيْكَ
الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] الآية، ولم يتعرّض النبيّ ◌َّ
حينما أخبر بهذا الخبر لبيان الإشكال المزعوم، ولا للجواب عنه، ولا
ـّ الذين كانوا أعلم الناس بلغة العرب، وبمقاصد الشريعة
الصحابة الكرام
بعد نبيهم ◌ّ حينما سمعوا الحديث ما استشكلوه، ولا سألوا عن تأويله،
وهكذا التابعون لهم بإحسان رحمهم الله تعالى، سلكوا مسلكهم، أفلا يسعنا ما
وسعهم؟.
فيا أيها العقلاء، ويا أيها المنصفون الذين لم تنصبغ عقولهم بخيالات
الفلاسفة، وأوهام المتكلمين: إن واجب كل مسلم إذا سمع شيئاً من
النصوص، أن يتلقاه بالقبول، ولا يذهب به كلَّ مذهب تتخيّله نفسه، فإن هذه
النصوص لم تأت إلا من العليم الحكيم الذي هو أعلم بما يجوز أن يُنسب
إليه، وأن النبيّ ◌َيهِ لا يقول إلا الحقّ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَطِقُ عَنِ الْمَوَ
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُؤْحَى ﴾﴾ [النجم: ٣، ٤].
وخلاصة القول أن ما ثبت نسبته إلى الله تعالى في كتابه العزيز، أو في
حديث رسوله وهو الصحيح وجب قبوله، وإجراؤه على ظاهره على المعنى الذي
أراده الله تعالى، دون تشبيه ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تعطيل.
اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين
عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختُلِف فيه من الحقّ بإذنك، إنك
تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
ثم رأيت العلامة ابن القيّم تَّفُ تكلّم في هذا الموضوع في كتابه ((الوابل
الصيّب)) وفّد كلام الشراح لهذا الحديث في معنى كونه أطيب عند الله،
وتأويلهم إياه بالثناء على الصائم، والرضا بفعله على عادة كثير منهم بالتأويل
من غير ضرورة، فقال: وأيّ ضرورة تدعو إلى تأويل كونه أطيب عند الله من
ريح المسك بالثناء على فاعله، والرضا بفعله، وإخراج اللفظ عن حقيقته،
وكثير من هؤلاء ينشئ للّفظ معنى، ثم يَدّعي إرادة ذلك المعنى بلفظ النصّ من
غير نظر منه إلى استعمال ذلك اللفظ في المعنى الذي عيّنه، أو احتمال اللغة
له، ومعلوم أن هذا يتضمن الشهادة على الله تعالى، ورسوله يوليو بأن مراده من

٣٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
كلامه كيت وكيت، فإن لم يكن ذلك معلوماً بوضع اللفظ لذلك المعنى، أو
عرف الشارع وَ ﴿ وعادته المطردة، أو الغالبة باستعمال ذلك اللفظ في هذا
المعنى، أو تفسيره له به، وإلا كانت شهادة باطلة.
ومن المعلوم أن أطيب ما عند الناس من الرائحة رائحة المسك، فمثّل
النبيّ وَلّ هذا الخلوف عند الله تعالى بطيب رائحة المسك عندنا، وأعظم ونسبة
استطابة ذلك إليه ريك كنسبة سائر صفاته، وأفعاله إليه، فإنها استطابة لا تماثل
استطابة المخلوقين، كما أن رضاه وغضبه وفرحه وكراهيته وحبه وبغضه لا
تماثل ما للمخلوق من ذلك، كما أن ذاته مق لا تشبه ذوات خلقه، وصفاته لا
تشبه صفاتهم، وأفعاله لا تشبه أفعالهم، وهو رَك يستطيب الكلم الطيب،
فيصعد إليه، والعمل الصالح فيرفعه، وليست هذه الاستطابه كاستطابتنا .
ثم إن تأويله لا يرفع الإشكال؛ إذ ما استشكله هؤلاء من الاستطابه يلزم مثله
الرضا، فإن قال: رضا ليس كرضا المخلوقين، فقولوا: استطابة ليست كاستطابة
المخلوقين، وعلى هذا جميع ما يجيء من هذا الباب. انتهى كلام ابن القيّم تَُّهُ(١)،
وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): [إن قيل]: ما الحكمة في تحريم إزالة دم الشهيد مع
أن رائحته مساوية لرائحة المسك، وعدم تحريم إزالة الخُلُوف مع كونه أطيب
من ريح المسك؟.
[قلت]: ذكر الإمام جمال الدين الإسنويّ تَُّ في ((المهمّات)) خمسة
أوجه من الأجوبة:
(أحدها): أن دم الشهيد حجة له على خصمه، وليس للصائم خصم،
يَحتجّ عليه بالخلوف، إنما هو شاهد له بالصيام، وذلك محفوظ عند الله،
وملائكته .
(ثانيها): أن دم الشهيد حقّ له، فلا يُزال إلا بإذنه، وقد انقطع ذلك
بموته، وقد كان له غسله في حياته، والخلوف حقّ للصائم، فلا حرج عليه في
ترك حقّه، وإزالة ما يشهد له بالفضل.
(١) ((الوابل الصيب)) ٤٥.

٣٧١
(٣٢) - بَابُ فَضْلِ الصِّيَامِ - حديث رقم (٢٧٠٧)
(ثالثها): أن كون رائحة دم الشهيد كرائحة المسك أمر حقيقيّ، وكون
رائحة الخلوف أطيب من رائحة المسك أمر حكميّ، له تأويل يصرفه عن ظاهره
في أكثر الأقوال المتقدّم بيانها .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: التأويلات التي تقدّم بيانها غير صحيحة،
كما تقدم تحقيق ذلك، فلا تغفل.
(رابعها): أنه ورد النهي عن إزالة دم الشهيد مع وجوب إزالة الدم (١)،
ومع وجوب غسل الميت، فما اغتفر ترك هذين الواجبين إلا لتحريم إزالته،
فلذلك قلنا بتحريمه، ولم يَرِد ذلك في السواك، وإنما قيل بالاستنباط.
(خامسها): أنه عارض ذلك في خلوف الصائم بقاء الحياة، وهي محلّ
التكليف، والعبادات، وملاقاة البشر، فأمكن أن يُزال الخلوف لما عارضه،
بخلاف دم الشهيد، فإنه بخلاف ذلك. انتهى منقولاً من ((طرح التثريب))
بتصرّف(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الجواب الأول عندي هو الأقرب؛ لظهور
حجته، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٧٠٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ،
وَوَكِيعٌ، عَنْ الْأَعْمَشِ (ح) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ
(ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((كُلُّ عَمَلِ ابْنِ
أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
آدَمَ يُضَاعَفُّ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ: إِلَّ الصَّوْمَ،
(١) في وجوب إزالة الدم غير دم الحيض نظر لا يخفى، إذ لا دليل على وجوبه، وقد
تقدّم تحقيق ذلك فى كتاب ((الطهارة))، فتفطّن.
(٢) راجع: ((طرح التثريب)) ١٠١/٤، فإنه منقول عنه بتصرّف.

٣٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ:
فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فِيهِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ
الْمِسْكِ»).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قريباً.
٣ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم قبل بابين.
٥ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٦ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قريباً.
٧ - (أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ) عبد الله بن سعيد، تقدّم قبل بابين.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي) تعليل لاختصاصه بعظيم الجزاء،
وعطف: ((طعامه)) من عطف الخاصّ على العامّ، فإن الشهوة تشمل الطعام
وغيره، وفي رواية ابن خزيمة رقم - ١٨٩٧ - من طريق سهيل بن أبي صالح،
عن أبيه: ((يدع الطعام، ويدع الشراب من أجلي، ويدع لذّته من أجلي، ويدع
زوجته من أجلي))، وعند الحافظ سمويه في ((فوائده)) من طريق المسيّب بن
رافع، عن أبي صالح: ((يترك شهوته، من الطعام، والشراب، والجماع من
أجلي)).
ووقع بأداة الحصر في رواية أحمد، ولفظه: (يقول الله : إنما يذر
شهوته إلخ))، وكذا عند سعيد بن منصور، ولفظه: ((يقول الله رغم: كلّ عمل
ابن آدم هو له، إلا الصيام، فهو لي، وأنا أجزي به، وإنما يذر ابن آدم
شهوته، وطعامه من أجلي)) الحديث.
قال في ((الفتح)): وقد يُفْهَم من الإتيان بصيغة الحصر في قوله: ((إنما يذر
إلخ)) التنبيه على الجهة التي يستحقّ الصائم ذلك، وهو الإخلاص الخاصّ به،

٣٧٣
(٣٢) - بَابُ فَضْلِ الصِّيَامِ - حديث رقم (٢٧٠٨)
حتى لو كان ترك المذكورات لغرض آخر كالتُّخَمَة لا يحصل للصائم الفضل
المذكور، لكن المدار في هذه الأشياء على الداعي القويّ الذي يدور معه
الفعل وجوداً وعدماً، ولا شكّ أن من لم يَعْرِض في خاطره شهوة شيءٍ من
الأشياء طول نهاره إلى أن أفطر ليس هو في الفضل كمن عرض له ذلك،
فجاهد نفسه في تركه.
والحديث متّفقٌ عليه، وتمام شرح الحديث، وبيان مسائله تقدّمت، وبالله
تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٧٠٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْل،
عَنْ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ ﴿يَا قَالَا: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَلّهِ: ((إِنَّ اللهَ يَقُولُ: إِنَّ الصَّوْمَ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، إِنَّ لِلصَّائِم
فَرْحَتَيْنِ: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ اللهَ فَرِحَ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفٌ فَمِ
الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) بن غزوان الضّبّيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن
الكوفيّ، ثقةٌ رُمي بالتشيّع [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٨/٦٣.
٢ - (أَبُو سِنَانٍ) الشيبانيّ الأكبر، ضِرَار بن مُرّة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦]
(ت١٣٢) (بخ م مد ت س) تقدم في ((الجنائز)) ٢٢٦٠/٣٤.
[تنبيه]: ولهم أبو سنان الشيباني الأصغر، واسمه سعيد بن سنان الْبُرْجميّ
الكوفيّ، نزيل الريّ، تقدّم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٨/ ١٢٦٧.
٣ - (أَبُو سعيد) سعد بن مالك بن سنان الخدريّ ظُه، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ اللهَ فَرِحَ) قال العلماء - رحمهم الله
تعالى -: أما فرحته عند لقاء ربه فبما يراه من جزائه، وتذكّر نعمة الله تعالى
عليه بتوفيقه لذلك، وأما عند فطره فسببها تمام عبادته، وسلامتها من

٣٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
المفسدات، وما يرجوه من ثوابها، ذكره النوويّ تَقْذَثُمُ(١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٧٠٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَلِيطٍ الْهُذَلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ
الْعَزِيزِ، يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ، وَهُوَ أَبُو سِنَانٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ،
قَالَ: ((وَقَالَ: إِذَا لَقِيَ اللهُّ، فَجَزَاهُ فَرِحَ))).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَلِيطٍ الْهُذَلِيُّ) أبو يعقوب البصريّ، صدوقٌ [١٠].
رَوَى عن حماد بن سلمة، وسليمان بن المغيرة، وعبد العزيز بن مسلم،
وغيرهم.
وروى عنه مسلم، وأبو داود في ((فضائل الأنصار))، وأبو زرعة، وأبو
حاتم، وحرب الكرمانيّ، وموسى بن هارون الحمّال، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ليس به بأسٌ،
وقال ابن قانع في ((الوفيات)): صالحٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
قيل: مات سنة (٢٢٩)، وقيل: سنة (٢٢٣).
تفرّد به المصنّف، وأبو داود في ((فضائل الأنصار))، وله في هذا الكتاب
أربعة أحاديث فقط، برقم (١١٥١) و(٢٤٧٢) و(٢٨٧٣) و(٢٩٦٧).
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِم) الْقَسْمَليّ، أبو زيد المروزيّ، ثم البصريّ،
ثقةٌ عابدٌ ربّما وَهِمَ [٧] (ت١٦٧) (خ م د س ت) تقدم في ((المساجد ومواضع
الصلاة» ١١٨٣/٢.
و((ضِرارُ بن مرّة)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية عبد العزيز بن مسلم، عن ضِرَار بن مُرّة هذه لم أجد من
(١) ((شرح النوويّ)) ٣١/٨ - ٣٢.

٣٧٥
(٣٢) - بَابُ فَضْلِ الصِّيَامِ - حديث رقم (٢٧١٠)
ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تظلّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٧١٠] (١١٥٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ،
وَهُوَ الْقَطَوَانِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَاباً، يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ
الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مَعَهُمْ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟
فَيَدْخُلُونَ مِنْهُ، فَإِذَا دَخَلَ آخِرُهُمْ أُغْلِقَ، فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْقَطَوَانِيُّ) البَجَليّ مولاهم، أبو الْهَيثم الكوفيّ،
صدوقٌ يتشيّع، وله أفراد، من كبار [١٠] (ت٢١٣) أو بعدها (خ م كد ت س
ق) تقدم في ((الإيمان)) ٦٥/ ٣٦٧.
وقوله: (الْقَطَوَانيّ) هو بفتح القاف والطاء، قال البخاريّ، والكلاباذيّ:
معناه: الْبَقّال، كأنهم نسبوه إلى بيع القطنية، قال القاضي: وقال الباجيّ: هي
قرية على باب الكوفة، قال: وقاله أبو ذر أيضاً، وفي ((تاريخ البخاريّ)): إن
قَطَوَان موضع، ذكره النوويّ(١).
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أبو أيوب المدنيّ،
ثقةٌ [٨] (ت١٧٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٠/١٤.
٣ - (أَبُو حَازِم) سلمة بن دينار الأعرج الأثور التّمّار القاصّ المدنيّ، ثقة
عابدٌ [٥] (ت١٤٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان) ٣١٣/٥٠.
٤ - (سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ) بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ الساعديّ،
أبو العبّاس الصحابيّ ابن الصحابيّ ظًا، مات سنة (٨٨) وقيل: بعدها، وقد
جاوز المائة (ع) تقدم في ((الإيمان) ٣١٣/٥٠.
(١) ((شرح النوويّ)) ٣٢/٨.

٣٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
وشیخه ذُكر قبل حديث.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّلهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ، وشيخ شيخه، كما أسلفته آنفاً .
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، وشيخ شيخه،
فكوفیّان.
شرح الحديث:
(عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) الساعديّ ◌َ﴿هَا، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِنَّ
فِي الْجَنَّةِ بَاباً) قال الزين ابن المنيّر: إنما قال: ((في الجنّة))، ولم يقل:
(للجنّة))؛ ليشعر بأن في الباب المذكور من النعيم، والراحة ما في الجنّة،
فیکون أبلغ في التشوّق إلیه. انتهى.
قال الحافظ: قلت: وقد جاء الحديث من وجه آخر بلفظ: ((إن للجنّة
ثمانية أبواب، منها باب يسمّى الريّان، لا يدخله إلا الصائمون))، أخرجه هكذا
الجوزقيّ من طريق أبي غسّان، عن أبي حازم - أي عن أبي هريرة ظُه - وهو
للبخاريّ من هذا الوجه في ((بدء الخلق))، لكن قال: ((في الجنّة ثمانية أبواب)).
(١)
انتھی(١).
(يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ) - بفتح الراء، وتشديد التحتانيّة، وزان فَعْلَان - من
الرَّيّ، اسم عَلَمٌ على باب من أبواب الجنّة، يختصّ بالدخول منه الصائمون،
وهو مما وقعت المناسبة فيه بين لفظه ومعناه؛ لأنه مشتقّ من الرّيّ، وهو
مناسب لحال الصائمين، واكتَفَى بذكر الريّ عن الشِّبَع؛ لأنه يدلّ عليه من حيث
إنه يستلزمه، أو لكونه أشقّ على الصائم من الجوع، أفاده في ((الفتح))(٢).
(يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مَعَهُمْ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ
الصَّائِمُونَ؟ فَيَدْخُلُونَ مِنْهُ، فَإِذَا دَخَلَ آخِرُهُمْ أُغْلِقَ) بالبناء للمفعول، من
(١) ((الفتح)) ٦٠/٤.
(٢) المصدر المذكور.

٣٧٧
(٣٢) - بَابُ فَضْلِ الصِّيَامِ - حديث رقم (٢٧١٠)
الإغلاق، قال الجوهريّ: أَغلَقت الباب، فهو مُغْلَق، والاسم: الغَلْق، ويقال:
غَلَقتُ البابَ غَلْقاً. انتهى.
وقال الفيّوميّ: وأغلقتُ البابَ بالألف: أوثقته بالْغَلَق - بفتحتين -(١)،
وغّقته بالتشديد مبالغة وتكثيرٌ، وانغلق ضدّ انفتح، وغَلَقته، من باب ضرب لغةٌ
قليلةٌ، حكاها ابن دُريد عن أبي زيد. انتهى (٢).
وقوله أيضاً: (فَإِذَا دَخَلَ آخِرُهُمْ أُغْلِقَ) قال النوويّ كَُّ: هكذا وقع في
بعض الأصول: ((فاذا دخل آخرهم))، وفي بعضها: ((فإذا دخل أولهم))، قال
القاضي وغيره: وهو وَهَمِّ، والصواب: ((آخرهم)). انتهى.
وقال في ((الفتح)): وكذا أخرجه ابن أبي شيبة في ((مسنده))، وأبو نعيم في
(مستخرجيه)) معاً من طريقه، وكذا أخرجه الإسماعيليّ، والْجَوْزقيّ من طرُق،
عن خالد بن مخلد، وكذا أخرجه النسائيّ، وابن خزيمة، من طريق سعيد بن
عبد الرحمن وغيره، وزاد فيه: ((من دَخَلَ شَرِب، ومن شَرِب لا يَظْمَأ أبداً»،
وللترمذيّ، من طريق هشام بن سعد، عن أبي حازم نحوه، وزاد: ((ومن دخله
لم يظمأ أبداً))، ونحوه للنسائيّ، والإسماعيليّ، من طريق عبد العزيز بن أبي
حازم، عن أبيه، لكنه وقفه، وهو مرفوع قطعاً؛ لأن مثله لا مجال للرأي فيه.
انتھی
(٣)
وقوله: (فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ))) القياس ((فلا يدخل))؛ لأن ((لم يدخل))
للماضي، ولكنه عَظْفٌ على قوله: ((لا يدخل))، فيكون في حكم المستقبل.
(٤) .
انتھی
وإنما أعاده بعد قوله: ((لا يدخل معهم غيرهم)) تأكيداً.
وقال الحافظ زين الدين العراقيّ كَّتُهُ: وقد استَشْكَل بعضهم الجمع بين
حديث باب الريان، وبين الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم من حديث
(١) ((الْغَلَقُ)) بفتحتين: المفتاح، جمعه أَغلاق بالفتح، مثلُ سبب وأسباب، أفاده في
((المصباح)) ٢/ ٤٥١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٥١.
(٤) ((عمدة القاري)) ١٠/ ٢٦٣.
(٣) ((الفتح)) ٢٢٦/٥.

٣٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
عمر عنه عن النبيّ وَّلإر قال: ((ما منكم من أحد، يتوضأ، فيبلغ، أو يسبغ
الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، إلّا
فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء)).
قالوا: فقد أخبر النبيّ ◌َ ﴿ أنه يدخل من أيها شاء، وقد لا يكون فاعل
هذا الفعل من أهل الصيام، بأن لا يبلغ وقت الصيام الواجب، أو لا يتطوع
بالصيام.
والجواب عنه من وجهين:
[أحدهما]: أنه يُصْرَف عن أن يشاء باب الصيام، فلا يشاء الدخول منه،
ويدخل من أيّ باب شاء غير الصيام، فيكون قد دخل من الباب الذي شاءه.
[والثاني]: أن حديث عمر ظله قد اختَلَفت ألفاظه، فعند الترمذيّ:
((فتحت له ثمانية أبواب من الجنة، يدخل من أيها شاء))، فهذه الرواية تدل على
أن أبواب الجنة أكثر من ثمانية، وقد لا يكون باب الصيام من هذه الثمانية،
ولا تعارض حينئذ. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد ظُه هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧١٠/٣٢] (١١٥٢)، و(البخاريّ) في ((الصوم))
(١٨٩٦) و((بدء الخلق)) (٣٢٥٧)، و(الترمذيّ) في ((الصوم)) (٧٦٥)، و(النسائيّ)
في ((الصيام)) (٢٢٣٦ و٢٢٣٧)، و((الكبرى)) (٢٥٤٤ و٢٥٤٥)، و(ابن ماجه) في
((الصيام)) (١٦٤٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥/٣ -٦) وفي ((مسنده))
(٨٨/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٣٣/٥ و٣٣٥)، و(ابن خزيمة) في
((صحيحه)) (١٩٠٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٤٢٠ و٣٤٢١)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (١٦٥/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٢٩/٣)،
(١) راجع: ((عمدة القاري)) ٢٦٣/١٠.

٣٧٩
(٣٣) - بَابُ فَضْلِ الصِّيَامِ فِي سَبِيلِ اللهِ - حديث رقم (٢٧١١)
و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (١٩٢/٦) و(الكبير)) (١٣٤/٦ و١٥٢ و١٨٤ ١٩٢)،
و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٥٢٥/١٣)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (١/
١٦٨)، و((البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٠٥/٤)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة))
(١٧٠٨ و١٧٠٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان عظمة فضل الصيام.
٢ - (ومنها): بيان كرامة الصائمين، حيث خصهم الله تعالى على سائر
الناس بدخولهم من باب الريّان.
٣ - (ومنها): إثبات أبواب للجنّة، ومن تلك الأبواب باب الريّان
مخصوص بالصائمين، فإذا دخلوا منه أُغلق، فلم يدخل منه أحد غيرهم.
٤ - (ومنها): فضل باب الريّان على غيره من الأبواب، حيث إن من
دخله شَرِب عند الدخول، ثم لم يظمأ بعده أبداً، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٣٣) - (بَابُ فَضْلِ الصِّيَامِ فِي سَبِيلِ اللهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٧١١] (١١٥٣) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنِي
الَّيْثُ، عَنْ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحِ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَّاشٍ، عَنْ
أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ◌َهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّ ◌َِّ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْماً فِي
سَبِيلِ اللهِ، إِلَّ بَاعَدَ اللهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفاً)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ) التجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
[١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦.
٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ،

٣٨٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
ثقةٌ ثبتٌ فقيه إمام مشهور [٧] (ت١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢
ص٤١٢.
٣ - (ابْنُ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثيّ، أبو
عبد الله المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت١٣٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣.
٤ - (سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِح) ذكوان، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ تغيّر بآخره [٦]
(ت١٣٨) (ع) تقدم في ((الإيمانَ)) ١٤/ ١٦١.
٥ - (التُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ) الزُّرقيّ الأنصاريّ، أبو سلمة المدنيّ، ثقةٌ
[٤] (خ م ت س ق) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٤.
٦ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان ﴿ًّا، تقدّم في السند
الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذُّهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو، وابن
ماجه، والنعمان بن أبي عيّاش، فما أخرج له أبو داود.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من ابن الهاد، والباقيان مصريّان.
٤ - (ومنها): أن رواية ابن الهاد عن سُهيل من رواية الأكابر عن
الأصاغر؛ لأن ابن الهاد من الطبقة الخامسة، وسهيلاً من السادسة.
شرح الحديث:
(عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِح) اسم أبيه ذكوان السمّان (عَن النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي
عَيَّاشٍ) بتشديد التحتانيّة، آخره مُعجمة.
[تنبيه]: قد اختلف في إسناد هذا الحديث على سهيل، فرواه الأكثرون
عنه هكذا، وخالفهم شعبة، فرواه عنه عن صفوان بن يزيد، عن أبي سعيد
الخدريّ، أخرجه النسائيّ، قال الحافظ تَُّهُ: ولعل لسهيل فيه شيخين،
وأخرجه النسائي أيضاً من طريق أبي معاوية، عن سهيل، عن المقبريّ، عن
أبي سعيد، ووَهِمَ فيه أبو معاوية، وإنما يرويه المقبريّ، عن أبي هريرة، لا عن
أبي سعيد، وإنما رواه سهيل من حديث أبي هريرة، عن أبيه، عنه، لا عن