Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١
(٢٨) - بَابُ قَضَاءِ رَمَضَانَ فِي شَعْبَانَ - حديث رقم (٢٦٨٧)
كان زیداً. انتهى(١).
(فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ) أي ما فاتني من أيام رمضان (إِلَّا فِي شَعْبَانَ) غير
منصرف؛ للعلميّة، وزيادة الألف والنون، وجمعه شعبانات، وشَعَابين(٢).
وقوله: (الشُّغْلُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّه) برفع ((الشغل)) خبراً لمحذوف، أي
المانع لها الشغل، أو مبتدأ محذوف الخبر، أي الشغل هو المانع لها، وسيأتي
في ((التنبيه)) أنه مدرج من كلام يحيى، فتنبّه.
(أَوْ بِرَسُولِ اللهِ وَلِ)) ((أو)) للشكّ من الراوي، هل قال: ((من
رسول الله ( 8))، أو ((برسول الله وَليت)؟.
وقال القاري كَخَّتُهُ: ((أو)) للشك من أحد الرواة عن يحيى على ما هو الظاهر،
ويمكن أن يكون للتنويع، و((الشغلُ)) مبتدأ، والتقدير: الشغل المانع لقضاء الصوم
كان ثابتاً من جهته، أو اشتغالها بخدمته هو المانع من القضاء، وقال الزركشيّ: هو
بالرفع بفعل مضمر، أي أوجب ذلك الشغل، أو مني الشغل. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: كون ((أو)) هنا للتنويع لا يخفى بُعده، فتأمل،
والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ كَّتُهُ: هكذا هو في النسخ ((الشغلُ)) بالألف واللام،
مرفوعاً، أي يمنعني الشغلُ برسول الله وَّه، وتعني بالشغل، وبقولها في
الحديث الثاني: ((فما تقدر على أن تقضيه)) أن كل واحدة منهنّ كانت مُهَيِّئة
نفسها لرسول الله وَّ﴿، مُتَرَصِّدةَ لاستمتاعه في جميع أوقاتها إن أراد ذلك، ولا
تدري متى يريده، ولم تستأذنه في الصوم؛ مخافةً أن يأذن، وقد يكون له حاجة
فيها، فتفوتها عليه، وهذا من الأدب (٤).
[تنبيه]: قوله: ((الشغلُ من رسول الله وُّ و ... إلخ)) مدرج من كلام
يحيى بن سعيد، وليس من كلام عائشة رضيثا، وقد وقع بيان ذلك في ((صحيح
البخاريّ))، ولفظه: ((قال يحيى: الشغل من النبيّ، أو بالنبيّ وَّ)).
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٦٠١/٥.
(٢) ((المصباح المنير)) ٣١٤/١.
(٤) «شرح النوويّ)) ٢٢/٨.
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) ٤٦٠/٤.
٣٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
قال في ((الفتح)): قوله: ((قال يحيى)) هذا تفصيل لكلام عائشة رؤيا من
كلام غيرها .
ووقع في رواية مسلم مُدرجاً لم يقل فيه: ((قال يحيى))، فصار كأنه من
كلام عائشة، أو ممن روى عنها، وكذا أخرجه أبو عوانة من وجه آخر، عن
زهير، وأخرجه مسلم من طريق سليمان بن بلال، عن يحيى مدرجاً أيضاً،
ولفظه: ((وذلك لمكان رسول الله وَله)). وأخرجه من طريق ابن جريج، عن
يحيى، فَبَيَّن إدراجه، ولفظه: ((فظننت أن ذلك لمكانها من رسول الله وَطيات)) يحيى
يقوله.
وأخرجه أبو داود من طريق مالك، والنسائيّ من طريق يحيى القطان،
وسعيد بن منصور، عن ابن شهاب، وسفيان(١)، والإسماعيليّ من طريق أبي
خالد، كلهم عن يحيى بدون الزيادة.
وأخرجه مسلم من طريق محمد بن إبراهيم التيميّ، عن أبي سلمة بدون
الزيادة، لكن فيه ما يُشعِر بها، فإنه قال فيه ما معناه: ((فما أستطيع قضاءها مع
رسول الله {َالچ)).
ويَحْتَمِل أن يكون المراد بالمعية الزمان، أي أن ذلك كان خاصّاً بزمانه.
وللترمذيّ، وابن خزيمة من طريق عبد الله البَهِيّ، عن عائشة: ((ما قضيت
شيئاً مما يكون عليّ من رمضان إلا في شعبان، حتى قُبِض رسول الله وَلتر)).
ومما يَدُلّ على ضعف الزيادة أنه وَ ﴿ كان يَقْسِم لنسائه، فَيَعْدِل، وكان
يدنو من المرأة في غير نوبتها، فيُقَبِّل، ويلمس من غير جماع، فليس في شغلها
بشيء من ذلك ما يمنع الصوم، اللهم إلا أن يقال: إنها كانت لا تصوم إلا
بإذنه، ولم يكن يَأْذَن؛ لاحتمال احتياجه إليها، فإذا ضاق الوقت أَذِنَ لها،
وكان هو ◌َّ يكثر الصوم في شعبان، فلذلك كانت لا يتهيأ لها القضاء إلا في
(٢)
شعبان. انتهى (٢) .
(١) كذا وقع في نسخة ((الفتح))، وهو محل نظر، فلتراجع: ((سنن سعيد بن منصور))،
والله تعالى أعلم.
(٢) ((الفتح)) ٣٥٠/٥ - ٣٥١.
٣٠٣
(٢٨) - بَابُ قَضَاءِ رَمَضَانَ فِي شَعْبَانَ - حديث رقم (٢٦٨٧)
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن قوله: ((الشغل ... إلخ)) في
رواية المصنّف مدرج من كلام يحيى بن سعيد الأنصاريّ، كما بيّن من رواية
البخاريّ وغيره، وأنه ظنٍّ من يحيى أن سببه هو الشغل به وَّه، فتنبه، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﴿ٌّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦٨٧/٢٨ و٢٦٨٨ و٢٦٨٩ و٢٦٩٠ و٢٦٩١]
(١١٤٦)، و(البخاريّ) في ((الصوم)) (١٩٥٠)، و(أبو داود) في ((الصوم))
(٢٣٩٩)، و(الترمذيّ) في ((الصوم)) (٧٨٣)، و(النسائيّ) في ((الصيام)) (١٩١/٤
و١٥٠ - ١٥١) و((الكبرى)) (١١٣/٥)، و(مالك) في ((الموظّأ)) (٣٠٨/١)،
و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٧٦٧٦ و٧٦٧٧)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه))
(٩٨/٣)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٥٠٩)، و(أحمد) في ((باقي مسنده))
(٢٤٤٠٧ و٢٤٩٣٤)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٠٤٦ و٢٠٤٧ و٢٠٤٨)،
و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٥١٦)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٤٨٩
و٤٩٠)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٢١٢/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه))
(٢٢١/٣ - ٢٢٢)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٤٠٠)، و(البيهقيّ) في
(الكبرى)) (٢٥٢/٤) و((الصغرى)) (٣٤٥/٣)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة))
(١٧٧٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وضع الصيام عن الحائض أيام حيضها .
٢ - (ومنها): وجوب القضاء على الحائض بعدما طهرت عن الحيض.
٣ - (ومنها): جواز تأخير قضاء رمضان مطلقاً، سواء كان لعذر أو لغير
عذر؛ لأن الزيادة - يعني قوله: ((الشغل من رسول الله (وَل﴿) - كما بيّناه مدرجةٌ،
فلو لم تكن مرفوعةً لكان الجواز مقيَّداً بالضرورة؛ لأن للحديث حكم الرفع؛
لأن الظاهر اطلاع النبيّ وَّر على ذلك، مع توفر دواعي أزواجه على السؤال
٣٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
منه عن أمر الشرع، فلولا أن ذلك كان جائزاً لم تواظب عائشة فيها عليه، قاله
في ((الفتح)»(١) .
وقال النوويّ تَخْدَّثُ: وقد اتَّفَق العلماءُ على أن المرأة لا يحل لها صوم
التطوع وزوجها حاضر، إلا بإذنه؛ لحديث أبي هريرة ربه السابق في ((صحيح
مسلم)) في ((كتاب الزكاة))، وإنما كانت تصومه في شعبان؛ لأن النبيّ وَّ ر كان
يصوم معظم شعبان، فلا حاجة له فيهنّ حينئذ في النهار، ولأنه إذا جاء شعبان
يضيق قضاء رمضان، فإنه لا يجوز تأخيره عنه. انتهى (٢).
وقال في ((العمدة)): مما يستفاد من هذا الحديث أن القضاء موسّع،
ويصير في شعبان مضيَّقاً، ويؤخذ من حرص عائشة ظها على القضاء في شعبان
أنه لا يجوز تأخير القضاء حتى يدخل رمضان، فإن دخل فالقضاء واجب
أيضاً، فلا يسقط، وأما الإطعام فليس في الحديث له ذكرٌ لا بالنفي، ولا
بالإثبات(٣)، وسيأتي بيان الخلاف فيه، وأن الراجح عدم وجوب الفدية،
فتبصّر، والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): عدم وجوب الفدية لتأخيره، وقد اختلفوا في وجوبها إذا
أخّره عن رمضان الذي بعده، وسيأتي بيان ذلك قريباً أيضاً - إن شاء الله تعالى -.
٦ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أن حقّ الزوج من العشرة والخدمة يُقدَّم
على سائر الحقوق، ما لم يكن فرضاً محصوراً في الوقت، وقيل: قول
عائشة فيها: ((فما أستطيع أن أقضيه إلَّ في شعبان)) يدلّ على أنها كانت لا
تتطوع بشيء من الصيام، لا في عشر ذي الحجة، ولا في عاشوراء، ولا في
غيرهما، وهو مبني على أنها ما كانت ترى جواز صيام التطوع لمن عليه دين
من رمضان، ولكن من أين ذلك لمن يقول به، والحديث ساكت عن هذا؟ قاله
في ((العمدة)) (٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في جواز تأخير قضاء رمضان،
ووجوب التتابع فيه :
(١) ((الفتح)) ٣٥١/٥.
(٣) ((عمدة القاري)) ٥٦/١١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢٢/٨ -٢٣.
(٤) ((عمدة القاري)) ٥٦/١١.
٣٠٥
(٢٨) - بَابُ قَضَاءِ رَمَضَانَ فِي شَعْبَانَ - حديث رقم (٢٦٨٧)
قال النوويّ كَّلُهُ: مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعيّ، وأحمد،
وجماهير السلف والخلف أن قضاء رمضان في حقّ من أفطر بعذر، كحيض،
وسفر، يجب على التراخي، ولا يشترط المبادرة به في أول الإمكان، لكن
قالوا: لا يجوز تأخيره عن شعبان الآتي؛ لأنه يؤخره حينئذ إلى زمان لا يقبله،
وهو رمضان الآتي، فصار كمن أخره إلى الموت.
وقال داود: تجب المبادرة به في أول يوم بعد العيد من شوال، وحديث
عائشة منا هذا يردّ عليه.
قال الجمهور: وتُستَحَبّ المبادرة به؛ للاحتياط فيه، فإن أخّره فالصحيح
عند المحققين من الفقهاء، وأهل الأصول أنه يجب العزم على فعله، وكذلك
القول في جميع الواجب الموسَّع إنما يجوز تأخيره بشرط العزم على فعله،
حتى لو أخره بلا عزم عصى، وقيل: لا يشترط العزم، وأجمعوا أنه لو مات
قبل خروج شعبان لزمه الفدية في تركه عن كل يوم مدّ من طعام، هذا إذا كان
تمكن من القضاء فلم يقض، فأما من أفطر في رمضان بعذر، ثم اتَّصَل عجزه
فلم يتمكن من الصوم حتى مات، فلا صوم عليه، ولا يُطْعَم عنه، ولا يصام
عنه .
ومن أراد قضاء صوم رمضان نُدِب مرتَّباً متوالياً، فلو قضاه غير مرتَّب،
أو مفرَّقاً جاز عندنا وعند الجمهور، لأن اسم الصوم يقع على الجميع، وقال
جماعة من الصحابة، والتابعين، وأهل الظاهر: يجب تتابعه، كما يجب
الأداء. انتهى كلام النوويّ تَذَتُهُ(١).
وقال الإمام البخاريّ كَّتُهُ في ((صحيحه)): (باب متى يُقْضَى قضاءُ
رمضان))، وقال ابن عباس: لا بأس أن يفرق؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمِدَةٌ مِّنْ
أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وقال سعيد بن المسيِّب في صوم العشر: لا يصلح
حتى يبدأ برمضان، وقال إبراهيم: إذا فرَّط، حتى جاء رمضان آخر يصومهما،
ولم يَرَ عليه طعاماً، ويذكر عن أبي هريرة مرسلاً، وابن عباس، أنه يُطعِم، ولم
يذكر الله الإطعام، إنما قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَبَّامٍ أُخَرَّ﴾. انتهى.
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٢/٨ -٢٣.
٣٠٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
قال الحافظ تَخْلَتُهُ: ظاهر صنيع البخاريّ يقتضي جواز التراخي والتفريق؛
لما أودعه في الترجمة من الآثار كعادته، وهو قول الجمهور، ونقل ابن المنذر
وغيره عن عليّ وعائشة ﴿هَّ وجوب التتابع، وهو قول بعض أهل الظاهر،
ورَوَى عبد الرزاق بسنده، عن ابن عمر ظّ قال: يقضيه تباعاً، وعن عائشة
نزلت: ((فعدة من أيام أخر متتابعات))، فسقطت (متتابعات))، وفي ((الموطأ)) أنها
قراءة أبي بن كعب، وهذا إن صح يُشْعِر بعدم وجوب التتابع، فكأنه كان أوّلاً
واجباً ثم نُسِخَ، ولا يختلف المجيزون للتفريق أن التتابع أولى. انتهى.
وقال الشوكانيّ تَخُّْ بعد احتجاجهم بقراءة ((أَبيّ)) المذكورة ما نصّه: على
أنه قد اختُلِف في الاحتجاج بقراءة الآحاد؛ كما تقرر في ((الأصول))، وإذا سلم
أنها لم تسقط فهي منزّلة عند من قال بالاحتجاج بها منزلة أخبار الآحاد، وقد
عارضها ما في الباب من الأحاديث.
ومما احتُجّ به للتتابع ما أخرجه الدارقطنيّ عن أبي هريرة له أنه وَالنّ
قال: ((من كان عليه صوم من رمضان، فليسرده، ولا يقطعه)). لكن قال
البيهقيّ: لا يصحّ، وفي إسناده عبد الرحمن بن إبراهيم القاضي، وهو مختلف
فيه. قال الدارقطنيّ: ضعيف، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، رَوَى حديثاً
منكراً، قال عبد الحقّ: يعني هذا، وتعقّبه ابن القطان بأنه لم ينصّ عليه فلعله
غيره، قال: ولم يأت مَن ضعفه بحجة، والحديث حسن.
قال الحافظ: قد صرّح ابن أبي حاتم عن أبيه بأنه أنكر هذا الحديث بعينه
علی عبد الرحمن. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور من جواز تفريق
قضاء رمضان هو الأرجح عندي؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾،
ولعدم صحة دليل على خلافه، والحديث المذكور قد عرفت ما فيه، فلا يصلح
لمخالفة ظواهر النصوص، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في وجوب الفدية على من
أخّر قضاء رمضان حتى جاء رمضان آخر:
٣٠٧
(٢٨) - بَابُ قَضَاءِ رَمَضَانَ فِي شَعْبَانَ - حديث رقم (٢٦٨٨)
ذهب الجمهور إلى وجوب الفدية عليه، وروي عن جماعة من
الصحابة ، منهم: ابن عمر، وابن عباس، وأبو هريرة ﴿ه، وقال
الطحاويّ، عن يحيى بن أكثم، قال: وجدته عن ستة من الصحابة، لا أعلم
لهم مخالفاً .
وذهب إبراهيم النخعيّ، وأبو حنيفة، وأصحابه، إلى أن الفدية لا تجب،
وقد مال الإمام البخاريّ إلى هذا القول، فقال في ((صحيحه)): ولم يذكر الله
الإطعام، إنما قال: ﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ .
وقال العلامة الشوكانيّ ◌َّهُ بعد ذكر الخلاف ما نصّه: وقد بيّنّا أنه لم
يثبت في ذلك - أي في وجوب الفدية - عن النبيّ وَّر شيء، وأقوال الصحابة
لا حجة فيها، وذهاب الجمهور إلى قول لا يدلّ على أنه الحقّ، والبراءة
الأصليّة قاضية بعدم وجوب الاشتغال بالأحكام التكليفية حتى يقوم الدليل
الناقل عنها، ولا دليل ههنا، فالظاهر عدم الوجوب. انتهى كلام
الشوكانيّ تَذَّهُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الشوكانيّ كَُّ من عدم
وجوب الفدية في التأخير حسنٌ جداً، وهو الذي مال إليه الإمام البخاريّ تَخْشُهُ،
كما مرّ آنفاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٦٨٨] ( ... ) - (وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ
الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ
قَالَ: وَذَلِكَ لِمَكَانٍ رَسُولِ اللهِ وَلَّ) .
(١) انظر: ((نيل الأوطار)) ٢٧٨/٤.
٣٠٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام
[١٠] (ت٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٢ - (بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ) هو: بشر بن عُمر بن الْحَكَم بن عُقبة
الزهرانيّ الأزديّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٧) (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٦/ ٩٣.
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب
المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٠/١٤.
و((يحيى بن سعيد)) ذُكر قبله.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَذَلِكَ لِمَكَانِ رَسُولِ اللهِ بََّ) فاعل ((قال)) ضمير
يحيى، كما سبق بيانه، أي قال يحيى بن سعيد: ((وذلك لمكان رسول الله
بدل قوله: ((الشغل من رسول الله وَالآ)).
[تنبيه]: رواية سليمان بلال، عن يحيى بن سعيد هذه ساقها إسحاق ابن
راهويه تظلّتُهُ في ((مسنده)) (٤٨٩/٢) فقال:
(١٠٧٣) - أخبرنا بشر بن عمر، نا سليمان بن بلال، نا يحيى بن
سعيد، عن أبي سلمة، عن عائشة، قالت: كان يكون عليّ الأيام من
رمضان، فما أستطيع أن أقضيه، حتى يدخل شعبان، وذلك لمكان
رسول الله وَّ. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٦٨٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا(١) عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
ابْنُ جُرَيْجِ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ(٢): ((فَظَنَنْتُ أَنَّ ذَلِكَ
لِمَكَانِهَا مِنَّ النَّبِّ ◌َّهِ))، يَحْبَى يَقُولُهُ).
(١) وفي نسخة: ((أخبرنا)).
(٢) وفي نسخة: ((قال)).
٣٠٩
(٢٨) - بَابُ قَضَاءِ رَمَضَانَ فِي شَعْبَانَ - حديث رقم (٢٦٩٠)
رجال هذا الإسناد: أربعة، تقدّموا قبل باب، و((يحيى بن سعيد)) ذُكر في
السند الماضي.
[تنبيه]: رواية ابن جريج، عن يحيى بن سعيد هذه ساقها عبد الرزاق في
((مصنّفه)) (٢٤٥/٤) فقال:
(٧٦٧٦) - عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني يحيى بن
سعيد، أنه سمع أبا سلمة بن عبد الرحمن، قال: سمعت عائشة تقول: قد
كان يكون عليّ الشيءُ من رمضان، ثم لا أستطيع أن أصومه حتى يأتي
شعبان، قال: فظننت أن ذلك لمكانها من النبيّ بَلّ، يحيى يقوله. انتهى،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٦٩٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ (ح)
وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرَا
فِي الْحَدِيثِ: ((الشُّغْلُ بِرَسُولِ اللهِ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قريباً.
٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثقفيّ، البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت١٩٤)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧٣/١٧.
٣ - (عَمْرٌو النَّقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قبل باب.
٤ - (سُفْيَانٌ) بن عيينة، تقدّم أيضاً قبل باب.
و«یحیی)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية عبد الوهّاب، عن يحيى بن سعيد ساقها إسحاق ابن
راهويه تَخْتُ في ((مسنده)) أيضاً (٢/ ٤٩٠) فقال:
٣١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
(١٠٧٤) - أخبرنا الثّقَفيّ(١) قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: سمعت
أبا سلمة يقول: قالت عائشة: كان يكون عليّ الأيام من رمضان، فما أستطيع
أن أقضيه حتی یجيء شعبان. انتهى.
وأما رواية سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، فلم أجد من ساقها،
فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٦٩١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ
الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ مِ﴿ُّ، أَنَّهَا قَالَتْ: إِنْ كَانَتْ
إِحْدَانَا لَتُفْطِرُ فِي زَمَانٍ (٢) رَسُولِ اللهِ ◌ِ ◌ِ، فَمَا تَقْدِرُ عَلَى أَنْ تَقْضِيَهُ مَعَ
رَسُولِ اللهِ وَِّ حَتَّى يَأْتِيَ شَعْبَانٌ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكُّيُّ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عُمر
الْعَدنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في ((المقدمة))
٣١/٥.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ) الْجُهنيّ مولاهم، أبو محمد
المدنيّ، صدوقٌ كان يُحدّث من كُتُب غيره، فيُخطىء [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
٣ - (يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْهَادِ) الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ
[٥] (ت١٣٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣.
(١) هو عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفيّ.
(٢) وفي نسخة ((في زمن)).
٣١١
(٢٨) - بَابُ قَضَاءِ رَمَضَانَ فِي شَعْبَانَ - حديث رقم (٢٦٩١)
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث بن خالد التيميّ، أبو عبد الله
المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت١٢٠) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقولها: (إِنْ كَانَتْ إِحْدَانَا لَتُفْطِرُ) ((إن)) مخفّفة من الثقيلة، كما قال في
((الخلاصة)) :
وَتَلْزَمِ اللَّامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ
وَخُفْفَتْ ((إِنَّ) فَقَلَّ الْعَمَلُ
مَا نَاطِقٌ أَرَادَهُ مُعْتَمِدَا
وَرُبَّمَا اسْتُغْنِيَ عَنْهَا إِنْ بَدَا
تُلْفِيهِ غَالِباً بِـ((إِنْ)) ذِي مُوصَلَا
وَالْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاسِخاً فَلَا
وقولها: (فِي زَمَانٍ) وفي نسخة: ((في زمن))، وهو مختصرٌ منه، قال
الفيّوميّ ◌َُّهُ: الزمان: مدّة قابلة للقسمة، ولهذا يُطلق على الوقت القليل
والكثير، والجمع: أزمنة، والزَّمَنُ: مقصور منه، والجمع أزمان، مثلُ سبب
وأسباب، وقد يُجمَع على أزمنة. انتهى(١).
قال القرطبيّ ◌َُّهُ: وقولها : ((إن كانت إحدانا لتفطر في زمن
رسول الله (صَ ﴾))؛ يفيد هذا اللفظ: أن التأخير لأجل الشغل لم يكن لها وحدها،
بل لها ولغيرها من أزواج النبيّ وَّو .
وقولها: «فما نقدر على أن نقضيه مع رسول الله (وَ (9))؛ يعني: أنها كانت
تتوقع حاجته إليها على الدوام.
فإن قيل: وكيف لا تقدر على الصوم لحقه فيها وقد كان له تسع نسوة،
وكان يقسم بينهن، فلا تصل النوبة لإحداهن إلا بعد ثمان، فكان يمكنها أن
تصوم في هذه الأيام التي يكون فيها عند غيرها؟.
فالجواب: أن القسم لم يكن عليه واجباً لهن ، وإنما كان يفعله
بحكم تطييب قلوبهن، ودفعاً لما يتوقع من الشرور، وفساد القلوب، ألا ترى
تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُقْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ ابْنَغَيْتَ مِمَّنْ
قول الله تعالى:
عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١]، فلما علم نساؤه هذا - أو من سألته
(١) ((المصباح المنير)) ٢٥٦/١.
٣١٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
منهنّ - كن يتهيأن له دائماً، ويتوقعن حاجته إليهن في أكثر الأوقات، والله
تعالى أعلم.
ويستفاد من هذا: أن المرأة لا تصوم القضاء وزوجها شاهد إلا بإذنه،
إلا أن تخاف الفوات، فيتعين، وترتفع التوسعة.
وقد قال بعض شيوخنا: لها أن تصوم القضاء بغير إذنه؛ لأنه واجب؛
وإنما محمل الحديث المقتضي لنهيها عن الصوم إلا بإذنه على التطوع، فأما
الواجبات فلا يحتاج فيها إلى إذن واحد. انتهى(١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه مستوفّى، وكذا بيان مسائله قريباً،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُّ وَمَا تَّوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٢٩) - (بَابُ قَضَاءِ الصِّيَامِ عَنِ الْمَيِّتِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٩٢] (١١٤٧) - (وَحَدَّثَتِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى،
قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ،
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَهَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهـ
قَالَ: ((مَنْ مَاتَ، وَعَلَيْهِ صِيَامٌ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ)).
رجال هذا الإسناد: ثمانية :
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر نزيل مصر، ثقةٌ
فاضلٌ [١٠] (ت٢٥٣) وله (٨٣) سنةً (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩.
٢ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المصريّ، المعروف بالتستريّ، صدوقٌ،
تكُلّم فيه بلا حجة [١٠] (ت٢٤٣) (خ م س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٤/٨.
٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله، تقدّم قريباً.
٤ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الحافظ المصريّ، تقدّم قبل باب.
(١) ((المفهم)) ٢٠٧/٣ - ٢٠٨.
٣١٣
(٢٩) - بَابُ قَضَاءِ الصِّيَامِ عَن الْمَيِّتِ - حديث رقم (٢٦٩٢)
٥ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ) الفقيه، أبو بكر المصريّ، قيل: اسم أبيه
يسار، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٥] (ت٢ أو ٤ أو٥ أو ١٣٦) (ع) تقدم في ((المساجد
ومواضع الصلاة)) ١٣٠٦/٢٠.
٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوّام الأسديّ المدنيّ، ثقةٌ [٦]
مات سنة بضع (١١٠) (ع) تقدم في ((الجمعة)) ١٩٥٨/٢.
٧ - (عُرْوَةٌ) بن الزبير، تقدّم قريباً.
٨ - (عَائِشَةُ ﴿ٌّا) تقدّمت في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف، وله فيه شيخان قرن بينهما؛
لاتحاد كيفيّة الأخذ والأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما مرّ آنفاً.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من محمد بن جعفر، والباقون كلّهم
مصريون .
٤ - (ومنها): أن فيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة ويّا من المكثرين
السبعة .
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ رِّنْ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ قَالَ: ((مَنْ مَاتَ) ((من)) شرطيّة،
والمراد من مات من المكلّفين بقرينة قوله: (وَعَلَيْهِ صِيَامٌ) لأن كلمة ((على))
للإيجاب، والجملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، والمعنى أن
من مات، وعليه قضاء صوم، سواء كان قضاء رمضان، أو النذر، أو
الكفارة (صَامَ عَنْهُ) أي عن الميت (وَلِيُّهُ))) قال النوويّ كَخْتُ: المراد بالوليّ
القريب، سواء كان عصبةً، أو وارثاً، أو غيرهما، وقيل: المراد الوارث،
وقيل: العصبة، والصحيح الأول، قال: ولو صام عنه أجنبيّ إن كان بإذن
الوليّ صحّ، وإلا فلا في الأصحّ، ولا يجب على الوليّ الصوم عنه (١)،
(١) قال الجامع: قوله: ((ولا يجب على الوليّ إلخ)) مخالف لظاهر النصّ، فإنه يدلّ=
٣١٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
لكن يستحب. انتهى (١).
وقال في ((الفتح)): واختُلِف في المراد بقوله: ((وليه))، فقيل: كلُّ قريب،
وقيل: الوارث خاصّة، وقيل: عصبته والأول أرجح، والثاني قريب، ويردّ
الثالث قصة المرأة التي سألت عن نذر أمها .
قال: واختلفوا أيضاً هل يختص ذلك بالوليّ؛ لأن الأصل عدم النيابة في
العبادة البدنية، ولأنها عبادة لا تدخلها النيابة في الحياة، فكذلك في الموت،
إلا ما ورد فيه الدليل، فيُقْتَصر على ما ورد فيه، ويبقى الباقي على الأصل،
وهذا هو الراجح، وقيل: يختص بالوليّ، فلو أمر أجنبيّاً بأن يصوم عنه أجزأ،
كما في الحجّ، وقيل: يصحّ استقلال الأجنبيّ بذلك، وذِكرُ الوليّ؛ لكونه
الغالب، وظاهر صنيع البخاريّ اختيار هذا الأخير، وبه جزم أبو الطيب
الطبريّ، وقوّاه بتشبيهه وَ له ذلك بالدين، والدينُ لا يختصّ بالقريب. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: عدم اختصاص القضاء بالوليّ هو الأرجح
عندي، كما قال أبو الطيب الطبريّ كَّفُ، وكما هو ظاهر مذهب البخاريّ تَّتُهُ؛
لعدم ورود نصّ يمنع من ذلك، ولما ذكره أبو الطيّب تَّتُهُ، فتأمل، والله تعالى
أعلم.
وقال الإمام ابن دقيق العيد رَّتُهُ: هذا الحديث دليل بعمومه على أن
الولي يصوم عن الميت، وأن النيابة تدخل في الصوم، وذهب إليه قوم، وهو
قول قديم للشافعيّ، والجديد الذي عليه الأكثرون عدم دخول النيابة في
الصوم؛ لأنها عبادة بدنية، والحديث لا يقتضي التخصيص بالنذر، كما ذكر أبو
داود، عن أحمد بن حنبل، نعم قد ورد في بعض الأحاديث ما يقتضي الإذن
في الصوم عمن مات وعليه نذر بصوم، وليس ذلك بمقتضى للتخصيص بصورة
النذر .
= على الوجوب؛ لأن ((صام عنه وليّه)) خبر بمعنى الأمرٌ، بل ورد بصيغة الأمر،
والأمر للوجوب، ولا صارف له، وقد ذهب إليه طائفة من المحقّقين، وسيأتي
تحقيقه، والله تعالى أعلم.
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٦/٨.
٣١٥
(٢٩) - بَابُ قَضَاءِ الصِّيَامِ عَن الْمَيِّتِ - حديث رقم (٢٦٩٢)
قال: وقد تكلم الفقهاء في أن المعتبر في الولاية ما ورد في لفظ الخبر،
أهو مطلق القرابة، أو بشرط العصوبة والإرث، وتوقف في ذلك إمام الحرمين،
وقال: لا نقل عندي في ذلك، وقال غيره من فضلاء المتأخرين: وأنت إذا
فحصت عن نظائره وجدت الأشبه اعتبار الإرث.
قال: وقوله: ((صام عنه وليه)) قيل: ليس المراد أنه يلزمه ذلك، وإنما
يجوز ذلك له إن أراد، هكذا ذكره صاحب ((التهذيب)) من مصنفي الشافعية،
وحكاه إمام الحرمين عن الشيخ أبي محمد أبيه، وفي هذا بحث، وهو أن
الصيغة صيغة خبر، أعني ((صام))، ويمتنع الحمل على ظاهره، فينصرف إلى
الأمر، ويبقى النظر في أن الوجوب يتوقف على صيغة الأمر المعينة، وهي
((افْعَالْ)) مثلاً، أو يعمّها مع ما يقوم مقامها .
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر يعم ما يقوم مقامها؛ لأنه بمعناها، فتأمل.
وقال الحافظ تَّثُ: قوله: ((صام عنه وليه)) خبر بمعنى الأمر، تقديره:
فليصم عنه وليه، وليس هذا الأمر للوجوب عند الجمهور، وبالغ إمام
الحرمين، ومن تبعه، فادعوا الإجماع على ذلك، وفيه نظر؛ لأن بعض أهل
الظاهر أوجبه، فلعله لم يعتدّ بخلافهم على قاعدته. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: عدم الاعتداد بخلاف أهل الظاهر مما أحدثه
بعض المتأخّرين، فقد كان السلف من عهد داود الظاهريّ تَخُّْ يعتدّون بهم،
ويعقدون لهم مجالس للناظرة، وقد استوفيت هذا البحث في أبواب الطهارة من
((شرح النسائيّ))، فراجعه تستفد علماً.
وقال ابن دقيق العيد تَخْذَلُهُ: وقد يؤخذ من الحديث أنه لا يصوم عنه
الأجنبيّ، إما لأجل التخصيص مع مناسبة الولاية لذلك، وإما لأن الأصل عدم
جواز النيابة في الصوم؛ لأنه عبادة لا يدخلها النيابة في الحياة، فلا يدخلها
بعد الموت كالصلاة، وإذا كان الأصل عدم جواز النيابة، وجب أن يُقْتَصَر فيها
على ما ورد في الحديث، ويَجْرِي في الباقي على القياس، وقد قال أصحاب
الشافعيّ: لو أمر الوليّ أجنبيّاً أن يصوم عنه بأجرة، أو بغير أجرة جاز، كما في
الحجّ، فلو استقلّ به الأجنبي ففي إجزائه وجهان: أظهرهما المنع، وأما إلحاق
غير الصوم بالصوم، فإنما يكون بالقياس، وليس أخذ الحكم منه من نصّ
الحديث. انتهى كلام ابن دقيق العيد تَخْذُهُ.
٣١٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن رجّحت عدم اختصاص القضاء بالوليّ،
كما قال أبو الطيب الطبريّ تَخُّْهُ، وكما هو ظاهر مذهب الإمام البخاريّ تَظُّ؛
لعدم نصّ يمنع من ذلك، ولأنه وَ﴿ شبّهه بقضاء الدَّين، وهو لا يختصّ بالوليّ
فقط، فكذا هذا، كما قال أبو الطيّب الطبريّ ◌َّتُهُ، فتأمل، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة مؤثّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦٩٢/٢٩] (١١٤٧)، و(البخاريّ) في ((الصوم))
(١٩٥٢)، و(أبو داود) في ((الصوم)) (٢٤٠٠) و((الأيمان والنذور)) (٣٣١١)،
و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٧٥/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦٩/٦)، و(ابن
خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٧١/٣ - ٢٧٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٣٥٦٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٢٣/٣)، و(ابن الجارود) في
((المنتقى)) (٢٣٧/١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٩٠/٧ و٢٠٠/٨)،
و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (١٩٤/٢ - ١٩٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٥٥/٤
و٢٧٩/٦)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٧٧٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم فيمن مات وعليه صوم:
قال النوويّ كَّتُهُ: اختلفوا فيمن مات، وعليه صوم واجب، من رمضان،
أو قضاء، أو نذر، أو غيره، هل يُقْضَى عنه؟ وللشافعيّ في المسألة قولان
مشهوران: أشهرهما لا يصام عنه، ولا يصحّ عن ميت صوم أصلاً، والثاني:
يستحب لوليه أن يصوم عنه، ويصح صومه عنه، ويبرأ به الميت، ولا يحتاج
إلى إطعام عنه، وهذا القول هو الصحيح المختار الذي نعتقده، وهو الذي
صححه محققو أصحابنا الجامعون بين الفقه والحديث؛ لهذه الأحاديث
الصحيحة الصريحة، وأما الحديث الوارد: ((من مات وعليه صيام أُطْعِم عنه))،
فليس بثابت، ولو ثبت أَمْكَن الجمع بينه وبين هذه الأحاديث، بأن يُحْمَل على
جواز الأمرين، فإن من يقول بالصيام يجوز عنده الإطعام، فثبت أن الصواب
٣١٧
(٢٩) - بَابُ قَضَاءِ الصِّيَامِ عَن الْمَيِّتِ - حديث رقم (٢٦٩٢)
المتعين تجويز الصيام، وتجويز الإطعام، والوليّ مخير بينهما.
قال: هذا تلخيص مذهبنا في المسألة، وممن قال به من السلف:
طاوسٌ، والحسن البصريّ، والزهريّ، وقتادة، وأبو ثور، وبه قال الليث،
وأحمد، واسحاق، وأبو عبيد في صوم النذر، دون رمضان وغيره.
وذهب الجمهور إلى أنه لا يصام عن ميت، لا نذر، ولا غيره، حكاه
ابن المنذر عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، ورواية عن الحسن،
والزهريّ، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، قال القاضي عياض وغيره: هو قول
جمهور العلماء، وتأولوا الحديث على أنه يُطعِم عنه وليه، وهذا تأويل ضعيفٌ،
بل باطلٌ، وأيّ ضرورة إليه، وأيُّ مانع يمنع من العمل بظاهره، مع تظاهر
الأحاديث، مع عدم المعارض لها .
قال القاضي، وأصحابنا: وأجمعوا على أنه لا يصلى عنه صلاة فائتة،
وعلى أنه لا يصام عن أحد في حياته، وإنما الخلاف في الميت، والله أعلم.
انتهى كلام النوويّ تَذَتُهُ(١).
وقال في ((الفتح)): وقد اختَلَف السلف في هذه المسألة، فأجاز الصيام
عن الميت أصحاب الحديث، وعلَّق الشافعيّ في القديم القول به على صحة
الحديث، كما نقله البيهقيّ في ((المعرفة)»، وهو قول أبي ثور، وجماعة، من
محدثي الشافعية، وقال البيهقيّ في ((الخلافيات)): هذه المسألة ثابتةٌ، لا أعلم
خلافاً بين أهل الحديث في صحتها، فوجب العمل بها، ثم ساق بسنده إلى
الشافعيّ، قال: كلُّ ما قلتُ، وصحّ عن النبيّ ◌َّ خلافه، فخذوا بالحديث،
ولا تقلدوني.
وقال الشافعيّ في الجديد: ومالكٌ، وأبو حنيفة: لا يصام عن الميت.
وقال الليث، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد: لا يصام عنه إلا النذر،
وأما رمضان فيُطْعَم عنه.
وإنما قالوا في النذر فقط؛ حملاً للعموم الذي في حديث عائشة
ـج
على المقيّد في حديث ابن عباس
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٥/٨ - ٢٦.
٣١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
قال الحافظ تَُّ: وليس بينهما تعارضٌ حتى يُجْمَع بينهما، فحديث ابن
عباس ﴿ّ صورةٌ مستقلةٌ، سأل عنها مَن وقعت له، وأما حديث عائشة
فهو تقريرُ قاعدةٍ عامّةٍ، وقد وقعت الإشارة في حديث ابن عباس ◌ً إلى نحو
هذا العموم، حيث قيل في آخره: ((فدينُ الله أحقّ أن يُقْضَى)).
وأما المالكية: فأجابوا عن حديث الباب بدعوى عمل أهل المدينة
کعادتهم .
وادَّعَى القرطبيّ تبعاً لعياضٍ أن الحديث مضطربٌ، وهذا لا يتأتى إلا في
حديث ابن عباس ◌ًَّا ثاني حديثي الباب، وليس الاضطراب فيه مُسَلَّماً، كما
سيأتي.
وأما حديث عائشة ها، فلا اضطراب فيه.
واحتَجَّ القرطبيّ بما في رواية البزّار: ((فليصُم عنه وليّه إن شاء)»، وهي
زيادة ضعيفة؛ لأنها من طريق ابن لَهِيعَة، فتنبّه.
قال: وأجاب الماورديّ عن الجديد بأن المراد بقوله: ((صام عنه وليه))
أي فَعَل عنه وليه ما يقوم مقام الصوم، وهو الإطعام، قال: وهو نظير قوله:
((التراب وَضُوء المسلم إذا لم يجد الماء)»، قال: فسَمَّى البدل باسم المبدل،
فكذلك هنا .
وتُعُقِّب بأنه صرف للَّفظ عن ظاهره بغير دليل.
وأما الحنفية: فاعتلوا لعدم القول بهذين الحديثين بما رُوي عن عائشة
أنها سئلت عن امرأة ماتت، وعليها صوم، قالت: ((يظْعَمُ عنها))، وعن
عائشة ﴿ّا قالت: ((لا تصوموا عن موتاكم، وأطعموا عنهم))، أخرجه البيهقيّ،
وبما رُوي عن ابن عباس ﴿ه قال في رجل مات، وعليه رمضان، قال: ((يُطْعَم
عنه ثلاثون مسكيناً))، أخرجه عبد الرزاق.
ورَوَى النسائيّ عن ابن عباس ﴿ّ قال: ((لا يصوم أحد عن أحد))،
قالوا: فلما أفتى ابن عباس وعائشة بخلاف ما روياه دلّ ذلك على أن العمل
على خلاف ما روياه، وهذه قاعدةٌ لهم معروفةٌ، إلا أن الآثار المذكورة عن
عائشة، وعن ابن عباس فيها مقال، وليس فيها ما يمنع الصيام، إلا الأثر الذي
عن عائشة، وهو ضعيف جدّاً.
٣١٩
(٢٩) - بَابُ قَضَاءِ الصِّيَامِ عَنِ الْمَيِّتِ - حديث رقم (٢٦٩٢)
قال الحافظ تَخْتُ: والراجح أن المعتبر ما رواه، لا ما رآه؛ لاحتمال أن
يخالف ذلك؛ لاجتهاد، ومستندُه فيه لم يتحقق، ولا يلزم من ذلك ضعف
الحديث عنده، وإذا تُحُقِّقَتْ صحةُ الحديث لم يُترك المحقَّقُ للمظنون، والمسألة
مشهورة في الأصول. انتهى كلام الحافظ تَّتُهُ، وهو تحقيق نفيسٌ جدّاً.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق من بيان أقوال أهل العلم
وأدلّتهم أن المذهب الراجح هو القول بوجوب قضاء صوم من مات وعليه
صوم؛ وذلك لأمره وَليل به، والأمر للوجوب؛ إذ لا صارف له.
وقال أبو محمد بن حزم تَُّ: ومن مات، وعليه صوم فرض، من قضاء
رمضان، أو نذر، أو كفّارة واجبة، ففرض على أوليائه أن يصوموه عنه، هم أو
بعضهم، ولا إطعام في ذلك أصلاً، أوصى به أو لم يوص به، فإن لم يكن
وليّ استؤجر عنه من رأس ماله مَن يصومه عنه، ولا بُدّ، أوصى بكل ذلك أو
لم يوص، وهو مُقَدَّم على ديون الناس، وهو قول أبي ثور، وأبي سليمان -
يعني داود الظاهريّ - وغيرهما .
وقال أبو حنيفة، ومالك: إن أوصى أن يُطْعَم عنه أطعم عنه، مكانَ كل
يوم مسكينٌ، وإن لم يوص بذلك فلا شيء عليه، والإطعام عند مالك في ذلك
مُدّ مُدّ، وعند أبي حنيفة صاع من غير البر، لكل مسكين، ونصف صاع من
البر، أو دقيقه، وقال الليث كما قلنا، وهو قول أحمد بن حنبل، وإسحاق ابن
راهويه في النذر خاصّة.
قال الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، ثم أورد
الأحاديث التي أوردها مسلم في الباب.
ثم قال: فهذا القرآن، والسنن المتواترة المتظاهرة التي لا يحل خلافها،
وكلهم يقول: يُحَجّ عن الميت إن أوصى بذلك، ثم لا يرون أن يصام عنه،
وإن أوصى بذلك، وكلاهما عمل بدن، وللمال في إصلاح ما فَسَد منهما
مدخل بالهدي، وبالإطعام، وبالعتق، فلا القرآن اتبعوا، ولا بالسنن أخذوا،
ولا القياس عَرَفُوا، وشَغّبوا في ذلك بأشياء، منها أنهم ذكروا قول الله تعالى:
[النجم: ٣٩]، وذكروا قول رسول الله وجليقول:
﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّ مَا سَعَى (4)
((إذا مات الميت انقطع عمله إلا من ثلاث: علم علَّمه، أو صدقة جارية، أو
٣٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
ولد صالح يدعو له))، وبأثر رويناه من طريق عبد الرزاق، عن إبراهيم بن أبي
يحيى، عن الحجاج بن أرطاة، عن عُبَادة بن نُسَيّ أن رسول الله وَّه قال: ((مَن
مَرِضَ في رمضان، فلم يزل مريضاً حتى مات لم يُطْعم عنه، وإن صح فلم
بقضه حتى مات أُطعِم عنه)).
وقال بعضهم: وقد رُوي عن عائشة وابن عباس ظه، وهما رويا
الحديث المذكور أنهما لم يريا الصيام عن الميت، كما رويتم من طريق ابن
أبي شيبة، عن جرير بن عبد الحميد، عن عبد العزيز بن رُفَيع، عن امرأة
منهم، اسمها عمرة، أن أمها ماتت، وعليها من رمضان، فقالت لعائشة: أقضيه
عنها؟ قالت: لا، بل تصدقي عنها مكان كل يوم نصف صاع على كل مسكين.
وإذا ترك الصاحب الخبر الذي رَوَى فهو دليل على نسخه، لا يجوز أن
يُظَنّ به غير ذلك، وإذ لو تعمد ترك ما رواه لكانت جرحة فيه، وقد أعاذهم الله
تعالى من ذلك، وقالوا: لا يصام عنه كما لا يصلى عنه.
قال ابن حزم: أما قول الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى
[النجم: ٣٩]، فحقُّ إلا أن الذي أَنزَل هذا هو الذي أنزل: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى
بِهَّ أَوْ دَيٍّ﴾ [النساء: ١١]، وهو الذي قال لرسوله وَّ: ﴿لِتُبَيِنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ
إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وهو الذي قال: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ﴾ [النساء:
٨٠]، فصحَّ أنه ليس للإنسان إلا ما سعى، وما حكم الله تعالى، أو رسوله وَله
أن له من سعي غيره عنه، والصوم عنه من جملة ذلك.
والعجب أنهم نَسُوا أنفسهم في الاحتجاج بهذه الآية، فقالوا: إن حجّ
عن الميت، أو أعتق عنه، أو تصدق عنه، فأجر كل ذلك له، ولاحِقٌ به، فظهر
تناقضهم .
[فإن قال منهم قائل]: إنما يُحَجّ عنه إذا أوصى بذلك؛ لأنه داخل فيما
سعی .
[قلنا له]: فقولوا بأن يصام عنه كما إذا أوصى بذلك؛ لأنه داخل فيما
سعى .
[فإن قالوا]: للمال في الحجّ مدخل في جبر ما نقص منه.
[قلنا]: وللمال في الصوم مدخل في جبر ما نقص منه بالعتق، والإطعام،