Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
(٢) - بَابُ وُجُوبٍ صَوْمٍ رَمَضَانَ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَالْفِطْرِ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٩٨)
ذهب أكثر الحنابلة، وإلى الثاني ذهب الجمهور، فقالوا: المراد بقوله:
((فاقدروا له)): أي انظروا في أول الشهر، واحسُبُوا تمام الثلاثين، ويرجح هذا
التأويل الرواياتُ الأُخَرُ المصرحة بالمراد، وهي ما تقدم من قوله: ((فأكملوا
العدة ثلاثين))، ونحوها، وأولى ما فُسِّر الحديث بالحديث. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الجمهور هو الصواب، كما رجحه
الحافظ تَخُّْ، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٧ - (ومنها): أنه يدلّ على وجوب الصوم على المنفرد برؤية هلال
رمضان، وعلى وجوب الإفطار عليه أيضاً برؤية هلال شوّال، وإن لم يثبت
ذلك بقوله، وهو قول الأئمة الأربعة في هلال رمضان، واختلفوا في الإفطار
برؤية شوّال وحده، فقال الثلاثة: لا يفطر، بل يستمرّ صائماً؛ احتياطاً للصوم،
وقال الشافعيّ: يلزمه الفطر، ولكن يخفيه؛ لئلا يُتّهم، وهو مقتضى قوله: ((ولا
تفطروا حتى تروه))، وذهب عطاء بن أبي رباح، وإسحاق ابن راهويه إلى أنه لا
يصوم برؤيته وحده، وعن أحمد أنه لا يصوم إلا في جماعة الناس، وروي
نحوه عن الحسن، وابن سيرين، قاله وليّ الدين ◌َُّهُ(٢).
وقال القرطبيّ كَخْذُ عند قوله: ((صوموا لرؤيته إلخ)) ما نصّه: يقتضي لزوم
حكم الصوم والفطر لمن صحّت له الرؤية، سواء شُورك في رؤيته، أو انفرد
بها، وهو مذهب الجمهور. وذهب عطاء، وإسحاق إلى أنه لا يلزمه حكم شيء
من ذلك إذا انفرد بالرؤية، وهذا الحديث ردّ عليهما. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الذي ذهب إليه الجمهور، من
وجوب الصوم والإفطار على من رأى الهلال وحده هو الحقّ؛ لصريح قوله وَلقوله:
((إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا))، وقد تحقّقت رؤيته، فتبصّر. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
٨ - (ومنها): أن الحديث يتناول رؤية الهلال ليلاً ونهاراً، لكنه إذا رئي
نهاراً فهو للّيلة المستقبلة، فإن كان ذلك يوم الثلاثين من شعبان لم يصوموا،
(١) ((الفتح)) ٢٤١/٥.
(٣) ((المفهم)) ١٣٨/٣ - ١٣٩.
(٢) انظر: ((طرح التثريب)) ١١٧/٤.

٣٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
وإن كان يوم الثلاثين من رمضان لم يفطروا، وسواء كان ذلك قبل الزوال، أو
بعده، هذا هو المشهور في المذاهب الأربعة، وحُكي عن عمر، وابن مسعود،
وابن عمر، وأنس، والأوزاعيّ، والليث بن سعد، وإسحاق ابن راهويه، وذهب
سفيان الثوريّ، وأبو يوسف، وبعض المالكيّة إلى أنه إن رئي قبل الزوال فهو
الليلة الماضية، وهو رواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم الظاهريّ، قاله وليّ
الدين تَذَتُهُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الأول الذي عليه الجمهور هو
الأقرب عندي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في معنى قوله وَليقول: ((فاقدروا
له)»:
اختلفوا في المراد به على مذاهب:
(الأول): مذهب الجمهور، قالوا: معناه: قدّروا له تمام العدد ثلاثين
يوماً، أي انظروا في أول الشهر، واحسبوا تمام ثلاثين يوماً.
قال الحافظ وليّ الدين كَّلُهُ - بعد أن بيّن اختلاف الروايات في حديث
ابن عمر هذا، ففي رواية: ((فاقدروا له))، وفي رواية: ((فاقدروا ثلاثين))، وفي
رواية: ((فأكملوا العدّة ثلاثين))، وفي رواية: ((فعدّوا ثلاثين)) - ما حاصله:
والروايات يفسّر بعضها بعضاً، والحديث إذا جُمعت طرقه تبيّن المراد منه، وقد
دلّ على ذلك أيضاً ما رواه البخاريّ من حديث شعبة، عن محمد بن زياد، عن
أبي هريرة له، مرفوعاً: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم،
فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين))، رواه مسلم من حديث سعيد بن المسيّب، عن أبي
هريرة رضيه بلفظ: ((فصوموا ثلاثين يوماً))، وليس ذلك اضطراباً في الخبر؛ لأنا
مأمورون بذلك في الصوم والفطر، وقد ذكر النبيّ وَّهِ صورة الغمّ علينا بعد
قوله: ((لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه))، فعاد إلى
الصورتين معاً، أي فإن غمّ عليكم في صومكم، أو فطركم، فذكر في إحدى
الروايتين إحدى الصورتين، وفي الأخرى الصورة الأخرى، وأتى في بعض
(١) المصدر السابق.

٣٨٣
(٢) - بَابُ وُجُوبٍ صَوْمِ رَمَضَانَ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَالْفِطْرِ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٩٨)
روايات حديث أبي هريرة بعبارة متناولة لهما، ففي رواية لمسلم: ((فعدّوا
ثلاثين))، وفي رواية له: ((فأكملوا العدد)).
ومن العجيب اعتراض بعض الحنابلة على رواية البخاريّ بأن الإسماعيليّ
قد أخرجها في ((مستخرجه)) من رواية غندر، عن شعبة بلفظ: ((فإن غمّ عليكم
فعدّوا ثلاثين))، ثم عدّ جماعة رووه عن شعبة كذلك، ثم قال هذا الحنبليّ:
وهذا يجوز أن يكون من آدم بن أبي إياس رواه على التفسير من عنده للخبر.
انتھی.
وغايته أن رواية البخاريّ خاصّة، والرواية التي حكاها عن غيره عامّة،
تتناول شعبان ورمضان، فلا معنى لحملها على رمضان، لا سيما، وهم يؤولون
قوله: ((فاقدروا له)) كما سيأتي بيانه، ويَحْمِلونه على تقدير الهلال تحت
السحاب، وذلك يدلّ على أن المراد شعبان، وهذا يدلّ على مخالفة كلام هذا
الحنبليّ لكلام أئمته، ولا جائز أن يُحمَل الشرط في قوله: ((فإن غمّ عليكم))
على صورة، والجزاء، وهو قوله: ((فعدوا ثلاثين)) على صورة غيرها.
ولقد أنصف الإمام شمس الدين محمد بن عبد الهادي، وهو من أعيان
متأخري الحنابلة، فقال في ((تنقيح التحقيق)): الذي دلت عليه أحاديث هذه
المسألة، وهو مقتضى القواعد أن أيّ شهر غُمّ أُكمِلَ ثلاثين، سواء في ذلك
شعبان ورمضان وغيرهما، وعلى هذا فقوله: ((فإن غمّ عليكم، فأكملوا العدّة))
يرجع إلى الجملتين، وهما قوله: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمّ
عليكم، فأكملوا العدّة))، أي غُمّ عليكم في صومكم وفطركم، هذا هو الظاهر
من اللفظ، وباقي الأحاديث يدلّ عليه.
قال: وما ذكره الإسماعيليّ غير قادح في صحّة الحديث؛ لأن النبيّ وَل
إما أن يكون قال اللفظين، وهذا مقتضى ظاهر الرواية، وإما أن يكون قال
أحدهما، وذكر الراوي اللفظ الآخر بالمعنى، فإن الأمرين في قوله: («فأكملوا
العدة)) للشهرين. انتهى(١).
(١) ونقل في ((الفتح)) كلام ابن عبد الهادي المذكور، وقال في آخره ما نصّه: وبقية
الأحاديث تدل عليه، فاللام في قوله ((فأكملوا العدة)) للشهر، أي عِدَّة الشهر، =

٣٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
وفي ((سنن أبي داود) عن عمر بن عبد العزيز: ((وإن أحسن ما يقدّر له إذا
رأينا هلال شعبان لكذا وكذا، فالصوم إن شاء الله لكذا وكذا، إلا أن يروا
الهلال قبل ذلك)). وفي رواية للبيهقيّ في ((سننه)) في الحديث المرفوع من
حديث أبي هريرة ◌َُّه: ((فإن غُمّ عليكم، فإنها ليست تُغمَى عليكم العدّة)).
وقد روى مالك في ((الموطأ)» عقب حديث ابن عمر حديث عكرمة، عن
ابن عباس: أن رسول الله وَل* ذكر رمضان، فقال: ((لا تصوموا حتى تروا
الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمّ عليكم، فأكملوا العدّة ثلاثين))، قال
ابن عبد البرّ: جعله بعده؛ لأنه عنده مفسّر له، ومبيّن لمعنى قوله:
((فاقدروا له)).
قال وليّ الدين: وكذا رواه الترمذيّ بلفظ: ((فأكملوا ثلاثين يوماً))، وهو
عند أبي داود بلفظ: ((فإن حال دونه غمامة، فأتموا العدّة ثلاثين، ثم أفطروا))،
وعند النسائيّ بلفظ: ((فإن حال بينكم وبينه سحابة، أو ظلمة، فأكملوا العدّة،
عدّة شعبان))، وهذا على ما قدّمته في حديث ابن عمر ذَكَرَ في رواية أبي داود
صورةً، وفي رواية النسائيّ أخرى، وأتى في رواية مالك، والترمذيّ بما يَشمَل
الصورتين، وليس ذلك اضطراباً، وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي الْبَخْتَريّ، قال:
أهللنا رمضان، ونحن بذات العرق، فأرسلنا رجلاً إلى ابن عباس، فسأله؟
فقال ابن عباس: قال رسول الله وصلفيه: ((إن الله قد أمده لرؤيته، فإن غمي
عليكم، فأكملوا العدّة))، وفي رواية له: فلقينا ابن عباس، فقلنا، وذكره، وهذا
ولم يَخُصّ وَ ﴿ شهراً دون شهر بالإكمال إذا غُمَّ، فلا فرق بين شعبان وغيره في
=
ذلك؛ إذ لو كان شعبان غير مراد بهذا الإكمال لبيّنه، فلا تكون رواية مَن رَوَى:
((فأكملوا عِدّة شعبان))، مخالفة لمن قال: ((فأكملوا العدة)»، بل مبينة لها، ويُؤَيِّد
ذلك قوله في الرواية الأخرى: ((فإن حال بينكم وبينه سحابٌ، فأكملوا العِدَّة
ثلاثين، ولا تستقبلوا الشهر استقبالاً))، أخرجه أحمد، وأصحاب السنن، وابن
هكذا، ورواه الطيالسيّ من هذا
ـّا
خزيمة، وأبو یعلی، من حديث ابن عباس
الوجه، بلفظ: (ولا تستقبلوا رمضان بصوم يوم من شعبان))، وروى النسائيّ من
طريق محمد بن حُنَّيْن، عن ابن عباس ﴿هَا بلفظ: ((فإن غم عليكم، فأكملوا العدّة
ثلاثين)). انتهى ما في ((الفتح)) ٢٤٢/٥ - ٢٤٣.

٣٨٥
(٢) - بَابُ وُجُوبٍ صَوْمِ رَمَضَانَ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَالْفِطْرِ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٩٨)
عنْه ،
شاهد لرواية مالك وغيره. وروى أبو داود، والنسائيّ عن حذيفة
مرفوعاً: ((لا تقدّموا الشهر حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدّة، ثم صوموا
حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة))، وروى أبو داود عن عائشة ﴿يا: ((كان
رسول الله ولم يتحفّظ من شعبان ما لا يتحفّظ من غيره، ثم يصوم لرؤية
رمضان، فإن غمّ عليه عَدَّ ثلاثين يوماً، ثم صام)).
وقد رُويَ هذا المعنى، وهو إكمال العدّة ثلاثين يوماً عند الغمّ علينا من
حديث جابر، وأبي بكرة، وعمر بن الخطاب، ورافع بن خَدِيج، وعليّ بن أبي
طالب، وطلق بن عليّ، والبراء بن عازب ﴿ه، وقد جمع ذلك الحافظ
العراقيّ كَُّ في ((شرح الترمذيّ))، قال ابن عبد البرّ: ولم يرو أحد فيما علمت
((فاقدروا له)) إلا ابن عمر وحده، والله تعالى أعلم.
(المذهب الثاني): مذهب من قال: إن معنى قوله {وَ له: ((فاقدروا له)):
ضيّقوا له، وقَدِّرُوه تحت السحاب، ومن قال بهذا أوجب الصيام من الغد ليلة
الثلاثين من شعبان إن كان في محلّ الهلال ما يمنع رؤيته، من غيم وغيره.
وهذا مذهب ابن عمر ◌ًّا راوي هذا الحديث، ففي ((سنن أبي داود)):
فكان ابن عمر إذا كان شعبان تسعاً وعشرين نُظِرَ له، فإن رأى فذاك، وإن لم
ير، ولم يَحُلْ دونه منظره سحاب، أو قَتَرَة، أصبح مفطراً، وإن حال دون
منظره سحاب، أو قترة أصبح صائماً، قال: وكان ابن عمر ﴿ّا يفطر مع
الناس، ولا يأخذ بهذا الحساب.
قال الخطابيّ: يريد أنه كان يفعل هذا الصنيع في شهر شعبان احتياطاً
للصوم، ولا يأخذ بهذا الحساب في شهر رمضان، ولا يفطر إلا مع الناس.
قال وليّ الدين: وكأن الراوي أشار بذلك إلى النقض على ابن عمر في
كونه قال بما يقتضي حمل التقديرين على التضييق، وتقديره تحت السحاب في
إحدى الصورتين، دون الأخرى، ولو اختلف حكمهما لبيّنه النبيّ وَّرِ، وفصل
بينهما، وقد نبّه النبيّ وَّر على التسوية بينهما بنهيه عن صوم يوم الشكّ، وقد
تبع ابنَ عمر على هذا المذهب أحمدُ بن حنبل في المشهور عنه.
قال ابن الجوزيّ ◌َُّهُ في تصنيف له سمّاه ((دَرْء اللَّوْم والضَّيْم في صوم
يوم الغيم)): وهذا مرويّ عن الصحابة، عن عمر بن الخطّاب، وعليّ بن أبي

٣٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
طالب، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، ومعاوية، وعمرو بن العاص، والحكم بن
أيوب الغفاريّ، وعائشة، وأسماء ابنتي أبي بكر الصدّيق ﴿ه، قال: وقال به
من كبراء التابعين سالم بن عبد الله، ومجاهد، وطاوس، وأبو عثمان النّهْديّ،
ومطرّف بن عبد الله بن الشِّخِّير، وميمون بن مهران، وبكر بن عبد الله المزنيّ،
في آخرین.
حكاه عنه الحافظ العراقيّ ◌َّتُهُ في ((شرح الترمذيّ))، وردّ عليه في حكايته
عن هؤلاء الصحابة، فذكر أن الرواية في ذلك عن عمر منقطعة، فإنها من رواية
مكحول عنه، ولم يدركه، وأن ابن الجوزيّ إنما نقل ذلك عن عليّ؛ لأنه قال:
((أصوم يوماً من شعبان أحبّ إليّ من أفطر يوماً من رمضان))، قال العراقيّ:
وهو منقطع، ثم إنه إنما قاله عند شهادة واحد على رؤية الهلال، لا في الغيم،
كما رواه الدارقطنيّ في ((سننه)) مبيّناً، ولا يحلّ الاختصار على هذا الوجه؛ لأنه
يُخلّ بالمعنى، قال: والمعروف عن عمر، وعليّ خلاف ذلك ففي ((مصنّف ابن
أبي شيبة)) عن كلّ منهما أنه كان يخطب إذا حضر رمضان، فيقول: ((ألا لا
تقدّموا الشهر، إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتم الهلال فأفطروا، فإن غمّ
عليكم، فأتمّوا العدّة)).
ومستند ابن الجوزيّ في نقل ذلك عن أنس ما رواه عن يحيى بن إسحاق
أنه قال: رأيت الهلال إما عند الظهر، وإما قريباً منه، فأفطر ناس من الناس،
فأتينا أنس بن مالك، فأخبرناه برؤية الهلال، وبإفطار من أفطر، فقال: هذا
اليوم يكمل لي أحداً وثلاثين(١) يوماً، وذلك أن الحكم بن أيوب أرسل إليّ
قبل صيام الناس أني صائم غداً، فكرهت الخلاف عليه، فصمت، وأنا متمّ
صوم يومي هذا إلى الليل.
قال العراقيّ: هذا لم يفعله للغيم، وإنما فعله كراهية للاختلاف على
الأمير، وهو ابن عمّ الحجاج بن يوسف الثقفيّ، فهو موافق لرواية عن أحمد:
إن الخيرة إلى الأمير في صيام ليلة الغيم، فلم يصمه أنس عن رمضان، وقد
أفطر الناس ذلك اليوم، وأراد أنس ترك الخلاف على أمره.
(١) وقع في نسخة ((الطرح)): ((أحدٌ وثلاثون)) بالرفع، والظاهر أنه غلط، فليحرّر.

٣٨٧
(٢) - بَابُ وُجُوبٍ صَوْمِ رَمَضَانَ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَالْفِطْرِ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٩٨)
قال العراقي: والمعروف عن أبي هريرة ﴿به خلاف ما نقله عنه، كما في
((مصنّف ابن أبي شيبة)) عنه أنه قال: نُهي أن يتعجّل قبل رمضان بيوم أو يومين.
لكن روى البيهقيّ عنه من رواية أبي مريم عنه: ((لأن أصوم اليوم الذي يشكّ
فيه من شعبان أحبّ إليّ من أفطر يوماً من رمضان))، ثم قال البيهقيّ: كذا روي
عن أبي هريرة بهذا الإسناد، ورواية أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ ◌َّو
في النهي عن التقدّم إلا أن يوافق صوماً كان يصومه أصحّ من ذلك. انتهى.
قال: وأما أثر معاوية، فإنه ضعيف لا يصحّ، وقد رواه ابن الجوزيّ في
((العلل المتناهية)) من رواية مكحول عنه، وضعّفه، قال: وأما أثر عمرو بن
العاص، فلم أر له إسناداً، قال: وأما الحكم بن أيوب، فهو الثقفيّ، وهو من
التابعين، كما ذكره ابن حبّان في ثقات التابعين. قال: فلم يقل به أحد من
العشرة الذين ذكرهم ابن الجوزيّ إلا ابن عمر، وعائشة، وأسماء
واختُلِف عن أبي هريرة كما تقدّم.
قال البيهقيّ تَخّْتُهُ: ومتابعة السنّة الثابتة، وما عليه أكثر الصحابة، وعوامٌ
أهل العلم أولى بنا. انتهى.
وقال ابن عبد البرّ تَخّلُ: لم يُتابع ابن عمر على تأويله ذلك فيما علمت
إلا طاوس، وأحمد ابن حنبل، وروي عن أسماء بنت أبي بكر مثله، وعن
عائشة نحوه. انتهى.
(المذهب الثالث): مذهب فرقة ثالثة، قالوا: إن معنى الحديث: قَدِّرُوه
بحساب المنازل، حكاه النوويّ في ((شرح مسلم)) عن ابن سُريج، وجماعة،
منهم مطرّف بن عبد الله، وابن قتيبة، وآخرون، وقال ابن عبد البرّ: رُوي عن
مطرّف بن الشّخّير، وليس بصحيح عنه، ولو صحّ ما وجب اتباعه عليه؛
الشذوذه فيه، ولمخالفة الحجّة له، ثم حكى عن ابن قتيبة مثله، وقال: ليس هذا
من شأن ابن قتيبة، ولا هو من يُعرّج عليه في مثل هذا الباب، ثم حَكَى عن
ابن خويز منداد أنه حكاه عن الشافعيّ، ثم قال ابن عبد البرّ: والصحيح عنه
في كتبه، وعند أصحابه، وجمهور العلماء خلافه، قال وليّ الدين: لا يعرف
ذلك عن الشافعيّ أصلاً، والله أعلم.
وبالغ ابن العربيّ في ((العارضة)) في إنكاره مقالة ابن سُريج هذه، قال

٣٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
المازريّ عن الجمهور: لا يجوز أن يكون حساب المنجّمين؛ لأن الناس لو
كُلّفوا به ضاق عليهم؛ لأنه لا يعرفه إلا الأفراد، والشرع إنما يعرّف الناس بما
يعرفه جماهيرهم، وحكى ابن العربيّ عن ابن سريج أن قوله: ((فاقدروا)) خطاب
لمن خصّه الله بهذا العلم، وقوله: ((فأكملوا العدّة)) خطاب للعامة، قال ابن
العربيّ: فكأن وجوب رمضان جعله مختلف الحال، يجب على قوم بحساب
الشمس والقمر، وعلى آخرين بحساب الْجُمَّل، إن هذا لبعيد عن النبلاء،
فكيف عن العلماء؟ .
وقال ابن الصلاح كَّلُهُ في ((مشكل الوسيط)): معرفة منازل القمر هو
معرفة سير الأهلّة، وهو غير المعرفة بالحساب على ما أشعر به كلام الغزاليّ
في الدرس، فالحساب أمر دقيق يختصّ بمعرفته الآحاد، والمعرفة بالمنازل
كالمحسوس يشترك في ذكره الجمهور، ممن يراقب النجوم. انتهى.
قال وليّ الدين: فمعرفة منازل القمر هي التي قال بها ابن سريج، ثم إنه
لم يقل بها في حقّ كلّ أحد، وإنما قال بها في حقّ العارف بها، وإنما قال
بجوازه له، كذا ذكر الرويانيّ عنه. ونقل الجواز أيضاً عن اختيار القفّال،
والقاضي أبي الطيّب الطبريّ، وحكى الشيخ في المهذّب عن ابن سُريج لزوم
الصوم في هذه الصورة، ثم ذكر وليّ الدين تفاصيل الأوجه في مذهب الشافعيّ
في مسألة الحاسب والمنجّم، وبسط الكلام فيه.
وقال ابن دقيق العيد في ((شرح العمدة)): وأما ما دلّ الحساب على أن
الهلال قد طلع من الأفق على وجه يُرى لولا وجود المانع، كالغيم، فهذا
يقتضي الوجوب؛ لوجود السبب الشرعيّ، قال: وليس حقيقة الرؤية تشترط في
اللزوم؛ لأن الاتفاق على أن المحبوس في الممطورة إذا علم بإكمال العدّة، أو
الاجتهاد بالأمارات أن اليوم من رمضان وجب عليه الصوم، وإن لم ير
الهلال، ولا أخبره من رآه.
وردّ عليه الحافظ العراقيّ في ((شرح الترمذيّ))، فقال: المحبوس في
الممطورة معذور، فيجب عليه الاجتهاد في دخول الوقت، ويجب عليه العمل
بما أدّى إليه اجتهاده، فإن تبيّن خطؤه بيقين أعاد، وحصول الغيم في المطالع
أمر معتاد، والسبب الشرعيّ للوجوب إنما هو الرؤية، لا علم ذلك بالحساب؛

٣٨٩
(٢) - بَابُ وُجُوبٍ صَوْمٍ رَمَضَانَ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَالْفِطْرِ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٩٨)
لقوله ومقر في الحديث الصحيح: ((إنا أمة أميّة، لا نحسب، ولا نكتب ... ))
الحديث. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أجاد الحافظ العراقيّ كَّتُهُ في
الاعتراض على ما قاله ابن دقيق العيد من الاعتماد على أن الهلال قد طلع،
وقد ردّ الصنعاني عليه أيضاً في حاشيته ((العدّة)) ردّاً جميلاً، فراجع حاشيته
٣٢٨/٣ - ٣٢٩ (١).
(١) نصّه تخلفهُ: أقول: إن النصّ اشترط في لزوم الصوم أحد أمرين: إما الرؤية، أو
إكمال العدّة ثلاثين، ودلّ الدليل على أن رؤية البعض كافيةٌ فإثبات اللزوم بمجرّد
الحساب ينافي النصّ، وقياسه على من حُبس في ممطورة قياسٌ مع الفارق؛ إذ مَن
في الممطورة قد تعذّر عليه معرفة الْمُدْرَك المنصوص عليه حتى لو رآه الناس لَمَا
رآه، فرجوعه إلى الحساب والقرائن بالضرورة؛ لأنه ليس في حقّه شيءٍ يَعرِف به
الصوم إلا ذلك، وكيف يرجع إلى قول الحاسب والشارعُ يقول: ((فإن غُمّ عليكم
فأكملوا العدّة ثلاثين))، ولو كان كلام الحاسب مُذْرَكاً شرعيّاً للصوم والإفطار لَمَا
أهمله الشارع، بل أشار إلى خلافه بقوله: ((إنّا أُمّة أميّةٌ لا نَكْتُبُ ولا نَحْسُبُ))، ثم
قال: ((الشهر هكذا ... )) الحديث، فأشار بيديه إلى الثلاثين، والتسع والعشرين.
قال القاضي عياضٌ تَكُ ما حاصله: وصفه بَّ لهم بالأميّة، وأنهم لا يحسُبُون لم
ينف عنهم معرفة مثل هذا الحساب، وإنما وصفهم بذلك طرحاً للاعتداد بالمنازل،
وطرُق الحساب الذي تُعَوِّل عليه الأعاجم في صومها وفطرها، وفُصُلِها. انتهى.
قال: وأغرب ابن السبكيّ، فقال: لو شَهِد شاهد واحدٌ برؤية الهلال، واقتضى
الحساب عدم إمكان رؤيته لا تُقبل الشهادة؛ لأن الحساب قطعيّ، والشهادة ظنّةٌ،
وشرط قبولها إمكان ما شُهد له حسّاً أو عقلاً، أو شرعاً، وهذا لا يُخالف قول
الفقهاء: إنه لا اعتماد على الحساب؛ لأنهم قالوا في عكس هذه الصورة، وهو إذا
دلّ الحساب على إمكان الرؤية. انتهى.
قال الصنعانيّ: قلت: هذه القطعيّة المدّعاة إن أراد أنها قطعيّة عند الحاسب،
وسلّمنا له ذلك فهو رجوع إلى قول بعض أكابر الشافعيّة: إنه يختصّ الحاسب
بالعمل بذلك بالنسبة إليه، وإن أراد أنه قطعيّ عند الحاسب وغيره فهذا باطلٌ؛ لأن
غير الحاسب إنما يستفيد هذا الحكم، وهو أن الحساب يُحيل الرؤية التي قامت
عليها الشهادة من كلام الحاسب، وغاية ما يفيده خبره عند سامعه المحسِن به الظنّ
ظنّه صدقَهُ، فأين القطع الذي زعمه؟، وما هذا وأشباهه إلا من شؤم معرفة علم =

٣٩٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: وقد ظهر بما بسطناه صحّة
مذهب الجمهور في تعليق الحكم بالرؤية، دون غيرها، وبه قال مالك،
والشافعيّ، وأبو حنيفة، وجمهور العلماء من السلف والخلف. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله وليّ الدين تَّتُهُ، من
ترجيح مذهب الجمهور في المسألة هو الحقّ الذي لا مَحِيد عنه؛ للأحاديث
الصحيحة التي تدلّ على وجوب الاعتماد على الرؤية، دون غيره من الحساب،
فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم فيما يثبت به هلال رمضان:
قال النوويّ كَّلُهُ: مذهبنا ثبوته بعدلين بلا خلاف، وفي ثبوته بعدل
خلاف، الصحيح ثبوته، وسواء أَصْحَتِ السماءُ(١)، أو غَيَّمَت.
وممن قال: يثبت بشاهد واحد: عبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل،
وآخرون، وممن قال: يشترط عدلان: عطاء، وعمر بن عبد العزيز، ومالك،
والأوزاعيّ، والليث، وابن الماجشون، وإسحاق ابن راهويه، وداود. وقال
الثوريّ: يشترط رجلان، أو رجل وامرأتان، كذا حكاه ابن المنذر، وقال أبو
حنيفة: إن كانت السماء مغيمة ثبت بشهادة واحد، ولا يثبت غير رمضان إلا
الهيئة والنجوم الذي لم يأت عن الشارع حرف بصحّته، بل هو من العلم الذي
=
قال الله تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، والشارع قد
أوضح أوقات العبادات، وأناطها بأظهر الواضحات، أفتُرَدُّ الشهادة التي أمر
الشارع بقبولها بقول الحاسب؟ قال ◌َّ﴿: «فإن غُمّ عليكم، فأتمّوا ثلاثين يوماً، فإن
شَهِد شاهدان مسلمان، فصوموا، وأفطروا))، أخرجه أحمد من حديث عبد الرحمن
زيد بن الخطّاب، رواه النسائيّ أيضاً، ولم يقل: ((مسلماً)). انتهى كلام الصنعانيّ
بتصرّف يسير.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره الصنعانيّ كَلُّ بحثٌ ممتع جدّاً، وحديث
عبد الرحمن زيد بن الخطّاب حديث صحيح، وقد أوضحت ذلك مع فوائد مهمّة
في ((شرح النسائيّ)) (٢٨٨/٢٠ - ٢٩٣)، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم.
(١) يقال: أصحت السماء بالألف، فهي مُصحية: انكشف غَيْمها. قاله في ((المصباح)).

٣٩١
(٢) - بَابُ وُجُوبٍ صَوْمٍ رَمَضَانَ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَالْفِطْرِ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٩٨)
باثنين، قال: وإن كانت مُصْحِية لم يثبت رمضان بواحد، ولا باثنين، ولا يثبت
إلا بعدد الاستفاضة.
واحتُجّ لأبي حنيفة بأنه يبعد أن ينظر الجماعة الكبيرة إلى مطلع الهلال،
وأبصارهم صحيحة، ولا مانع من الرؤية، ويراه واحد، أو اثنان دونهم.
واحتجّ من شرط اثنين بحديث الحارث بن حاطب، وهو صحيح.
واحتجّ أصحابنا بحديث ابن عمر طها، قال: ((تراءى الناس الهلال،
فأخبرت النبيّ وَل﴿ أني رأيته، فصام، وأمر الناس بصيامه))، وهو أيضاً صحيح.
قالا: ((إن
قال: وأما حديث طاوس، عن ابن عمر، وابن عباس، ﴾
رسول الله ﴿ أجاز شهادة رجل واحد على هلال رمضان، وكان لا يُجيز على
شهادة الإفطار إلا شهادة رجلين))، فرواه البيهقيّ، وضعّفه، قال: وهذا مما لا
ينبغي أن يُحتجّ به، قال: وفي الحديثين السابقين كفاية.
ثم روى البيهقيّ بإسناده ما رواه الشافعيّ في ((المسند)) وغيره بإسناده
الصحيح إلى فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب ظه: ((أن رجلاً شهد
عند عليّ ◌َظُه على رؤية هلال رمضان، فصام، وأحسبه قال: وأمر الناس
بالصيام، وقال: لأن أصوم يوماً من شعبان أحبّ إليّ من أن أفطر يوماً من
رمضان)» .
و(الجواب) عما احتجّ به أبو حنيفة من وجهين:
(أحدهما): أنه مخالف للأحاديث الصحيحة، فلا يعرّج عليه.
(والثاني): أنه يجوز أن يراه بعضهم دون جمهورهم؛ لحسن نظره، أو
غير ذلك، وليس هذا ممتنعاً، ولهذا لو شهد برؤيته اثنان، أو واحد، وحكم به
حاكم لم يُنقَض بالإجماع، ووجب الصوم بالإجماع، ولو كان مستحيلاً لم ينفذ
حكمه، ووجب نقضه.
(والجواب) عما احتجّ به الآخرون: أن المراد بقوله: ((نَنْسُك)) هلال
شوال، جمعاً بين الأحاديث، أو محمول على الاستحباب والاحتياط، ولا بدّ
من أحد هذين التأويلين للجمع بين الأحاديث. انتهى كلام النوويّ كَذّتُهُ(١).
(١) المجموع ٢٩٢/٦ - ٢٩٤.

٣٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
وقال الشوكانيّ كَّلُهُ - بعد ذكر اختلاف الأقوال - ما حاصله: واستدلّوا -
يعني القائلين باعتبار شهادة الاثنين - بحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب،
وبحديث أمير مكة، فإن ظاهرهما اعتبار شاهدين، وتأولوا الحديثين المتقدمين -
السابقین - باحتمال أن یکون قد شهد
یعني حديث ابن عباس، وابن عمر
عند النبيّ وَّل غيرهما .
وأجاب الأولون - يعني القائلين بالاكتفاء بشهادة رجل واحد - بأن
التصريح بالاثنين غاية ما فيه المنع من قبول الواحد بالمفهوم، وحديثا
عبد الرحمن بن زيد، وأمير مكة يدلّان على قبوله بالمنطوق، ودلالة المنطوق
أرجح، وأما التأويل بالاحتمال المذكور، فتعسّف وتجويز، لو صحّ اعتبار مثله
لكان مفضياً إلى طرح أكثر الشريعة.
قال: واختلفوا أيضاً في شهادة خروج رمضان، فقال النوويّ في ((شرح
مسلم)): لا تجوز شهادة عدل واحد على هلال شوّال عند جميع العلماء، إلا
أبا ثور، فجوّز بعدل. انتهى.
واستدلّوا بحديث ابن عمر، وابن عباس المتقدم، وهو مما لا تقوم به
حجة؛ لما تقدّم من ضعف من تفرّد به، وهو حفص بن عمر الأيليّ.
وأما حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وحديث أمير مكة، فهما
واردان في شهادة دخول رمضان، أما حديث أمير مكة فظاهر؛ لقوله فيه:
(نسكنا بشهادتهما))، وأما حديث عبد الرحمن بن زيد ففي بعض ألفاظه: ((إلا
أن يشهد شاهدا عدل))، وهو مستثنى من قوله: ((فأكملوا عدة شعبان))، فالكلام
في شهادة دخول رمضان، وأما لفظ أحمد: ((فإن شهد مسلمان، فصوموا،
وأفطروا))، وكذا لفظ النسائيّ: ((فإن شهد شاهدان، فصوموا، وأفطروا))، فمع
كون مفهوم الشرط، قد وقع الخلاف في العمل به هو أيضاً معارض بما تقدّم
من قبوله وي لخبر الواحد في أول الشهر، وبالقياس عليه في آخره؛ لعدم
الفارق، فلا ينتهض مثل هذا المفهوم لإثبات هذا الحكم به، وإذا لم يرد ما
يدلّ على اعتبار الاثنين في شهادة الإفطار من الأدلّة الصحيحة، فالظاهر أنه
يكفي فيه واحد قياساً على الاكتفاء به في الصوم.
وأيضاً التعبّد بقبول خبر الواحد يدلّ على قبوله في كلّ موضع إلا ما ورد

٣٩٣
(٢) - بَابُ وُجُوبٍ صَوْمِ رَمَضَانَ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَالْفِطْرِ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٩٨)
الدليل بتخصيصه بعدم التعبّد فيه بخبر الواحد؛ كالشهادة على الأموال ونحوها،
فالظاهر ما قاله أبو ثور.
ويمكن أن يقال: إن مفهوم حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب قد
عورض في أول الشهر بما تقدّم، وأما في آخر الشهر فلا ينتهض ذلك القياس
لمعارضته، لا سيّما مع تأيده بحديث ابن عمر وابن عباس المتقدّم، وهو وإن
كان ضعيفاً، فذلك غير مانع من صلاحيته للتأييد، فيصلح ذلك المفهوم
المعتضِد بذلك الحديث لتخصيص ما ورد من التعبّد بأخبار الآحاد، والمقام
محلّ نظر.
ومما يؤيّد القول بقبول الواحد مطلقاً أن قبوله في أول رمضان يستلزم
الإفطار عند كمال العدّة استناداً إلى قبوله.
وأجيب عن ذلك بأنه يجوز الإفطار بقول الواحد ضمناً، لا صريحاً، وفيه
نظر. انتهى كلام الشوكانيّ كَّتُهُ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجح عندي قول من قال: يثبت
هلال رمضان بشهادة رجل واحد؛ لصحة حديث عكرمة عن ابن عباس
قال: جاء أعرابيّ إلى النبيّ وَله، فقال: أبصرت الهلال الليلة، قال: ((أتشهد
أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله؟)) قال: نعم، قال: ((يا بلال أذّن
في الناس، فليصوموا))، رواه النسائيّ، وهو إن رُجّح فيه الإرسال، إلا أنه
صحیح، یشهد له حديث ابن عمر عند أبي داود وغيره، بإسناد صحيح، قال:
((تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله وَليل أني رأيته، فصامه، وأمر الناس
بصيامه))، وقد أشبعت البحث في هذا في ((شرح النسائيّ))، فراجعه (٢٨٥/٢٠ -
٢٨٦) تستفد.
والحاصل أن القول بثبوت شهادة رجل واحد هو الحقّ، وبهذا تجتمع
الأدلّة، وأما الإفطار فلا بدّ من شاهدين؛ لصحة حديث عبد الرحمن بن زيد بن
الخطاب، وهو ما أخرجه النسائيّ (٢٦٧/٧) بسند صحيح عن عبد الرحمن بن
زيد بن الخطاب، أنه خطب الناس في اليوم الذي يُشَكّ فيه، فقال: ألا إني
جالست أصحاب رسول الله وَر، وساءلتهم، وإنهم حدّثوني أن رسول الله واله
قال: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، وانسُكُوا لها، فإن غُمّ عليكم فأكملوا

٣٩٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
ثلاثين، فإن شهد شاهدان، فصوموا، وأفطروا))، وهو حديث صحيح.
ولصحّة حديث أمير مكة، وهو ما أخرجه الدارقطنيّ في ((سننه)) (١٦٧/٢)
بسند صحيح، عن حسين بن الحارث الْجَدَلي، أن أمير مكة خطبنا، فنَشَدَ
الناسَ، فقال: من رأى الهلال ليوم كذا وكذا؟ ثم قال: عهد إلينا رسول الله وله
أن نَنْسُك للرؤية، فإن لم نره، وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما .
قال: فسألت الحسين بن الحارث: مَن أمير مكة؟ قال: لا أدري، ثم
لقيني بعدُ، فقال: هو الحارث بن حاطب، أخو محمد بن حاطب، قال
الدارقطني: هذا إسناد متصلٌ صحيحٌ.
ثم أخرجه بسند آخر، وزاد فيه: ((وقال: إن فيكم من هو أعلم بالله
ورسوله، وأشار إلى رجل خلفه، قلت: من هو؟ قال: ابن عمر، فقال ابن
عمر: بذلك أمرنا رسول الله پے)). انتھی.
والحاصل أن الإفطار لا بدّ فيه من شهادة شاهدين؛ لهذين الحديثين،
وهما صحيحان، ولا معارض لهما، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٤٩٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا
عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ حَظُهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهَ ذَكَرَ رَمَضَانَ، فَضَرَبَ
بِيَدَيْهِ، فَقَالَ: ((الَّشَّهْرُ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا))، ثُمَّ عَقَدَ إِبْهَامَهُ فِي الثَّالِثَةِ:
(فَصُومُوا(١) لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ (٢))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة
إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظ، صاحب تصانيف [١٠]
(ت٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
(١) وفي نسخة: ((صوموا)).
(٢) وفي نسخة: ((فاقدروا ثلاثين)).

٣٩٥
(٢) - بَابُ وُجُوبٍ صَوْمِ رَمَضَانَ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَالْفِطْرِ ◌ِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٩٩)
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ
ثبتٌ، من كبار [٩] (ت٢٠١) وهو ابن (٨٠) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العمري
العدويّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ (٥) مات سنة بضع و(١٤٠) (ع)
تقدم في ((الإيمان)» ٢٢٢/٢٨.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (فَضَرَبَ بِيَدَيْهِ) أي طَبّق بين أصابع يديه العشر.
وقوله: ((الشَّهْرُ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا))) ثلاث مرّات، فالإشارة الأولى
إلى العشرة، والثانية إلى العشرين، والثالثة إلى الثلاثين.
وقوله: (ثُمَّ عَقَدَ إِبْهَامَهُ فِ الثَّالِئَةِ) يعني أنه نَِّ قبض إصبعاً واحدةً، وهي
الإبهام من العشرة الثالثة؛ إشارةً إلى كونه تسعةً، فجملة ما أشار إليه تسعة
وعشرون يوماً.
وفي رواية: ((الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، وقبض إبهامه في الثالثة))،
وفي رواية: ((الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، عشراً، وعشراً، وتسعاً))، وفي
رواية: ((الشهر كذا، وكذا، وصَفَّق بيديه مرّتين بكلّ أصابعهما، ونقص في
الصفقة الثالثة إبهام اليمنى، أو اليسرى))، وفي رواية: ((الشهر تسع وعشرون،
وطَبّق شعبة يديه ثلاث مرار، وكسر الإبهام في الثالثة، قال عقبة: وأحسبه
قال: الشهر ثلاثون، وطَبّق كفّيه ثلاث مرار))، وكلّها في الكتاب، وفي حديث
جابر ظه الآتي فيه أيضاً: ((إن الشهر يكون تسعاً وعشرين، ثم طبّق النبيّ وَّل
بيديه ثلاثاً، مرّتين بأصابع يديه كلها، والثالثة بتسع منها)).
وحاصل معنى الحديث أنه وَله بيّن أن الشهر قد يكون تسعاً وعشرين يوماً
أحياناً، كما يكون ثلاثين يوماً أحياناً، يوضّح هذا المعنى ما يأتي من حديث
أبي هريرة ظه: ((الشهر يكون تسعة وعشرين، وثلاثين ... )). ومن حديث ابن
عمر ناه: ((والشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، وهكذا، وعقد الإبهام في الثالثة،
والشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، تمام ثلاثين)).
وقال النوويّ نّتُ: حاصله أن الاعتبار بالهلال، فقد يكون تاماً ثلاثین،
وقد يكون ناقصاً تسعاً وعشرين، وقد لا يُرى الهلال، فيجب إكمال العدد

٣٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
ثلاثين، قالوا: وقد يقع النقص متوالياً في شهرين، وثلاثة، وأربعة، ولا يقع
في أكثر من أربعة.
وفي هذا الحديث جواز الاعتماد على الإشارة المفهمة في مثل هذا.
انتھی(١).
وقوله: (فَاقْدِرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ) بوصل الهمزة، وضمّ الدال، وكسرها: يعني
حقّقوا مقادير أيام شعبان، حتى تكملوه ثلاثين يوماً، كما جاء في الرواية
الأخرى. أفاده الحافظ السيوطيّ كَّتُ في ((شرح النسائيّ))(٢).
وقال الحافظ وليّ الدين ◌َُّهُ: قال أهل اللغة: يقال: قدَرتُ الشيء -
بالتخفيف - أقدُره - بضم الدال، وكسرها - وقدّرته - بالتشديد - وأقدرته بهمزة
أوله(٣) بمعنى واحد، وهو من التقدير، قال الخطابيّ: ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا
(15)﴾ [المرسلات: ٢٣]. فالمعنى: قدّروا له تمام العدد ثلاثين يوماً،
فَيَعْمَ الْقَدِرُونَ
أي انظروا في أول الشهر، واحسبوا تمام ثلاثين يوماً. انتهى. وبهذا فسّره
الجمهور. انتهى بتصرف(٤).
والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٥٠٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ،
بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: ((فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا ثَلَاثِينَ))، نَحْوَ حَدِيثٍ أَبِي
أُسَامَةَ).
(١) ((شرح النوويّ)) ١٩٠/٧ - ١٩١.
(٢) ((زهر الربى)) ٤/ ١٣٤ - ١٣٥.
(٣) هكذا ضبطه ولي الدين في ((طرح التثريب)) بهمزة أوله أيضاً، ولم أجد هذا فيما
لديّ من كتب اللغة، فليحرّر. والله تعالى أعلم.
(٤) ((طرح التثريب)) ١٠٧/٣.

٣٩٧
(٢) - بَابُ وُجُوبٍ صَوْمِ رَمَضَانَ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَالْفِطْرِ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ ... إلخ - حديث رقم (٢٥٠١)
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ
حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الهمدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩]
(ت١٩٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
و(عُبيد الله) هو العمريّ، ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية عبد الله بن نمير، عن عبيد الله هذه لم أر من ساقها،
فليُنظر، والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٥٠١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ
عُبَيْدِ اللهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ رَمَضَانَ، فَقَالَ: ((الشَّهْرُ تِسْعٌ
وَعِشْرُونَ، الشَّهْرُ هَكَذَا(١)، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا)) وَقَالَ: ((فَاقْدِرُوا لَهُ))، وَلَمْ يَقُلْ:
((ثَلَاثِینَ))).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة :
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) أبو قُدامة السَّرَخسيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ مأمون
سنّيّ [١٠] (ت٢٤١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٩/٦.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن فَرُّوخ القطّان، أبو سعيد البصريّ الحجة الثبت
المشهور، من كبار [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٨٥.
و(عبيد الله) هو العمريّ المذكور قبله.
[تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد، عن عُبيد الله هذه، ساقها النسائيّ تَّتُهُ
في ((المجتبى)) (٢٧٦/٧) فقال:
أخبرنا عمرو بن عليّ، قال: حدّثنا يحيى، قال: حدّثنا عبيد الله، قال:
(١) وفي نسخة: ((الشهر تسع وعشرون هكذا)) دون تكرار الشهر.

٣٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
حدّثني نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ وَّ قال: ((لا تصوموا حتى تروه، ولا
تفطروا حتی تروه، فإن غُمّ علیکم فاقدروا له)). انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٥٠٢] (.) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ،
عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ ﴿هَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ
وَعِشْرُونَ، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ
فَاقْدِرُوا لَهُ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ) ابن عُليّة، تقدّم أيضاً قبل باب.
٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
فقيهٌ [٥] (ت١٣١) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٥.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (حتى تروه) لا يمكن أن يكون معناه رؤية جميع الناس، بحيث
يحتاج كلّ فرد في وجوب الصوم عليه إلى رؤية الهلال، بل المعتبر رؤية
بعضهم، وهو العدد الذي تثبت به الحقوق، وهو عدلان؛ لقوله تعالى:
﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]، وقولِهِ وَل* للمدّعي:
((شاهداك ... )) الحديث. إلا أن هلال رمضان يُكتفَى في ثبوته بعدل واحد عند
أكثر أهل العلم، وهو الصواب؛ لحديث ابن عمر ﴿ه، وحديث الأعرابيّ،
وقد تقدم تمام البحث فيهما .
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفَى، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

٣٩٩
(٢) - بَابُ وُجُوبٍ صَوْمٍ رَمَضَانَ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَالْفِطْرِ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ ... إلخ - حديث رقم (٢٥٠٣-٢٥٠٤)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٠٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ
الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، وَهُوَ ابْنُ عَلْقَمَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﴿ًّا،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((الشَّهْرُ تِسْعُ وَعِشْرُونَ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَصُومُوا،
وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَاهِلِيُّ) الساميّ البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت٢٤٤)
(م ٤) تقدم في ((الجمعة)) ٦/ ١٩٧٢.
٢ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ
[٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٥/١٠.
٣ - (سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ) التميميّ، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ [٦] (ت١٣٩) (خ
م د س ق) تقدم في ((الجمعة)) ٦/ ١٩٧٢.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ) معناه أن الشهر قد يكون تسعاً وعشرين.
والحديث متّفق عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٠٤] ( ... ) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ
عُمَرَ رُِّهَا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: ((إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا
رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطّاب العدويّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ
فقيهٌ عابدٌ فاضلٌ، من كبار [٣] (ت١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان))
١٤/ ١٦٢.

٤٠٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وابن عمر ذُكر قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٥٠٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ
سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفٍَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ بُِّهَا، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((الشَّهْرُ تِسْعُ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، وَلَا
تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، إِلَّا أَنْ يُغَمَّ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) العدويّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ
[٤] (ت١٢٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٠/١٤.
والباقون تقدّموا في الباب، والباب الذي قبله، و(يحيى بن يحيى)) هو
التميميّ، و((يحيى بن أيوب)) هو: المقابريّ، و((ابن حُجر)) هو: عليّ.
وقوله: (الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً) قال في ((الفتح)): ظاهره حصر الشهر
في تسع وعشرين، مع أنه لا ينحصر فيه، بل قد یکون ثلاثین.
والجواب أن المعنى أن الشهر يكون تسعة وعشرين، أو اللام للعهد،
والمراد شهر بعينه، أو هو محمول على الأكثر الأغلب؛ لقول ابن مسعود رائه:
((ما صمنا مع النبيّ وَلي تسعاً وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين))، أخرجه أبو
داود، والترمذيّ، ومثله عن عائشة ظّا عند أحمد، بإسناد جيّد، ويؤيد الأول
قوله في حديث أم سلمة ها: ((إن الشهر يكون تسعة وعشرين يوماً))، متّفقٌ
عليه .
وقال ابن العربيّ: قوله: ((الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا .. إلخ))
معناه: حصره من جهة أحد طرفيه، أي أنه يكون تسعاً وعشرين، وهو أقله،