Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ (٢٩) - بَابُ قَضَاءِ الصِّيَامِ عَن الْمَيِّتِ - حديث رقم (٢٧٠١) عبد الملك بن أبي سليمان(١)، عن عبد الله بن عطاء، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، أن امرأة أتت النبيّ وَّ، فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية، فماتت، فرجعت إليّ في الميراث، فقال: ((قد آجرك الله، ورَدّ عليك في الميراث)). قال أبو عبد الرحمن: هذا خطأ، والصواب: عبد الله بن بريدة. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: إنما خطّأ النسائيّ ◌َخْذُ هذه الرواية لمخالفة عبد الملك بن أبي سليمان الحفّاظ الذين رووا عن عبد الله بن عطاء بجعله شيخه سليمان بن بريدة، وهم جعلوه عبد الله بن بريدة، وهم أكثر وأحفظ منه، وهم: عليّ بن مسهر، وعبد الله بن نُمير، وسفيان الثوريّ، ورواياتهم عند المصنّف في هذا الباب، ووافقهم زهير بن معاوية، عند أبي داود، وابن أبي ليلى، عند النسائيّ، إلا أنه قال: ((عن ابن بريدة))، ولم يسمّه. على أن عبد الملك، وإن كان ثقةً، إلا أن بعضهم وصفه بأنه يُخطىء، قال أبو داود: قلت لأحمد: عبد الملك بن أبي سليمان؟ قال: ثقةٌ، قلت: يُخطىء؟ قال: نعم، وكان من أحفظ أهل الكوفة، إلا أنه رفع أحاديث عن عطاء، تكلّم فيه أيضاً شعبة، وغيره(٢). والحاصل أن اتّفاق هؤلاء يُرجّح على عبد الملك بن أبي سليمان، فالحديث لعبد الله بن بُريدة، لا لسليمان بن بُريدة، والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: نقل الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ كَّلُ في ((تحفته)) ما نصّه: قال النسائيّ: حديث إسحاق الأزرق خطأ، والصواب حديث عبد الله بن بريدة، وعبدُ الله بن عطاء ليس بذاك القويّ. انتهى(٣). وهذا الكلام لم أجده في النسخة التي بين يديّ من ((السنن الكبرى)) للنسائيّ، وإنما الموجود فيها ما أسلفته، ولعله لاختلاف النسخ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (١) وقع في الطبعة القديمة من ((الكبرى)): ((عبد الله بن أبي سليمان))، والصواب ما في النسخة الجديدة: ((عبد الملك بن أبي سليمان))، فتنبّه. (٢) راجع: ترجمته في ((تهذيب التهذيب)) ٦١٣/٢ - ٦١٤. (٣) ((تحفة الأشراف)) ١٠٤/٢. ٣٤٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام (٣٠) - (بَابُ الصَّائِمِ يُدْعَى لِطَعَامِ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٠٢] (١١٥٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَن الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَبِهِ، قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: رِوَايَةً، وَقَالَ عَمْرٌو: يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ◌ِّهِ، وَقَالَ زُهَيْرٌ: عَنِ النَّبِيِّ نَلِ قَالَ: ((إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامِ، وَهُوَ صَائِمٌ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد، تقدّم قبل باب. ٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قريباً. ٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ) تقدّم قبل باب. ٥ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القُرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيه [٥] (ت١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥. ٦ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٢/٢٣. ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَظُهُ تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تَّثُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتفاق كيفيّة الأخذ والأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول والثالث ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له الترمذيّ وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه من أصحّ أسانيد أبي هريرة ٣٤٣ (٣٠) - بَابُ الصَّائِمِ يُدْعَى لِطَعَامِ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ - حديث رقم (٢٧٠٢) ـه أحفظ ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة من روى الحديث في دهره. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَبِهِ، قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: رِوَايَةً) يعني أن شيخه أبا بكر بن أبي شيبة قال: ((عن أبي هريرة روايةً))، أي ينقله أبو هريرة عن النبيّ وَّهِ نقلاً (وَقَالَ عَمْرُو: يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ◌َ﴿) يعني أن شيخه عمراً الناقد قال: ((عن أبي هريرة ◌َظُه يبلغ به النبيّ وَّ))، والمعنى: أن أبا هريرة عزا الحديث إلى النبيّ وَّ (وَقَالَ زُهَيْرٌ: عَن النَّبِيِّ ◌َ﴿) يعني أن شيخه زهيراً قال: ((عن أبي هريرة ظه، عن النبيّ وَّ))، وغرض المصنّف تَّتُ بهذا بيان اختلاف ألفاظ شيوخه، وكلّها متقاربة المعنى، إلا أن قوله: ((عن النبيّ ◌َّ) صريح في الرفع، وأما قوله: ((روايةٌ))، وقوله: ((يبلغ به النبيّ وَّ) من صيغ الرفع حكماً، (قَالَ) وَ ((إِذَا دُعِيَ) بالبناء للمفعول (أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامِ، وَهُوَ صَائِمٌ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي والحال أنه صائم، أيَّ: صوم نفل، قاله ابن حجر الهيتميّ، وتعقّبه القاري، فقال: ولا دلالة في الحديث؛ لاحتمال أن یکون صوم قضاء ونحوه. انتهى. (فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ))) اعتذاراً للداعي، فإن سَمَح، ولم يطالبه بالحضور فله التخلف، وإلا حضر، وليس الصوم عذراً في التخلف. قيل: إنما أَمَر المدعوّ حين لا يجيب الداعي أن يعتذر عنه بقوله: ((إني صائم))، وإن كان يُستحب إخفاء النوافل؛ لئلا يؤدي ذلك إلى عداوة، أو تباغض بينه وبين الداعي(١). وقال النوويّ كَّثُهُ: هذا محمول على أنه يقول له اعتذاراً له، وإعلاماً بحاله، فإن سَمَح له، ولم يطالبه بالحضور سقط عنه الحضور، وإن لم يسمح، وطالبه بالحضور لزمه الحضور، وليس الصوم عذراً في إجابة الدعوة، ولكن إذا حضر لا يلزمه الأكل، ويكون الصوم عذراً في ترك الأكل، بخلاف المفطر، (١) ((مرقاة المفاتيح)) ٥٠١/٤ ٣٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام فإنه يلزمه الأكل على أصحّ الوجهين عندنا، كما سيأتي واضحاً - إن شاء الله تعالى - في بابه، والفرق بين الصائم والمفطر منصوص عليه في الحديث الصحيح، كما هو معروف في موضعه، وأما الأفضل للصائم، فقال أصحابنا : إن كان يشقّ على صاحب الطعام صومه استُحِبّ له الفطر، وإلا فلا، هذا إذا كان صوم تطوع، فإن كان صوماً واجباً حَرُم الفطر. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌ُبه هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧٠٢/٣٠] (١١٥٠)، و(أبو داود) في ((الصوم)) (٢٤٦١)، و(الترمذيّ) في ((الصوم)) (٧٨١)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٢٦٩)، و(ابن ماجه) في ((الصيام)) (١٧٥٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣١٧/٢)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٠١٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢/ ٢٤٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٧٤٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٦٥/٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٢٦/٣)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٦٨/١١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن المستحبّ لمن دعي إلى طعام، وهو صائم، ولا يريد الإفطار أن يقول: إني صائم. ٢ - (منها): بيان أنه لا بأس بإظهار نوافل العبادة من الصوم والصلاة وغيرهما إذا دعت إليه حاجة، والمستحبّ إخفاؤها إذا لم تكن حاجة. ٣ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض ◌َّتُهُ: فيه حجةُ أنه ليس للمتنفّل إفساد نيّته، وفطر يومه لغير عذر، ولو كان الفطر مباحاً له ابتداءً لم يرشده إلى العذر بصومه. انتهى(٢). (١) (شرح النوويّ)) ٢٨/٨. (٢) ((إكمال المعلم)) ١٠٨/٤. ٣٤٥ (٣١) - بَابُ مَا يَقُولُهُ الصَّائِمُ إِذَا شُوتِمَ، أَوْ قُوتِلَ - حديث رقم (٢٧٠٣) قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله عياض من أنه ليس للمتنفّل الفطر ضعيف، والصحيح أن له أن يفطر؛ لحديث: ((الصائم التطوّع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر))، وهو حديث صحيح، أخرجه أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ، وغيرهم، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): أن فيه الحضّ على حسن المعاشرة والصحبة، ومراعاة الألفة، وحسن الاعتذار عند وجود سببه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَغْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٣١) - (بَابُ مَا يَقُولُهُ الصَّائِمُ إِذَا شُوتِمَ، أَوْ قُوِلَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٧٠٣] (١١٥١) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَن الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ تَبهِ رِوَايَةً، قَالَ: ((إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْماً صَائِماً، فَلَا يَرْفُتْ، وَلَا يَجْهَلْ، فَإِن امْرُؤٌ شَاتَمَهُ، أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: وهو الإسناد الذي سبق قبله في الباب الماضي. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَظُبهِ رِوَايَةً) منصوب بفعل مقدّر، أي يرويه روايةً، والجملة في محلّ نصب على الحال، أي حال كون أبي هريرة ينقله عن النبيّ ◌َ ﴿ نقلاً (قَالَ) النبيّ ◌َِّهِ ((إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْماً صَائِماً، فَلَا يَرْفُثْ) - بضم الفاء، وكسرها، ويجوز في ماضيه التثليث، والمراد بالرفث هنا - وهو بفتح الراء والفاء، ثمّ المثلّثة -: الكلام الفاحش، وهو يطلق على هذا، وعلى الجماع، وعلى مقدّماته، وعلى ذكره مع النساء، أو مطلقاً، ويَحْتَمِل أن يكون ٣٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام لما هو أعمّ منها، قاله في ((الفتح))، وقوله: (وَلَا يَجْهَلْ) أعمّ من («لا يرفُث)): أي لا يفعل شيئاً من أفعال أهل الجهل، كالصياح، والسَّفَه، ونحو ذلك، ولسعيد بن منصور من طريق سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه: ((فلا يرفث، ولا يُجادل))، قال القرطبيّ: لا يُفهَم من هذا أن غير يوم الصوم يباح فيه ما ذُكر، وإنما المراد أن المنع من ذلك يتأكّد بالصوم. انتهى. (فَإِنِ امْرُؤُّ شَاتَمَهُ، أَوْ قَاتَلَهُ) وفي رواية للبخاريّ: ((فإن سابّه أحدٌ، أو قاتله))، وفي رواية له: ((وإن امرؤ قاتله، أو شاتمه ... ))، وفي رواية أبي قُرّة: ((وإن شتمه إنسان، فلا يكلّمه))، ونحوه في رواية عند أحمد، ولسعيد بن منصور: ((فإن سابّه أحد، أو ماراه))، أي جادله، ولابن خزيمة: ((لا تُسابّ، وأنت صائم، فإن سبّك أحد، فقل: إني صائم، وإن كنت قائماً فاجلس))(١)، وللنسائيّ من حديث عائشة يتا: ((وإن امرؤ جَهِل عليه، فلا يشتمه، ولا يسبّه)) (فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ))) قال النوويّ تَخُّْهُ: هكذا هو مرتين، واختلفوا في معناه، فقيل: يقوله بلسانه جهراً، يسمعه الشاتمَ، والمقاتلَ، فينزجر غالباً، وقيل: لا يقوله بلسانه، بل يُحَدِّث به نفسه؛ ليمنعها من مشاتمته، ومقاتلته، ومقابلته، ويَصون صومه عن المكدرات، ولو جمع بين الأمرين كان حسناً، انتھی. وقال السنديّ نَّهُ: أي فليعتذر عنده من عدم المقابلة بأن حاله لا يساعد المقابلة بمثله، أو فليذكُر في نفسه أنه صائم؛ ليمنعه ذلك عن المقابلة بمثله، قاله السنديّ(٢). وقال في ((الفتح)): واتفقت الروايات على أنه يقول: ((إني صائم))، فمنهم من ذكرها مرتين، ومنهم من اقتصر على واحدة. وقد استُشكِل ظاهره بأن المفاعلة تقتضي وقوع الفعل من الجانبين، (١) إسناده صحيح. وعجلان المدنيّ مولى المشمعلّ - بضمّ الميم، وسكون المعجمة، وفتح الميم، وكسر المهملة، وتشديد اللام - لا بأس به، من الرابعة. أفاده في (ت)) . (٢) ((شرح السنديّ)) ٤/ ١٦٤. ٣٤٧ (٣١) - بَابُ مَا يَقُولُهُ الصَّائِمُ إِذَا شُوئِمَ، أَوْ قُوتِلَ - حديث رقم (٢٧٠٣) والصائم لا تصدر منه الأفعال التي رتّب عليها الجواب، خصوصاً المقاتلة . والجواب عن ذلك أن المراد بالمفاعلة التهيؤ لها، أي إن تهيّأ لمقاتلته، أو مشاتمته، فليقل: إني صائم، فإنه إذا قال ذلك أمكن أن يكفّ عنه، فإن أصرّ دَفَعه بالأخفّ، فالأخفّ، كالصائل، هذا فيمن يروم مقاتلته حقيقة، فإن كان المراد بقوله: ((قاتله)) شاتمه؛ لأن القتل يطلق على اللعن، واللعنُ من جملة السبّ - ويؤيّده ما تقدّم من الألفاظ المختلفة، فإن حاصلها يرجع إلى الشتم - فالمراد من الحديث أنه لا يعامله بمثل عمله، بل يقتصر على قوله: ((إني صائم)). واختلف في المراد بقوله: ((فليقل: إني صائم))، هل يخاطب بها الذي يكلّمه بذلك، أو يقولها في نفسه؟. وبالثاني جزم المتوليّ، ونقله الرافعيّ عن الأئمة، ورجح النوويّ الأول في ((الأذكار))، وقال في ((شرح المهذّب)): كلّ منهما حسن، والقول باللسان أقوى، ولو جمعهما لكان حسناً، ولهذا التردّد أتي البخاري، في ترجمته، فقال: ((باب هل يقول: إني صائم إذا شُتِم؟)). وقال الرويانيّ: إن كان رمضان فليقل بلسانه، وإن كان غيره في نفسه. وادعى ابن العربيّ أن موضع الخلاف في التطوّع، وأما في الفرض فيقوله بلسانه قطعاً . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أنه يقوله بلسانه مطلقاً؛ لإطلاق النصّ، فإنه لم يفرّق بين فرض وتطوّع، والله تعالى أعلم. قال: وأما تكرير قوله: ((إني صائم))، فليتأكّد الانزجار منه، أو ممن يخاطبه بذلك. ونقل الزركشيّ أن المراد بقوله: ((فليقل: إني صائم مرتين)) يقوله مرّة بقلبه، ومرّة بلسانه، فيستفيد بقوله بقلبه كفّ لسانه عن خصمه، وبقوله بلسانه کفّ خصمه عنه. وتُعقّب بأن القول حقيقة باللسان، وأجيب بأنه لا يمنع المجاز. [تنبيه]: نهي الصائم عن الرفث، والجهل، والمخاصمة، والمشاتمة، ليس مختصّاً به، بل كل أحد مثله في أصل النهي عن ذلك، لكن الصائم آكد، ٣٤٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام قاله النوويّ ◌َخْتُهُ(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧٠٣/٣١] (١١٥١)، و(البخاريّ) في ((الصيام)) (١٨٩٤)، و(أبو داود) في ((الصوم)) (٢٣٦٣)، و(النسائيّ) في ((الصيام)) (٤/ ١٦٣ و١٦٤) وفي ((الكبرى)) (٣٢٥٢ و٣٢٥٣)، و(ابن ماجه) في ((الصيام)) (١/ ٥٣٩)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٣١٠/١)، و(عبد الرزاق) في ((مصنّفه)) (٤/ ٣٥٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٧١/٢)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٢/ ٤٤٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٥/٢ و٢٥٧ و٤٦٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٦٥/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٢٦/٣ و٢٢٧ و٢٢٨)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (٢٤٠/٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٨/ ٢٠٥)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٤٤/١١)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٣/ ١٥٦) و((الكبير)) (١٢٩/١٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٦٩/٤ و٢٧٠) و((الصغرى)) (٤٤٢/٣) و((المعرفة)) (٤١٤/٣)، وفوائده تأتي في الباب التالي - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٣٢) - (بَابُ فَضْلِ الصِّيَامِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٠٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا (١) ((شرح النوويّ)) ٢٨/٨ - ٢٩. ٣٤٩ (٣٢) - بَابُ فَضْلِ الصِّيَامِ - حديث رقم (٢٧٠٤) هُرَيْرَةَ رَهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَ يَقُولُ: ((قَالَ اللهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، هُوَ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخِلْفَةُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى التُّجِيبِيُّ) أبو حفص المصريّ، صدوقٌ [١١] (ت٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابد [٩] (ت١٩٧) عن (٧٢) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت١٥٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم، أبو بكر المدنيّ الإمام الحجة الثبت الشهير، من رؤوس [٤] (ت١٢٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٤٨. ٥ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه حجة [٣] (ت٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧١. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَظُه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. وقوله: (لَخِلْفَة فم الصائم) - بكسر الخاء المعجمة، وسكون اللام - قال ابن الأثير كَُّهُ: ((الْخِلْفُ)) بالكسر: تغيّر ريح الفم، وأصلها في النبات أن ينبُت الشيء بعد الشيء؛ لأنها رائحة حدثت بعد الرائحة الأولى، يقال: خَلَف فمه يَخْلُف من باب قَعَد يقعُدُ خِلْفَةً وخُلُوفاً. انتهى(١). وضبطه النوويّ كَّلُ بضم الخاء، فقال: ((قوله: ((لَخُلْفة))، وفي رواية: (لَخُلُوف)) هو بضمّ الخاء فيهما. انتهى، وتمام شرح الحديث يأتي بعد حديث - إن شاء الله تعالى -. (١) ((النهاية)) ٦٧/٢. ٣٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٧٠٥] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنٍ قَعْنَبِ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ، وَهُوَ الْحِزَامِيُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ((قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((الصِّيَامُ جُنَّةٌ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ) القعنبيّ البصريّ، مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [٩] مات بمكة أول سنة (٢٢١) (خ م د ت س) تقدم في ((الطهارة)) ١٧ / ٦١٧. ٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠. ٣ - (الْمُغِيرَةُ) بن عبد الرحمن بن خالد بن حِزَام الْحِزَامِيُّ المدنيّ، لقبه قُصيّ، ثقةٌ له غرائب [٧] (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٥٣/٢٦. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. وقوله: ((الصِّيَامُ جُنَّةٌ)) - بضم الجيم - ومعناه: سُترة، ومانع من الرَّفَث والآثام، ومانع أيضاً من النار، ومنه الْمِجَنّ، وهو التُّرْس، ومنه الْجِنّ؛ لاستتارهم، قاله النوويّ تَخْثُ(١)، وسيأتي تمام البحث فيه في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى -. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٠٦] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ أَبِي صَالِحِ الزَّيَّاتِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَبُّهَ يَقُولُ: قَالَ رُّسُولُ اللهِ وَّهِ: ((قَالَ اللهُ: كُلُّ عَّمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّ الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمٍ أَحَدِكُمْ، فَلَا يَرْفُتْ يَوْمَئِذٍ، وَلَا (١) ((شرح النوويّ)) ٣٠/٨ - ٣١. ٣٥١ (٣٢) - بَابُ فَضْلِ الصِّيَامِ - حديث رقم (٢٧٠٦) يَسْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ، أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ، أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) القشيريّ مولاهم، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [١١] (ت٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ، مصنّفٌ، تغيّر بعدما عَمِيَ، وكان يتشيّع [٩] (٢١١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٣ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم، أبو خالد، وأبو الولَّيد المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، لكنه يرسل ويدلّس [٦] (ت١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦. ٤ - (عَطَاءُ) بن أبي رَباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه إمامٌ، كثير الإرسال [٣] (ت١١٤) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٢/٨٣. ٥ - (أَبُو صَالِحِ الزَّيَّاتُ) ذكوان السمّان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. و((أبو هريرة ﴿)) ذُكر قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَُّهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن عمر. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: عطاء، عن أبي صالح، وهو من رواية الأقران. ٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ظله رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثاً. ٣٥٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام شرح الحديث : (عَنْ أَبِي صَالِحِ الزَّيَّاتِ) نسبة إلى بيع الزيت، ويقال له أيضاً: السمّان، وكان أبو صالح يتّجِّر بالزيت والسمن (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَُّهَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((قَالَ اللهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّ الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) قال النوويّ كَّلُ: اختَلَف العلماء في معناه مع كون جميع الطاعات لله تعالى، فقيل: سبب إضافته إلى الله تعالى أنه لم يُعْبَد أحد غير الله تعالى به، فلم يُعَظِّم الكفار في عصر من الأعصار معبوداً لهم بالصيام، وإن كانوا يعظمونه بصورة الصلاة، والسجود، والصدقة، والذكر، وغير ذلك، وقيل: لأن الصوم بعيد من الرياء؛ لخفائه، بخلاف الصلاة، والحجّ، والغزو، والصدقة، وغيرها من العبادات الظاهرة، وقيل: لأنه ليس للصائم ونفسه فيه حظّ، قاله الخطابيّ، قال: وقيل: إن الاستغناء عن الطعام من صفات الله تعالى، فتقرّب الصائم بما يتعلق بهذه الصفة، وإن كانت صفات الله تعالى لا يشبهها شيء، وقيل: معناه أنا المنفرد بعلم مقدار ثوابه، أو تضعيف حسناته، وغيره من العبادات أظهر ربك بعض مخلوقاته على مقدار ثوابها، وقيل: هي إضافة تشريف، كقوله تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ [الشمس: ١٣]، مع أن العالم كله لله تعالى. انتهى، وسنعود لاستكمال هذا البحث في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -. (وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ) ((الجُنّة)) - بضمّ الجيم -: السُّتْرَة، ومنه الْمِجَنّ، وهو الترس، زاد سعيد بن منصور، عن مغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ظُبه: ((جنة من النار))، وللنسائيّ مثله من حديث عائشة ﴿يا، ومن حديث عثمان بن أبي العاص ظُه بلفظ: ((الصوم جنّة من النار، كجنة أحدكم من القتال))، ولأحمد من طريق أبي يونس، عن أبي هريرة: ((جنة، وحصن حصين من النار))، وللنسائيّ من حديث أبي عُبيدة بن الجرّاح ◌َظُه: ((الصوم جنّة، ما لم يَخْرِقها))، زاد الدارميّ: ((بالغيبة))(١)، وبذلك ترجم له هو، وأبو داود. (١) في كون هذه الزيادة من جملة المرفوع نظر لا يخفى، فإن الظاهر أنها من كلام الدارميّ، راجع: ((شرحي)) على النسائيّ. ٣٥٣ (٣٢) - بَابُ فَضْلِ الصِّيَامِ - حديث رقم (٢٧٠٦) و((الجُنّة)) : - بضمّ الجيم -: الوقاية والستر، وقد تبيّن بهذه الروايات متعلَّق هذا الستر، وأنه ((من النار))، وبهذا جزم ابن عبد البرّ. وأما صاحب ((النهاية))، فقال: معنى كونه جُنّةً: أي يقي صاحبه ما يؤذيه من الشهوات. وقال القرطبيّ: جنة: أي سترة، يعني بحسب مشروعيّته، فينبغي للصائم أن يصونه مما يُفسده، وينقص ثوابه، وإليه الإشارة بقوله: ((فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث إلخ))، ويصحّ أن يراد أنه سترة بحسب فائدته، وهو إضعاف شهوات النفس، وإليه الإشارة بقوله: ((يَدَعُ شهوته إلخ))، ويصحّ أن يراد أنه سترة بحسب ما يحصل من الثواب، وتضعيف الحسنات. وقال عياض في ((الإكمال)): معناه سترة من الآثام، أو من النار، أو من جميع ذلك، وبالأخير جزم النوويّ، وقال ابن العربيّ: إنما كان الصوم جنة من النار؛ لأنه إمساك عن الشهوات، والنار محفوفة بالشهوات. فالحاصل أنه إذا كفّ نفسه عن الشهوات في الدنيا كان ذلك ساتراً له من النار في الآخرة. وفي زيادة أبي عبيدة بن الجرّاح ◌ُه إشارة إلى أن الغيبة تضرّ بالصيام، وقد حُكي عن عائشة، وبه قال الأوزاعيّ أن الغيبة تفطّر الصائم، وتوجب عليه قضاء ذلك اليوم. قال الحافظ: وأفرط ابن حزم، فقال: يبطله كلّ معصية من متعمّد لها ذاكر لصومه، سواء كانت فعلاً، أو قولاً؛ لعموم قوله: ((فلا يرفث، ولا يجهل))، ولقوله في الحديث الآخر: ((من لم يدع قول الزور، والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)). والجمهور، وإن حملوا النهي على التحريم إلا أنهم خصّوا الفطر بالأكل والشرب والجماع. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى الحافظ على ما قاله ابن حزم بالإفراط غير صحيحة، كيف يقال لمن قال بما اقتضاه ظواهر النصوص: إنه ٣٥٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام أفرط؟، بل هذا هو الإفراط نفسه، فما قاله ابن حزم هو الظاهر، وقد تقدّم قريباً النقل عن عائشة، والأوزاعيّ أن الغيبة تفطر الصائم، فَلِمَ لم يعترض عليهما؟، مع أن الجمهور لا يرون ذلك أيضاً. والحاصل أن مذهب الجمهور هو الذي يحتاج إلى دليل، فتأمل بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب. وأشار ابن عبد البرّ إلى ترجيح الصيام على غيره من العبادات، فقال: حسبك بكون الصوم جُنّة من النار فضلاً، وقد أخرج النسائيّ بسند صحيح عن أبي أمامة ◌ُه، قال: قلت: يا رسول الله مُرْني بأمر آخذه عنك، قال: ((عليك بالصوم، فإنه لا مثل له))، وفي لفظ: ((لا عدل له))، والمشهور عند الجمهور ترجيح الصلاة (١) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور يؤيّده ما أخرجه أحمد، وابن ماجه، والدارميّ بأسانيد صحيحة، عن ثوبان ظ ◌ُبه، قال: قال رسول الله قال: ((استقيموا، ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن))، والله تعالى أعلم. (فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمٍ أَحَدِكُمْ) ((كان)) هنا تامّة، و((يومُ)) مرفوع على الفاعليّة، ويَحْتَمِل أن تكون ناقصة، واسمها ((الوقت)) مقدّراً، و(يوم)) بالنصب خبرها . (فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ) بضم الفاء، وكسرها، ويجوز في ماضيه التثليث، والمراد بالرفث هنا: الكلام الفاحش، وقد تقدّم البحث فيه قريباً. (وَلَا يَسْخَبْ) قال النوويّ تَخْتُ: هكذا هو هنا بالسين، ويقال: بالسين والصاد، وهو الصياح، وهو بمعنى الرواية الأخرى: ((ولا يجهل، ولا يرفُث))، قال القاضي: ورواه الطبريّ: ((ولا يسخر)) بالراء، قال: ومعناه صحيح؛ لأن السخرية تكون بالقول والفعل، وكله من الجهل، قال النوويّ: وهذه الرواية تصحیف، وإن كان لها معنى. انتهى. (١) انظر: ((الفتح)) ٤ /٥٩٤ - ٥٩٥. ٣٥٥ (٣٢) - بَابُ فَضْلِ الصِّيَامِ - حديث رقم (٢٧٠٦) قال الجامع عفا الله عنه: إن أراد النوويّ بالتصحيف أنها غير ثابتة رواية، فمسلّم، وإلا فلا كما قال القاضي، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقال في ((الفتح): قوله: ((ولا يصخب)) كذا للأكثر بالمهملة الساكنة، بعدها خاء معجمة، ولبعضهم: بالسين بدل الصاد، وهو بمعناه، والصخب الخصام والصياح، والمراد بالنهي عن ذلك تأكيده حالة الصوم، وإلا فغير الصائم منهيّ عن ذلك أيضاً. انتهى. (فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ، أَوْ قَاتَلَهُ) وتقدّم بلفظ: ((فإن امرؤ شاتمه، أو قاتله))، وفي رواية للبخاريّ من طريق الأعرج عن أبي هريرة ◌ُبه: ((وإن امرؤ قاتله، أو شاتمه ... ))، ولأبي قُرّة من طريق سهيل، عن أبيه: ((وإن شتمه إنسان، فلا يكلّمه))، ونحوه في رواية هشام، عن أبي هريرة، عند أحمد، ولسعيد بن منصور من طريق سهيل: ((فإن سابّه أحد، أو ماراه))، أي جادله، ولابن خزيمة من طريق عجلان مولى الْمُشْمَعِلِّ، عن أبي هريرة: ((لا تُسابٌ، وأنت صائم، فإن سبّك أحد، فقل: إني صائم، وإن كنت قائماً فاجلس)) (١)، وللنسائيّ من حديث عائشة رضيا: ((وإن امرؤ جهل عليه، فلا يشتمه، ولا يسبّه)). (فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤُ صَائِمٌ) تقدّم أنه يقول: ((إني صائم، إني صائم))، مرتين، وتقدّم البحث فيه هناك مستوفّی. (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ) أقسم على ذلك تأكيداً، وفيه إثبات صفة اليد لله تعالى على ما يليق بجلاله (لَخُلُوفُ فَم الصَّائِم) بفتح لام جواب القسم، و((الخُلُوف)) - بضم الخاء، واللام، بعدَها واو،َ وآخره فاء -: تغيّر رائحة الفم، يقال: خَلَفَ فم الصائم خُلُوفاً، من باب قَعَدَ: تغيّرت ريحه، وأخلف بالألف لغة، وزاد في ((الجمهرة)): من صوم، أو مرض. قاله في ((المصباح)). وقال القاضي عياض تخّثُ: كونه بضم الخاء واللام هو الرواية الصحيحة، وبعض الشيوخ يقوله بفتح الخاء. قال الخطابيّ: وهو خطأ. وحكى (١) تقدّم ص٤٥٤ أن إسناده صحيح. ٣٥٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام القابسيّ الوجهين، وصوّب الضمّ، وبالغ النوويّ في ((شرح المهذّب))، فقال: لا يجوز فتح الخاء، واحتجّ غيره لذلك بأنّ المصادر التي جاءت على فَعُول بفتح أوله قليلة، ذكرها سيبويه وغيره، وليس هذا منها. واتفقوا على أن المراد به تغيّر رائحة فم الصائم بسبب الصيام. كذا في ((الفتح)). وقال الباجيّ: الخلوف تغيّر رائحة فم الصائم، وإنما يَحدُث من خُلُوّ المعدة بترك الأكل، ولا يذهب بالسواك؛ لأنها رائحة النفَس الخارج من المعدة، وإنما يذهب بالسواك ما كان في الأسنان من التغيّر. وقال البَرْقَيّ: هو تغيّر طعم الفم، وريحه لتأخّر الطعام. وقال عياض: هو ما يخلف بعد الطعام في الفم من رائحة كريهة؛ لخلوّ المعدة من الطعام(١). [تنبيه]: ((الخلوف)) بالضبط المذكور هو المشهور في الرواية، ووقع عند البخاريّ في رواية الكشميهنيّ: ((لَخُلُف)) بحذف الواو، قال العينيّ: والظاهر أنه جمع خِلْفَة - بالكسر -، وقال ابن الأثير: الخِلْفة - بالكسر - تغيّر ريح الفم، وأصلها في النبات أن ينبت الشيء بعد الشيء؛ لأنها رائحة بعد الرائحة الأولى، وروي في غير البخاريّ بهذه اللفظة، أعني (خِلْفَة)). انتھی(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الرواية تقدّمت قبل حديث، والله تعالى أعلم. [فائدة]: قوله: ((فم الصائم)) فيه ردّ على أبي عليّ الفارسيّ في قوله: إن ثبوت الميم في ((الفم)) خاصّ بضرورة الشعر(٣)، فقد ثبت في هذا الحديث في الاختيار، وأما في الشعر فقد ثبت في قوله [من الرجز]: كَالْحُوتِ لاَ يُلْهِيهِ شَيْءٌ يَلْقَمُهُ يُصْبِحُ ظَمْآنَ وَفِي الْبَحْرِ فَمُهْ (أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ) وفي الرواية السابقة: ((لخِلفة فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك))، وقد تقدّم أن ((الْخِلَفة)) بكسر الخاء، وضبطها النوويّ بضمّها، وهي بمعنى الْخُلُوف. (١) راجع: ((المرعاة)) ٤٠٨/٦ - ٤٠٩. (٣) راجع: ((طرح التثريب)) ٩٥/٤. (٢) راجع: ((عمدة القاري)) ٢٩/٩. ٣٥٧ (٣٢) - بَابُ فَضْلِ الصِّيَامِ - حديث رقم (٢٧٠٦). [فائدة]: وقع نزاع بين الشيخ أبي عمرو بن الصلاح، والشيخ أبي محمد بن عبد السلام - رحمهما الله تعالى - في أن هذا الطيب في الدنيا والآخرة، أم في الآخرة خاصة؟ فقال أبو محمد: في الآخرة خاصة؛ لتقييده في رواية مسلم بيوم القيامة. وقال أبو عمرو: هو عامّ في الدنيا والآخرة، واستدل بأشياء كثيرة منها ما جاء في ((صحيح ابن حبّان))، قال: باب في كون ذلك يوم القيامة، وباب في كونه في الدنيا، وروى في هذا الباب بإسناده الثابت أنه وَلٍّ قال: ((لخلوف فم الصائم حين يُخْلِف أطيب عند الله من ريح المسك))، وروى الإمام الحسن بن سفيان في ((مسنده)) عن جابر نظره: أن النبيّ وَلّ قال: ((أعطيت أمتي في شهر رمضان خمساً ... )) قال: ((وأما الثانية فإنهم يُمسون، وخلوف أفواههم أطيب عند الله من ريح المسك))، وروى هذا الحديث الإمامُ الحافظ أبو بكر السمعاني في ((أماليه))، وقال: هو حديث حسن، فكل واحد من الحديثين مصرِّح بأنه في وقت وجود الخلوف في الدنيا يتحقق وصفه بكونه أطيب عند الله من ريح المسك، قال: وقد قال العلماء شرقاً وغرباً معنى ما ذكرته في تفسيره، قال الخطابي: طيبه عند الله رضاه به، وثناؤه عليه، وقال ابن عبد البر: معناه: أزكى عند الله تعالى وأقرب إليه، وأرفع عنده من ريح المسك، وقال البغوي في ((شرح السنة)): معناه الثناء على الصائم، والرضا بفعله، وكذا قال الإمام القدوري إمام الحنفية في الخلاف: معناه أفضل عند الله من الرائحة الطيبة، ومثله قال البوني من المالكية، وكذا قال الإمام أبو عثمان الصابونيّ، وأبو بكر السمعانيّ، وأبو حفص ابن الصفار الشافعيون في ((أماليهم)) وأبو بكر ابن العربي المالكي، وغيرهم، فهؤلاء أئمة المسلمين شرقاً وغرباً لم يذكروا سوى ما ذكرته ولم يذكر أحد منهم وجهاً بتخصيصه بالآخرة مع أن كتبهم جامعة للوجوه المشهورة والغريبة، ومع أن الرواية التي فيها ذكر يوم القيامة مشهورة في الصحيح بل جزموا بأنه عبارة عن الرضا، والقبول، ونحوهما مما هو ثابت في الدنيا والآخرة، وأما ذكر يوم القيامة في تلك الرواية فلأنه يوم الجزاء وفيه يظهر رجحان الخلوف في الميزان على المسك المستعمل لدفع الرائحة الكريهة طلباً لرضا الله ٣٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام تعالى، حيث يؤمر باجتنابها، واجتلاب الرائحة الطيبة، كما في المساجد والصلوات وغيرها من العبادات، فخص يوم القيامة بالذكر في رواية لذلك [العاديات: ١١]، كما خص في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ وأطلق في باقي الروايات نظراً إلى أن أصل أفضليته ثابت في الدارين، كما سبق تقريره، هذا مختصر ما ذكر الشيخ أبو عمرو تَقْذفهُ(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا يخفى كون ما ذهب إليه الشيخ أبو عمرو بن الصلاح كَُّ هو الأرجحَ؛ لظهور حجته، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (وَلِلصَّائِمْ فَرْحَتَانٍ) جملة اسميّة من المبتدأ المؤخّر والخبر المقدّم، أي للذي قام بحقوقَ الصوم، فأداه بواجباته، ومستحباته مرّتان من الفَرَح عظيمتان: إحداهما في الدنيا، والأخرى في الأخرى. وقوله: (يَفْرَحُهُمَا) جملة في محلّ رفع صفة لـ((فرحتان)). [تنبيه]: المراد بالصائم هو الذي أدّى حقّ الصوم، كما يشير إليه سياق هذا الحديث، قال العلّامة ابن القيّم تَخُّْ في ((كتابه (الوابل الصيب)): والصائم هو الذي صامت جوارحه عن الآثام، ولسانه عن الكذب والفحش، وقول الزور، وبطنه عن الطعام والشراب، وفرجه عن الرَّفَث، فإن تكلم لم يتكلم بما يجرح صومه، وإن فعل لم يفعل ما يُفسِد صومه، فَيُخرِج كلامَه كله نافعاً صالحاً وكذلك أعماله، فهي بمنزلة الرائحة التي يشمّها من جالس حامل المسك كذلك، من جالس الصائم انتفع بمجالسته، وأمن فيها من الزور والكذب والفجور والظلم، هذا هو الصوم المشروع، لا مجرد الإمساك عن الطعام والشراب، ففي الحديث الصحيح: ((من لم يَدَعْ قول الزور، والعمل به والجهل، فليس لله حاجة أن يَدَع طعامه وشرابه))، وفي الحديث: ((رُبَّ صائم حظه من صيامه الجوع والعطش))(٢). فالصوم هو صوم الجوارح عن الآثام، (١) (المجموع شرح المهذّب)) ٢٧٩/١. (٢) هو حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلهو: «رُبَّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر))، رواه ابن ماجه، واللفظ له، والنسائيّ، وابن خزيمة في (صحيحه))، والحاكم، وقال: صحيح على شرط البخاريّ. ٣٥٩ (٣٢) - بَابُ فَضْلِ الصِّيَامِ - حديث رقم (٢٧٠٦) وصوم البطن عن الشراب والطعام، فكما أن الطعام والشراب يقطعه ويفسده، فهكذا الآثام تقطع ثوابه، وتفسد ثمرته، فتُصَيِّره بمنزلة من لم يصم. انتهى كلام ابن القيّم ◌َّهُ(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدّاً. وقوله: (إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ) إشارة إلى الفرحة الأولى، يعني أنه يَفْرَح وقتَ إفطاره بالخروج عن عُهدة المأمور، أو بوجدان التوفيق لإتمام الصوم، أو بخلوص الصوم، وسلامته من المفسدات، من الرفث واللغو، أو بما يرجوه من حصول الثواب، أو بالأكل، والشرب بعد الجوع والعطش. قال القرطبيّ تَخَّثُ: معناه يفرح بزوال جوعه وعطشه حيث أبيح له الفطر، وهذا الفرح طبيعيّ، وهو السابق للفهم، وقيل: إن فَرَحَه بفطره إنما هو من حيث إنه تمام صومه، وخاتمة عبادته، وتخفيف من ربّه، ومعونة على مستقبل صومه . قال الحافظ: ولا مانع من الحمل على ما هو أعمّ مما ذُكر، ففرح كلّ أحد بحسبه؛ لاختلاف مقامات الناس في ذلك، فمنهم من يكون فرحه مباحاً، وهو الطبيعيّ، ومنهم من يكون مستحبّاً، وهو من يكون سببه شيئاً مما ذُكر. انتهى، وهو تحقیقٌ حسنٌ. وقوله: (وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ))) إشارة إلى الفرحة الثانية، يعني أنه يفرح وقت لقاء ربه، بنيل الجزاء، أو الفوز باللقاء، وقيل: هو السرور بقبول صومه، وترتّب الجزاء الوافر عليه، ولا تنافي بين المعاني، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ربه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧٠٦/٣٢ و٢٧٠٧ و٢٧٠٨ و٢٧٠٩] ( ... )، و(البخاريّ) في ((الصوم)) (١٩٠٤)، و(النسائيّ) في ((الصيام)) (١٦٣/٤ و١٦٦) (١) ((الوابل الصيب)) ٤٣/١. ٣٦٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام و((الكبرى)) (٩٠/٢ و٩١ و١٩٩)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٣١٢/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٧٣/٢ و٥١٦ و٢٤٤/٦)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٤٥٥/١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٨٩٠ و١٨٩٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢١٠/٨)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٢٧/٣ - ٢٢٨)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (١٦٣/٢ - ١٦٤)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (١/ ٢٨٨)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٨٦/٢)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٤/ ٢٧٣) و((الكبير)) (٤٥/٢ و٧٠/٢٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٧٠/٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان عظيم فضل الصوم، والحثّ عليه. ٢ - (ومنها): إثبات صفة الكلام لله تعالى، وأنه يتكلم حيث يشاء، ويكلّم من يشاء بما يشاء، وأن كلامه ليس خاصّاً بالقرآن الكريم، وهذا هو الذي يُسمّى بالحديث القدسيّ، وهو كلام الله تعالى على الحقيقة، والفرق بينه وبين القرآن أن القرآن متعبّد بتلاوته، بخلاف هذا. ٣ - (ومنها): أن قوله: ((وأنا أجزي به)) فيه بيانٌ لعظم فضله، وكثرة ثوابه؛ لأن الكريم إذا أخبر بأنه يتولى بنفسه الجزاء اقتضى عِظَم قدر الجزاء، وسعة العطاء. ٤ - (ومنها): أن العبادات تتفاوت من حيث الثواب. ٥ - (ومنها): أن ثواب الصوم لا يعلم مقداره إلا الله تعالى. ٦ - (ومنها): أن الصائم له الفرح في الدنيا والآخرة. ٧ - (ومنها): أن الله تَلَ تفضّل على عباده بأن جعل الروائح الكريهة بسبب الصوم أطيب من ريح المسك. ٨ - (ومنها): أن خلوف فم الصائم أعظم من دم الشهيد؛ لأن دم الشهيد شُبِّهَ ريحه بريح المسك، وخلوف فم الصائم وُصف بأنه أطيب، ولا يلزم من ذلك أن يكون الصيام أفضل من الشهادة لما لا يخفى (١)، والله ذو الفضل (١) أفاده في ((الفتح)) ٥٩٨/٤.