Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
(٢٥) - بَابُ تَحْرِيمٍ صَوْمٍ أَيَّامِ الَّشْرِيقِ - حديث رقم (٢٦٧٧)
(٢٥) - (بَابُ تَحْرِيمٍ صَوْمٍ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٦٧٧] (١١٤١) - (وَحَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا
خَالِدٌ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِ: ((أَيَّامُ
التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) بن إبراهيم البغداديّ، أبو الحارث، مروزيّ
الأصل، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت٢٣٥) (خ م س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٩/٢٥.
٢ - (هُشَيْمُ) بن بشير الواسطيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (خَالِدُ) بن مِهْران الحذّاء، أبو الْمَنَازِل البصريّ، ثقةٌ حافظ تغيّر حفظ
فى الآخر [٥] (ت١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٤/١٠.
٤ - (أَبُو الْمَلِيح) بن أُسامة بن عُمير، أو عامر بن حُنيف بن ناجية
الْهُذليّ، اسمه عامر، وَقيل: زيد، وقيل: زياد، ثقةٌ [٣] (ت٩٨) وقيل: (١٠٨)
وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٧٣/٦٦.
٥ - (نُبَيْشَةُ الْهُذَلِيُّ) - مصغّراً - وهو نبيشة الخير ابن عبد الله بن عمرو بن
عَتّاب بن الحارث بن نُصَير بن حُصَين، وقيل في نسبه غير ذلك، صحابيّ قليل
الحديث، رَوَى عن النبيّ ◌ََّ، وعنه أبو المليح الهذليّ، وأم عاصم جدّة أبي
اليمان المعلى بن راشد النّال.
أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تَذَلُهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، شوى شيخه، فتفرّد به هو
والبخاريّ، والنسائيّ، ونُبيشة، فما أخرج له البخاريّ.

٢٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب
الستة إلا أربعة أحاديث فقط، راجع: ((تحفة الأشراف))(١).
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الْمَلِيح) - بفتح الميم، وكسر اللام - عامر بن أسامة، وقيل
غيره، كما مرّ آنفاً (عَنْ نُبَيْشَةَ) - بضمّ النون، وفتح الباء الموحدة، وبالشين
المعجمة، مصغّراً - ابن عبد الله، وقال القرطبيّ كَظّثُهُ: هو صحابيّ معروف،
وهو ابن عمّ سَلَمَة الْمُحَبِّق، وهو نبيشة بن عمرو بن سلمة الْهُذليّ، وسمّاه
رسول الله وَالجُ نُبيشة الخير. انتهى(٢).
وقوله: (الْهُذَلِيِّ) - بضمّ الهاء، وفتح اللام -: نسبة إلى هُذيل، أبو قبيلة،
وهو هُذيل بن مُدركة بن إلياس بن مُضَر بن نِزَار بن مَعَدّ بن عدنان.
[تنبيه]: وقع في نسخة ابن ماهان ((الهذليّة)) تخيّله امرأة، وهو وَهَمٌ،
وليس في الصحابيّات من تُسَمَّى بهذا الاسم، وإنما فيهنّ (نُسَيبة)) بتقديم السين
المهملة، قاله القرطبيّ كَذاهُ(٣).
(قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَيَّامُ التَّشْرِيقِ) أي الأيام التي بعد يوم النحر،
وقد اختُلِف في كونها يومين أو ثلاثة، وسُمّيت أيام التشريق؛ لأن لحوم
الأضاحي تُشْرَق فيها، أي تُنْشَر في الشمس، وقيل: لأن الهدي لا يُنْحَر حتى
تُشْرِق الشمس، وقيل: لأن صلاة العيد تقع عند شروق الشمس، وقيل:
التشريق: التكبير دبر كل صلاة.
وهل تَلْتَحِق بيوم النحر في ترك الصيام، كما تلتحق به في النحر وغيره
من أعمال الحجّ، أو يجوز صيامها مطلقاً، أو للمتمتع خاصّة، أو له ولمن هو
في معناه؟ وفي كل ذلك اختلاف للعلماء، سيأتي بيانه في ((المسألة الثالثة)) - إن
شاء الله تعالى -.
(١) ((تحفة الأشراف)) ٢٢٧/٨ - ٢٢٨.
(٣) ((المفهم)) ١٩٩/٣.
(٢) ((المفهم)) ١٩٩/٣.

٢٦٣
(٢٥) - بَابُ تَحْرِيمِ صَوْمٍ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ - حديث رقم (٢٦٧٧)
فقوله: ((أيّامُ التشريق)) مبتدأ خبره قوله: (أَيَّامُ أَكْلِ وَشُرْبٍ))) أي فلا يُشرع
صومها، إلا لمن لم يصم الثلاثة الأيام في التمتّع؛ لصحّة استثناء ذلك في
حديث عائشة، وابن عمر ◌ًا، كما سيأتي.
زاد في رواية ابن عليّة التالية: ((وذكر الله))، ولفظ النسائيّ: ((وذكر الله))
أي: هي أيضاً أيام ذكر الله ريك، لأمر الله تعالى بذلك في قوله: ﴿ وَأَذْكُرُواْ اللَّهُ
فِى أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] الآية.
وقال القرطبيّ تَّتُهُ: هذا المساق - يعني قوله: ((أيامُ أكل وشرب)) - يدلّ
على أن صومهما ليس محرماً؛ كصوم يومي العيدين؛ إذ لم يُنْهَ عنها كما نُهِيَ
عن صوم يوم العيدين، ولذلك قال بجواز صومها مطلقاً بعض السَّلف. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((إذ لم يُنه عنه)) فيه نظر لا يخفى، فقد
صحّ النهي عن صومها في حديث عمرو بن العاص مرفوعاً، كما سيأتي قريباً،
فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث نُبيشة الْهُذليّ ◌َُّه هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦٧٧/٢٥ و٢٦٧٨] (١١٤١)، و(أبو داود) في
((الأضاحي)) (١٠٠/٣)، و(النسائيّ) في ((الفَرَع والعَتِيرة)) (٧/ ١٧٠)، و(أحمد)
في «مسنده)) (٧٥/٥ - ٧٦)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢٤٥/٢)،
و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٢/ ٢٢٠)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢١٨/٣)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٩٧/٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم صوم أيام التشريق مطلقاً إلا ما استثني، وهو
صوم المتمتّع الذي فاتته الأيام الثلاثة؛ لما أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) عن
عروة، عن عائشة، وعن سالم، عن ابن عمر قال: ((لم يُرَخَّص في أيام
التشريق أن يُصَمْنَ إلا لمن لم يجد الهدي».

٢٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
٢ - (ومنها): بيان استحباب ذكر الله وَك في هذه الأيام، وهو موافق
لقوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٠٣]، والله تعالى
أعلم بالصواب.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم صوم أيام التشريق:
ذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يصح صومها بحال، وهو أظهر
القولين في مذهب الشافعيّ، وبه قال أبو حنيفة، وابن المنذر، وغيرهما.
وذهب جماعة إلى أنه يجوز صيامها لكل أحد تطوعاً وغيره، حكاه ابن
المنذر عن الزبير بن العوّام، وابن عمر، وابن سيرين، وقال مالك،
والأوزاعيّ، وإسحاق، والشافعيّ في أحد قوليه: يجوز صومها للمتمتع إذا لم
يجد الهدي، ولا يجوز لغيره.
واحتج هؤلاء بحديث البخاريّ المذكور، أفاده النوويّ تَقْذَّتُهُ(١).
وقال في ((الفتح)): والراجح عند البخاريّ جواز صومها للمتمتع، فإنه ذكر
في الباب حديثي عائشة وابن عمر ﴿ه في جواز ذلك، ولم يورد غيره، وقد
روى ابن المنذر وغيره عن الزبير بن العوّام، وأبي طلحة من الصحابة الجواز
مطلقاً، وعن عليّ وعبد الله بن عمرو بن العاص المنع مطلقاً، وهو المشهور
عن الشافعيّ، وعن ابن عمر وعائشة وعُبيد بن عُمير في آخرين منعه إلا للمتمتع
الذي لا يجد الهدي، وهو قول مالك، والشافعيّ في القديم، وعن الأوزاعيّ
وغيره يصومها أيضاً المحصر، والقارن.
وحجة مَن منع حديث نُبيشة الهذليّ ◌َظُّه المذكور في الباب: ((أيام
التشريق أيام أكل وشرب))، وحديث كعب بن مالك ظُه: ((أيام منى أيام أكل
وشرب)).
ومنها حديث عمرو بن العاص ((أنه قال لابنه عبد الله في أيام التشريق:
إنها الأيام التي نَهَى رسول الله وَ ﴿ عن صومهنّ، وأمر بفطرهنّ)). أخرجه أبو
داود، وابن المنذر بإسناد صحيح، وصححه ابن خزيمة، والحاكم. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أرجح المذاهب مذهب من
(١) ((شرح النوويّ)) ١٧/٨.
(٢) ((الفتح)) ٤٣٢/٥.

٢٦٥
(٢٥) - بَابُ تَحْرِيمٍ صَوْمٍ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ - حديث رقم (٢٦٧٨)
قال بتحريم صوم أيام التشريق؛ لصحّة النهي بذلك، ولا سيّما حديث عمرو بن
العاص به، فإنه أصرح في ذلك، فقد أخرج أبو داود، وغيره بإسناد صحيح،
عن أبي مُرّة مولى أم هانئ، أنه دخل مع عبد الله بن عمرو، على أبيه عمرو بن
العاص، فقَرَّب إليهما طعاماً، فقال: كُلْ، فقال: إني صائم، فقال عمرو: كُلْ
فهذه الأيام التي كان رسول الله وَ ل﴿ يأمرنا بإفطارها، وينهانا عن صيامها، قال
مالك(١): وهي أيام التشريق(٢).
ولفظ ابن خزيمة في ((صحيحه)) (٣١١/٣): عن أبي مُرّة مولى عَقِيل أنه
دخل هو وعبد الله على عمرو بن العاص، وذلك الغد، أو بعد الغد من يوم
الأضحى، فقَرَّب إليهم عمرو طعاماً، فقال عبد الله: إني صائم، فقال له
عمرو: أفطر فإن هذه الأيام التي كان رسول الله وكلور يأمر بفطرها، وينهى عن
صيامها، فأفطر عبد الله، فأكل، وأكلت معه. انتهى.
ويُعتذر عن الذين قالوا بجواز صومها بأنه لم يبلغهم الحديث.
ثم إنه يُستثنى من ذلك من لم يجد الهدي في التمتّع، فيجوز أن يصومها؛
- المذكور آنفاً -، فتبصّر، والله
لِمَا أخرجه البخاريّ عن عائشة وابن عمر .
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٦٧٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ،
يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ نُبَيْشَةَ،
قَالَ خَالِدٌ: فَلَقِيتُ أَبَا الْمَلِيحِ، فَسَأَلْتُهُ، فَحَدَّثَنِي بِهِ، فَذَكَرَ عَنِ النَّبِّ ◌َلِ(٣) بِمِثْلِ
حَدِيثٍ هُشَيْمٍ، وَزَادَ فِيهِ: ((وَذِكْرٍ لِلَّهِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قبل حديث.
(١) هو ابن أنس إمام دار الهجرة، رواي الحديث.
(٢) ((سنن أبي داود)) ٦/ ٣٩٠.
(٣) وفي نسخة: ((فَذَكَر لي عن النبي ◌َّ)).

٢٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنَ عُلَيَّةَ) هو ابن إبراهيم، وعُليّة أمه، أبو بِشْر البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٨] (ت١٩٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٣ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو الْجَرْميّ البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ
كثير الإرسال، قيل: فيه نصبٌ يسير [٣] (ت١٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في
(«الإيمان)» ١٧٣/١٧.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية خالد الحذاء، عن أبي قلابة هذه ساقها البيهقيّ في ((السنن
الكبرى)» (٣١٢/٣) فقال:
(٦٠٦٠) - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الوليد، ثنا الحسن بن
سفيان، ثنا محمد بن عبد الله بن نُمير، ثنا إسماعيل ابن علية، عن خالد
الحذّاء، قال: حدّثني أبو قلابة، عن أبي الْمَلِيح، عن نُبَيشة، قال خالد:
فلقيت أبا مليح، فسألته، فحدّثني به، فذكر عن النبيّ وَّهِ: (أيامُ التشريق أيامُ
أكل، وشرب، وذكر الله)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٧٩] (١١٤٢) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
سَابِقٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَن ابْنِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ، عَنْ
أَبِيهِ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ بَعَثَهُ، وَأَوْسَ بْنَ الْحَدَثَانِ أَيَّامَ الْتَّشْرِيقِ، فَنَادَى
أَنَّهُ: ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَأَيَّامُ مِنَّى أَيَّامُ أَكْلِ وَشُرْبٍ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ) التميميّ مولاهم، أبو جعفر، ويقال: أبو سعيد
البزار الكوفيّ، أصله من فارس، ثم سكن بغداد، صدوقٌ، من كبار [١٠].
رَوَى عن إبراهيم بن طهمان، وزائدة بن قُدامة، ومبارك بن فَضالة
وإسرائيل، وشيبان بن عبد الرحمن، ومالك بن مِغْوَل، وغيرهم.
ورَوَى عنه البخاريّ في ((الأدب المفرد))، وقال في ((الوصايا)) من

٢٦٧
(٢٥) - بَابُ تَحْرِيمٍ صَوْمٍ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ - حديث رقم (٢٦٧٩)
(صحيحه)): ثنا محمد بن سابق، والفضل بن يعقوب عنه، ورَوَى له البخاريّ
أيضاً، والباقون سوى ابن ماجه بواسطة، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وأحمد بن
حنبل، وأحمد بن إبراهيم الدورقيّ، ومحمد بن عبد الله بن نُمير، وغيرهم.
قال عبيد الله بن إسماعيل البغداديّ: سئل أحمد عن محمد بن سابق،
فقال: إذا أردت أبا نعيم فعليك بابن سابق، وقال العجليّ: كوفيٍّ ثقةٌ، وقال
يعقوب بن شيبة: كان شيخاً صدوقاً ثقةً، وليس ممن يوصف بالضبط للحديث،
وقال ابن عقدة: سمعت محمد بن صالح، وذكر محمد بن سابق، فقال: كان
خياراً لا بأس به، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: يُكتب
حديثه، ولا يحتجّ به، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ضعيفٌ.
قال الحضرميّ: مات سنة ثلاث عشرة ومائتين، وقال ابن قانع، وابن
حبان: مات سنة (٢١٤) وفيها أرّخه البخاريّ، وغير واحد.
أخرج له الجماعة، إلا ابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٣ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ) أبو سعيد الْخُرَاسانيّ، سكن نيسابور، ثم مكة،
ثقةٌ يُغْرِب، وتُكُلّم فيه للإرجاء، ويقال: رجع عنه [٧] (ت ١٦٨) (ع) تقدم في
((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٣٩١/٣١.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ،
صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤.
٥ - (ابْنُ كَعْبٍ بْنِ مَالِك) هو: عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاريّ
المدنيّ، ثقةٌ، يقال: له رؤيةٌ [٢] (ت٢ أو٩٨) (خ م د س ق) تقدم في
((الإيمان)) ٣٦٠/٦٤.
٦ - (أَبُوهُ) كعب بن مالك بن أبي كعب الأنصاريّ السَّلَميّ - بالفتح -
الصحابيّ المشهور المدنيّ، أحد الثلاثة الذين خُلِّفوا، مات في خلافة عليّ ◌َّ
(ع) تقدم في ((صلاة المسافرين)) ١٦٥٩/١٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َخَّتُهُ.
٢ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه.

٢٦٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
٣ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة ﴿ه، وهو أحد الثلاثة
الذين خُلّفوا، وقصّتهم مشهورة في كتاب الله، وكتب السنّة، وكان شاعراً
عَنْه .
شرح الحديث:
(أَنَّهُ)
(عَن) عبد الله (بْنِ گَعْبِ بْنِ مَالِكِ، عَنْ أَبِیهِ) کعب بن مالك
أي كعباً (حَدَّثَهُ) أي ابنه (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ،وَلِهِ بَعَثَهُ) أي كعباً (وَأَوْسَ بْنَ الْحَدَثَانِ
أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، فَنَادَى أَنَّهُ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ) أي فلا يدخلها كافر؛ لأنها
محرّمة عليه، كما قال الله تعالى: ﴿وَنَدَىّ أَصْحَبُ النَّارِ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ
عَلَيَّنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَا رَزَقَكُمُ اللّهُ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَفِينَ
[الأعراف: ٥٠] (وَأَيَّامُ مِنَّى) قال أبو عمر ◌َُّهُ: لا خلاف بين العلماء أن أيام
منى هي الأيام المعدودات التي ذكر الله في قوله: ﴿وَأَذْكُرُوا اللَّهَ فِيّ أَيَّامٍ
مَّعْدُودَاتٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٠٣]، وهي أيام التشريق، وأن هذه الثلاثة الأسماء
واقعة عليها، قال: وأيام منى هي أيام رمي الجمار بمنى، وهي واقعة بإجماع
على الثلاثة الأيام التي يتعجل الحاجّ منها في يومين بعد يوم النحر، فأيام منى
ثلاثة بإجماع، وهي أيام التشريق، وهي الأيام المعدودات، ومما يدلك على
أنها ثلاثة قول العرجيّ [من الكامل]:
حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَنَا النَّفْرُ
مَا نَلْتَقِي إلَّا ثَلَاثَ مِنَّى
وقال عروة بن أذينة [من الكامل]:
وَهُمُ عَلَى سَفَرٍ لَعَمْرُكَ مَا هُمُو
نَزَّلُوا ثَلَاثَ مِنِّى بِمَنْزِلِ غِبْطَةٍ
قال أبو عمر: من تعجّل من الحاجّ في يومين من أيام منى صار مقامه
بمنى ثلاثة أيام بيوم النحر، ومن لم ينفر منها إلا في آخر اليوم الثالث حصل له
بمنى مقام أربعة أيام، من أجل يوم النحر، والتعجيل لا يكون أبداً إلا في آخر
النهار، وكذلك اليوم الثالث؛ لأن الرمي في تلك الأيام إنما وقته بعد الزوال.
قال: و((مِنَى)): اسم لذلك الموضع، يُذَكَّر عند أهل اللغة، ويؤنث، قال
ابن الأنباريّ: هو مشتق من مَنيت الدمَ: إذا أصبته، قال، وقال أبو هفان:
يقال: هو منّى، وهي مِنَى، فمن ذَكَّره ذهب إلى المكان، ومن أنثه ذهب إلى
البقعة، وتكتب في الوجهين جميعاً بالياء، وروى ابن جريج، عن عطاء، قال:

٢٦٩
(٢٥) - بَابُ تَحْرِيمٍ صَوْمٍ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ - حديث رقم (٢٦٨٠)
حَدُّ منى رأس العقبة مما يلي منى إلى المنحر، قال ابن جريج: حدّ منى إذا
هبطت من وادي مُحَسِّرٍ، فأصعدت في بطن المسيل، فأنت في منى إلى العقبة
عند جمرة العقبة. انتهى(١).
(أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ))) أي فلا يجوز صومها، مطلقاً، واجباً كان أو تطوّعاً،
كما سبق تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث كعب بن مالك ه هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦٧٩/٢٥ و٢٦٨٠] (١١٤٢)، و(ابن أبي شيبة)
في «مسنده)) (٣٤١/١)، و(أحمد) في («مسنده)) (٤٦٠/٣)، و(عبد بن حُميد) في
(«مسنده)) (٣٧٤)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢١٩/٣)، و(الطبرانيّ) في
(«الأوسط)) (٢٢٣/٢) و((الصغير)) (٦٧/١) و((الكبير)) (٢٢٤/١ و٩٧/١٩)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٦٠/٤) و((الصغرى)) (٤٥٦/٣)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٨٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاه عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ
عَمْرٍو، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَنَادَيَا).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الكِسّيّ، أبو محمد، ثقةٌ حافظٌ [١١]
(ت٢٤٩) (خت م ت) تقدم في ((الإيمان)) ١٣١/٧.
٢ - (أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرِو) الْعَقَديّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت٤
أو ٢٠٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢١/٤.
و((إبراهيم)) ذُكر قبله.
(١) ((التمهيد)) ٢٣٣/٢١ - ٢٣٤.

٢٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
[تنبيه]: رواية أبي عامر، عن إبراهيم بن طهمان هذه ساقها عبد بن
حُميد تَخْذَثُ في («مسنده)) (١٤٦/١) فقال:
(٣٧٤) - أخبرنا عبد الملك بن عمرو، ثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي
الزبير، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه، أن النبيّ وَّ بعثه، وأوس بن
حَدَثان، فناديا أيام التشريق: ((أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمن، وأن هذه أيام
أكل وشرب)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُثِيْبُ﴾ .
(٢٦) - (بَابُ كَرَاهَةٍ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مُنْفَرِداً)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٨١] (١١٤٣) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَن
عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﴿
،
وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ: أَنَهَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَنْ صِيَامٍ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ،
وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بكير، أبو عثمان البغداديّ،
نزيل الرَّقَّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٢) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الإمام الحجة الفقيه الثبت المشهور المكيّ، من
كبار [٨] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٣.
٣ - (عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جُبَيْرٍ) بن شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدريّ
الْحَجَبيّ المكيّ، ثقةٌ [٥].
روى عن أخيه شيبة بن جبير، وعمته صفية بنت شيبة القرشية، وهي من
صغار الصحابيّات(١)، ومحمد بن عباد بن جعفر، وسعيد بن المسيِّب، وأبي
يعلى بن أمية، وغيرهم.
(١) قاله في ((الفتح)) ٤١٧/٥.

٢٧١
(٢٦) - بَابُ كَرَاهَةٍ صِيَامٍ بَوْمِ الْجُمُعَةِ مُنْفَرِداً - حديث رقم (٢٦٨١)
ورَوَى عنه ابن أخيه زُرارة بن مصعب بن شيبة بن جبير بن شيبة، وابن
جريج، وقُرّة بن خالد، وابن عيينة، وغيرهم.
قال ابن معين، والنسائيّ، وابن سعد: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في
((الثقات))، وذكره خليفة في الطبقة الثالثة من أهل مكة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١١٤٣)
و(١٢١١) و(٢٢٣٧) وأعاده بعده.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ) بن رِفاعة بن أُميّة بن عائذ بن عبد الله بن
عُمر بن مخزوم المخزوميّ المكيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٢٧/٣٦.
٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن
الصحابيّ ﴿هَا، مات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١١٧/٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف نَُّ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: عبد الحميد، عن محمد بن
جُبير.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة، ذو مناقب جمّة، فهو ابن
صحابيّة، وغزا مع النبيّ وَلي تسع عشرة غزوة، وهو أحد المكثرين السبعة،
روی (١٥٤٠) حديثاً .
شرح الحديث:
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ) وفي رواية عبد الرزاق، عن ابن جريج،
عن عبد الحميد أن محمد بن عباد أخبره (سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﴿يَا، وَهُوَ
يَطُوفُ بِالْبَيْتِ) جملة في محلّ نصب على الحال (أَنَهَى رَسُولُ اللهِ وَّه عَنْ صِيَامِ
يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟، فَقَالَ) جابر ◌َظُهُ (نَعَمْ) أي نهى عنه، والمراد إفراده بالصوم؛ لما
في حديث أبي هريرة ظله الآتي بعده مرفوعاً: ((لا يصُم أحدكم يوم الجمعة،

٢٧٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
إلا أن يصوم قبله، أو يصوم بعده))، وقد أشار البخاريّ إلى أن التقييد بذلك
ورد في حديث جابر ظ له أيضاً، حيث قال بعد إخراجه الحديث عن أبي
عاصم، عن ابن جريج ما نصّه: زاد غير أبي عاصم: يعني أن ينفرد بصومه.
انتھی.
قال في ((الفتح)): والغير المشار إليه جزم البيهقيّ بأنه يحيى بن سعيد
القطان، وهو كما قال، لكن لم يتعيّن، فقد أخرجه النسائيّ بالزيادة من طريقه،
ومن طريق النضر بن شُميل، وحفص بن غياث، ولفظ يحيى: ((أسمعت
رسول الله وَلجه ينهى أن يُفْرَد يوم الجمعة بصوم؟ قال: إي ورب الكعبة))، ولفظ
حفص: (نَهَى رسول الله وَّله عن صيام يوم الجمعة مفرداً))، ولفظ النضر: ((أن
جابراً سئل عن صوم يوم الجمعة، فقال: نَهَى رسول الله وََّ أن يُفْرَد)). انتهى(١).
وقوله: (وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ) قسم ذكره تأكيداً لجوابه، وفي رواية النسائيّ:
((وربّ الكعبة))، وعزاها صاحب ((العمدة)) لمسلم، فوَهِمَ، قاله في (الفتح))(٢).
قال النوويّ كَّلُهُ: وفي هذه الأحاديث الدلالة الظاهرة لقول جمهور
أصحاب الشافعيّ وموافقيهم: إنه يكره إفراد يوم الجمعة بالصوم، إلا أن يوافق
عادة له، فإن وصله بيوم قبله، أو بعده، أو وافق عادة له بأن نذر أن يصوم يوم
شفاء مريضه أبداً، فوافق يوم الجمعة لم يكره؛ لهذه الأحاديث، وأما قول
مالك في ((الموطأ)): لم أسمع أحداً من أهل العلم والفقه ومن به يُقْتَدَى نهى
عن صيام يوم الجمعة، وصيامُهُ حَسَنٌّ، وقد رأيت بعض أهل العلم (٣) يصومه،
وأراه كان يتحراه، فهذا الذي قاله هو الذي رآه، وقد رأى غيره خلاف ما رأى
هو، والسنة مقدمة على ما رآه هو وغيره، وقد ثبت النهي عن صوم يوم
الجمعة، فيتعيّن القول به، ومالك معذور، فإنه لم يبلغه، قال الداوديّ من
أصحاب مالك: لم يبلغ مالكاً هذا الحديث، ولو بلغه لم يخالفه. انتهى كلام
النوويّ كَّلُهُ، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) ((الفتح)) ٤١٧/٥ - ٤١٨.
(٢) ((الفتح)) ٤١٧/٥.
(٣) قال القرطبيّ تَُّ في ((المفهم)) (٢٠١/٣): قيل: إنه محمد بن المنكدر. انتهى.

٢٧٣
(٢٦) - بَابُ كَرَاهَةِ صِيَامٍ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مُنْفَرِداً - حديث رقم (٢٦٨١)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﴿ًّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦٨١/٢٦ و٢٦٨٢] (١١٤٣)، و(البخاريّ) في
((الصوم)) (١٩٨٤)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٢٧٤٥ و٢٧٤٦ و٢٧٤٧
و٢٧٤٨)، و(ابن ماجه) في ((الصيام)) (١٧٢٤)، و(الحميديّ) في ((مسنده))
(١٢٢٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٩٦/٣ و٣١٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(٢/ ٢٢٠)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢١٩/٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم صوم يوم الجمعة، وهذا إذا أفرده، وأما إذا
صام يوماً قبله، أو يوماً بعده، فلا منع، لحديث أبي هريرة رُه الآتي،
ولصحّة زيادة الاستثناء في حديث جابر ظُه، كما أشار إليه البخاريّ.
٢ - (ومنها): مشروعيّة الْحَلِف من غير استحلاف؛ لتاكيد الأمر.
٣ - (ومنها): إضافة الربوبية إلى المخلوقات المعظمَّة؛ تنويهاً بتعظيمها.
٤ - (ومنها): الاكتفاء في الجواب بـ(نعم)) من غير ذكر الأمر المفسَّر بها،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم صوم يوم الجمعة:
استدلت طائفة بأحاديث الباب على منع إفراد يوم الجمعة بالصيام، ونقله
أبو الطيب الطبريّ عن أحمد، وابن المنذر، وبعض الشافعية، قال في ((الفتح)):
وكأنه أخذه من قول ابن المنذر: ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة كما ثبت عن
صوم يوم العيد، وزاد يوم الجمعة الأمر بفطر من أراد إفراده بالصوم، فهذا قد
یُشعِر بأنه یری بتحریمه.
وقال أبو جعفر الطبريّ: يُفَرَّق بين العيد والجمعة بأن الإجماع منعقد
على تحريم صوم يوم العيد، ولو صام قبله أو بعده، بخلاف يوم الجمعة
فالإجماع منعقد على جواز صومه لمن صام قبله أو بعده.
ونقل ابن المنذر، وابن حزم منع صومه عن عليّ، وأبي هريرة،
وسلمان، وأبي ذرّ رَظُبه، قال ابن حزم: لا نعلم لهم مخالفاً من الصحابة.

٢٧٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
وذهب الجمهور إلى أن النهي فيه للتنزيه.
وعن مالك، وأبي حنيفة: لا يكره، قال مالك: لم أسمع أحداً ممن
يُقْتَدى به يَنْهَى عنه، قال الداوديّ: لعل النهي ما بلغ مالكاً، وزعم القاضي
عياض أن كلام مالك يؤخذ منه النهي عن إفراده؛ لأنه كره أن يخص يوم من
الأيام بالعبادة، فيكون له في المسألة روايتان.
وعاب ابن العربيّ قول عبد الوهاب منهم: يوم لا يُكْرَه صومه مع غيره،
فلا يكره وحده؛ لكونه قياساً مع وجود النصّ.
واستدلّ الحنفية بحديث ابن مسعود به: كان رسول الله وَ * يصوم من
كل شهر ثلاثة أيام، وقلّما كان يُفطر يوم الجمعة، حسّنه الترمذيّ، قال الحافظ :
وليس فيه حجة؛ لأنه يَحْتَمِل أن يريد: كان لا يتعمد فطره إذا وقع في الأيام
التي كان يصومها، ولا يضادّ ذلك كراهة إفراده بالصوم؛ جمعاً بين الحديثين،
ومنهم من عدّه من الخصائص، وليس بجيد؛ لأنها لا تثبت بالاحتمال.
والمشهور عند الشافعية وجهان :
أحدهما ـ ونقله المزنيّ عن الشافعيّ - أنه لا يكره إلا لمن أضعفه صومه
عن العبادة التي تقع فيه، من الصلاة، والدعاء، والذكر.
والثاني - وهو الذي صححه المتأخرون - كقول الجمهور. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سلف من أقوال أهل العلم،
وأدلّتهم أن أرجحها قول من قال بتحريم إفراد صوم يوم الجمعة، إلا لمن وافق
عادته، وذلك لصراحة أحاديث الباب في ذلك، فقوله وَلجر: ((لا يصم أحدكم
يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله، أو يصوم بعده)) صريح في تحريم إفراده
بالصوم، وكذلك قوله وسلم: ((ولا تخصّوا يوم الجمعة من بين الأيام إلا أن
يكون في صوم يصومه أحدكم)) صريح أيضاً في تحريم صومه إلا لمن وافق
عادته .
والحاصل أن الحقّ تحريم إفراد يوم الجمعة بالصوم إلا لذي العادة،
فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في سبب النهي عن إفراد يوم
الجمعة بصوم :

٢٧٥
(٢٦) - بَابُ كَرَاهَةِ صِيَامٍ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مُنْفَرِداً - حديث رقم (٢٦٨١)
(اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك على أقوال:
[أحدها]: لكونه يوم عيد، والعيد لا يصام.
واستُشْكِل ذلك مع الإذن بصيامه مع غيره.
وأجاب ابن القيِّم وغيره بأن شبهه بالعيد لا يستلزم استواءه معه من كل
جهة، ومن صام معه غيره انتفت عنه صورة التحري بالصوم.
[ثانيها]: لئلا يَضْعُف عن العبادة، وهذا اختاره النوويّ.
وتُعُقِّب ببقاء المعنى المذكور مع صوم غيره معه.
وأجاب بأنه يحصل بفضيلة اليوم الذي قبله أو بعده جبر ما يحصل يوم
صومه من فتور، أو تقصير.
وفيه نظر، فإن الجبران لا ينحصر في الصوم، بل يحصل بجميع أفعال
الخير، فيلزم منه جواز إفراده لمن عَمِل فيه خيراً كثيراً يقوم مقام صيام يوم قبله
أو بعده، كمن أَعْتَق فيه رقبةً مثلاً، ولا قائل بذلك.
وأيضاً فكان النهي يختص بمن يُخْشَى عليه الضعف، لا من يتحقق
القوّة.
ويمكن الجواب عن هذا بأن المظِنَّةِ أقيمت مقام الْمَئِنَّة، كما في جواز
الفطر في السفر لمن لم يَشُقّ عليه.
[ثالثها]: خوف المبالغة في تعظيمه، فيُفْتَتَن به كما افتُتِن اليهود بالسبت،
وهو منتقضٌ بثبوت تعظيمه بغير الصيام.
وأيضاً فاليهود لا يعظمون السبت بالصيام، فلو كان الملحوظ ترك
موافقتهم لتحتم صومه؛ لأنهم لا يصومونه.
وقد رَوَى أبو داود، والنسائيّ، وصححه ابن حبّان من حديث أم
سلمة
■ أن النبيّ ◌َ﴿ كان يصوم من الأيام السبت والأحد، وكان يقول:
إنهما يوما عيد للمشركين، فأُحِبّ أن أخالفهم.
[رابعها]: خوف اعتقاد وجوبه، وهو منتقضٌ بصوم الاثنين والخميس.
[خامسها]: خشية أن يُفْرَض عليهم، كما خَشِي بَّ من قيامهم الليل
ذلك، قال المهلَّب: وهو منتقض بإجازة صومه مع غيره، وبأنه لو كان كذلك

٢٧٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
لجاز بعده وَ*؛ لارتفاع السبب، لكن المهلَّب حمله على ذلك اعتقاده عدم
الكراهة على ظاهر مذهبه.
[سادسها]: مخالفة النصارى؛ لأنه يجب عليهم صومه، ونحن مأمورون
بمخالفتهم، نقله القَمُّوليّ، وهو ضعيف.
قال الحافظ تَّثُ - بعد ذكر هذه الأقول -: وأقوى الأقوال، وأولاها
بالصواب أوّلها، وورد فيه صريحاً حديثان:
أحدهما: رواه الحاكم وغيره، من طريق عامر بن لدين، عن أبي
هريرة له، مرفوعاً: ((يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم
صيامكم، إلا أن تصوموا قبله أو بعده))(١) .
والثاني: رواه ابن أبي شيبة بإسناد حسن، عن عليّ رَالله قال: ((من كان
منكم متطوعاً من الشهر، فليصم يوم الخميس، ولا يصم يوم الجمعة، فإنه يوم
طعام، وشراب، وذِكْرٍ)). انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي رجّحه الحافظ تَُّ في سبب النهي
هو الأظهر عندي، وحاصله أنه إنما نُهي عن إفراد يوم الجمعة بالصوم لكونه
عيداً، والعيد لا يُصام، وأما حديث أبي هريرة المذكور، فإنه ضعيف؛ للجهالة
في سنده، كما تعقّب الذهبيّ الحاكم به.
وأما استشكال صومه مع يوم قبله، أو بعده فقد سبق الجواب عنه في
قول ابن القيّم وغيره، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة السادسة): في بيان ما ورد من الأحاديث في صوم يوم السبت:
(اعلم): أنه وردت أحاديث في النهي عن صوم يوم السبت، ووردت
أحاديث في إباحة صومه:
فمن الأول: ما رَوَى الإمام أحمد، وأبو داود عن عبد الله بن بُسْر
(١) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) ٦٠٣/١ وهو ضعيف؛ لأن فيه مجهولاً، كما قاله
الذهبيّ كلُّهُ .
(٢) ((الفتح)) ٤٢٠/٥ - ٤٢١.

٢٧٧
(٢٦) - بَابُ كَرَاهَةِ صِيَامٍ بَوْمِ الْجُمُعَةِ مُنْفَرِداً - حديث رقم (٢٦٨١)
السُّلَميّ، عن أخته الصماء: أن النبيّ وَّه قال: ((لا تصوموا يوم السبت إلا فيما
افتُرِض عليكم، فإن لم يجد أحدكم إلا لِحَاء عِنَبة، أو عُود شجرة فليمضغه)).
وأحاديث الجواز كثيرة:
(منها): حديث جابر وأبي هريرة طيها المذكوران في الباب، وهما متّفق
عليهما .
(ومنها): ما أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) عن جويرية بنت الحارث .
:
أن النبيّ وَّر دخل عليها يوم الجمعة، وهي صائمة، فقال: ((أصمت أمس؟))
قالت: لا، قال: ((تُرِيدين أن تصومي غداً؟)) قالت: لا، قال: ((فأفطري)).
(ومنها): ما أخرجه ابن خزيمة، وابن حبّان في ((صحيحيهما)) عن
عبد الله بن محمد بن عمر بن عليّ، عن أبيه: أن كريباً مولى ابن عباس أخبره،
أن ابن عباس، وناساً من أصحاب رسول الله وَ ﴿ بعثوني إلى أم سلمة أُسائلها
عن أيّ الأيام كان رسول الله وَ﴿ أكثر لصيامها، فقالت: يوم السبت والأحد،
فرجعت إليهم، فأخبرتهم، فكأنهم أنكروا ذلك، فقاموا بأجمعهم إليها، فقالوا:
إنا بعثنا إليك هذا في كذا وكذا، وذكر أنك قلت كذا، فقالت: صدق، إن
رسول الله ﴿ أكثر ما كان يصوم من الأيام يوم السبت والأحد، وكان يقول:
((إنهما عيدان للمشركين، وأنا أريد أن أخالفهم))(١).
وقد اختلف الناس في الجمع بين هذه الأحاديث، فقال مالك تَخَّتُهُ في
حديث الصمّاء: هذا كَذِبٌ، وقال أبو داود: هذا حديث منسوخٌ، وقال
النسائيّ: هو حديث مضطربٌ.
وقال جماعة من أهل العلم: لا تعارض بين الأحاديث، فإن النهي عن
(١) صححه ابن خزيمة (٢١٦٧)، وابن حبّان (٣٦١٦)، والحاكم في ((المستدرك)) (١/
٤٣٦)، وأقرّه الذهبيّ.
وعبد الله بن محمد بن عليّ قد روى عنه جماعة، منهم حماد بن أسامة، وابن
المبارك، والدراوردي، وغيرهم، ووثقه جماعة، منهم: ابن حبّان، وقال يعقوب بن
شيبة عن ابن المدينيّ: هو وسطٌ، وقال الذهبيّ في ((الكاشف)) (١٢٧/٢): ثقة،
فقوله فى ((التقريب)): ((مقبول)) غير مقبول، فتبصّر.

٢٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
صومه إنما هو إفراده، وعلى ذلك ترجم أبو داود فقال: ((باب النهي أن يُخَصّ
يوم السبت بالصوم))، وحديث صيامه إنما هو مع يوم الأحد، قالوا: ونظير هذا
أنه نهي عن إفراد يوم الجمعة بالصوم، إلا أن يصوم يوماً قبله، أو يوماً بعده،
قال ابن القيّم تَّثُ: وبهذا يزول الإشكال الذي ظنه من قال: إن صومه نوع
تعظيم له فهو موافقة لأهل الكتاب في تعظيمه، وإن تضمن مخالفتهم في
صومه، فإن التعظيم إنما يكون إذا أفرد بالصوم، ولا ريب أن الحديث لم
يجىء بإفراده، وأما إذا صامه مع غيره لم يكن فيه تعظيم. انتهى(١).
وقال الطحاويّ كَّثُ في ((شرح معاني الآثار)): ولقد أنكر الزهريّ حديث
الصماء في كراهة صوم يوم السبت، ولم يعدّه من حديث أهل العلم بعد معرفته
به، ثم أخرج بسنده عن الليث بن سعد قال: سئل الزهريّ عن صوم يوم
السبت، فقال: لا بأس به، فقيل له: فقد روي عن النبيّ وَّ في كراهته،
فقال: ذلك حديث حمصيّ، فلم يعدّه الزهريّ حديثاً يقال به، وضَعَفَه(٢).
وقال الحافظ في ((التلخيص الحبير)): حديث: ((لا تصوموا يوم السبت إلا
فيما افتُرِض عليكم))، رواه أحمد، وأصحاب السنن، وابن حبان، والحاكم،
والطبرانيّ، والبيهقيّ، من حديث عبد الله بن بُسر، عن أخته الصماء، وصححه
ابن السكن، ورَوَى الحاكم عن الزهريّ أنه كان إذا ذُكِر له الحديث قال: هذا
حديثٌ حمصيّ، وعن الأوزاعيّ قال: ما زلت له كاتِماً حتى رأيته قد اشتهر،
وقال أبو داود في ((السنن)): قال مالك: هذا الحديث كَذِبٌ، قال الحاكم: وله
معارض بإسناد صحيح، ثم رَوَى حديث كريب المتقدّم، قال: ورواه النسائيّ،
والبيهقيّ، وابن حبان، وروى الترمذيّ من حديث عائشة ◌َيُّهَا قالت: كان
رسول الله وهو يصوم من الشهر: السبت، والأحد، والاثنين، ومن الشهر
الآخر: الثلاثاء، والأربعاء، والخميس (٣).
قال الحافظ تَُّ: قد أُعِلّ حديث الصماء بالمعارضة المذكورة، وأُعِلّ
أيضاً باضطرابه، فقيل هكذا، وقيل: عن عبد الله بن بسر، وليس فيه عن أخته
(١) ((زاد المعاد)) ٧٩/٢ - ٨٠.
(٣) حديث صحيح، أخرجه الترمذيّ (٧٤٦).
(٢) ((شرح معاني الآثار)) ٨١/٢.

٢٧٩
(٢٦) - بَابُ كَرَاهَةِ صِيَامٍ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مُنْفَرِداً - حديث رقم (٢٦٨١)
الصماء، وهذه رواية ابن حبان، وليست بعلة قادحة، فإنه أيضاً صحابيّ،
وقيل: عنه، عن أبيه بسر، وقيل: عنه، عن الصماء، عن عائشة، قال النسائيّ:
هذا حديث مضطرب.
قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن يكون عند عبد الله، عن أبيه، وعن أخته،
وعند أخته بواسطة، وهذه طريقة مَن صححه، ورجح عبد الحقّ الرواية
الأولى، وتبع في ذلك الدارقطنيّ، لكن هذا التلوّن في الحديث الواحد،
بالإسناد الواحد، مع اتحاد المخرج يوهن راويه، وينبئ بقلة ضبطه، إلا أن
يكون من الحفاظ المكثرين المعروفين بجمع طرق الحديث، فلا يكون ذلك
دالاً على قلة ضبطه، وليس الأمر هنا كذا، بل اختلف فيه أيضاً على الراوي،
عن عبد الله بن بسر أيضاً.
وادعى أبو داود أن هذا منسوخ، ولا يتبين وجه النسخ فيه، قال: ويمكن
أن يكون أخذه من كونه ◌َ ل# كان يحب موافقة أهل الكتاب في أول الأمر، ثم
في آخر أمره قال: ((خالفوهم))، فالنهي عن صوم يوم السبت يوافق الحالة
الأولى، وصيامه إياه يوافق الحالة الثانية، وهذه صورة النسخ، والله أعلم.
انتهى كلام الحافظ ◌َّهُ(١).
وذكر ابن مفلح الحنبليّ في ((الفروع)): قال الأثرم: قال أبو عبد الله: قد
جاء فيه حديث الصمّاء، وكان يحيى بن سعيد يتّقيه، وأبى أن يُحدّثني به، قال
الأثرم: وحجة أبي عبد الله في الرخصة في صوم يوم السبت أن الأحاديث كلها
مخالفة لحديث عبد الله بن بسر، منها حديث أم سلمة - يَعْنِي أَنَّ النبيّ وَّ كان
يَصُومُ السَّبْتَ وَالْأَحَدَ، وَيَقُولُ: ((هُمَا عِيدَانٍ لِلْمُشْرِكِينَ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ
أُخَالِفَهُمَا»، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَاخْتَارَ
شَيْخُنَا - يعني ابن تيميّة - أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ، وَأَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَأَنَّهُ الذي فَهِمَهُ
الْأَثْرَمُ من روايته. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الذي يترجّح جواز صوم
السبت؛ لصحّة الأحاديث بذلك، وأما حديث الصمّاء فالظاهر عدم صحّته؛
(١) ((التلخيص الحبير)) ٢١٦/٢ - ٠٢١٧
(٢) راجع: ((الفروع)» ٩٢/٣.

٢٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
للاضطراب المذكور، كما مال إليه الحافظ في آخر كلامه، وقد أنكره الأئمة:
الزهريّ، ومالك، والأوزاعيّ، ويحيى القطّان، وأحمد، وأبو داود، وغيرهم.
وعلى تقدير صحّته، فلا يَقْوَى لمعارضة أحاديث الجواز؛ إذ هي أكثر،
وأقوى صحّةً منه، ولا سيّما حديث جابر، وأبي هريرة المذكوران في الباب،
وهما في ((الصحيحين))، وحديث جويرة المتقدّم، وهو في ((صحيح البخاريّ)).
أو يُحمّل النهي فيه على إفراده، كما سلكه ابن حبّان حيث ترجم بقوله:
((ذكرُ العلّة التي من أجلها نُهي عن صيام يوم السبت، مع البيان بأنه إذا قُرن
بيوم آخر جاز صومه))(١)، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٦٨٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ
جُرَيْج، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَّةَ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ
جَعْفَرٍ، أَنَّهُ سَأَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ◌ِ﴿َّ بِمِثْلِهِ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) تقدّم قريباً.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بَنْ همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقون ذُكرواً قبله.
[تنبيه]: رواية ابن جُريج، عن عبد الحميد بن جُبير هذه ساقها الإمام
أحمد تَخْتُهُ في («مسنده)) (٢٩٦/٣):
حدّثنا عبد اللهِ(٢)، حدّثني أبي، ثنا عبد الرَّزَّاقِ، أنا ابنُ جُرَيْجٍ، أخبرني
عبد الْحَمِيدِ بن جُبَيْرٍ، أَنَّهُ أخبره محمد بن عَبَّادِ بن جَعْفَرٍ، أَنَّهُ سمَعَ جَابِرَ بن
(١) ((صحيح ابن حبان)) ٣٨١/٨.
(٢) عبد الله هو ولد الإمام أحمد، والقائل: ((حدّثني)) هو الراوي عنه.