Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
(٤٥) - بَابُ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ، وَبَيَانِ صِفَاتِهِمْ - حديث رقم (٢٤٥٦)
فأما الظُبْيُ فهو بضم الطاء المهملة، وسكون الموحدة، وهي الثدي،
وعند الطبريّ من طريق طارق بن زياد، عن عليّ ◌َظ ◌ُه: ((في يده شعرات
سُودٌ))، والأول أقوى.
وقد ذكر النبيّ ◌َّ ر للخوارج علامات أخرى، ففي رواية معبد بن سیرین،
عن أبي سعيد، ((قيل: ما سيماهم؟، قال: سيماهم التحليق))، وفي رواية
عاصم بن شَمْخ، عن أبي سعيد: ((فقام رجل، فقال: يا نبي الله، هل في
هؤلاء القوم علامة؟ قال: ((يحلقون رؤوسهم، فيهم ذو ثُدَيَّة))، وفي حديث
أنس، عن أبي سعيد: ((هم من جِلْدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، قيل: يا رسول الله
ما سيماهم؟ قال: التحليق)»، هكذا أخرجه الطبريّ، وعند أبي داود بعضه، قاله
في ((الفتح)) (١).
وقوله: (يَخْرُجُونَ عَلَى حِينٍ فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ))) قوله: ((حِين)) بكسر الحاء
المهملة، وآخره نون، قال النوويّ كَّلهُ: ضبطوه في ((الصحيح)) بوجهين:
[أحدهما] ((حِينٍ فُرْقَةٍ)) بحاء مهملة مكسورة، ونون، و((فُرْقة)) بضم الفاء،
أي في وقت افتراق الناس، أي افتراقٍ يقع بين المسلمين، وهو الافتراق الذي
كان بين عليّ ومعاوية
[والثاني]: ((خَيْرِ فِرْقَةٍ)) بخاء معجمة مفتوحة، وراء، و((فِرْقَةٍ)) بكسر الفاء،
أي أفضل الفرقتين، والأول أشهر وأكثر، ويؤيده الرواية التي بعد هذه:
(يَخْرُجون في فُرْقة من الناس)) فإنه بضم الفاء بلا خلاف، ومعناه ظاهر.
وقال القاضي عياض تظلّتُهُ: على رواية الخاء المعجمة المراد: خير
القرون، وهم الصدر الأَوَّل، قال: أو يكون المراد عليّاً وأصحابه، فعليه كان
خروجهم حقيقةً؛ لأنه كان الإمام حينئذ، وفيه حجة لأهل السنة أن عليّاً كان
مصيباً في قتاله، والآخرون بُغَاة، لا سيما مع قوله ◌َّهِ: ((يقتلهم أولى الطائفتين
بالحقّ))، وعليّ وأصحابه هم الذين قتلوهم.
وفي هذا الحديث معجزاتٌ ظاهرةٌ لرسول الله وَلِّ، فإنه أخبر بهذا،
وجرى كلَّه كفَلَق الصبح، ويتضمن بقاء الأمة بعده رََّ، وأن لهم شوكةً وقوّةً،
(١) ((الفتح)) ١٨٣/١٦ - ١٨٤.

٢٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
خلاف ما كان المبطلون يُشيعونه، وأنهم يفترقون فرقتين، وأنه تخرج عليه طائفة
مارقة، وأنهم يُشَدِّدون في الدين في غير موضع التشديد، ويبالغون في الصلاة،
والقراءة، ولا يقومون بحقوق الإسلام، بل يمرقون منه، وأنهم يقاتلون أهل
الحق، وأن أهل الحقّ يقتلونهم، وأن فيهم رجلاً صفة يده كذا وكذا، فهذه
أنواع من المعجزات جَرَت كلَّها، ولله الحمد. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((يخرجون على خير فرقة من الناس)) كذا للأكثر
هنا، وفي ((علامات النبوة))، وفي ((الأدب)): ((حِين))، و((فُرْقة)) بضم الفاء، ووقع
في رواية عبد الرزاق، عند أحمد وغيره: ((حين فَتْرة من الناس)) بفتح الفاء،
وسكون المثناة، ووقع للكشميهنيّ في هذه المواضع: ((على خير)) بفتح
المعجمة، وآخره راء، و((فِرْقة)) بكسر الفاء، والأول المعتمد، وهو الذي عند
مسلم وغيره، وإن كان الآخر صحيحاً، ويؤيد الأول أن عند مسلم من طريق
أبي نَضْرة، عن أبي سعيد: ((تَمْرُق مارقةٌ عند فُرقة من المسلمين، يقتلهم أَوْلى
الطائفتين بالحقّ))، وفي لفظ له: ((يكون في أمتي فرقتان، فيخرج من بينهما
طائفةٌ مارقةٌ، يلي قتلهم أولاهم بالحقّ))، وفي لفظ له: ((يخرجون في فرقة من
الناس، يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحقّ))، وفيه: فقال أبو سعيد: ((وأنتم
قتلتموهم يا أهل العراق))، وفي رواية الضحاك الْمِشْرَقيّ، عن أبي سعيد:
(يخرجون على فِرْقة مختلفة، يقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحقّ))، وفي رواية
أنس، عن أبي سعيد، عند أبي داود: ((من قاتلهم كان أولى بالله منهم)).
(٢)
انتھی(٢).
وقال القرطبيّ تَخْذلهُ: قوله: ((يخرجون على خير فرقة)) كذا لأكثر الرُّواة،
وعند السمرقنديّ، وابن ماهان: ((على حين فُرقة)) بالحاء والنون، وكلاهما
صحيح، فإنهم خرجوا حين افترق الناس فرقتين، فكانت فرقة مع معاوية
ـنّه
مُه ترى رأيه، وتقاتل معه، وخرجت
ترى رأيه، وتقاتل معه، وفرقة مع عليّ
الطائفة على عليّ، ومعه معظم الصحابة ﴿ه، ولا خلاف أنه الإمام العدل،
وأنه أفضل من معاوية ظه، ومِن كلّ مَن كان معه، فقد صدق على فرقة
(١) (شرح النوويّ)) ١٦٦/٧ - ١٦٧.
(٢) ((الفتح)) ١٨٤/١٦.

٢٤٣
(٤٥) - بَابُ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ، وَبَيَانِ صِفَاتِهِمْ - حديث رقم (٢٤٥٦)
عليّ ◌َظُهُ أنهم خير الفرق، وقد قال ◌َله: ((تقتلهم أُولَى الطائفتين بالحقّ))، ولا
خلاف في أن عليّاً ظُه قتلهم، ففرقته خير فرقة، وهذا اللفظ يدلّ على أن ما
وقع بين عليّ وبين معاوية فيه لله تعالى حُكْمٌ معيَّنٌ، وأن عليّاً عظ ته هو الذي
أصابه، والله تعالى أعلم. انتهى(١).
وقوله: (قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) أي الخدريّ ◌ُه، وهو متّصلٌ بالسند المذكور
(فَأَشْهَدُ أَنّي سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ) وفي رواية: ((قال أبو سعيد: فأشهد
أني سمعت هذا الحديث من النبيّ و9َّ))، وفي رواية: ((سمعت رسول الله وَه
يقول: يخرج في هذه الأمة))، وفي رواية: ((حضرت هذا من رسول الله (وَلآت)).
قَاتَلَهُمْ، وَأَنَا مَعَهُ) ووقع في رواية
(وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ
أفلح بن عبد الله: ((وحضرت مع عليّ يوم قتلهم بالنهروان))، ونسبة قتلهم
لعليّ رَظُه؛ لكونه كان القائم في ذلك، وسيأتي من رواية سُوَيد بن غَفَلة، عن
عليّ ◌َُّبه أمر النبيّ وَّه بقتلهم، ولفظه: ((فأينما لقيتموهم فاقتلوهم)).
قال في ((الفتح)): وله شواهده، ومنها حديث نصر بن عاصم، عن أبي
بكرة، رفعه: ((إن في أمتي أقواماً يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، فإذا
لقيتموهم، فأنيموهم))، أي فاقتلوهم، أخرجه الطبريّ، وتقدم في حديث أبي
سعيد: ((لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد، وثمود))، وأخرج الطبريّ من رواية
مسروق، قال: قالت لي عائشة: مَن قَتَل المخدَج؟ قلت: عليّ، قالت: فأين
قتله؟ قلت: على نهر يقال لأسفله: النَّهْروان، قالت: ائتني على هذا ببينة،
فأتيتها بخمسين نفساً، شهدوا أن عليّاً قتله بالنهروان. أخرجه أبو يعلى،
والطبريّ.
وأخرج الطبرانيّ في ((الأوسط)) من طريق عامر بن سعد، قال: قال عمار
لسعد: ((أما سمعت رسول الله وَ﴿ يقول: يخرج أقوام من أمتي، يمرقون من
الدين مروق السهم من الرميّة، يقتلهم عليّ بن أبي طالب))؟ قال: إي والله.
[تنبيه]: وأما صفة قتالهم وقتلهم، فوقعت عند مسلم في رواية زيد بن
وهب الجهنيّ الآتية: ((أنه كان في الجيش الذين كانوا مع عليّ حين ساروا إلى
(١) ((المفهم)) ١١٦/٣ - ١١٧.

٢٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
الخوارج، فقال عليّ بعد أن حدّث بصفتهم، عن النبيّ وَّ: والله إني لأرجو
أن يكونوا هؤلاء القوم، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام، وأغاروا في سرح
الناس، قال: فلما التقينا وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب الراسبيّ،
فقال لهم: ألقوا الرِّماح، وسُلَّوا سيوفكم من جفونها، فاني أخاف أن يناشدوكم
كما ناشدوكم يوم حروراء، قال: فشجرهم الناس برماحهم، قال: فقُتل بعضهم
على بعض، وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان)).
وأخرج يعقوب بن سفيان، من طريق عمران بن جرير، عن أبي مِجْلَز
قال: كان أهل النهر أربعة آلاف، فقتلهم المسلمون، ولم يُقْتَل من المسلمين
سوى تسعة، فإن شئت فاذهب إلى أبي برزة، فاسأله، فإنه شهد ذلك.
وأخرج إسحاق ابن راهويه في ((مسنده)) من طريق حبيب بن أبي ثابت،
قال: أتيت أبا وائل، فقلت: أخبرني عن هؤلاء القوم الذين قتلهم عليّ، فيم
فارقوه؟، وفيم استحلّ قتالهم؟ قال: لَمّا كنا بصِفِّين استحرّ القتلُ في أهل
الشام، فرفعوا المصاحف، فذكر قصة التحكيم، فقال الخوارج ما قالوا، ونزلوا
حَرُوراء، فأرسل إليهم عليّ، فرجعوا، ثم قالوا: نكون في ناحيته، فإن قبل
القضية قاتلناه، وإن نقضها قاتلنا معه، ثم افترقت منهم فرقة، يقتلون الناس،
فَحَدَّث عليّ عن النبيّ وَّ بأمرهم.
وعند أحمد، والطبرانيّ والحاكم، من طريق عبد الله بن شداد، أنه دخل
على عائشة مرجعه من العراق، ليالي قتل عليّ، فقالت له عائشة: تُحَدِّثني بأمر
هؤلاء القوم الذين قتلهم عليّ، قال: إن علياً لَمّا كاتب معاوية، وحَكَّما
الحكمين، خرج عليه ثمانية آلاف من قراء الناس، فنزلوا بأرض، يقال لها
حَرُوراء، من جانب الكوفة، وعَتَبُوا عليه، فقالوا: انسلختَ من قميص
ألبسكه الله، ومن اسم سماك الله به، ثم حَكَّمت الرجال في دين الله، ولا
حكم إلا لله، فبلغ ذلك عليّاً، فجمع الناس، فدعا بمصحف عظيم، فجعل
يضربه بيده، ويقول: أيها المصحف حَدِّث الناس، فقالوا: ماذا إنسان؟ إنما هو
مداد وورق، ونحن نتكلم بما روينا منه، فقال: كتاب الله بيني وبين هؤلاء،
يقول الله في امرأة رجل: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ الآية [النساء: ٣٥]، وأمة
محمد ◌ّ﴿ أعظم من امرأة رجل، ونَقَمُوا عليّ أن كاتبتُ معاوية، وقد كاتب

٢٤٥
(٤٥) - بَابُ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ، وَبَيَانِ صِفَاتِهِمْ - حديث رقم (٢٤٥٦)
رسول الله وَّجُ سهيل بن عمرو، و﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ﴾
[الأحزاب: ٢١]، ثم بعث إليهم ابن عباس ﴿ّ، فناظرهم، فرجع منهم أربعة
آلاف، فيهم عبد الله بن الكواء، فبعث عليّ إلى الآخرين أن يرجعوا، فأَبَوْا،
فأرسل إليهم: كونوا حيث شئتم، وبيننا وبينكم أن لا تَسفكوا دماً حراماً، ولا
تقطعوا سبيلاً، ولا تظلموا أحداً، فإن فعلتم نبذت إليكم الحرب، قال عبد الله بن
شداد: فوالله ما قتلهم حتى قطعوا السبيل، وسفكوا الدم الحرام ... الحديث.
وأخرج النسائيّ في ((الخصائص)) صفة مناظرة ابن عباس لهم بطولها(١).
(١) قال الإمام النسائيّ تَّهُ في ((السنن الكبرى)) (/١٦٥ - ١٦٦):
((ذكر مناظرة عبد الله بن عباس نظراته الحرورية، واحتجاجه فيما أنكروه على أمير
المؤمنين عليّ بن أبي طالب څُه.
أخبرنا عمرو بن عليّ، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن مهديّ، قال: حدّثنا عكرمة بن
عمّار، قال: حدّثني أبو زُميل، قال: حدّثني عبد الله بن عباس، قال: لما خرجت
الحرورية اعتزلوا في دار، وكانوا ستة آلاف، فقلت لعليّ: يا أمير المؤمنين أبرد
بالصلاة، لعلي أُكَلِّم هؤلاء القوم، قال: إني أخافهم عليك، قلت: كلّا، فلبِسْتُ،
وترجلت، ودخلت عليهم في دارٍ نصفَ النهار، وهم يأكلون، فقالوا: مرحباً بك يا
ابن عباس، فما جاء بك؟ قلت لهم: أتيتكم من عند أصحاب النبي .
المهاجرين والأنصار، ومن عند ابن عمّ النبيّ وَّه، وصهره، وعليهم نزل القرآن،
فهم أعلم بتأويله منكم، وليس فيكم منهم أحد، لأبلغكم ما يقولون، وأبلغهم ما
تقولون، فانتخَى لي نفرٌ منهم، قلت: هاتوا ما نَقَمتم على أصحاب رسول الله وَّهه
وابن عمه، قالوا: ثلاثٌ، قلت: ما هنّ؟ قال: أما إحداهنّ، فإنه حَكّم الرجال في
أمر الله، وقال الله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، ما شأن الرجال والحكم؟
قلت: هذه واحدة، قالوا: وأما الثانية، فإنه قاتل، ولم يَسْبِ سباهم، ولم يَغْنَم إن
كانوا كُفّاراً، لقد حَلّ سبيهم، ولئن كانوا مؤمنين ما حَلّ سبيهم، ولا قتالهم،
قلت: هذه ثنتان، فما الثالثة؟ وذكر كلمةً، معناها: قالوا مَحَى نفسه من أمير
المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين، قلت: هل عندكم شيء
غير هذا؟ قالوا: حسبنا هذا.
قلت لهم: أرأيتكم إن قرأت عليكم من كتاب الله جل ثناؤه، وسنة نبيه وَليهِ ما يَرُدّ
قولكم، أترجعون؟ قالوا: نعم، قلت: أما قولكم: حَكَّم الرجال في أمر الله، فإني
أقرأ عليكم في كتاب الله أن قد صَيَّر حكمه إلى الرجال في ثمن ربع درهم، =

٢٤٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
وفي ((الأوسط)) للطبراني من طريق أبي السائغة، عن جندب بن عبد الله
البجليّ قال: لما فارقت الخوارج عليّاً خرج في طلبهم، فانتهينا إلى عسكرهم،
فإذا لهم دَوِيّ كدويّ النحل من قراءة القرآن، وإذا فيهم أصحاب البرانس، أي
الذين كانوا معروفين بالزهد والعبادة، قال: فدخلني من ذلك شدّة، فنزلت عن
فرسي، وقمت أُصلي، فقلت: اللهم إن كان في قتال هؤلاء القوم لك طاعة،
فائذن لي فيه، فمَرّ بي عليٍّ، فقال لما حاذاني: تعوّذ بالله من الشكّ يا جندب،
فلما جئته أقبل رجل على بِرْذَون يقول: إن كان لك بالقوم حاجة، فإنهم قد
= فأمر الله تبارك وتعالى أن يحكموا فيه، أرأيت قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَمَنُوْ لَ نَقْتُوْ اَلْقَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُ وَمَنْ قَلَُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَةٌ مِثْلُ مَا قَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ،
ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥]، وكان من حكم الله أنه صَيّره إلى الرجال، يحكمون
فيه، ولو شاء يحكم فيه، فجاز من حكم الرجال، أنشدكم بالله أحكم الرجال في
صلاح ذات البين، وحقن دمائهم أفضل، أو في أرنب؟ قالوا: بلى، بل هذا
أفضل، وفي المرأة وزوجها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَبْعَثُواْ حَكَمَا مِّنْ أَهْلِهِ،
وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَاً﴾ [النساء: ٣٥]، فنشدتكم بالله حكم الرجال في صلاح ذات
بينهم، وحقن دمائهم أفضل من حكمهم في بضع امرأة خرجت من هذه؟ قالوا:
نعم، قلت: وأما قولكم: قاتل، ولم يَسْبِ، ولم يَغْنَم؟ أفتسبون أمكم عائشة،
تستحلون منها ما تستحلون من غيرها، وهي أمكم؟ فإن قلتم: إنا نستحل منها ما
نستحل من غيرها، فقد كفرتم، وإن قلتم: ليست بأمنا فقد كفرتم: ﴿النَّبِىُّ أَوْلَ
بِأَلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَجُ أُمَّهَُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، فأنتم بين ضلالتين، فأتوا منها
بمخرج، أفخرجتُ من هذه؟ قالوا: نعم، وأما مَحْيُ نفسه من أمير المؤمنين، فأنا
آتيكم بما ترضون، أن نَبِيّ الله ◌َّه يوم الحديبية صالح المشركين، فقال لعليّ:
اكتب يا عليّ: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، قالوا: لو نعلم أنك
رسول الله ﴿ ما قاتلناك، فقال رسول الله وَّير: ((امح يا عليّ، اللهم إنك تعلم أني
رسول الله، امح يا عليّ، واكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله))، واللهِ
لرسول الله ﴾ خير من عليّ، وقد مَحَی نفسه، ولم يكن محوه نفسه ذلك محاه من
النبوة، أخرجتُ من هذه؟ قالوا: نعم، فرجع منهم ألفان، وخرج سائرهم، فقُتلوا
علی ضلالتهم، قتلهم المهاجرون والأنصار. انتهى.
قال الجامع: إسناد هذا الحديث صحيح، ورجاله رجال الصحيح، أبو زميل أخرج
له مسلم، والباقون متّفقٌ عليهم.

٢٤٧
(٤٥) - بَابُ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ، وَبَيَانِ صِفَاتِهِمْ - حديث رقم (٢٤٥٦)
قطعوا النهر، قال: ما قطعوه، ثم جاء آخر كذلك، ثم جاء آخر كذلك، قال:
لا ، ما قطعوه، ولا يقطعونه، ولَيُقْتَلُنّ من دونه، عهدُ من الله ورسوله، قلت: الله
أكبر، ثم ركبنا، فسايرته، فقال لي: سأبعث إليهم رجلاً يقرأ المصحف،
يدعوهم إلى كتاب الله، وسنة نبيهم، فلا يُقبِل علينا بوجهه حتى يَرشقوه بالنبل،
ولا يُقْتَل منا عشرة، ولا ينجو منهم عشرة، قال: فانتهينا إلى القوم، فأرسل
إليهم رجلاً، فرماه إنسان، فأقبل علينا بوجهه، فقعد، وقال عليّ: دونكم
القوم، فما قُتِل منا عشرة، ولا نجا منهم عشرة.
وأخرج يعقوب بن سفیان بسند صحيح، عن حميد بن هلال، قال: حدّثنا
رجل من عبد القيس، قال: لحقت بأهل النهر، فإني مع طائفة منهم أسير، إذ
أتينا على قرية، بيننا نهر، فخرج رجل من القرية مُرَوَّعاً، فقالوا له: لا رَوْع
عليك، وقطعوا إليه النهر، فقالوا له: أنت ابن خَبّاب صاحب النبيّ وٍَّ؟ قال:
نعم، قالوا: فحَدِّثنا عن أبيك، فحَدَّثهم بحديث: ((يكون فتنة، فإن استطعت أن
تكون عبد الله المقتول فكن))، قال: فقدَّموه فضربوا عنقه، ثم دَعَوا سُرّيّته،
وهي حبلى، فبقروا عما في بطنها.
ولابن أبي شيبة، من طريق أبي مِجْلَز لاحق بن حميد، قال: قال علي
لأصحابه: لا تبدءوهم بقتال حتى يحدثوا حَدَثاً، قال: فمرّ بهم عبد الله بن
خَبّاب، فذكر قصة قتلهم له، وبجاريته، وأنهم بَقَروا بطنها، وكانوا مَرّوا على
ساقته، فأخذ واحد منهم تمرة، فوضعها في فيه، فقالوا له: تمرة معاهد، فيم
استحللتها؟ فقال لهم عبد الله بن خباب: أنا أعظم حرمةً من هذه التمرة،
فأخذوه، فذبحوه، فبلغ عليّاً، فأرسل إليهم: أقيدونا بقاتل عبد الله بن خباب،
فقالوا: كلنا قتله، فأَذِنَ حينئذ في قتالهم.
وعند الطبري من طريق أبي مريم قال: أخبرني أخي أبو عبد الله، أن
عليّاً سار إليهم، حتى إذا كان حذاءهم على شط النهروان، أرسل يناشدهم،
فلم تزل رسله تختلف إليهم، حتى قتلوا رسوله، فلما رأى ذلك نهض إليهم،
فقاتلهم حتى فرغ منهم كلِّهم(١).
(١) ((الفتح)) ١٨٥/١٦ - ١٨٧ كتاب ((استتابة المرتدّين)) رقم (٦٩٣٣).

٢٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
وقوله: (فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ) أي أمر عليّ
بطلب ذلك الرجل الذي
ضىعنه
نعته النبيّ ◌َله بصفته المذكورة.
وقوله: (فَالْتُمِسَ، فَوُجِدَ، فَأَتِيَ بِهِ) ببناء الأفعال الثلاثة للمفعول، أي
طلب ذلك الرجل، فوُجد، فأتي به إلى عليّ
وقوله: (حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ الَّذِي نَعَتَ) بحذف
العائد، أي نعته به النبيّ وَل﴾، وفي رواية شعيب: ((على نعت النبيّ وَطّ الذي
نعته))، وفي رواية أفلح: ((فالتمسه عليّ، فلم يجده، ثم وجده بعد ذلك تحت
جدار على هذا النعت)).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان مسائله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٤٥٧] (١٠٦٥) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ،
عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ نَّهَ ذَكَرَ قَوْماً، يَكُونُونَ فِي
أُمَّتِهِ، يَخْرُجُونَ فِي فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ، سِيمَاهُمْ الثَّحَالُقُ، قَالَ: ((هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ، أَوْ
مِنْ أَشَرِّ الْخَلْقِ، يَقْتُلُهُمْ أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى الْحَقِّ»، قَالَ: فَضَرَبَ النَِّيُّ ◌َِّ لَهُمْ
مَثَلاً، أَوْ قَالَ: قَوْلاً، الرَّجُلُ يَرْمِي الرَّمِيَّةَ، أَوْ قَالَ: الْغَرَضَ، فَيَنْظُرُ فِي النَّصْلِ،
فَلَ يَرَى بَصِيرَةً، وَيَنْظُرُ فِي النَّضِيِّ، فَلَا يَرَى بَصِيرَةً، وَيَنْظُرُ فِي الْفُوقِ، فَلَا يَرَى
بَصِيرَةً، قَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَأَنْتُمْ قَلْتُمُوهُمْ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو
البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٨/٦.
٢ - (سُلَيْمَانُ) بن طَرْخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤]
(ت١٤٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٣ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطَعة الْعَبْدِيّ الْعَوَقِيّ البصريّ، ثقةٌ
[٣] (ت٨ أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٧/٦.

٢٤٩
(٤٥) - بَابُ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ، وَبَيَانِ صِفَاتِهِمْ - حديث رقم (٢٤٥٧)
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقوله: (فِي قُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ) هنا بضمّ الفاء بلا خلاف: أي افتراق
منهم.
وقوله: (سِيمَاهُمْ التَّحَالُقُ) قال النوويّ ◌َخْذُهُ: ((السيما)): العلامة، وفيها
ثلاث لغات: القصر، وهو الأفصح، وبه جاء القرآن، والمدُّ، والثالثة
السِّيمياء، بزيادة ياء مع المدّ لا غير، والمراد بالتحالق: حلق الرؤوس، وفي
الرواية الأخرى: التّحَلّق.
واستَدَلّ به بعض الناس على كراهة حلق الرأس، ولا دلالة فيه، وإنما
هو علامة لهم، والعلامة قد تكون بحرام، وقد تكون بمباح، كما قال ◌َل﴾.
((آيتهم رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثَذْي المرأة))، ومعلوم أن هذا ليس
بحرام، وقد ثبت في ((سنن أبي داود)) بإسناد على شرط البخاريّ ومسلم: أن
رسول الله وَّله رأى صبيّاً قد حُلِقٍ بعض رأسه، فقال: ((احْلِقُوه كلَّه، أو اتركوه
كلَّه))، وهذا صريح في إباحة حلق الرأس، لا يحتمل تأويلاً.
قال أصحابنا: حلق الرأس جائز بكل حال، لكن إن شقّ عليه تعهُّده
بالدَّهْن والتسريح استُحِبّ حلقه، وإن لم يَشُقّ استُحِبّ تركه. انتهى كلام
النوويّ تَخْلُ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
وقوله: (هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ، أَوْ مِنْ أَشَرِّ الْخَلْقِ) هكذا هو في كل النسخ: ((أو
من أشرّ)) بالألف، وهي لغة قليلة، والمشهور (شَرّ)) بغير ألف، كما قال ابن
مالك في ((الكافية)):
وَغَالِباً أَغْنَاهُمُ خَيْرٌ وَشَرْ عَنْ قَوْلِهِمْ أَخْيَرُ مِنْهُ وَأَشَرْ
وفي هذا اللفظ دلالة لمن قال بتكفيرهم، وتأوله الجمهور: أي شرّ
المسلمين، ونحو ذلك، قاله النوويّ تَخْذَثُمُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ظواهر النصوص تدلّ لمن قال
بتكفيرهم دلالةً واضحةً، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
وقال البخاريّ كَّثُ: ((وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله، وقال: إنهم
(١) ((شرح النوويّ)) ١٦٧/٧.

٢٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفّار، فجعلوها على المؤمنين)). انتهى.
قال في ((الفتح: وصله الطبري في مسند علي من ((تهذيب الآثار)) من
طريق بُكير بن عبد الله بن الأشجّ، أنه سأل نافعاً: كيف كان رأي ابن عمر في
الحرورية؟ قال: كان يراهم شرار خلق الله، انطلقوا إلى آيات الكفار، فجعلوها
في المؤمنین. قال: وسنده صحيح.
وقد ثبت في الحديث الصحيح المرفوع عند مسلم من حديث أبي ذرّ
في وصف الخوارج: ((هم شرار الخلق والخليقة))، وعند أحمد بسند جيّد عن
أنس ظُبه مرفوعاً مثله، وعند البزار من طريق الشعبيّ، عن مسروق، عن
عائشة ضوّا: قالت: ذكر رسول الله وَّيثير الخوارج، فقال: ((هم شرار أمتي،
يقتلهم خيار أمتي))، وسنده حسن، وعند الطبراني من هذا الوجه مرفوعاً: ((هم
شرّ الخلق والخليقة، يقتلهم خير الخلق والخليقة))، وفي حديث أبي سعيد
عند أحمد: ((هم شر البريّة))، وفي رواية عبيد الله بن أبي رافع، عن عليّ
عند مسلم: ((من أبغض خلق الله إليه))، وفي حديث عبد الله بن خباب، يعني
عن أبيه عند الطبرانيّ: ((شر قتلى أظلتهم السماء، وأقلتهم الأرض))، وفي
حديث أبي أمامة نحوه، وعند أحمد، وابن أبي شيبة، من حديث أبي برزة:
مرفوعاً في ذكر الخوارج: ((شر الخلق والخليقة))، يقولها ثلاثاً، وعند ابن أبي
شيبة، من طريق عُمير بن إسحاق، عن أبي هريرة ◌َظُه: ((هم شر الخلق))،
وهذا مما يؤيِّد قول من قال بكفرهم. انتهى(١).
وقوله: (يَقْتُلُهُمْ أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى الْحَقِّ) وفي رواية: ((أولى الطائفتين
بالحقّ))، وفي رواية: ((تكون أمتي فرقتين، فتخرج من بينهما مارقةٌ، تلي قتلهم
أولاهما بالحقّ))، قال النوويّ كَّلُ: هذه الروايات صريحةٌ في أن عليّاً كان هو
المصيبَ الْمُحِقّ، والطائفة الأخرى أصحابُ معاوية ◌َ﴿به كانوا بُغَاةً متأولين،
وفيه التصريح بأن الطائفتين مؤمنون، لا يخرجون بالقتال عن الإيمان، ولا
يُفَسَّقون، وهذا مذهبنا، ومذهب موافقينا. انتهى(٢).
وقوله: (أَوْ قَالَ: الْغَرَضَ) ((أو)) للشكّ من الراوي، و((الْغَرَض)) بفتحتين:
(١) ((الفتح)) ١٦٨/١٦ - ١٦٩.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٦٧/٧ - ١٦٨.

٢٥١
(٤٥) - بَابُ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ، وَبَيَانِ صِفَاتِهِمْ ، حديث رقم (٢٤٥٨)
الْهَدَف الذي يُرْمَى إليه، والجمع: أَغْراضٌ، مثلُ سَبَب وأَسباب، وتقول:
غَرَضُهُ كذا على التشبيه بذلك، أي مَرْماه الذي يَقصده، وفُعِل لغرض صحيح:
أي لِمَقْصدٍ، قاله الفيّميّ ◌َُّهُ(١).
وقوله: (فَيَنْظُرُ فِي النَّصْلِ) هو حديدة السهم، والرِّصَاف بالكسر: مدخل
النَّصْل من السهم، والْقِدْح: عُود السهم، والقُذَذ بضمّ القاف، وبذالين
معجمتین : هو ریش السهم.
وقوله: (فَلَا يَرَى بَصِيرَةً) أي علامة على إصابته الرّميّة.
وقوله: (وَيَنْظُرُ فِي النَّضِيِّ) بفتح النون، وكسر الضاد المعجمة، وتشديد
الياء: وهو الْقِدْحُ، كما جاء مفسّراً في الرواية السابقة.
وقوله: (وَيَنْظُرُ فِي الْقُوقِ) بضمّ الفاء: هو الْحُزّ الذي يُجعل فيه الوَتَر.
وقوله: (وَأَنْتُمْ قَلْتُمُوهُمْ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ) أي مع عليّ بن أبي طالب
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان مسائله قريباً، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٥٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُوخَ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، وَهُوَ ابْنُ الْفَضْلِ
الْحُدَّانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِ:
(تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فُرْقَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ)).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُوخَ) الأُبُليّ، أبو محمد، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر،
من صغار [٩] (ت٢٣٦) وله بضع وتسعون سنةً (م د س) تقدم في ((الإيمان))
١٥٧/١٢.
٢ - (الْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ الْحُدَّانِيُّ) هو: القاسم بن الفضل بن مَعْدان بن
قُرَيط الْحُدَّانيّ - بضمّ الحاء، وتشديد الدال المهملتين - الأزديّ، أبو المغيرة
البصريّ، كان نازلاً في بني حُدّان، ثقةٌ، رُمي بالإرجاء [٧].
(١) ((المصباح المنير)) ٤٤٥/٢.

٢٥٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
رَوَى عن أبيه، وأبي نضرة، ومحمد بن زياد الْجُمَحيّ، وتُمامة بن حَزْن
القشيريّ، وسعيد بن المهلّب، والنضر بن شيبان، وأبي جعفر محمد بن علي بن
الحسین، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابن مهديّ، ووكيع، ويونس بن محمد، وأبو داود الطيالسيّ،
والنضر بن شُمَيل، وبهز بن أسد، وابن المبارك، وشيبان بن فَرُّوخ، وآخرون.
قال صالح بن أحمد، عن علي ابن المدينيّ: قلت ليحيى بن سعيد: إن
عبد الرحمن بن مهديّ يُثَبِّت القاسم بن الفضل، قال: ذاك مُنْكَر (١)، وجعل
يُثني عليه، وقال عمرو بن عليّ: سمعت يحيى بن سعيد، يحسن الثناء على
القاسم، قال: وكان ثقةً، وقال أحمد بن سنان القَطّان: سمعت ابن مهديّ
قال: كان من قُدماء أشياخنا، ومع ذلك مِن أثبتهم، وقال أحمد، عن ابن
مهديّ نحو ذلك، وقال ابن معين: ثقة، وقال مرةً: صالحٌ، وقال مرةً: ليس به
بأسٌ، وقال أحمد، وابن سعد، والنسائيّ، والترمذيّ: ثقةٌ، وقال أبو زرعة:
وأحفظ من أبي هلال الراسبيّ، وقال الآجريّ، عن أبي داود: كان صاحب
حديث، قال يحيى القطان: كان مُنْكَراً، يعني من فِظْنته، وقال أبو داود مرةً:
هو مِن مرجئة البصرة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن شاهين في
((الثقات)): قال ابن عمار: القاسم بن الفضل من ثقات الناس، وقال العقيليّ:
سأله شعبة عن حديث أبي نضرة، يعني عن أبي سعيد، في قصة كلام الذئب،
وفيه: ((لا تقوم الساعة حتى يُكَلِّم الرجلَ عذبته، وشِرَاك نعله بما أحدث أهله))،
فحدّثه، فقال شعبة: لعلك سمعته من شهر بن حوشب؟ قال: لا، حدّثناه أبو
نضرة، فما سكت حتى سكت شعبة.
وقال ابن معين: مات سنة سبع وستين ومائة.
أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد)»، والمصنّف، والأربعة، وله في
هذا الكتاب أربعة أحاديث، برقم (١٠٦٥) و(١٩٩٥) و(٢٠٠٥) و(٢٨٨٤).
والباقيان ذُكرا قبله.
(١) سيأتي قريباً أن المراد من فطنته، فهو ثناء، لا ذمّ، فتنبّه.

٢٥٣
(٤٥) - بَابُ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ، وَبَيَانِ صِفَاتِهِمْ - حديث رقم (٢٤٥٩)
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف تَّلُهُ، وهو
(١٥٢) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: ((تَمْرُقُ مَارِقَةٌ) من باب قعد: أي تخرج طائفة خارجة عن جماعة
المسلمين .
وقوله: (عِنْدَ فُرْقَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ) بكسر الفاء: أي افتراقهم، واختلافهم
فيما بينهم.
وقوله: (يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ))) أي أقربهم إلى التمسّك بالحقّ،
وهم طائفة علي بن أبي طالب رَظ ◌ُبه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان مسائله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٤٥٩] (.) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ
قُتُنْيَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: (تَكُونُ فِي أُمَّتِي فِرْقَتَانٍ، فَتَخْرُجُ مِنْ بَيْنِهِمَا مَارِقَةٌ، يَلِي قَتْلَهُمْ
أَوْلَاهُمْ بِالْحَقِّ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣/ ١٩٠.
٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ
[٧] (ت٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
٣ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، تقدّم في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (تَكُونُ فِي أُمَّتِي فِرْقَتَانٍ) أراد بهما فرقة عليّ ◌َظُه، وفرقة
معاوية
والحديث متّفقٌ عليه، ومضى تمام شرحه، وبيان مسائله قريباً، والله

٢٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٤٦٠] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا
دَاوُدُ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: «تَمْرُقُ
مَارِقَةٌ، فِي فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ، فَيَلِي قَتْلَهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨]
(ت١٨٩) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٧/٥.
٢ - (دَاوُدُ) بن أبي هند دينار القشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد
البصريّ، ثقةٌ متقنٌ [٥] (ت١٤٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢١/٢٧.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (فِي فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ) بضِمّ الفاء: أي افتراق منهم.
وقوله: (فَيَلِي قَتْلَهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ) هذا مع قوله ◌َّ: ((تقتل
عمّاراً الفئة الباغية)) يدلّ دلالةً واضحةً على أن عليّاً وَظُبه ومن معه كانوا على
الحقّ، وأن من قاتلهم كانوا مخطئين في تأويلهم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٤٦١] ( .. ) - (حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ الْقَوَارِبِرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ
الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبٍ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنِ الضَّخَّاكِ الْمِشْرَقِيَّ(١)، عَنْ
أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِّ وَّهِ فِي حَدِيثٍ ذَكَرَ فِيهِ قَوْماً يَخْرُجُونَ عَلَى فُرْقَةٍ
مُخْتَلِفَةٍ، يَقْتُلُهُمْ أَقْرَبُ الطَّائِفَتَيْنِ مِنَ الْحَقِّ).
(١) وفي نسخة: ((عن الضحاك بن شَرَاحيل الْمِشْرَقِيّ)).

٢٥٥
(٤٥) - بَابُ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ، وَبَيَانِ صِفَاتِهِمْ - حديث رقم (٢٤٦١)
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ الْقَوَارِيرِيُّ) هو: ابن عُمر بن ميسرة، أبو سعيد البصريّ،
نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٥) على الأصحّ عن (٨٥) سنةً (خ م د س)
تقدم في ((المقدمة ٦/ ٧٥.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن عُمر بن درهم الأسديّ، أبو أحمد
الزبيريّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان) ٣١٤/٥٠.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ
فقيه إمام حجة رأس الطبقة [٧] (ت١٦١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٤ - (حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ) قيس، ويقال: هند بن دينار الأسديّ مولاهم،
أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ جليلٌ، كثير الإرسال والتدليس [٣] (ت١١٩) (ع)
تقدّم في ((المقدّمة)) ١/١.
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقوله: (الْمِشْرَقِيّ) - بكسر الميم، وإسكان الشين المعجمة، وفتح الراء،
وكسر القاف - هذا هو الصواب الذي ذكره جميع أصحاب المؤتلف
والمختلف، وأصحاب الأسماء والتواريخ، ونَقَل القاضي عياض عن بعضهم
أنه ضبطه بفتح الميم، وكسر الراء. قال: وهو تصحيفٌ، واتفقوا على أنه
منسوب إلى مِشْرَق - بكسر الميم، وفتح الراء - بطن من هَمْدان، وهو الضحاك
الْهَمْدانيّ المذكور في الرواية السابقة، من رواية حَرْملة، وأحمد بن
عبد الرحمن، قاله النوويّ كَّهُ(١).
وقوله: (عَلَى فُرْقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ) ضبطوه بكسر الفاء، وضمّها، فالكسر على
معنى طائفة، والضمّ على معنى الافتراق.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُثِبُ﴾ .
(١) ((شرح النوويّ)) ١٦٩/٧.

٢٥٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
(٤٦) - (بَابُ التَّحْرِيضِ على قَتْلِ الْخَوَارِجِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تََّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٤٦٢] (١٠٦٦) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ثُمَيْرٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ
سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، جَمِيعاً عَنْ وَكِيعٍ، قَالَ الْأَشَجُّ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشرُ، عَنْ
خَيْثَمَةَ، عَنْ سُوَيْدٍ بْنِ غَفَلَةَ، قَالَ: قَالَ عَلِيٍّ: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلِهـ
فَلَأَنْ أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُولَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ، وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا
بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، فَإِنَّ الْحَرْبَ خَدْعَةٌ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَِّ يَقُولُ: ((سَيَخْرُجُ فِي آخِرِ
الزَّمَانِ قَوْمٌ، أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَقْرَُونَ
الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَتَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ، كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَإِذَا
لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْراً لِمَنْ قَلَّهُمْ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ الْأَشَجُّ) أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠]
(ت٢٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٧/٤.
٣ - (وَكِيعُ) بن الْجَرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظ
عابدٌ، من كبار [٩] (١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مهران، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس
[٥] (ت١٤٧) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٢٩٧.
٥ - (خَيْئَمَةُ) - بفتح الخاء المعجمة، والمثلثة، بينهما تحتانية ساكنة - ابن
عبد الرحمن بن أبي سَبْرة - بفتح المهملة، وسكون الموحدة - الْجُعفيّ الكوفيّ،
لأبيه، ولجدّه صحبة، ثقةٌ، يرسل [٣] مات بعد الثمانين (ع) تقدم في ((الزكاة))
٢٣١٢/١٢.

٢٥٧
(٤٦) - بَابُ التَّحْرِيضِ على قَتْلِ الْخَوَارِجِ - حديث رقم (٢٤٦٢)
٦ - (سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ) الْجُعفيّ، أبو أميّة الكوفيّ، ثقةٌ مخضرم، من كبار
التابعين، قَدِم المدينة يوم دُفن النبيّ وَ ﴿، وكان مسلماً في حياته، ثم نزل
الكوفة [٢] (ت٨٠) وله (١٣٠) سنةً (ع) تقدّم في ((المقدّمة)) ٨٤/٦.
٧ - (عَلِيُّ) بن أبي طالب ظُه الخليفة الراشد، استُشهد سنة (٤٠) تقدم
في ((المقدمة)) ٢/٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَُّهُ، وله فيه شيخان قرن
بينهما، ثم قال: ((الأشجّ: حدّثنا ... إلخ)) إشارةً إلى أن سياق الحديث له.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض:
الأعمش، عن خيثمة، عن سُويد بن غَفَلَة.
٤ - (ومنها): أن فيه عليّ بن أبي طالب .
ذو المناقب الجمّة، فهو
ـه
أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وصهر
النبيّ وَّهِ، وابن عمّه
ـه .
شرح الحديث :
(عَنْ خَيْئَمَةَ) كذا في رواية المصنّف بالعنعنة، وفي رواية البخاريّ من
طريق حفص بن غياث، حدّثنا الأعمش، حدّثنا خيثمة، حدّثنا سُويد بن غَفَلة،
قال عليّ ظُه، قال في ((الفتح)): ولم يُصَرِّح بالتحديث فيه إلا حفص بن
غياث، فقد أخرجه مسلم من رواية وكيع، وعيسى بن يونس، والثوريّ،
وجرير، وأبي معاوية، وهو عند أبي داود، والنسائيّ من رواية الثوريّ، وعند
أبي عوانة من رواية يعلى بن عبيد، وعند الطبريّ أيضاً من رواية يحيى بن
عيسى الرمليّ، وعليّ بن هشام، كلهم عن الأعمش بالعنعنة، وذكر الإسماعيليّ
أن عيسى بن يونس زاد فيه رجلاً، فقال: عن الأعمش، حدّثني عمرو بن مُرّة،
عن خيثمة، قال الحافظ: لم أر في رواية عيسى عند مسلم ذكر عمرو بن مرة،
وهو من المزيد في متصل الأسانيد؛ لأن أبا معاوية هو الميزان في حديث
الأعمش. انتهى ما في ((الفتح)) مختصراً، وهو بحثٌ نفيسٌ.
(عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ) - بفتح المعجمة، والفاء - مخضرم، من كبار

٢٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
التابعين، وقد قيل: إن له صحبةً (قَالَ: قَالَ عَلِيٍّ) كذا في رواية المصنّف ◌َخُْهُ
بتكرار لفظة ((قال))، وكذا هو عند البخاريّ في آخر ((فضائل القرآن))، من رواية
الثوريّ، عن الأعمش، بهذا السند، ففاعل ((قال)) الأول ضمير سُويد، ووقع
عند البخاريّ في ((استتابة المرتدّين)) بلفظ: ((قال عليّ)) بلا تكرار، فقال في
(الفتح)): هو على حذف ((قال))، وهو كثير في الخطّ والأولى أن يُنْطَق به.
قال: وعند النسائيّ من هذا الوجه: ((عن عليّ))، قال الدار قطنيّ: لم يصحّ
لسويد بن غَفَلَة عن عليّ مرفوعٌ إلا هذا، قال الحافظ: وما له في الكتب الستة،
ولا عند أحمد غيرُهُ، وله في ((المستدرك)) من طريق الشعبيّ عنه: قال: خطب
عليّ بنت أبي جهل، أخرجه من طريق أحمد، عن يحيى بن أبي زائدة، عن
زكريا، عن الشعبيّ، وسنده جيّد، لكنه مرسل، لم يقل فيه: عن عليّ. انتهى.
(إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّ) قال في ((الفتح)): في رواية يحيى بن
عيسى سببٌ لهذا الكلام، فأول الحديث عنده: عن سُويد بن غَفَلة، قال: كان
عليّ يَمُرّ بالنهر، وبالساقية، فيقول: صدق الله ورسوله، فقلنا: يا أمير
المؤمنين، ما تزال تقول هذا؟ قال: إذا حدثتكم إلخ، وكان عليّ في حال
المحاربة يقول ذلك، وإذا وقع له أمر يوهم أن عنده في ذلك أثراً، فخَشِي في
هذه الكائنة أن يظنُّوا أن قصة ذي الثُّدَيّة من ذلك القبيل، فأوضح أن عنده في
أمره نصّاً صريحاً، وبيَّن لهم أنه إذا حدّث عن النبيّ وَّهِ لا يَكْنِي، ولا يُعَرِّض،
ولا يُوَرِّي، وإذا لم يُحَدِّث عنه فعل ذلك؛ لِيَخْدَع بذلك من يحاربه، ولذلك
استدلّ بقوله: ((الحرب خدعة)). انتهى.
(فَلَأَنْ أَخِرَّ) بكسر الخاء المعجمة، أي أسقط (مِنَ السَّمَاءِ) زاد أبو
معاوية، والثوريّ في روايتهما: ((إلى الأرض))، أخرجه أحمد عنهما، ووقع في
رواية يحيى بن عيسى: ((أخِرّ من السماء، فتخطفني الطير، أو تهوي بي الربح
في مكان سحيق)) (أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُولَ عَلَيْهِ) أي على النبيّ ◌َِّهِ (مَا لَمْ يَقُلْ،
وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) في رواية يحيى بن عيسى: ((عن نفسي))، وفي
رواية الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عليّ: ((قام فينا عليّ عند أصحاب
النهر، فقال: ما سمعتموني أحدثكم عن رسول الله وَ لتر، فحدِّثوا به، وما

٢٥٩
(٤٦) - بَابُ التَّحْرِيضِ على قَتْلِ الْخَوَارِجِ - حديث رقم (٢٤٦٢)
سمعتموني أحدِّث في غير ذلك))، ويستفاد من هذه الرواية معرفة الوقت الذي
حدّث فيه عليّ بذلك، والسبب أيضاً.
(فَإِنَّ الْحَرْبَ خَدْعَةٌ) في رواية يحيى بن عيسى: ((فإنما الحرب خدعة))،
ومعناه: أجتهد رأيي، وقال القاضي عياض: فيه جواز التورية، والتعريض في
الحرب، فكأنه تأوّل الحديث على هذا.
وقال في ((القاموس)): خَدَعَهٌ، كمَنَعَهُ خَدْعاً، ويُكسر: خَتَلَهُ، وأراد به
المكروه من حيثُ لا يَعْلَم، كاختدعه، فانخدع، والاسم الْخَدِيعةُ، و((الْحَرْبُ
خِدْعَةٌ)) مثلَثَةً، وكُهُمَزَة، ورُوي بهنّ جميعاً، أي تنقضي بخُدعة. انتهى(١).
[تنبيه]: قوله: ((الْحَرْبُ خَدْعَة)) حديث مرفوع أخرجه الشيخان مرفوعاً من
حديث أبي هريرة رضيُه، ومن حديث جابر ظُه، وأخرجاه هنا موقوفاً على
عليّ رځله .
وقوله: ((خَدْعَة)) - بفتح الخاء المعجمة، وبضمها، مع سكون المهملة
فيهما، وبضم أوله، وفتح ثانيه، قال النوويّ: اتفقوا على أن الأولى الأفصح،
حتى قال ثعلب: بلغنا أنها لغة النبيّ وَ﴿، وبذلك جزم أبو ذرّ الهرويّ،
والقزاز، والثانية ضُبِطت كذلك في رواية الأصيليّ، قال أبو بكر بن طلحة:
أراد ثعلب أن النبيّ وَّه كان يستعمل هذه البِنْيَة كثيراً؛ لوجازة لفظها، ولكونها
تعطي معنى البنيتين الأخيرتين، قال: ويعطي معناها أيضاً الأمر باستعمال
الحيلة مهما أمكن، ولو مَرَّةً، فكأنه قال: استَعْمِل الحيلة في الحرب ما
أمكنك، فإذا أعيتك الْحِيَل فقاتل، قال: فكانت مع اختصارها كثيرة المعنى.
ومعنى خَدْعَة بالإسكان أنها تَخْدَع أهلها من وصف الفاعل باسم
المصدر، أو أنها وصف المفعول، كما يقال: هذا الدرهم ضرب الأمير، أي
مضروبه.
وقال الخطابيّ: معناه أنها مرةً واحدةً: أي إذا خَدَع مرةً واحدةً لم تُقَلْ
عثرته .
(١) ((القاموس المحيط)) ١٦/٣.

٢٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
وقيل: الحكمة في الإتيان بالتاء؛ للدلالة على الوحدة، فإن الْخِدَاع إن
كان من المسلمين، فكأنه حَضَّهم على ذلك ولو مرة واحدة، وإن كان من
الكفار فكأنه حذَّرهم من مكرهم، ولو وقع مرةً واحدةً، فلا ينبغي التهاون بهم؛
لما ينشأ عنهم من المفسدة، ولو قَلَّ.
وفي اللغة الثالثة صيغة المبالغة، كهُمَزَة، ولُمَزَة.
وحَكَى المنذري لغة رابعةً بالفتح فيهما، قال: وهو جمع خادع، أي إن
أهلها بهذه الصفة، وكأنه قال: أهل الحرب خَدَعَةٌ.
قال الحافظ: وحَكَى مكيّ، ومحمد بن عبد الواحد لغةً خامسةً: كسر
أوله، مع الإسكان، قرأت ذلك بخط مغلطاي.
وأصل الخدع إظهار أمر، وإضمار خلافه، وفيه التحريض على أخذ
الْحَذَر في الحرب، والندب إلى خداع الكفار، وأن من لم يتيقظ لذلك لم يأمن
أن ينعكس الأمر عليه.
قال النوويّ: واتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب، كيفما أمكن،
إلا أن يكون فيه نقض عهد، أو أمان، فلا يجوز.
قال ابن العربيّ: الخداع في الحرب يقع بالتعريض، وبالكمين، ونحو
ذلك.
وفي الحديث: الإشارة إلى استعمال الرأي في الحرب، بل الاحتياج إليه
آكد من الشجاعة، ولهذا وقع الاقتصار على ما يشير إليه بهذا الحديث، وهو
كقوله وَلّى: ((الحجُّ عرفة))، قال ابن الْمُنِّير: معنى ((الحرب خدعة)): أي الحرب
الجيِّدة لصاحبها، الكاملة في مقصودها، إنما هي المخادعة، لا المواجهة،
وذلك لخطر المواجهة، وحصول الظفر مع المخادعة بغير خطر.
[تكميل]: ذكر الواقديّ أن أول ما قال النبيّ وَلقول: ((الحرب خدعة)) في
غزوة الخندق. انتهى(١).
(سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((سَيَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ) كذا وقع في هذه
الرواية، وفي حديث أبي برزة ظُه عند النسائيّ: ((يخرج في آخر الزمان قوم))،
(١) ((الفتح)) ٢٨٢/٧ - ٢٨٣ كتاب ((الجهاد)) رقم (٣٠٢٧)، و((عمدة القاري)) ٢٧٥/١٤.