Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
(١٩) - بَابُ التَّخْبِيرِ فِي الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ فِي السَّفَرِ - حديث رقم (٢٦٣٠)
والله تعالى أعلم. انتهى(١).
وقال القاري كَّلُهُ: قوله: ((ومن أحبّ أن يصوم فلا جناح عليه)) في
مغايرة العبارة بين الشرطين إشارة لطيفة إلى أفضلية الصوم؛ إذ كان ظاهر
المقابلة أن يقول: ((فحسن))، أو ((فأحسن))؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌ
لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]، بل مقتضى كون الأوّل رخصةً، والثاني عزيمةً أن يُعْكُس
في الجزاء بأن يقال في الأوّل: فلا جناح عليه، وفي الثاني فحسن، لكن أريد
المبالغة؛ لأن الرخصة إذا كانت حسناً، فالعزيمة أولى بذلك، ولعله منظلَلا علم
بنور النبوّة أن مراد السائل بقوله: ((فهل عليّ جناح؟)) أي في الصوم، ويدل
عليه ما تقدّم من قوله: ((إني أجد بي قوّةً على الصيام))، والله تعالى أعلم
بالصواب. انتهى(٢).
والحديث من أفراد المصنّف ◌َُّهُ، وقد مضى البحث فيه مستوفَى قريباً،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٦٣٠] (١١٢٢) - (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنَّ أَبِي
الدَّرْدَاءِ ◌َبِهِ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فِي حَرِّ شَدِيدٍ،
حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ بَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا
رَسُولُ اللهِ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ) الهاشميّ مولاهم الْخُوَارَزْميّ، نزيل بغداد، ثقةٌ
[١٠] (ت٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في ((الإيمان) ١٤٨/١٠.
٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم) القُرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ، لكنه
كثير التدليس والتسوية [٨] (ت٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٨/١٠.
(١) ((المفهم)) ١٧٩/٣.
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٤٥٩/٤.

١٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
٣ - (سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) التَّنُوخيّ الدمشقيّ، ثقةٌ إمامٌ، لكنه اختَلَط
بآخره [٧] (ت١٦٧) أو بعدها (بخ م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٢٩/٥.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بن أبي المهاجر أقرم المخزوميّ مولاهم
الدمشقيّ، أبو عبد الحميد، مؤدِّب ولد عبد الملك، ثقةٌ [٤].
أدرك معاوية، وهو غلام صغير وغيره، ورَوَى عن أنس، وعبد الرحمن بن
غَنْم، وفَضالة بن عُبيد، وفي سماعه منه نظر، وميسرة مولى فَضالة، وأبي
صالح الأشعريّ، وكريمة بنت الحسحاس، وأم الدرداء.
ورَوَى عنه ربيعة بن يزيد، وسعيد بن عبد العزيز، وعبد الله بن
عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وأبوه، والأوزاعيّ، وخلق.
روى أبو حاتم أن الأوزاعيّ قال: كان مأموناً على ما حدّث، وكان
سعيد بن عبد العزيز إذا حَدَّث عنه قال: كان ثقةً صدوقاً، وقال المفضل
الغلابيّ: هو ممن يُرْضَى به في الحديث، وقال العجليّ، والفسويّ، ومعاوية بن
صالح، والدارقطنيّ: ثقةٌ، وقال خليفة في تسمية عُمّال عمر بن عبد العزيز: ثم
ولي إسماعيل بن عبيد الله مولى بني مخزوم البربر، فقَدِمَها سنة مائة، فأسلم
عامة البربر في ولايته، وكان حسن السيرة.
وقال أبو مسهر: مات في خلافة مروان، وقال ابن يونس: تُوُفّي سنة
(١٣١)، وكان مولده سنة (٦١). قال الحافظ: فعلى هذا لا يكون أدرك
معاوية، وقال ابن حبّان في ((الثقات)): مات سنة (١٣٢) قبل دخول عبد الله بن
عليّ بثلاثة أشهر. انتهى.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس
له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٥ - (أُمُّ الدَّرْدَاءِ) الصغرى، زوج أبي الدرداء، اسمها هُجَيمة، ويقال:
جهيمة بنت حُبَيّ الأوصابية الدمشقية، ثقةٌ [٣].
رَوَت عن زوجها، وسلمان الفارسيّ، وفَضالة بن عُبيد، وأبي هريرة،
وكعب بن عاصم، وعائشة
ورَوَى عنها جبير بن نفير، وهو أكبر منها، وابن أخيها مَهْديّ بن

١٤٣
(١٩) - بَابُ التَّخْبِيرِ فِي الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ فِي السَّفَرِ - حديث رقم (٢٦٣٠)
عبد الرحمن، ومولاها أبو عمران الأنصاريّ، وسالم بن أبي الجعد، وزيد بن
أسلم، وغيرهم.
ذكرها ابن سُميع في الطبقة الثانية من تابعي أهل الشام، وقال أبو زرعة
الدمشقيّ: سمعت أبا مسهر يقول: أم الدرداء الصغرى هُجيمة بنت حُييّ
الوَصّابية، وأم الدرداء الكبرى خيرة بنت أبي حَدْرَد، وقال أبو أحمد العَسّال:
أم الدرداء الصغرى هي يُروَى عنها الحديث الكثير، وكانت أم الدرداء الكبرى
صحابيةً، وقال الوليد بن مسلم، عن عثمان بن أبي العاتكة، وأم جابر: كانت
أم الدرداء يتيمة في حجر أبي الدرداء، تختلف مع أبي الدرداء في بُرْنُس تصلي
في صفوف الرجال، وتجلس في حِلق القرّاء، حتى قال لها أبو الدرداء: الْحَقِي
بصفوف النساء، وقال أبو الزاهرية، عن جُبير بن نُفير، عن أم الدرداء، أنها
قالت لأبي الدرداء: إنك خطبتني إلى أبويّ في الدنيا، فأنكحوني، وإني
أخطبك إلى نفسك في الآخرة، قال: فلا تنكحي بعدي، فخطبها معاوية،
فأخبرته بالذي كان، فقال: عليك بالصيام، وقال رُديح بن عطية المقدسيّ، عن
إبراهيم بن أبي عَبْلة، عن أم الدرداء: أن رجلاً أتاها، فقال: إن رجلاً نال
منك عند عبد الملك، فقالت: إن يؤثر بما ليس فينا، فطالما زُكِّينا بما ليس
فينا، وقال عبد ربه بن سليمان بن زيتون: حجّت أم الدرداء سنة إحدى
وثمانين، وقال ابن حبان في ((الثقات)): كانت تقيم ستة أشهر ببيت المقدس،
وستة أشهر بدمشق، وماتت بعد سنة إحدى وثمانين، وكانت من العابدات،
ووقع عند البيهقي اسمها حمامة، فينظر.
أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١١٢٢)
وأعاده بعده، و(٢٥٩٨) وأعاده أيضاً بعده، و(٢٧٣٢) وكرّره ثلاث مرّات.
٦ - (أَبُو الدَّرْدَاءِ) عُويمر بن زيد بن قيس الأنصاريّ، اختُلف في اسم
أبيه، وقيل: اسمه عامر، وعُويمر لقبه، الصحابيّ الشهير، مات رظُه في آخر
خلافة عثمان رَظ ◌ُه، وقيل: عاش بعد ذلك (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٩٨/٤٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف نَّلُهُ.

١٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، وإسماعيل بن
عبيد الله، فما أخرج لهما الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالدمشقيين، غير شيخه، فبغداديّ.
٤ - (ومنها): أنه رواية تابعيّ، عن تابعيّة، روت عن زوجها .
شرح الحديث :
(عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ) الصغرى التابعيّة، هُجيمة، أو جهيمة بنت حُييّ
الوصّابية، في رواية أبي داود: ((حدّثتني أم الدرداء))، فصرّح إسماعيل
بالتحدیث.
[تنبيه]: لأبي الدرداء ظه امرأتان كلتاهما يقال لها: أم الدرداء،
إحداهما رأت النبيّ و98َّ، وهي الكبرى، واسمها: خيرة بنت أبي حدرد،
وماتت قبل أبي الدرداء، والثانية: هي الصغرى، واسمها هجيمة، أو جهيمة
بنت حُييّ الوصّابية، تزوّجها أبو الدرداء بعد النبيّ وَّ، وهي تابعيّة تروي عن
زوجها، وسلمان، فتنبّه.
(عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﴿له) عُويمر بن زيد ◌َته، أنه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ
رَسُولِ اللهِ ( 18) وفي الرواية التالية: ((لقد رأيتني مع رسول الله وصيل في بعض
أسفاره في يوم شديد الحرّ))، وفي رواية البخاريّ: ((خرجنا مع النبيّ ◌َّر في
بعض أسفاره)) (فِي شَهْرِ رَمَضَانَ) قال في ((الفتح)) ما حاصله: أن بقوله هنا:
((في رمضان)) يتم المراد من الاستدلال، يعني الاستدلال على ردّ قول من قال:
من سافر في شهر رمضان امتنع عليه الفطر، ويتوجه أيضاً الردّ بها على أبي
محمد بن حزم في زعمه أن حديث أبي الدرداء هذا لا حجة فيه؛ لاحتمال أن
يكون ذلك الصوم تطوعاً .
قال الحافظ: وقد كنت ظننت أن هذه السفرة غزوة الفتح؛ لما رأيت في
((الموطأ)) من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن، عن رجل من الصحابة، قال:
رأيت رسول الله وَ ﴿ بالْعَرْج في الحرّ، وهو يصب على رأسه الماء، وهو صائم
من العطش، ومن الحرّ، فلما بلغ الكديد أفطر، فإنه يدلّ على أن غزاة الفتح
كانت في أيام شدّة الحرّ، وقد اتَّفَقَت الروايتان على أن كلّاً من السفرتين كان

١٤٥
(١٩) - بَابُ التَّخْيِيرِ فِي الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ فِي السَّفَرِ - حديث رقم (٢٦٣٠)
في رمضان، لكنني رجعت عن ذلك، وعرفت أنه ليس بصواب؛ لأن عبد الله بن
رواحة ◌ُه استُشْهِد بمؤتة قبل غزوة الفتح بلا خلاف، وإن كانتا جميعاً في
سنة واحدة، وقد استثناه أبو الدرداء في هذه السفرة مع النبيّ وَّو، فصح أنها
كانت سفرة أخرى، وأيضاً فإن في سياق أحاديث غزوة الفتح أن الذين
استمرُّوا من الصحابة صياماً كانوا جماعة، وفي هذا أنه عبد الله بن رواحة
وحده .
وأخرج الترمذيّ من حديث عمر ظه: غزونا مع النبيّ وَّ في رمضان
يوم بدر، ويوم الفتح ... الحديث، ولا يصح حمله أيضاً على بدر؛ لأن أبا
الدرداء لم يكن حينئذ أسلم.
وفي الحديث دليل على أن لا كراهية في الصوم في السفر لمن قَوِي
عليه، ولم يُصِبه منه مشقةٌ شديدةٌ. انتهى(١).
(فِي حَرِّ شَدِيدٍ، حَتَّى إِنْ) ((حتى)) بيان لغاية شدّة الحرّ، و((إِنْ)) مخفّفة من
الثقيلة، ولذا دخلت في خبرها اللام الفارقة بينها وبين ((إن)) النافية، قال في
«الخلاصة» :
وَتَلْزَمُ اللََّمُ إِذَا مَا تُهْمَلُ
وَخُفِّفَتْ ((إِنَّ) فَقَلَّ الْعَمَلُ
مَا نَاطِقٌ أَرَادَهُ مُعْتَمِدَا
وَرُبّاً اسْتُغْنِيَ عَنْهَا إِنْ بَدَا
فَلَا تُلْفِيهِ غَالِباً بِإِنْ ذِي مُوصَلَا
وَالْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاسِخاً
(كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَا) نافية، أي لم يوجد
(فِينَا صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللهِ وَّهِ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ) بن ثعلبة بن امرىء القيس
الخزرجيّ الأنصاريّ الصحابيّ الشهير وكان شاعراً، وهو أحد السابقين إلى
الإسلام، شَهِدَ بدراً، واستُشهِد بمؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة،
وكان ثالث الأمراء بها، وله ذكر في ((صحيح مسلم))، ولا رواية له، وقد تقدّم
في (٢١٥٤/١٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
(١) ((الفتح)) ٣٣٧/٥ - ٣٣٨.

١٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي الدرداء عظُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦٣٠/١٩ و٢٦٣١] (١١٢٢)، و(البخاريّ) في
((الصوم)) (١٩٤٥)، و(أبو داود) في ((الصوم)) (٢٤٠٩)، و(ابن ماجه) في
((الصيام)) (١٦٦٣)، و(ابن أبي شيبة) في («مسنده)) (٤٦/١)، و(أحمد) في
(مسنده)) (١٩٤/٥ و٤٤٤/٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٩١/٢)، و(أبو نعيم)
في (مستخرجه)) (٢٠١/٣)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٣٠١/٣)، و(الطبريّ)
في (تهذيب الآثار)) (١٦٠/١)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (١٠٠/١)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٤٥/٤) و((المعرفة)) (٣٩٣/٣)، وفوائده تقدّمت،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٦٣١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ
سَعْدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَيَّانَ الدِّمَشْقِيِّ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، قَالَتْ: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ:
لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ◌ّهِ فِي بَعْضٍ أَسْفَارِهِ، فِي يَوْم شَدِيدِ الْحَرِّ، حَتَّى إِنَّ
الرَّجُلَ لَيَضَعُ بَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَا مِنَّا أَحَدٌ صَّائِمٌ إِلَّ رَسُولُ الهِ وَه
وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ) أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ
الأصل، وقد سكنها مدّةً، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [٩] (ت٢٢١) بمكة (خ م د ت
س) تقدم في ((الطهارة)) ١٧ / ٦١٧.
٢ - (هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ) أبو عباد، أو أبو سعد المدنيّ، صدوقٌ له أوهامٌ،
ورُمي بالتشيّع، من كبار [٧] (ت١٦٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان))
٤٦٣/٨٧.
٣ - (عُثْمَانُ بْنُ حَيَّانَ الدِّمَشْقِيُّ) هو: عثمان بن حيّان بن مَعْبد بن شدّاد بن

١٤٧
(١٩) - بَابُ التَّخْبِيرِ فِي الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ فِي السَّفَرِ - حديث رقم (٢٦٣١)
نعمان بن رَبَاح بن سعد بن ربيعة بن عامر بن يربوع بن غيط بن مُرّة بن عوف
الْمُزنيّ - بضم الميم، بعدها زاي - أبو المغراء - بفتح الميم، وسكون الغين
المعجمة - الدمشقيّ مولى أم الدرداء، ويقال: مولى عتبة بن أبي سفيان(١).
رَوَى عن أم الدرداء، وعنه هشام بن سعد، وقال: كان رجلاً من أهل
الخير، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وسعيد البزار، وعبد الله بن سليمان، قال
ابن وهب، عن مالك: بعث ابن حيان، وهو أمير المدينة إلى محمد بن المنكدر
وأصحابه، فضربهم لما كان من كلامهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وقال
ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب، قال: قال عمر بن عبد العزيز: الوليد بالشام،
والحجاج بالعراق، ومحمد بن يوسف باليمن، وعثمان بن حيان بالمدينة، وقرة بن
شريك بمصر، امتلأت والله الأرض جَوْراً، وقال ابن عساكر: استعمله الوليد
على المدينة، وكان في سيرته عُنْفٌ، وقال الواقديّ: نزع سليمان بن عبد الملك
عثمان بن حيّان عن المدينة سنة (٩٦) وكانت إمرته عليها ثلاث سنين، وقال
خليفة: ولي عثمان بن حيان الصائفة سنة (١٠٣)، وغزا قيصرة من أرض الروم
سنة (١٠٤)، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، مات سنة (١٥٠).
انفرد به المصنّف، وابن ماجه، وليس له عندهما إلا هذا الحديث.
قال الجامع عفا الله عنه: خالف الحافظ تَُّ عادته في ((التقريب))، فإنه
كان يذكر طبقة الراوي، وتوثيقه، أو ضدّه، وهنا لم يذكر لا طبقة، ولا توثيقاً،
بل أشار إلى ضدّه بقوله: وكان عمر بن عبد العزيز يصفه بالجور.
[فإن قلت]: كيف أخرج له المصنّف مع كونه مجروحاً؟
[قلت]: إنما أخرج له متابعةً، لا أصالةً، فإن الحديث رواه إسماعيل بن
عبيد الله، عن أم الدرداء في السند الماضي، وأيضاً إنما أتى به لعلوّه، فإنه
أعلى من السند الماضي بدرجة، والله تعالى أعلم.
والباقيان ذُكرا قبله، وشرح الحديث، ومسائله ذُكرت قبله، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١) هكذا في ((التقريب)) لم يذكر له طبقةً، ولا توثيقاً.

١٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
(٢٠) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ الْفِطْرِ لِلْحَاجِّ بِعَرَفَاتٍ بَوْمَ عَرَفَةَ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَذَتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٣٢] (١١٢٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
أَبِي النَّضْرِ، عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ، أَنَّ
نَاساً تَمَارَوْا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صِيَامِ رَسُولِ اللهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ،
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِمٍ، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ بِقَدَحٍ لَبَنٍ، وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ
بِعَرَفَةَ، فَشَرِبَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْيَى) التيميّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مَالِك) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قريباً.
٣ - (أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أُميّة، مولى عُمر بن عبيد الله التيميّ
المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، يرسل [٥] (ت١٢٩) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥١/٤.
٤ - (عُمَيْرٌ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ) هو: عمير بن عبد الله الهلاليّ، أبو
عبد الله المدنيّ، مولى أم الفضل، ثقةٌ [٣] (ت١٠٤) (خ م د س) تقدم في
(«الحيض)) ٨٢٨/٢٧.
٥ - (أُّ الْفَضْلِ بِنْتُ الْحَارِثِ) لبابة بنت الحارث بن حَزْن الهلاليّة، زوج
العبّاس ها، وأخت ميمونة زوج النبيّ وَّ، ماتت في خلافة عثمان رَبه (ع)
تقدمت في ((الصلاة)) ١٠٣٨/٣٦.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ◌َذُّهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو
داود، وابن ماجه، وعمير، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنیین، سوی شیخه، فنيسابوريّ، وقد دخل
المدينة .

١٤٩
(٢٠) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الْفِطْرِ لِلْحَاجِّ بِعَرَفَاتٍ يَوْمَ عَرَفَةَ - حديث رقم (٢٦٣٢)
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ) وفي الرواية التالية: ((مولى أم
الفضل))، قال في ((الفتح)): قوله: ((عمير مولى أم الفضل))، هو عمير مولى ابن
عباس، فمن قال: مولى أم الفضل، فباعتبار أصله، ومن قال: مولى ابن
عباس فباعتبار ما آل إليه حاله؛ لأن أم الفضل هي والدة ابن عباس، وقد انتَقَّلَ
إلى ابن عباس ولاءُ موالي أمه. انتهى.
وقال النوويّ تَّقُ: الظاهر أنه مولى أم الفضل حقيقةً، ويقال له: مولى
ابن عباس، وقال البخاريّ وغيره من الأئمة: هو مولى أم الفضل حقيقةً، ويقال
له: مولى ابن عباس؛ لملازمته له، وأخذه عنه، وانتمائه إليه، كما قالوا في
أبي مُرّة: مولى أم هانئ بنت أبي طالب، يقولون أيضاً: مولى عقيل بن أبي
طالب، قالوا: للزومه إياه، وانتمائه إليه، وقريب منه مِقْسَمٌ مولى ابن عباس،
ليس هو مولاه حقيقةً، وإنما قيل: مولى ابن عباس؛ للزومه إياه. انتهى (١).
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): وليس لِعُمير في البخاريّ سوى هذا الحديث،
وقد أخرجه أيضاً في ((الحج)) في موضعين، وفي ((الأشربة)) في ثلاثة مواضع،
وحديث آخر تقدم في التيمم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت في ترجمته في ((كتاب الحيض، باب
التيمّم)) برقم [٨٢٨/٢٧] أنه ليس له عند مسلم إلا حديثان، حديث في
((التيمّم)): ((أقبل رسول الله وَ ﴿ من نحو بئر جمل ... ))، وحديث الباب، وقد
كرّره مرّتين، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ) كنية لبابة (بِنْتِ الْحَارِثِ) كُنيت بأكبر أولادها الفضل بن
(أَنَّ نَاساً تَمَارَوْا) أي اختلفوا، وتجادلوا، ووقع عند الدارقطنيّ في
عبّاس
((الموطآت)) من طريق أبي نوح، عن مالك: ((اختَلَف ناس من أصحاب
رسول الله وَ﴾﴾ (عِنْدَهَا) أي عند أم الفضل (يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صِيَامِ رَسُولِ اللهِ تَّ)
(١) ((شرح النوويّ)) ٣/٨ - ٤.

١٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
هذا يشعر بأن صوم يوم عرفة كان معروفاً عندهم، معتاداً لهم في الحضر،
وكأنّ مَن جَزَم بأنه صائم استَنَدَ إلى ما أَلِفَه من العبادة، ومَن جَزَم بأنه غير
صائم قامت عنده قرينة كونه مسافراً، وقد عُرِف عدم صومه عن الفرض في
السفر فضلاً عن النفل، قاله في ((الفتح)).
وقال القرطبيّ كَخْلُهُ: وسبب هذا الاختلاف: أنه تعارض عندهم ترغيب
النبيّ ◌َّ﴿ في صوم يوم عرفة، وسبب الاشتغال بعبادة الحج، فشكّوا في حاله،
فارتفع الشك لَمّا شرب، وفُهِم: أن صوم عرفة إنما يكون فيه ذلك الفضل بغير
عرفة، وأن الأولى ترك صومه بعرفة؛ لمشقة عبادة الحج، وقد روى النسائي
عن أبي هريرة ◌ُه قال: نَهَى رسول الله وَ ل﴿ عن صيام يوم عرفة بعرفة(١)،
وهذا لما قلناه، والله تعالى أعلم. انتهى (٢).
(فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِم، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ)
بضمّ التاء للمتكلّم، وسيأتي في الحديث الذي يليه أن ميمونة بنت الحارث .
هي التي أرسلت، فيَحْتَمِل التعدد، ويَحْتَمِل أنهما معاً أرسلتا، فنُسب ذلك إلى
كل منهما؛ لأنهما كانتا أختين، فتكون ميمونة أرسلت بسؤال أم الفضل لها في
ذلك؛ لكشف الحال في ذلك، ويَحْتَمِل العكس، وسيأتي الإشارة إلى تعيين
كون ميمونة هي التي باشرت الإرسال، ولم يُسَمَّ الرسول في طُرُق حديث أم
الفضل، لكن رَوَى النسائيّ من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضيًا ما
يدلّ على أنه كان الرسول بذلك، ويُقَوِّي ذلك أنه كان ممن جاء عنه أنه أَرْسَل
إما أمه، وإما خالته، قاله في ((الفتح))(٣).
(بِقَدَحِ لَبَنٍ) تقدّم أن القدح بفتحتين: إناء يُروي الرجلين (وَهُوَ وَاقِفٌ)
جملة في محلّ نصب على الحال (عَلَى بَعِيرِهِ) بفتح الموحّدة، وقد تُكسَر: مثل
الإنسان يقع على الذكر والأنثى، فيقال: حلبت بعير، والجمل بمنزلة الرجل
يختصّ بالذكر، والناقة بمنزلة المرأة تختصّ بالأنثى، وقد تقدم تمام البحث في
هذا في ((كتاب الحيض، باب التيمّم)) [٨٢٢/٢٧].
(١) تقدّم أن الحديث ضعيف.
(٣) ((الفتح)) ٤٢٤/٥.
(٢) ((المفهم)) ١٨٩/٣.

١٥١
(٢٠) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الْفِطْرِ لِلْحَاجِّ بِعَرَفَاتٍ يَوْمَ عَرَفَةَ - حديث رقم (٢٦٣٢)
(بِعَرَفَةَ) زاد أبو نعيم في ((مستخرجه)) من طريق يحيى بن سعيد، عن
مالك: ((وهو يخطب الناس بعرفة))، وللبخاريّ في ((الأشربة))، من طريق
عبد العزيز بن أبي سلمة، عن أبي النضر: ((وهو واقف عشية عرفة))، ولأحمد،
والنسائيّ، من طريق عبد الله بن عباس، عن أمه، أم الفضل: ((أن رسول الله وَليه
أفطر بعرفة)).
و((عَرَفَةُ)): بفتحات: موضع وقوف الحجّاج، ممنوعة من الصرف؛ للعلميّة
والتأنيث، ولا يدخلها الألف واللام، قيل: جمعها عَرَفات، قال الفيّوميّ ◌َُّهُ:
و((عَرَفاتٌ)): موضع وقوف الْحَجِيج، ويقال: بينها وبين مكة نحو تسعة أميال،
ويُعْرَب إعراب مسلماتٍ، ومؤمناتٍ، والتنوين يشبه تنوين المقابلة، كما في باب
مسلمات، وليس بتنوين صرف؛ لوجود مقتضى المنع من الصرف، وهو العلمية
والتأنيث، ولهذا لا يدخلها الألف واللام، وبعضهم يقول: ((عرفةُ)) هي الجبل،
و((عرفاتٌ)) جمع: عرفة؛ تقديراً؛ لأنه يقال: وقفت بعرفة، كما يقال: بعرفات،
وعَرَّفوا تعريفاً وقفوا بعرفاتٍ، كما يقال: عَيَّدُوا: إذا حضروا العيد، وجَمَّعُوا:
إذا حضروا الجمعة. انتهى(١).
وقال في ((القاموس)): و((عَرَفاتُ)): موقف الحاج في اليوم التاسع من ذي
الحجة، على اثني عشر ميلاً من مكة، وغَلِطَ الجوهريّ، فقال: موضع بمنى،
سُمِّيت؛ لأن آدم وحواء تعارفا بها، أو لقول جبريل لإبراهيم - {لَّهِ - لَّمّا عَلَّمَه
المناسك: أعرفت؟ قال: عرفتُ، أو لأنها مُقَدَّسة معظّمةٌ، كأنها عُرِّفَت، أي
◌ُيِّبَتْ، وهو اسم في لفظ الجمع، فلا يُجْمَعُ، معرفةٌ، وإن كان جمعاً؛ لأن
الأماكن لا تزول، فصارت كالشيء الواحد، مصروفةٌ؛ لأن التاء بمنزلة الياء
والواو في مسلمین ومسلمون. انتهى(٢).
(فَشَرِبَهُ) أي شرب النبيّ ◌َِّ ذلك اللبن.
قال أبو عمر بن عبد البرّ ◌َخْذُ: مَحْمِل هذا الحديث عندنا أنه كان بعرفة،
وقد رُوي ذلك منصوصاً، وإذا كان بعرفة فالفطر أفضل تأسياً برسول الله واله،
وقوّةً على الدعاء، وقد قال رَّهِ: ((أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة))، ونَهَى عن
(١) ((المصباح المنير)) ٤٠٤/٢ - ٤٠٥.
(٢) ((القاموس المحيط)) ١٧٣/٣.

١٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
صوم يوم عرفة بعرفة، وتخصيصه بعرفة دليلٌ على أن غير عرفة ليست كذلك،
وقد رُوي عنه ◌َّل فضل صوم عرفة، وأنه يكفّر سنتين، والله أعلم. انتهى(١)،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أم الفضل
◌ُّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦٣٢/٢٠ و٢٦٣٣ و٢٦٣٤ و٢٦٣٥] (١١٢٣)،
و(البخاريّ) في ((الحج)) (١٦٥٨ و١٦٦١) و((الصوم)) (١٩٨٨) و((الجهاد))
(٥٦٠٤٠ و٥٦١٨ و٥٦٣٦)، و(أبو داود) في ((الصوم)) (١٤٤١)، و(مالك) في
(الموظّأ)) (٣٧٥/١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٨٢/٤)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٣٣٩/٦ و٣٤٠)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٨٢٨)، و(أبو نعيم)
في ((مستخرجه)) (٢٠٤/٣)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٤/٢٥)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (١١٦/٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): استحباب الفطر للواقف بعرفة، قال الإمام ابن القيّم تخلّلهُ:
وقد ذُكِر لفطره بَ ◌ّهَ في عرفة عدّةُ حِكَم:
منها : أنه أقوى على الدعاء.
ومنها: أن الفطر في السفر أفضل في فرض الصوم، فكيف بنفله.
ومنها: أن ذلك اليوم كان يوم الجمعة، وقد نُهِي عن إفراده بالصوم،
فأحب أن يرى الناس فطره فيه تأكيداً لنهيه عن تخصيصه بالصوم، وإن كان
صومه؛ لكونه يوم عرفة، لا يوم جمعة، قال: وكان شيخنا - يعني ابن
تيميّة - دَخْلُهُ يسلك مسلكاً آخر، وهو أنه يوم عيد لأهل عرفة؛ لاجتماعهم فيه،
كاجتماع الناس يوم العيد، وهذا الاجتماع يختصّ بمن بعرفة دون أهل الآفاق،
(١) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ١٥٧/٢١.

١٥٣
(٢٠) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الْفِطْرِ لِلْحَاجُ بِعَرَفَاتٍ يَوْمَ عَرَفَةَ - حديث رقم (٢٦٣٢)
قال: وقد أشار النبيّ ◌َله إلى هذا في الحديث الذي رواه أهل ((السنن)): ((يومُ
عرفة، ويوم النحر، وأيام منى عيدنا أهلَ الإسلام))، ومعلوم أن كونه عيداً هو
لأهل ذلك الجمع؛ لاجتماعهم فيه، والله أعلم. انتهى (١).
٢ - (ومنها): استحباب الوقوف راكباً، قال النوويّ تَظُّ: وهو الصحيح
في مذهبنا، ولنا قول: إن غير الركوب أفضل، وقيل: إنهما سواء.
٣ - (ومنها): جواز الشرب قائماً وراكباً.
٤ - (ومنها): إباحة الهدية للنبيّ وَله .
٥ - (ومنها): إباحة قبول هدية المرأة المزوَّجة الموثوق بدينها، ولا
يشترط أن يسأل: هل هو من مالها أم من مال زوجها؟، أو أنه أذن فيه أم لا؟
إذا كانت موثوقاً بدينها، قاله النوويّ ◌َُّ.
وقال في ((الفتح)) بعد ذكر نحو هذا ما نصّه: ولعل ذلك من القدر الذي
لا يقع فيه المشاححة، قال المهلَّب: وفيه نظر؛ لما تقدم من احتمال أنه من
بيت ميمونة زوج النبيّ وَّ﴾. انتهى (٢).
٦ - (ومنها): أن تصرّف المرأة في مالها جائزٌ، ولا يشترط إذن الزوج،
سواء تصرَّفت في الثلث، أو أكثر، قال النوويّ كَُّهُ: وهذا مذهبنا، ومذهب
الجمهور، وقال مالك: لا تتصرف فيما فوق الثلث إلا بإذنه، وموضع الدلالة
من الحديث أنه ◌َّي لم يسأل: هل هو من مالها، ويَخرُج من الثلث، أو بإذن
الزوج أم لا؟، ولو اختَلَف الحكم لسأل. انتهى(٣).
٧ - (ومنها): أن العيان أقطع للحجة، وأنه فوق الخبر.
٨ - (ومنها): أن الأكل والشرب في المحافل مباٌ، ولا كراهة فيه؛
للضرورة.
٩ - (ومنها): أن فيه تأسي الناس بأفعال النبيّ وَله.
١٠ - (ومنها): مشروعيّة البحث، والاجتهاد في حياته وَل.
(١) ((زاد المعاد)) ٧٧/٢ - ٧٨.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٣/٢/٨.
(٢) ((الفتح)) ٤٢٥/٥.

١٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
١١ - (ومنها): مشروعيّة المناظرة في العلم بين الرجال والنساء، والتحيّل
على الاطلاع على الحكم بغير سؤال.
١٢ - (ومنها): أن فيه بيان فِطنة أم الفضل ؤنا؛ لاستكشافها عن الحكم
الشرعيّ بهذه الوسيلة اللطيفة اللائقة بالحال؛ لأن ذلك كان في يوم حرّ بعد
الظهيرة.
قال ابن الْمُنَيِّرِ كَخْتُهُ في ((الحاشية)): لم ينقل أنه وَّ ناول فضله أحداً،
فلعله عَلِم أنها خصته به، فيؤخذ منه مسألة التمليك المقيد. انتهى. ولا يخفى
بُعده، وقد وقع في حديث ميمونة ﴿يا: ((فشرب منه))، وهو مشعر بأنه لم
يستوف شربه منه، وقال الزين ابن الْمُنَيِّر: لعل استبقاءه لِما في القدح كان
قصداً؛ لإطالة زمن الشرب حتى يعمّ نظر الناس إليه؛ ليكون أبلغ في البيان.
١٣ - (ومنها): مشروعيّة الركوب في حال الوقوف (١)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في صوم يوم عرفة:
قال النوويّ تَخْتُ: مذهب الشافعيّ، ومالك، وأبي حنيفة، وجمهور
العلماء استحباب فطر يوم عرفة بعرفة للحاجّ، وحكاه ابن المنذر عن أبي بكر
الصديق، وعمر، وعثمان بن عفان، وابن عمر، والثوريّ. قال: وكان ابن
الزبير، وعائشة يصومانه، ورُوي عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن أبي
العاص، وكان إسحاق يميل إليه، وكان عطاء يصومه في الشتاء دون الصيف،
وقال قتادة: لا بأس به إذا لم يضعف عن الدعاء.
واحتَجّ الجمهور بفطر النبيّ ◌َ ﴿ فيه، ولأنه أرفق بالحاجّ في آداب
الوقوف، ومهمات المناسك.
واحتَجّ الآخرون بالأحاديث المطلقة أن صوم عرفة كفارة سنتين، وحمله
الجمهور على من ليس هناك. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): واستُدِلّ بهذين الحديثين - يعني حديث أم الفضل،
وحديث ميمونة يتا - على استحباب الفطر يوم عرفة بعرفة، وفيه نظر؛ لأن
(١) ((الفتح)) ٤٣٥/٥ - ٤٣٦.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢/٨.

١٥٥
(٢٠) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الْفِطْرِ لِلْحَاجِّ بِعَرَفَاتٍ يَوْمَ عَرَفَةَ - حديث رقم (٢٦٣٢)
فعله المجرد لا يدلّ على نفي الاستحباب؛ إذ قد يترك الشيء المستحبّ؛ لبيان
الجواز، ويكون في حقه أفضل لمصلحة التبليغ، نعم رَوَى أبو داود،
والنسائيّ، وصححه ابن خزيمة، والحاكم، من طريق عكرمة، أن أبا هريرة
حدثهم: أن رسول الله وَِّ «نَهَى عن صوم يوم عرفة بعرفة)).
وأخذ بظاهره بعض السلف، فجاء عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ قال:
يجب فطر يوم عرفة للحاجّ، وعن ابن الزبير، وأسامة بن زيد، وعائشة
أنهم كانوا يصومونه، وكان ذلك يُعْجِب الحسن، ويحكيه عن عثمان، وعن
قتادة مذهب آخر، قال: لا بأس به إذا لم يَضْعُف عن الدعاء، ونقله البيهقيّ
في ((المعرفة)) عن الشافعيّ في القديم، واختاره الخطابيّ، والمتولي من
الشافعية.
وقال الجمهور: يستحب فطره، حتى قال عطاء: من أفطره ليتقوى به
على الذكر، كان له مثل أجر الصائم.
وقال الطبريّ: إنما أفطر رسول الله وَ له بعرفة؛ ليدل على الاختيار للحاجّ
بمكة؛ لكي لا يضعف عن الدعاء والذكر المطلوب يوم عرفة.
وقيل: إنما أفطر لموافقته يوم الجمعة، وقد نُهِي عن إفراده بالصوم،
ويُبعِده سیاق أول الحديث.
وقيل: إنما كُره صوم يوم عرفة؛ لأنه يوم عيد لأهل الموقف؛
لاجتماعهم فيه، ويؤيِّده ما رواه أصحاب ((السنن)) عن عقبة بن عامر
مرفوعاً: ((يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام منى، عيدنا أهلَ الإسلام)). انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الأرجح هو ما ذهب إليه
الجمهور، من استحباب الفطر يوم عرفة بعرفة؛ تأسّياً بالنبيّ وَّ، وأما حديث
أبي هريرة حظوته: أن رسول الله وَل و ((نَهَى عن صوم يوم عرفة بعرفة))، وإن
صححه ابن خزيمة، إلا أن في سنده مهديّاً الهجريّ، فقد قال ابن معين: لا
أعرفه، قاله في ((التهذيب))، وكذا أبو حاتم، وقال ابن حزم: مجهول، نقله
الذهبيّ في ((الميزان))(٢)، وقال في ((التقريب)): مقبولٌ، أي حيث يتابع، ولم
(١) ((الفتح)) ٤٢٥/٥.
(٢) ((ميزان الاعتدال)) ١٩٥/٤.

١٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
يتابع هنا، فلا يصلح للاحتجاج به، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٦٣٣] ( .. ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ،
عَنْ أَبِي النَّضْرِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: ((وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ))، وَقَالَ: عَنْ
عُمَيْرٍ مَوْلَى أُمِّ الْفَضْلِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريباً.
٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ المكيّ، تقدّم
أيضاً قريباً.
٣ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقیان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن أبي النضر هذه ساقها البخاريّ ◌َظُّ
في ((صحیحه)) فقال:
(٥٢٨٢) - حدثنا الْحُمَيْدِيُّ، سمع سُفْيَانَ، أخبرنا سَالِمٌ أبو النَّصْرِ، أَنَّهُ
سمع عُمَيْراً مولى أُمِّ الْفَضْلِ، يحدث عن أُمِّ الْفَضْلِ، قالت: شَكَّ الناس في
صِيَامِ رسول اللهِ وَّهِ يوم عَرَفَةَ، فَأَرْسَلْتُ إليه بِإِنَاءٍ فَيه لَبَنٌ، فَشَرِبَ، فَكَانَ
سُفْيَّانُ رُبَّمَا قال: شَكَّ الناس في صِيَامِ رسول اللهِ وَّهِ يومِ عَرَفَةَ، فَأَرْسَلَتْ إليه
أُمُّ الْفَضْلِ، فإذا وُقِّفَ عليه قال: هو عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ. انتهى، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٦٣٤] ( .. ) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ،
عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَقَالَ:
عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى أُمِّ الْفَضْلِ).

١٥٧
(٢٠) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الْفِطْرِ لِلْحَاجُّ بِعَرَفَاتٍ يَوْمَ عَرَفَةَ - حديث رقم (٢٦٣٥)
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قريباً.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) تقدّم قبل باب.
٣ - (سُفْيَانٌ) بن سعيد الثوريّ(١)، تقدّم قريباً.
والباقیان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن أبي النضر هذه ساقها أبو نعيم تَخّْتُهُ
في ((مستخرجه)) (٢٠٤/٣) فقال:
(٢٥٥٠) - حدّثنا عبد الله بن محمد، ومحمد بن إبراهيم قالا: ثنا
أحمد بن عليّ، ثنا أبو خيثمة (ح) وثنا أبو عمرو، ثنا الحسن، ثنا محمد بن
خلاد، وشعيب بن يوسف، قالوا: ثنا عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان، عن
سالم أبي النضر، عن عُمير مولى أم الفضل، عن أم الفضل، أنهم تماروا في
صوم رسول الله وَّل يوم عرفة، فبَعَثت إليه بقدح من لبن، فشرب. انتهى، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٦٣٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ،
حَدَّثَهُ، أَنَّهُ
أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَهُ، أَنَّ عُمَيْراً مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ
(١) كون سفيان هنا هو الثوريّ هو الصواب، وأما في السند الماضي فهو ابن عيينة، وقد
وقع هنا في برنامج الحديث خطأ حيث أثبتت ترجمة ابن عيينة، وهو غلط فاحش،
وقد صرّح الحافظ المزيّ كَلَُّ بما ذكرته في ((تحفة الأشراف)» (٤٤/١٢) فراجعه.
[فائدة]: من القاعدة المفيدة في الفرق بين السفيانين ما نظمته في أبيات، فمن ذلك
أن الراوي عن سفيان إذا كان من الطبقة التاسعة، كعبد الرحمن بن مهديّ،
ووكيع، ويحيى القطّان ونحوهم، أو كان من كبار العاشرة، كمحمد بن کثیر،
فسفيان هو الثوريّ، وإن كان الراوي من الطبقة العاشرة، كإسحاق ابن راهويه،
وزهير بن حرب، وابن أبي عمر، ونحوهم، فسفيان هو ابن عيينة، فانتبه لهذه
القاعدة، واحفظ الأبيات المذكورة، وهي في ((الفوائد السَّمِيَّة)) ص(٤٩)، تستفد
علماً جمّاً، وبالله تعالى التوفيق.

١٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
سَمِعَ أُمَّ الْفَضْلِ ◌َِّا تَقُولُ: شََكَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي صِيَامِ يَوْمٍ
عَرَفَةَ، وَنَحْنُ بِهَا، مَعَ رَسُولِ اللهِ وَِّ، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ بِقَعْبٍ، فِيهِ لَبَنٌّ، وَهُوَ بِعَرَفَةَ،
فَشَرِبَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
وقد ذكروا قبله، فالثلاثة الأولون تقدّموا في الباب الماضي، والباقون
ذُكروا في السند الماضي.
وقولها: (فِي صِيَامٍ يَوْمٍ عَرَفَةَ) قال الفيّومِيّ كَّتُهُ: و(يوم عرفة)) تاسع ذي
الحجة عَلَمٌ، لا يدخلها الألف واللام، وهي ممنوعة من الصرف؛ للتأنيث
والعلميّة. انتهى(١).
وقولها: (وَنَحْنُ بِهَا) أي بعرفة، كما هو المصرّح به في قولها: ((وهو بعرفة)).
وقولها: (بِقَعْبٍ) بفتح، فسكون: إناء ضَخْمٌ، كالقَصْعَة، والجمعُ:
قِعَاب، وأَقْعُبِّ، مثلُ سَهْم وسِهَامِ وأَسْهُم، قاله في ((المصباح))(٢).
وقال في ((القاموس)): الْقَعْبُ: الْقَدَّحِ الضَّخْم الجافي، أو إلى الصِّغَر، أو
يُرْوِي الرجل، جمعه أَقْعُبِّ، وقِعَابٌ، وقِعَبَةٌ. انتهى(٣).
وقال في ((اللسان)): ((الْقَعْبُ)): القَدَح الضَّخْم الغليظ الجافي، وقيل:
قَدَحٌ من خشب مُقَعَّر، وقيل: هو قَدَحُ إلى الصغر، يُشَبَّه به الحافر، وهو يُروي
الرجل، والجمع القليل أَفْعُب، وأنشد ابن الأعرابيّ [من الطويل]:
إِذَا مَا أَتَتْكَ الْعِيرُ فَانْصَحْ فُتُوقَهَا وَلَا تَسْقِيَنْ جَارَيْكَ مِنْهَا بِأَقْعُبِ
والكثير قِعَابٌ، وقِعَبَةٌ، مثلُ جَبْءٍ وَجِبَأَةٍ، قال ابن الأعرابيّ: أول
الأَقْدَاحِ الْغُمَرُ، وهو الذي لا يبلغ الرِّيَّ، ثم الْقَعْبُ، وهو قد يُروِي الرجل،
وقد يُروِي الاثنين، والثلاثة، ثم الْعُسّ. انتهى (٤).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه وبيان مسائله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) (المصباح المنير)) ٤٠٤/٢ - ٤٠٥.
(٣) ((القاموس المحيط)) ١١٨/١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥١٠.
(٤) ((لسان العرب)) ٦٨٣/١ - ٦٨٤.

١٥٩
(٢٠) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الْفِطْرِ لِلْحَاجِّ بِعَرَفَاتٍ يَوْمَ عَرَفَةَ - حديث رقم (٢٦٣٦)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تََّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٦٣٦] (١١٢٤) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ،
أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿يَا، عَنْ
مَيْمُونَةَ(١) زَوْجِ النَّبِيِّ وَّهِ أَنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ النَّاسَ شَكّوا فِي صِيَامَ رَسُولِ اللهِ وَهـ
يَوْمَ عَرَفَةَ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ مَيْمُونَةُ بِحِلَابِ اللَّبَنِ، وَهُوَ وَاقِفٌ فِي الْمَوْقِفِ، فَشَرِبَ
مِنْهُ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (كُرَيْبٌ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) ابن أبي مسلم الهاشميّ مولاهم، أبو
رِشْدين المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت١٩٨) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٦٨٨/٢.
٢ - (مَيْمُونَةُ) بنت الحارث الهلاليّة، زوج النبيّ وَّ، قيل: اسمها برّة،
فسمّاها النبيّ وَ﴿ ميمونة، تزوّجها بسَرِف سنة سبع من الهجرة، وماتت بها سنة
(٥١) على الصحيح (ع) تقدمت في ((الحيض)) ١/ ٦٨٧.
والباقون ذُکروا قبل حدیث.
وقوله: (عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ وَّ) هي أخت أم الفضل المذكورة في
الحدیث الماضي.
وقوله: (فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ مَيْمُونَةُ) فيه العدول عن التكلّم إلى الغيبة؛ إذ
المقام مقام الإضمار، فكان الأصل أن تقول: ((فأرسلتُ إليه)) بضمير المتكلّم،
وهو الذي في ((صحيح البخاريّ))، وإنما أظهرت للإيضاح، أو من باب
التجرید.
وقيل: يَحْتَمل أن يكون من كلام كريب، ولا يخفى بعده.
وقوله: (بِحِلَابِ اللََّنِ) بكسر الحاء المهملة: هو الإناء الذي يُحلب فيه،
ويقال له: الْمِحْلب، بكسر الميم(٢)، وتمام شرح الحديث واضح يُعلم مما
سبق في حديث أم الفضل
(١) وفي نسخة: ((بنت الحارث)).
(٢) (شرح النوويّ)) ٤/٨.

١٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ميمونة خَّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦٣٦/٢٠] (١١٢٤)، و(البخاريّ) في ((الصوم))
(١٩٨٩)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٢٤٥/٢)، و(أبو عوانة) في ((مستخرجه))
(٢٠٥/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٨٣/٤)، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٢١) - (بَابُ صَوْمٍ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ)
[تنبيهان]:
(الأول): قال الفيّوميّ ◌َخْتُهُ: عاشوراء: عاشر المحرّم، وفيها لغات:
المدّ، والقصر مع الألف بعد العين، وعَشُوراء بالمد مع حذف الألف.
(١)
.
انتھی
وقال في ((القاموس)): والعاشوراء، والْعَشُوراءُ، ويُقصَران، والعاشورُ:
عاشر المحرّم، أو تاسعه. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ تَكْتُ: ((عاشوراء)): وزنه فَاعُولاء، والهمزة فيه للتأنيث،
وهو معدول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل: صفة لليلة
العاشرة؛ لأنه مأخود من العشر الذي هو اسم العقد الأول، واليوم مضاف
إليها، فإذا قلت: يوم عاشوراء، فكأنك قلت: يوم الليلة العاشرة، إلا أنهم لما
عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الاسمية، فاستغنوا عن الموصوف، فحذفوا
الليلة، وعلى هذا: فيوم عاشوراء هو العاشر؛ قاله الخليل وغيره. وقيل: هو
التاسع.
ويُسَمَّى: عاشوراء على عادة العرب في الإظماء، وذلك أنهم: إذا وردوا
(١) ((المصباح المنير)) ٤١٢/٢.
(٢) ((القاموس المحيط)) ٨٩/٢.