Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
(١٥) - بَابُ جَوَازِ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ لِلْمُسَافِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، ... إلخ- حديث رقم (٢٦٠٤)
الطبريّ من طريق أبي سلمة، عن عائشة رضيها مرفوعاً أيضاً، وفيه ابن لَهِيعة،
وهو ضعيف، ورواه الأثرم من طريق أبي سلمة، عن أبيه، مرفوعاً، والمحفوظ
عن أبي سلمة، عن أبيه موقوفاً، كذلك أخرجه النسائيّ، وابن المنذر، ومع
وقفه فهو منقطع؛ لأن أبا سلمة لم يسمع من أبيه، وعلى تقدير صحته فهو
محمول على ما تقدم أوّلاً حيث يكون الفطر أولى من الصوم، والله أعلم.
وأما الجواب عن قوله وَير: ((ليس من البر الصيام في السفر))، فسيأتي
قريباً - إن شاء الله تعالى -.
قال الجامع عفا الله: قد تبيّن مما سبق أن الأرجح في هذه المسألة قول
من قال: إنه يجوز الصوم والفطر للمسافر، وأن الأفضل منها هو ما كان أيسر
عليه، من الفطر، أو الصوم، وقد سبق أنه مذهب عمر بن عبد العزيز وَُّهُ،
واختاره ابن المنذر تَّتُهُ؛ لأن الله تعالى شرع الفطر للمرض والسفر بقوله:
﴿فَمَنْ كَانَ مِنكُم ◌َرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ [البقرة: ١٨٤]، ثم
أتبعه بقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ بياناً
لحكمة تشريع الفطر للأمرين المذكورين، فكلّ ما كان أيسر على المكلّف كان
هو محلّ إرادة الشارع الحكيم.
والحاصل أن من كان الصوم أيسر عليه من الفطر في حال السفر، وشقّ
عليه قضاؤه بعده يكون الصوم في حقّه أفضل، ومن كان الصوم عليه أشقّ،
فالفطر في حقّه أفضل، وكذا من ثقُل على قلبه قبول رخصة الله تعالى، فإن
الفطر في حقّه أفضل، وأما من لم يتحقق المشقة، فإنه يخيّر بين الصوم
والفطر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في مسافر يدخل يومه في
الحضر مفطراً :
قال في ((التمهيد)): اختلفوا في المسافر يكون مفطراً في سفره، ويدخل
الحضر في بقية من يومه ذلك، فقال مالك، والشافعيّ، وأصحابهما، وهو قول
ابن عُلَيّة، وداود في المرأة تَظْهُرُ، والمسافر يَقْدَم، وقد أفطرا في السفر: إنهما
يأكلان، ولا يمسكان، قال مالك، والشافعيّ: ولو قَدِمَ مسافر في هذه الحال،
فوجد امرأته قد طَهُرت جاز له وطؤها، قال الشافعيّ: أُحِبّ لهما أن يستترا

٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
بالأكل والجماع؛ خوفَ الُّهْمَة، وروى الثوريّ عن أبي عبيد، عن جابر بن زيد
أنه قَدِمَ من سفر في شهر رمضان، فوجد المرأة قد اغتسلت من حيضتها،
فجامعها، ورُوي عن ابن مسعود رَُّبه أنه قال: من أكل أول النهار، فليأكل
آخره، قال سفيان: هو كصنيع جابر بن زيد، ولم يذكر سفيان عن نفسه خلافاً
لهما، وقال ابن علية: القول ما قال ابن مسعود: مَن أكل أول النهار فليأكل
آخره.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه، والحسن بن حيّ، وعبيد الله بن الحسن في
المرأة تَظْهُر في بعض النهار، والمسافر يَقْدَم، وقد أفطر في سفره: إنهما
يمسكان بقية يومهما، وعليهما القضاء، واحتَجّ لهم الطحاويّ بأن قال: لم
يختلفوا أن من غُمّ عليه هلال رمضان، فأكل، ثم عَلِمَ أنه يمسك عما يمسك
عنه الصائم، قال: فكذلك الحائض والمسافر.
وفَّق ابن شُبْرُمة بين الحائض والمسافر، فقال في الحائض: تأكل، ولا تصوم
إذا طهرت بقية يومها، والمسافر إذا قَدِمَ، ولم يأكل شيئاً يصوم يومه، ويقضي.
قال أبو عمر: قد رَوَى ابن جريج، عن عطاء في الذي يُصبح مفطراً في
أول يوم من رمضان، يظنه من شعبان، فيأكل، ثم يأتيه الخبر الثبت أنه
رمضان، أنه يأكل ويشرب بقية يومه إن شاء، ولا نعلم أحداً قاله غير عطاء،
والله أعلم. انتهى كلام ابن البرّ كَذَتُهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله الأولون من عدم وجوب
الإمساك على المسافر إذا وصل بلده أثناء النهار مفطراً، وكذا الحائض إذا
طهرت أثناء النهار هو الذي يظهر رجحانه؛ لأنهما ليسا أهلاً للوجوب في أول
النهار، وأما قياس من قاسهما على من بلغه ثبوت الهلال أثناء النهار، حيث
يجب عليه أن يصوم، فليس بصحيح؛ لأن هذا أهل للوجوب في أول النهار،
وإنما أكل لعدم علمه بثبوت الهلال، فليس مثلهما، وإنما هو مثل من أكل
ناسياً، فإنه يُعذر بذلك، ويصوم، فتأمله حقّ التأمّل، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ٥٢/٢٢ - ٥٤.

٨٣
(١٥) - بَابُ جَوَازِ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، ... إلخ - حديث رقم (٢٦٠٥ - ٢٦٠٦)
[٢٦٠٥] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرُو
النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَن سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، قَالَ
يَحْيَى: قَالَ سُفْيَانُ: لَا أَدْرِي مِنْ قَوْلِ مَنْ هُوَ؟ يَعْنِي: وَكَانَ يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ مِنْ
قَوْلِ رَسُولِ اللهِ وَل﴿).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في البابِ الماضي.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بكير، تقدّم قريباً.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (سُفْيَانٌ) بن عيينة، تقدّم أيضاً في الباب الماضي.
والباقیان ذُكرا قبله.
وقوله: (لَا أَدْرِي مِنْ قَوْلِ مَنْ هُوَ؟) سيأتي في رواية معمر أنه من قول
الزهريّ، فتنبه.
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن الزهريّ هذه ساقها الحميديّ نَّهُ في
((مسنده)) (٢٣٨/١):
(٥١٤) - حدّثنا الحميديّ، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا الزهريّ قال:
سمعت عبيد الله، يحدث عن ابن عباس، أن النبيّ وَ﴿ خرج من المدينة عام
الفتح، في شهر رمضان، فصام حتى إذا بلغ الكديد أفطر، قال: وإنما يؤخذ
بالآخر من فعل رسول الله وَ ل﴿، قال سفيان: لا أدري قاله الزهريّ عن
عبيد الله، أو عن ابن عباس. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٦٠٦] ( .. ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَّكَانَ الْفِطْرُ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ، وَإِنَّمَا
يُؤْخَذُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ لَّهِ بِالْآخِرِ، فَالْآخِرِ، قَالَ الزُّهْرِبُّ: فَصَبَّحَ رَسُولُ اللهِ وَاهـ
مَكَّةَ لِئَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ).

٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بَّنْ همّام، تقدّم أيضاً في الباب الماضي.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضاً في الباب الماضي.
و((الزهريّ)) ذُكر قبله.
وقوله: (فَصَبَّحَ رَسُولُ اللهِ وَلِ مَّةَ) أي أتاهم صباحاً.
وقوله: (لِثَلَاثَ عَشْرَةَ ... إلخ) هكذا في هذه الرواية، وسيأتي ما يُخالفها،
في حديث أبي سعيد الخدريّ ◌َظُه، ففي رواية: ((لستّ عشرة مضت من
رمضان))، وفي رواية: ((لثمان عشرة خلت))، وفي رواية سعيد: ((في ثنتي
عشرة))، ولشعبة: ((لسبع عشرة، أو تسع عشرة))، وروى أحمد بإسناد صحيح
من طريق قَزَعَة بن يحيى، عن أبي سعيد قال: ((خرجنا مع النبيّ ◌َّـ عام الفتح
لليلتين خلتا من شهر رمضان))، قال في ((الفتح)): وهذا يدلّ أنه أقام في الطريق
اثني عشر يوماً، وأما ما قال الواقديّ: إنه خرج لعشر خلون من رمضان، فليس
بقويّ؛ لمخالفته ما هو أصح منه.
قال: وفي تعيين هذا التاريخ أقوال أخرى، منها عند مسلم: ((لستّ
عشرة))، ولأحمد: ((لثماني عشرة))، وفي أخرى: ((لثنتي عشرة)).
قال: والجمع بين هاتين بحمل إحداهما على ما مضى، والأخرى على
ما بقي، والذي في المغازي: ((دخل لتسع عشرة مضت))، وهو محمول على
الاختلاف في أول الشهر، ووقع في أخرى بالشك ((في تسع عشرة، أو سبع
عشرة))، وروى يعقوب بن سفيان من رواية ابن إسحاق، عن جماعة من
مشايخه أن الفتح كان في عشر بقين من رمضان، فإن ثبت حُمِل على أن مراده
أنه وقع في العشر الأوسط قبل أن يدخل العشر الأخير. انتهى (١).
وقوله: (خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ) أي مضت منه.
[تنبيه]: رواية معمر، عن الزهريّ هذه ساقها عبد بن حُميد نَّتُهُ في
((مسنده)) (٢١٦/١) فقال:
(١) ((الفتح)) ٣٨٦/٩ كتاب ((المغازي)) رقم (٤٢٧٩).

٨٥
(١٥) - بَابُ جَوَازِ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، ... إلخ - حديث رقم (٢٦٠٧)
(٦٤٥) - أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن عبد الله بن
عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، أن النبيّ وَ﴿ خرج في رمضان من المدينة،
ومعه عشرة آلاف من المسلمين إلى مكة، يصوم ويصومون، حتى إذا بلغ
الكَدِيد، وهو ما بين عُسفان وقُدَيد أفطر، وأفطر المسلمون معه، فلم يصوموا
من بقية رمضان شيئاً، قال الزهريّ: فكان الفطر آخر الأمرين، قال الزهريّ:
وإنما يؤخذ من أمر رسول الله 8* بالآخر فالآخر، قال الزهريّ: فصبَّح
رسول الله ﴾﴾( مكة لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان. انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَذَتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٦٠٧] ( ... ) - (وحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ اللَّيْثِ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ:
فَكَانُوا يَتَّبِعُونَ الْأَحْدَثَ، فَالْأَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ، وَيَرَوْنَهُ النَّاسِخَ الْمُحْكَمَ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى) التُّجيبيّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله، تقدّم أيضاً قبل باب.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضاً قبل باب.
و (ابن شهاب)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية يونس، عن الزهريّ هذه ساقها أبو نعيم في ((مستخرجه))
(١٩٣/٣) فقال:
(٢٥٢٢) - حدّثنا محمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن الحسن، ثنا حرملة بن
يحيى، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن ابن
عباس، قال: خرج رسول الله وَّير عام الفتح في شهر رمضان، فصام حتى بلغ
الكديد، ثم أفطر، قال ابن شهاب: وكانوا يتبعون الأحدث فالأحدث من
أمره، ويَرَوْنه الناسخ المحكم. انتهى.

٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٦٠٨] ( ... ) - وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ،
عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاؤُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ ﴿هَا، قَالَ: سَافَرَ رَسُولُ اللهِ وَلِ فِي
رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ، ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ، فَشَرِبَهُ نَهَاراً؛ لِيَرَاهُ
النَّاسُ، ثُمَّ أَفْطَرَ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿هَا: فَصَامَ رَسُولُ اللهِ وَهِ،
وَأَفْطَرَ، فَمَنْ شَاءَ (١) صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم أيضاً في الباب الماضي.
٣ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر، تقدّم أيضاً في الباب الماضي.
٤ - (مُجَاهِدُ) بن جبر المخزوميّ، أبو الحجاج المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمام
[٣] (ت١٠١) أو بعد ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢١/٤.
٥ - (طَاؤُسُ) بن كيسان الْحِمْيريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، ثقةٌ
ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت١٠٦) أو بعد ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
و((ابْنُ عَبَّاسٍ)) ﴿ا ذُكر قبله.
[تنبيه]: قوله في هذه الرواية: ((عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن
عبّاس ﴿ه))، وكذا هو عند البخاريّ، قال في ((الفتح)): كذا عنده من طريق أبي
عوانة، عن منصور، عن مجاهد، وكذا أخرجه من طريق جرير، عن منصور،
في ((المغازي))، وأخرجه النسائيّ من طريق شعبة، عن منصور، فلم يذكر
طاوساً في الإسناد، وكذا أخرجه من طريق الْحَكَم، عن مجاهد، عن ابن
(١) وفي نسخة: ((من شاء)).

٨٧
(١٥) - بَابُ جَوَازِ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، ... إلخ - حديث رقم (٢٦٠٨)
عباس، فَيَحْتَمِل أن يكون مجاهد أخذه عن طاوس، عن ابن عباس، ثم لقي
ابنَ عباس، فحمله عنه، أو سمعه من ابن عباس، وثَبَّته فيه طاوس، وقد تقدم
نظير ذلك في حديث ابن عباس في قصة الجريدتين على القبرين في ((الطهارة)).
انتھی.
وقوله: (سَافَرَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ فِي رَمَضَانَ) أي في عام الفتح، وفي رواية
البخاريّ: ((خرج رسول الله و 8 من المدينة إلى مكة، فصام حتى بلغ
عُسفان ... )).
وقوله: (حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ) بضمّ العين، وسكون السين المهملتين: موضع
بين مكة والمدينة، ويُذكّر ويؤنّث، قال الفيّوميّ: ويُسمّى في زماننا مَذْرَجَ
عثمان، وبينه وبين مكة نحو ثلاث مراحل، ونونه زائدة. انتهى.
وقد تقدّم الجمع بين هذا، وبين قوله: ((حتى بلغ الكديد))، وقوله الآتي:
((حتى بلغ كُراعِ الغَمِيم)) في شرح الحديث الماضي، فتنبّه.
وقوله: (لِيَرَاهُ النَّاسُ) قال في ((الفتح)): كذا للأكثر، و((الناسُ)) بالرفع على
الفاعلية، وفي رواية المستملي: (لِيُرِيه)) بضم أوله، وكسر الراء، وفتح التحتانية
و((الناسَ)) بالنصب على المفعولية، ويَحْتَمِل أن يكون الناسخ كتب ((ليراه الناسُ))
بالياء، فلا يكون بين الروايتين اختلاف. انتهى.
وقوله: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ حِ﴿هَا: فَصَامَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ ... إلخ)، وفي رواية
البخاريّ: ((فكان ابن عبّاس يقول: قد صام رسول الله وَّة، وأفطر ... ))، فَهِمَ
ابنُ عباس ظها من فعله وَّر ذلك أنه لبيان الجواز، لا للأولوية، وسيأتي في
حديث أبي سعيد وجابر ◌ًا ما يوضح المراد.
وقال النوويّ كَّلُهُ: فيه دلالة لمذهب الجمهور في جواز الصوم والفطر
جمیعاً(١). انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٣٢/٧.

٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلَثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٦٠٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ
الْكَرِيم، عَنْ طَاوُسٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسِ ◌ًِّا، قَالَ: لَا تَعِبْ عَلَى مَنْ صَامَ، وَلَا عَلَى
مَنْ أَقْطَرَ، قَدْ صَامَ رَسُولُ اللهِ ◌ِّهِ فِي السَّفَرِ، وَأَفْطَرَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل بابين.
٢ - (وَكِيعُ) بن الْجرّاح، تقدّم قريباً.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قبل بابين.
٤ - (عَبْدُ الْكَرِيم) بن مالك الأمويّ مولاهم، أبو سعيد الْجَزَريّ
الْحَرّانيّ، مولى بني أميةَ، ويقال له: الْخِضْرميّ - بالخاء المعجمة المكسورة -
وهي من قرى اليمامة، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٥](١).
رَأَى أنساً، وروى عن عطاء، وعكرمة، وسعيد بن المسيِّب، وسعيد بن
جبير، ومجاهد، وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وطاووس، وغيرهم.
وروى عنه أيوب السَّخْتيانيّ، وهو من أقرانه، وابن جريج، ومالك،
ومعمر، ومِسْعَر، وزهير بن معاوية، وإسرائيل بن يونس، وغيرهم.
قال أحمد: ثقةٌ ثبتٌ، وهو أثبت من خُصَيف، وهو صاحب سنّة، وقال
معاوية بن صالح، عن يحيى بن معين: ثقةٌ ثبتٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً
كثير الحديث، وقال ابن عمار، والعجليّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغير
واحد: ثقةٌ، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: ثقةٌ، أخذ عنه الأكابر، قال سفيان:
ما رأيت غريباً أثبت منه، وقال يعقوب بن شيبة: هو إلى الضعف ما هو،
وهو صدوقٌ، وقد رَوَى عنه مالك، وكان ممن ينقي الرجال، وقال
(١) جعله في ((التقريب)) من السادسة، والظاهر أنه من الخامسة مثل الأعمش؛ لأنه
رأى أنساً رَ﴿به مثله، كما ذُكر في ترجمته هنا، فتنبّه.

٨٩
(١٥) - بَابُ جَوَازِ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، ... إلخ - حديث رقم (٢٦٠٩)
الحميديّ، عن سفيان: كان حافظاً، وكان من الثقات، لا يقول: إلا
سمعت، وحدّثنا، ورأيت، وقال الثوريّ لابن عيينة: أرأيت عبد الكريم
الجزريّ، وأيوب، وعمرو بن دينار؟ فهؤلاء ومن أشبههم ليس لأحد فيهم
متكلَّمٌ، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: حديث عبد الكريم، عن عطاء رديء،
قال ابن عديّ: يعني عن عائشة كان النبيّ وَّهُ يقبّلها، ولا يُحْدِث وضوءاً،
إنما أراد ابن معين هذا؛ لأنه ليس بمحفوظ، ولعبد الكريم أحاديث صالحة
مستقيمة، يرويها عن قوم ثقات، وإذا روى عنه الثقات، فأحاديثه مستقيمة،
وقال النسائيّ: أنا إبراهيم بن يعقوب، عن أحمد، قال: قلت لعليّ - يعني
ابن المدينيّ -: عبد الكريم إلى من تضمُّه؟ قال: ذاك ثبت، قلت: هو مثل
ابن أبي نجيح؟ قال: ابن أبي نجيح أعلم بمجاهد، وهو أعلم بالمشايخ،
وهو ثقةٌ ثبتٌ، وقال عبد الله بن عمرو الرّقّيّ: قال لي سفيان بن سعيد: يا
أبا وهب، لقد جاءنا صاحبكم عبد الكريم الجزريّ بأحاديث، لو حدَّث بها
هؤلاء الكوفيون ما زالوا يفتخرون بها علينا، منها: ((الندم توبةٌ)). وقال أبو
عروبة: هو ثبتٌ عند العارفين بالنقل، وقال ابن نمير، والترمذيّ، وأبو بكر
البزار، وابن الْبَرْقيّ، والدار قطنيّ: ثقةٌ، وقال سفيان الثوريّ: ما رأيت أفضل
منه، كان يحدِّث بشيء لا يوجد إلا عنده، فلا يُعْرَف ذلك فيه، يعني لا
يفتخر، وقال ابن عبد البرّ: كان ثقةً مأموناً، كثير الحديث، وقال صالح بن
أحمد، عن عليّ ابن المدينيّ: قلت ليحيى بن سعيد: حدَّث عبد الكريم عن
عطاء في لحم البغل؟، فقال: ما سمعته، وأنكره يحيى.
وقال ابن سعد، وغير واحد: مات سنة سبع وعشرين ومائة.
وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (١١١٣) و(١٢٠١)
و(١٣١٧) وأعاده بعده و(١٦٤٦) و(٢٤٧١).
والباقيان ذُكرا قبله، وشرح الحديث واضح، وهو بهذا اللفظ من أفراد
المصنّف تَخْذَلُ، وإلا فأصل حديث ابن عبّاس ﴿هَا متّفقٌ عليه، كما مرّ قبله،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .

٩٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
(١٦) - (بَابُ وُجُوبِ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ، وَتَضَرَّرَ بِهِ)(١)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَكْتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٦١٠] (١١١٤) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، يَعْنِي
ابْنَ عَبْدِ الْمَجِيدِ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﴿ِّ: أَنَّ
رَسُولَ اللهِ لّهِ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ، فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ
الْغَمِيم، فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَح مِنْ مَاءٍ، فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ
شَرِبَ، فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَُ النَّاسِ قَدْ صَامَ، فَقَالَ: ((أُولَئِكَ الْعُصَاةُ،
أُولَئِكَ الْعُصَاةُ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ) الثقفيّ، تقدّم في الباب الماضي
أيضاً .
٣ - (جَعْفَرُ) بن محمد المعروف بالصادق الهاشميّ، أبو عبد الله المدنيّ،
صدوقٌ فقيهٌ إمامٌ [٦] (ت١٤٨) (بخ م ٤) تقدم في ((الحيض)) ٧٤٩/١٠.
٤ - (أَبُوهُ) محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب المعروف
بالباقر، أبو جعفر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٤] مات سنة بضع (١١٠) (ع) تقدم
في ((المقدمة)) ٦١/٦.
٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ
الصحابيّ ابن الصحابيّ ◌َّ، مات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن (٩٤)
سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
(١) ترجم القرطبيّ تَخْلُهُ في مختصره بقريب من هذه الترجمة، ولم يترجم النووي هنا.

٩١
(١٦) - بَابُ وُجُوبٍ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ، وَتَضَرَّرَ بِهِ - حديث رقم (٢٦١٠)
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َّلُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى جعفر، فأخرج له البخاريّ
في ((الأدب المفرد)).
٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا
واسطة، وقد نظمتهم بقولي:
اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ ذَوُو الأُصُولِ السِّنَّةِ الْوُعَاةُ
الْحَافِظِينَ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَةْ
فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ
نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌ السَّرِي
أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرٍ
ابْنُ الْمُثَنَّى وَزِيَادٌ يُحْتَذَى
وَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا
وقد تقدّموا غير مرّة، وإنما أعدتهم؛ تذكيراً؛ لطول العهد بهم.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من جعفر، والباقيان بصريّان.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه ﴿به ذو مناقب جمّة، فهو ابن صحابيّ، وغزا
مع النبيّ وَّر تسع عشرة غزوة، وهو من المعمّرين، كما سبق آنفاً.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ◌ِ﴿يَّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ) أي سنة
غزوة الفتح (إِلَى مَكَّةَ، فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ) بضَمّ الكاف،
وفتح الغين المعجمة.
قال ابن الأثير تَخْتُ: كُرَاعُ الغَمِيم: هو: اسم موضع بين مكة والمدينة،
والْكُرَاعِ: جانبٌ مستطيلٌ من الْحَرَّة؛ تشبيهاً بالكُرَاعِ، وهو ما دون الرُّكبة من
الساق، و((الْغَمِيمُ)) بالفتح: وادٍ بالحجاز. انتهى(١).
وقال الفيّوميّ كَذَتُهُ: وكُرَاعُ الْغَمِيم، وزانُ كَرِيم: وادٍ بينه وبين المدينة
نحو مائة وسبعين ميلاً، وبينه وبين مكة نحو ثلاثين ميلاً، ومن عُسفان إليه ثلاثة
(١) ((النهاية)) ١٦٥/٤.

٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
أميال، وكُراعُ كلِّ شيءٍ: طَرَفُهُ. انتهى (١).
وقال القرطبيّ كَظُّ: و((الغميم)) - بفتح الغين -: وادٍ أمام عُسفان بثمانية
أميال. و(كُرَاع)) جبل أسود هناد يُضاف إلى ((الغَمِيم))، والكُراع لغة: هو كلّ
أنفٍ مالَ من جبل أو غيره. انتهى.
وفي حديث ابن عباس المتقدّم: ((حتى بلغ الْكَديد))، وفي رواية: ((حتى
أتى قُدَيداً))، وفي رواية: ((حتى أتى عُسفان))، قال القرطبيّ بعد أن ساق هذه
الروايات ما نصّه: وهذه الأحاديث المشتملة على ذكر هذه المواضع الثلاثة(٢)
كلها ترجع إلى معنى واحد، وهي حكاية حاله و ﴿ عند سفره في قدومه إلى
مكة، وكان في رمضان في سنة عشرة منه، كما جاء في حديث أبي سعيد
،
وهذه المواضع متقاربة، ولذا عبّر كلّ واحد من الرواة بما حضر له من تلك
المواضع؛ لتقاربها. انتهى(٣).
(فَصَامَ النَّاسُ) أي اقتداءً به بَّر حيث صام، وفيه دليل على جواز الصوم
في السفر، وهو مذهب الجمهور، وهو الحقّ، وقد تقدّم تمام البحث فيه. (ثُمَّ
دَعَا بِقَدَح) بفتحتين: إناءٌ يُرْوي الرجلين، جمعه أَقْداحٌ، كسبب وأسباب (٤).
(مِنْ مَاءٍ، فَرَفَعَهُ) أي إلى فيه، وقوله: (حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ) غاية لرفعه، وفيه
بيان سبب الرفع، فكأنه قال: إنما رفعه لأجل أن يراه الناس.
وفي رواية البخاريّ في ((المغازي)) من طريق خالد الحذّاء، عن عكرمة،
عن ابن عباس، قال: ((خرج النبيّ بَّر، والناس صائم، ومفطر، فلما استوى
على راحلته دعا بإناء من لبن، أو ماء، فوضعه على راحلته، ثم نظر الناس))،
زاد في رواية أخرى من طريق طاوس، عن ابن عباس: («ثم دعا بماء، فشرب
نهاراً ليراه الناس)).
وعند الطحاويّ من طريق أبي الأسود، عن عكرمة أوضح من سياق
خالد، ولفظه: ((فلما بلغ الكديد بلغه أن الناس شقّ عليهم الصيام، فدعا بقدح
(١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٥٤.
(٢) هذا بالنسبة لما ذكره، وأما هنا فهي أربعة، فتنبّه.
(٣) ((المفهم)) ١٧٥/٣.
(٤) راجع: ((القاموس)) ٢٤١/١.

٩٣
(١٦) - بَابُ وُجُوبٍ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ، وَتَضَرَّرَ بِهِ - حديث رقم (٢٦١٠)
من لبن، فأمسكه بيده حتى رآه الناس، وهو على راحلته، ثم شرب، فأفطر،
فناوله رجلاً إلى جنبه، فشرب))(١).
(ثُمَّ شَرِبَ، فَقِيلَ لَهُ) لم يُعرف القائل(٢). (بَعْدَ ذَلِكَ) أي بعد أن أفطر،
وحثّ الناس على الفطر (إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ) أي ظنّاً منهم أن الفطر
رخصةٌ، ورأوا أن لهم قوّةً على الصوم.
وفي الرواية التالية: ((فقيل له: إن الناس قد شقّ عليهم الصيام، وإنما
ينظرون فيما فعلتَ، فدعا بقدح من ماء بعد العصر)) (فَقَالَ) بَرِ ((أُولَئِكَ الْعُصَاةُ،
أُولَئِكَ الْعُصَاةُ))) مبتدأ وخبره، هكذا وقع عند المصنّف مكرراً مرتين؛ للتأكيد.
وفي رواية النسائيّ: ((فأفطر بعض الناس، وصام بعضٌ، فبلغه أن ناساً
صاموا، فقال: أولئك العصاة)).
قال الإمام ابن حبّان تَخُّْ: قوله وَله: ((أولئك العصاة)) إنما أَظْلَق عليهم
هذه اللفظة بتركهم الأمر الذي أَمَرَهم به، وهو الإفطار، لا أنهم صاروا عُصَاة
بصومهم في السفر.
وقال في موضع آخر: سماهم رسول الله ◌َ و العصاة بتركهم الأمر الذي
أمرهم بالإفطار في السفر؛ لِيَقْوَوْا به، لا أنهم عُصاة بصومهم في السفر؛ إذ
الصوم والإفطار في السفر جميعاً طَلْقٌ مُباحٌ. انتهى (٣).
وقال النوويّ كَّهُ: وهذا محمول على من تضرر بالصوم، أو أنهم أُمِروا
بالفطر أمراً جازماً؛ لمصلحة بيان جوازه، فخالفوا الواجب، وعلى التقديرين لا
يكون الصائم اليوم في السفر عاصياً إذا لم يتضرر به، ويؤيد التأويل الأول قوله
في الرواية الثانية: ((إن الناس قد شقّ عليهم الصيام)). انتهى(٤).
[تنبيه]: أخرج ابن حبّان تَُّ هذا الحديث في ((صحيحه)) مطوّلاً (٦/
٤٢٣) فقال :
(٢٧٠٦) - أخبرنا أبو يعلى، قال: حدّثنا عبد الله بن عمر بن أبان، قال:
حدّثنا عبد الوهاب الثقفيّ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، أن
(١) راجع: ((الفتح)) ٦٩٠/٤ - ٦٩١.
(٣) (صحيح ابن حبان)) ٣١٨/٨ - ٣١٩.
(٢) راجع: ((تنبيه المعلم)) (ص٢٠٣).
(٤) ((شرح النوويّ)) ٢٣٢/٧ - ٢٣٣.

٩٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
رسول الله وَّ خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، حتى بلغ كُرَاعِ الْغَمِيم،
قال: فصام الناس، وهم مشاةٌ ورُكبان، فقيل له: إن الناس قد شَقّ عليهم
الصوم، إنما ينظرون ما تفعل، فدعا بقدح، فرفعه إلى فيه حتى نظر الناس، ثم
شَرِب، فأفطر بعض الناس، وصام بعضٌ، فقيل للنبيّ ◌َّ: إن بعضهم صام،
فقال: ((أولئك العصاة))، واجتمع المشاةُ من أصحابه، فقالوا: نتعرض لدعوات
رسول الله وَّل، وقد اشتدّ السفر، وطالت المشقّة، فقال لهم رسول الله وَطفقال:
((استعينوا بالنَّسْل(١)، فإنه يقطع عَلَمَ الأرض، وتَخِفُّون له))، قال: ففعلنا،
فخَفَفْنا له(٢). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر نَُّه هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦١٠/١٦ و٢٦١١] (١١١٤)، و(الترمذيّ) في
((الصوم)) (٧١٠)، و(النسائيّ) في ((الصيام)) (١٧٧/٤) و((الكبرى)) (١٠١/٢)،
و(الشافعيّ) في ((المسند)) (٢٧٠/١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٢٨٩)،
و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٦٦٧)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٠١٩)،
و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٧٠٧ و٣٥٤٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣/
١٩٤)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٦٥/٢)، و(الطبريّ) في ((تهذيب
الآثار)) (١٢١/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٤١/٤ و٢٤٦) و((المعرفة)) (٣/
٣٩١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): وجوب الفطر على من تضرّر به.
(١) ((النَّسْلُ)): هو الإسراع في المشي.
(٢) وأخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) (٢٥٣٧)، والحاكم في ((المستدرك)) (٤٤٣/١)
وصححه، ووافقه الذهبيّ.

٩٥
(١٦) - بَابُ وُجُوبٍ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ، وَتَضَرَّرَ بِهِ - حديث رقم (٢٦١١)
٢ - (ومنها): جواز الفطر في رمضان للمسافر.
٣ - (ومنها): جواز الفطر أثناء النهار لمن بات ناوياً للصوم.
٤ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ ◌َ﴿ من الشفقة بأمته.
٥ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة
ذلك.
ـى من متابعته مصر، ولو شقّ عليهم
٦ - (ومنها): سماحة الشريعة، وسهولة تكاليفها، حيث أباحت الفطر
للمسافر، وخففت شطر الصلاة، لما يلحقه من التعب بسبب عناء السفر.
٧ - (ومنها): أن من لم يقبل رخصة الشرع في مواضع الترخيص، وأبى
إلا العزيمة، يكون عاصياً بسبب إعراضه عن قبول رخصة الله تعالى، فإن
الرخصة في مواضعها لا تقلّ عن العزيمة في مواضعها، فإتيانها کإتيانها،
والإعراض عنها كالإعراض عنها .
فقد أخرج أحمد في ((مسنده))، والبيهقيّ في ((سننه))، من حديث ابن
عمر ، والطبرانيّ في ((معجمه الكبير)) من حديث ابن عباس، وابن
﴿ه، مرفوعاً: ((إن الله تعالى يُحبّ أن تُؤْتَى رُخَصُه، كما يُحبّ أن
مسعود
تؤتى عزائمه))، وأخرج أحمد، وابن حبان في ((صحيحه))، والبيهقيّ في ((شعب
الإيمان)) عن ابن عمر ◌ُها، مرفوعاً أيضاً: ((إن الله تعالى يحبّ أن تُؤْتَى
رُخَصُهُ، كما يَكْرَه أن تُؤْتَى معصيته))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦١١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، يَعْنِي
الدَّرَاوَرْدِيَّ، عَنْ جَعْفَرٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ: فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ
الصِّيَامُ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ فِيمَا فَعَلْتَ، فَدَعَا بِقَدَح مِنْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) ابن محمد بن عُبيد الْجُهنيّ مولاهم، أبو
محمد المدنيّ، صدوقٌ كان يُحدّث من كُتُب غيره فيُخطىء [٨] (ت٦ أو ١٨٧)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.

٩٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقوله: (وَزَادَ) فاعله ضمير عبد العزيز.
وقوله: (فَقِيلَ لَهُ ... إلخ) مفعول ((زاد)) منصوب محكيّ؛ لقصد لفظه.
[تنبيه]: رواية عبد العزيز الدراورديّ، عن جعفر هذه ساقها الترمذيّ ◌َخْتُهُ
في ((جامعه)) (١٤٦/٣) فقال:
(٦٤٤) - حدّثنا قتيبة، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن جعفر بن محمد،
عن أبيه، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله وَ﴿ خرج إلى مكة عام الفتح،
فصام حتى بلغ كُرَاعِ الْغَمِيم، وصام الناس معه، فقيل له: إن الناس قد شَقّ
عليهم الصيام، وإن الناس ينظرون فيما فعلتَ، فدعا بقدح من ماء بعد العصر،
فشرب، والناس ينظرون إليه، فأفطر بعضهم، وصام بعضهم، فبلغه أن ناساً
صاموا، فقال: ((أولئك العصاة)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٦١٢] (١١١٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى،
وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعاً عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ،
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ◌ِ﴿هَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ فِي سَفَرٍ، فَرَأَى رَجُلاً، قَدْ اجْتَمَعَ
النَّاسُ عَلَيْهِ، وَقَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: ((مَا لَهُ؟))، قَالُوا: رَجُلٌ صَائِمٌ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (ابْنُ بَشَّارٍ) محمد، تقدم قبل بابين.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ غُنْدَرٌ) تقدّم أيضاً قبل بابين.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام المشهور، تقدّم أيضاً قبل بابين.

٩٧
(١٦) - بَابُ وُجُوبٍ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ، وَتَضَرَّرَ بِهِ - حديث رقم (٢٦١٢)
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدٍ) بن زُرَارة الأنصاريّ المدنيّ، وهو
محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، ويقال:
ابن محمد بدل عبد الله، ومنهم من ينسبه إلى جدّه لأمه، فيقول: محمد بن
عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، ثقة [٦] (ت١٢٤) (ع) تقدم في ((صلاة
المسافرين)) ١٦٨٤/١٥.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ) بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ
المدنيّ، ثقةٌ [٤] (خ م د س) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٤٦١/٤١.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َذَلُ، وله فيه شيخان قرن
بينهما، ثم فرّق؛ لما تقدّم غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى أبي بكر، فما أخرج له
الترمذيّ، ومحمد بن عمر، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، ونصفه الثاني
بالمدنیین .
شرح الحديث:
(عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ) قال في ((الفتح)): أدخل محمد بن
عبد الرحمن بن سعد بينه وبين جابر محمدَ بنَ عمرو بن الحسن في رواية شعبة
عنه، واختُلِف في حديثه على يحيى بن أبي كثير، فأخرجه النسائيّ من طريق
شعيب بن إسحاق، عن الأوزاعيّ، عن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن،
حدّثني جابر بن عبد الله، فذكره، قال النسائيّ: هذا خطأً، ثم ساقه من طريق
الْفِرْيابِيّ، عن الأوزاعيّ، عن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن، حدّثني من
سمع جابراً، ومن طريق عليّ بن المبارك، عن يحيى، عن محمد بن
عبد الرحمن، عن رجل، عن جابر، ثم قال: ((ذكرُ تسمية هذا الرجل المبهم))،

٩٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
فساق طريق شعبة، ثم قال: هذا هو الصحيح، يعني إدخال رجل بين محمد بن
عبد الرحمن وجابر.
وتعقبه المزّيّ، فقال: ظَنَّ النسائيّ أن محمد بن عبد الرحمن شيخ
شعبة في هذا الحديث هو محمد بن عبد الرحمن شيخ يحيى بن أبي كثير
فيه، وليس كذلك؛ لأن شيخ يحيى هو محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان،
وشيخ شعبة هو ابن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة. انتهى. قال الحافظ:
والذي يترجح في نظري أن الصواب مع النسائيّ؛ لأن مسلماً لَمّا روى
الحديث من طريق أبي داود، عن شعبة، قال في آخره: قال شعبة: كان
بلغني هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير، أنه كان يزيد في هذا الإسناد
في هذا الحديث: ((عليكم برخصة الله التي رَخَّصَ لكم))، فلما سألته لم
يحفظه. انتهى.
والضمير في ((سألت)) يرجع إلى محمد بن عبد الرحمن شيخ يحيى؛ لأن
شعبة لم يَلْقَ يحيى، فدلّ على أن شعبة أُخْبِرَ أنه كان يبلغه عن يحيى، عن
محمد بن عبد الرحمن، عن محمد بن عمرو، عن جابر في هذا الحديث
زيادة، وأنه لَمّا لقي محمد بن عبد الرحمن شيخ يحيى سأله عنها، فلم
یحفظها .
وأما ما وقع في رواية الأوزاعيّ، عن يحيى أنه نسب محمد بن
عبد الرحمن، فقال فيه: ابن ثوبان، فهو الذي اعتمده المزيّ، لكن جزم
أبو حاتم كما نقله عنه ابنه في ((العلل)) بأن من قال فيه: عن محمد بن
عبد الرحمن بن ثوبان فقد وَهِمَ، وإنما هو ابن عبد الرحمن بن سعد.
انتھی .
وقد اختُلِفَ فيه مع ذلك على الأوزاعيّ، وجُلُّ الرواة عن يحيى بن أبي
كثير لم يزيدوا على محمد بن عبد الرحمن، لا يذكرون جدَّه، ولا جدّ جده.
انتهى كلام الحافظ تَذَتُهُ(١).
(١) ((الفتح)) ٣٤١/٥ - ٣٤٢.

٩٩
(١٦) - بَابُ وُجُوبِ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ، وَتَضَرَّرَ بِهِ - حديث رقم (٢٦١٢)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ردّ به الحافظ كلام الحافظ
المزّيّ فيه نظرٌ، بل الصواب - والله تعالى أعلم - ما قاله المزّيّ كَُّ، كما
حقّقه الحافظ أبي الحسن ابن القطان تَُّ في كتابه ((بيان الوهم والإيهام))، وقد
نقلته في ((شرح النسائيّ))، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﴿يَا) أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ ◌ّهِ فِي سَفَرٍ) وقد
تقدّم في حديث جابر ظبه الماضي من طريق جعفر، عن أبيه، عنه أن ذلك
السفر كان إلى مكة عام الفتح، ولابن خزيمة من طريق حماد بن سلمة عن أبي
الزبير عن جابر: سافرنا مع النبيّ وَّ في رمضان، فذكر نحوه (فَرَأَى رَجُلاً قَدْ
اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ) وفي رواية النسائيّ: ((أن رسول الله وَله رأى ناساً مجتمعين
على رجل)) (وَقَدْ ظُلُّلَ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول، وفي رواية النسائيّ: (((مرّ برجل
في ظلّ شجرة، يُرشّ عليه الماء ... ))، وفي رواية له: ((أنّ رسول الله وَّهِ،
رأى رجلاً قد ظُلّل عليه في السفر ... ))، وفي رواية ابن خزيمة: ((فشقّ على
رجل الصومُ، فجعلت راحلته تَهِيم به تحت الشجرة، فأخبر النبيّ وَّ بذلك،
فأمره أن يفطر)).
[تنبيه]: قال الحافظ تَخْلُهُ: لم أقف على اسم هذا الرجل - يعني المظلَّل
عليه - ولولا ما قدّمته من أن عبد الله بن رواحة استُشهِد قبل غزوة الفتح لأمكن
أن يفسّر به؛ لقول أبي الدرداء: إنه لم يكن من الصحابة في تلك السفرة صائماً
غيرُهُ، وزعم مغلطاي أنه أبو إسرائيل، وعزا ذلك لـ((مبهمات الخطيب))، ولم
يقل الخطيب ذلك في هذه القصّة، وإنما أورد حديث مالك، عن حميد بن
قيس وغيره: ((أن النبيّ وَلّ رأى رجلاً قائماً في الشمس، فقالوا: نذر أن لا
يستظلّ، ولا يتكلّم، ولا يجلس، ويصوم ... )) الحديث، ثم قال: هذا الرجل
هو أبو إسرائيل القرشيّ العامريّ، ثم ساق بإسناده إلى أيوب، عن عكرمة، عن
ابن عباس: ((كان رسول الله وَلّ يخطب يوم الجمعة، فنظر إلى رجل من
قريش، يقال له: أبو إسرائيل، فقالوا: نذر أن يصوم، ويقوم في الشمس ... ))
الحديث، فلم يزد الخطيب على هذا، وبين القصّتين مغايرات ظاهرة، أظهرها

١٠٠
=
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
أنه كان في الحضر في المسجد، وصاحب القصّة في حديث جابر كان في
السفر، تحت ظلال الشجرة، والله أعلم. انتهى(١).
(فَقَالَ: «مَا لَهُ؟)) ((ما)) استفهاميّة، أي أيُّ شيء أصابه؟، وفي رواية
للنسائيّ: ((ما بال صاحبكم هذا؟)) (قَالُوا) أي الصحابة الحاضرون الواقعة، ولم
يُسَمّوا (رَجُلٌ صَائِمٌ) خبر لمحذوف، أي هو رجل صائم (فَقَالَ رَسُولُ الهِ ◌ِ:
(لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ))) ولفظ البخاريّ: ((ليس من البرّ الصوم في
السفر))، والمصدر المؤوّل هنا اسم ((ليس)) مؤخّراً، وخبرها الجارّ والمجرور
قبله .
وقال الحافظ ابن عبد البرّ كَخَّتُهُ: قوله: ((ليس من البرّ)) فهو كقوله: ﴿لَّيْسَ
الْبِرَّ﴾ [البقرة: ١٧٧]، و((من)) قد تكون زائدةً، كقولهم: ما جاءني من أحد، أي
ما جاءني أحد. انتهى.
قال النوويّ ◌َُّهُ: معناه: إذا شَقّ عليكم، وخِفْتم الضرر، وسياق
الحديث يقتضي هذا التأويل، وهذه الرواية مبيّنة للروايات المطلقة: ((ليس من
البر الصيام في السفر))، ومعنى الجميع فيمن تضرر بالصوم. انتهى.
وقد أشار البخاريّ تَُّ في ((صحيحه)) إلى هذا التأويل حيث ترجم عليه،
فقال: باب قول النبيّ ◌َّهِ لمن ظُلِّل عليه، واشتَدّ الحرّ: ((ليس من البرّ الصيام
في السفر))، قال في (الفتح)): أشار بهذه الترجمة إلى أن سبب قوله وَلات: ((ليس
من البرّ الصيام في السفر)) ما ذُكِرَ من المشقّة، وأن مَن روى الحديث مجرداً
فقد اختَصَر القصّة، وبما أشار إليه من اعتبار شدّة المشقّة يُجْمَع بين حديث
الباب، والذي قبله، فالحاصل أن الصوم لمن قَوِي عليه أفضل من الفطر،
والفطر لمن شقّ عليه الصوم، أو أعرض عن قبول الرخصة أفضل من الصوم،
وأنّ من لم يتحقق المشقّة يُخَيَّر بين الصوم والفطر، وقد اختلف السلف في هذه
المسألة، قال الإمام الترمذيّ كَّتُ: واختَلَف أهل العلم في الصوم في السفر،
فرأى بعض أهل العلم من أصحاب النبيّ ◌َّ ه وغيرهم أن الفطر في السفر
(١) ((الفتح)) ٣٤٢/٥.