Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ (٤٤) - بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَمَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٤٤) رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ) أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٥) (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٣/١. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ) فاعل ((ساق)) ضمير أحمد بن عبدة، أي ساق الحديث عن سفيان بن عيينة بنحو حديث محمد بن أبي عمر المكيّ، عنه . وقوله: (وَأَعْطَى عَلْقَمَةَ بْنَ عُلَاثَةَ مِائَةً). و((علقمة بن عُلاثة)) بن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة العامريّ، ثبت ذكره في ((الصحيح))، وروى ابن أبي الدنيا في ((كتاب الشكر))، وأبو عوانة في ((صحيحه))، من طريق بن أبي حدرد الأسلميّ، قال: قال محمد بن سلمة: كنا يوماً عند رسول الله وَالر، فقال: ((يا حسان أنشدني من شعر الجاهلية))، فأنشده قصيدة الأعشى التي هجا بها علقمة بن عُلاثة، ومدح عامر بن الطفيل، فقال: ((يا حسان لا تَعُدْ تنشدني هذه القصيدة))، فقال: يا رسول الله تنهاني عن رجل مشرك، مقيم عند قيصر؟، فقال: ((إن قيصر سأل أبا سفيان عني، فتناول مني، وسأل علقمة فأحسن القول، فإنَّ أشكر الناس للناس أشكرهم الله تعالى)). وقال ابن قتيبة: كان ارتد بعد رسول الله وَّه، ولَحِقَ بقيصر، ثم انصرف عنه، وعاد إلى الإسلام، واستعمله عمر ظبه على حُوران، وقال أبو عبيدة: شَرِب علقمة الخمر، فحدّه عمر، فارتدّ، ولحق بالروم، فأكرمه ملك الروم، وقال: أنت ابن عمّ عامر بن الطفيل، فغضب، وقال: لا أراني أُعْرَف إلا بعامر، فرجع، وأسلم. [تنبيه]: رواية أحمد بن عبدة، عن ابن عيينة هذه لم أر من ساقها بتمامها، فليُنظر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ١٦٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٤٤٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدِ الشَّعِيرِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ سَعِيدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ عَلْقَمَةَ بْنَ عُلَاثَةَ، وَلَا صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ، وَلَمْ يَذْكُرِ الشِّعْرَ فِي حَدِيثِ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (مَخْلَدُ بْنُ خَالِدِ الشَّعِيرِيُّ) - بفتح الشين المعجمة، وكسر العين(١) . ابن يزيد، أبو محمد الْعَسْقلانيّ، نزيل طَرَسُوس، ثقةٌ [١٠]. رَوَى عن أبي معاوية، وابن عيينة، وابن نُمير، وأبي أسامة، وعمر بن يونس، وإبراهيم بن خالد، وعبد الرزاق، ورَوْح بن عُبادة، ويزيد بن هارون، وغيرهم. ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، وعبد الله بن أحمد، وأحمد بن خالد الخلال، ومحمد بن إسحاق بن يزيد البصريّ، والمنذر بن شاذان، وغيرهم. قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: لا أعرفه، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقة. وقد أنكر القاضي عياض في ((شرحه))، هذا الاسم، وقال: لم أجد له ذكراً عند أحد ممن صنّف رجال ((الصحيحين))، ولا ممن صنّف في المؤتلف، ولا أصحاب التقييد، وبالغ في ذلك، حتى قال: ليس في الرواة أحدٌ يسمى مخلد بن خالد، وقد بالغ النوويّ في الردّ عليه، وأجاد وأفاد، ودونك نصّه: قال: هو مخلد بن خالد بن يزيد، أبو محمد بغداديّ سكن طَرَسُوس، رَوَى عن عبد الرزاق بن همام، وإبراهيم بن خالد الصنعانيين، وسفيان، رَوَى عنه مسلم، وأبو داود، وابن عوف البزدويّ، وابنه أحمد بن أبي عوف، والمنذر بن شاذان، قال أبو داود: وهو ثقةٌ، وذكر هذه الجملة من أحواله الحافظ عبد الغنيّ المقدسيّ، وذكره أبو محمد بن أبي حاتم في كتابه المشهور (١) منسوب إلى الشَّعِير الحبّ المعروف. ١٦٣ (٤٤) - بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَمَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٤٦) في الجرح والتعديل مختصراً، وذكره الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي بن أحمد المقدسيّ في كتابه ((رجال الصحيحين))، فقال: مخلد بن خالد الشَّعِيريّ سمع سفيان بن عيينة في الزكاة. قال النوويّ كَّلُ: وإنما ذكرت هذا كله؛ لأن القاضي عياض قال: لم أجد أحداً ذكر مخلد بن خالد الشَّعِيريّ في رجال الصحيح، ولا في غيرهم، قال: ولم يذكره الحاكم، ولا الباجيّ، ولا الجيانيّ، ومن تكلم على رجال الصحيح، ولا أحد من أصحاب المؤتلف والمختلف، ولا من أصحاب التقييد، ولا ذكروا مخلد بن خالد غير منسوب أصلاً، وبسط القاضي الكلام في إنكار هذا الاسم وأنه ليس في الرواة أحد يسمى مخلد بن خالد، لا في الصحيح ولا في غيره، وضم إليه كلاماً عجيباً، وهذا الذي ذكره من العجائب، فمخلد بن خالد مشهور، كما ذكرناه أولاً، وبالله التوفيق. انتهى كلام النوويّ نَّثُ، وهو تعقّب جيّد. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وروی عنه أبو داود ثلاثین حديثاً. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ) الفاعل ضمير مخلد بن خالد. [تنبيه]: رواية مخلد بن خالد، عن سفيان بن عيينة هذه لم أر من ساقها تامّة، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظْلَهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٤٤٦] (١٠٦١) - (حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيم، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ لَمَّا فَتَحَ حُنَيْناً، قَسَمَ الْغَنَائِمَ، فَأَعْطَىَّ الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ، فَبَلَغَهُ أَنَّ الْأَنْصَارَ يُحِبُّونَ أَنْ يُصِيبُوا مَا أَصَابَ النَّاسُ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَخَطَبَهُمْ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالاً، ١٦٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة فَهَدَاكُمُ اللهُ بِي؟ وَعَالَةً، فَأَغْنَاكُمُ اللهُ بِي؟ وَمُتَفَرِّقِينَ، فَجَمَعَكُمُ اللهُ بِي؟» وَيَقُولُونَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، فَقَالَ: ((أَلَا تُجِيبُونِي؟(١))) فَقَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُ، فَقَالَ: ((أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ شِئْتُمْ أَنْ تَقُولُوا كَذَا وَكَذَا، وَكَانَ مِنَ الْأَمْرِ كَذَا وَكَذَ))، لِأَشْيَاءَ عَدَّدَهَا، زَعَمَ عَمْرُو أَنْ لَا يَحْفَظَهَا، فَقَالَ: ((أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاءِ وَالْإِبِلِ، وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللهِ إِلَى رِحَالِكُمْ؟ الْأَنْصَارُ شِعَارٌ، وَالنَّاسُ دِثَارٌ، وَلَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَءاً مِنَ الْأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِياً وَشِعْباً (٢)، لَسَلَكْتُ وَادِيَ الْأَنْصَارِ وَشِعْبَهُمْ، إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةَّ، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) بن إبراهيم، أبو الحارث المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت٢٣٥) (خ م س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٩/٢٥. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢. ٣ - (عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ) بن أبي حسن المازنيّ المدنيّ، ثقةٌ [٦] مات بعد (١٣٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٦٤/٨٨. ٤ - (عَبَّادُ بْنُ تَمِيم) بن غَزِيّة الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] وقد قيل: إن له رؤية (ع) تقدم في ((الحيض)) ٨١٠/٢٥. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ) بن عاصم بن كعب الأنصاريّ المازنيّ، أبو محمد الصحابيّ الشهير، استُشهِد ◌َظُه بالحرّة سنة (٦٣) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٧/ ٥٦١. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّلهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما مرّ آنفاً. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، كما مرّ أيضاً. (١) وفي نسخة: ((ألا تجيبونني؟)). (٢) وفي نسخة: ((أو شِعباً)). ١٦٥ (٤٤) - بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَمَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٤٦) شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ) رَبُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ﴿ لَمَّا فَتَحَ خُنَيْناً، قَسَمَ الْغَنَائِمَ) أي غنائم حنين، وقد تقدّم أنها كانت ستة آلاف من النساء والأطفال، وأربعة وعشرين ألفاً من الإبل، وأربعين ألف شاة (فَأَعْطَى الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ) المراد بالمؤلفة ناسٌ من قريش أسلموا يوم الفتح إسلاماً ضعيفاً، وقيل: كان فيهم من لم يُسلم بعد كصفوان بن أمية. وقد اختُلِف في المراد بالمؤلفة قلوبهم الذين هم أحد المستحقّين للزكاة، فقيل: كُفّار يُعْطَون ترغيباً في الإسلام، وقيل: مسلمون لهم أتباع كفّار؛ ليتألفوهم، وقيل: مسلمون أول ما دخلوا في الإسلام؛ ليتمكن الإسلام من قلوبهم . وأما المراد بالمؤلفة هنا فهذا الأخير؛ لقوله في رواية الزهريّ في الباب: ((فإني أعطي رجالاً حديثي عهد بكفر أتألفهم)). ووقع في حديث أنس المتقدّم ذكره في الباب: (لَمّا فُتحت مكة قسم الغنائم في قريش))، والمراد بهم مَن فُتِحت مكة، وهم فيها، وفي رواية له: ((فقسم في المهاجرين، والطّلقاء))، والمراد بالطلقاء جمع طَلِيق من حَضَّل من النبيّ ◌َّ﴿ المنّ عليه يوم فتح مكة من قريش وأتباعهم، والمراد بالمهاجرين من أسلم قبل فتح مكة، وهاجر إلى المدينة، وقد تقدّم سرد أسماء المؤلّفة قلوبهم، في شرح حديث أنس به الماضي، فراجعه تستفد. (فَبَلَغَهُ أَنَّ الْأَنْصَارَ يُحِبُّونَ أَنْ يُصِيبُوا مَا أَصَابَ النَّاسُ) أي من الغنائم، وفي رواية البخاريّ: ((ولم يُعط من الأنصار شيئاً، فكأنهم وَجَدوا؛ إذ لم يُصبهم ما أصاب الناس)). قال في ((الفتح)): قوله: ((ولم يُعْطِ الأنصار شيئاً)) ظاهرٌ في أن العطية المذكورة كانت من جميع الغنيمة. وقال القرطبيّ تَظُّْ في ((المفهم)): واختلف في هذا العطاء الذي أعطاه النبيّ وَّ لهؤلاء المؤلّفة قلوبهم، هل كان من الخمس؟ أو كان من صُلب الغنيمة؟، والإجراء على أصول الشريعة أن يكون من الخمس، ومنه كان أكثر عطاياه وَّي، وقد قال هر في هذه الغزوة للأعرابيّ: ((ما لي مما أفاء الله عليكم ١٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة إلا الخمس، والخمس مردود فيكم))، أخرجه أبو داود، والنسائيّ، من حديث عبد الله بن عمرو ظه، والظاهر من مراجعة الأنصار، وقول النبيّ وَلات: ((ألا ترضون أن يرجع الناس بالشاء والبعير، وترجعون برسول الله إلى رحالكم)) أنه كان من صُلْب الغنيمة، وأن ذلك إنما كان لِمَا يعلم من رضا أصحابه بذلك، ولطيب قلوبهم به، أو يكون هذا مخصوصاً بتلك الواقعة، وله أن يفعل ما شاء في الأموال والرقاب، والأصل التمسّك بقواعد الشريعة على ما تقرّرت، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ كَظّفُهُ(١) . قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح - كما في ((الفتح)) ــ كون العطاء من صلب الغنيمة، يؤيّد ذلك ما تقدّم في رواية قتادة، عن أنس ظُبه، حيث قال ◌َله: ((إن قريشاً حديث عهد بجاهلية ومصيبة، وإني أردت أن أجبرهم، وأتألفهم)) . وقيل: إنما تصَرَّف في الغنيمة؛ لأن الأنصار كانوا انهزموا، فلم يرجعوا حتى وقعت الهزيمة على الكفار، فردّ الله أمر الغنيمة لنبيه و ◌َل﴾، وهذا معنى القول السابق بأنه خاصّ بهذه الواقعة، واختار أبو عبيد أنه كان من الخمس. وقال ابن القيم تَخْتُهُ: اقتَضَت حكمة الله تعالى أن فتح مكة كان سبباً لدخول كثير من قبائل العرب في الإسلام، وكانوا يقولون: دعوه وقومَه، فإن غلبهم دخلنا في دينه، وإن غلبوه كَفَونا أمره، فلما فتح الله عليه استمرّ بعضهم على ضلاله، فجمعوا له، وتأهبوا لحربه، وكان من الحكمة في ذلك أن يَظْهَر أن الله نصر رسوله و # لا بكثرة من دخل في دينه من القبائل، ولا بانكفاف قومه عن قتاله، ثم لَمّا قدّر الله له من غلبته إياهم قدَّر وقوع هزيمة المسلمين مع كثرة عَدَدهم، وقوّة عُدَدِهم؛ ليتبين لهم أن النصر الحقّ إنما هو من عنده، لا بقوّتهم، ولو قدّر أن لا يَغلبوا الكفار ابتداء لرجع مَن رجع منهم شامخ الرأس متعاظماً، فقدّر هزيمتهم، ثم أعقبهم النصر ليدخلوا مكة، كما دخلها النبي ◌َّلو يوم الفتح متواضعاً، متخشعاً، واقتضت حكمته أيضاً أن غنائم الكفار لَمّا حَصَلت، ثم قسمت على من لم يتمكن الإيمان من قلبه لِمَا بقي فيه من (١) ((المفهم)) ١٠٧/٣. ١٦٧ (٤٤) - بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَمَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٤٦) الطبع البشريّ في محبة المال، فقسمه فيهم؛ لتطمئن قلوبهم، وتجتمع على محبته؛ لأنها جُبِلت على حبّ من أحسن إليها، ومَنَع أهل الجهاد من أكابر المهاجرين، ورؤساء الأنصار، مع ظهور استحقاقهم لجميعها؛ لأنه لو قَسَم ذلك فيهم، لكان مقصوراً عليهم، بخلاف قسمته على المؤلّفة؛ لأن فيه استجلاب قلوب أتباعهم الذين كانوا يرضون إذا رضي رئيسهم، فلما كان ذلك العطاء سبباً لدخولهم في الإسلام، ولتقوية قلب من دخل فيه قبلُ تَبِعهم من دونهم في الدخول، فكان في ذلك عظيم المصلحة، ولذلك لم يقسم فيهم من أموال أهل مكة عند فتحها قليلاً ولا كثيراً مع احتياج الجيوش إلى المال الذي يُعينهم على ما هم فيه، فحرّك الله قلوب المشركين لغزوهم، فرأى كثيرهم أن يَخرجوا معهم بأموالهم ونسائهم وأبنائهم، فكانوا غنيمة للمسلمين، ولو لم يقذف الله في قلب رئيسهم أن سوقها معهم هو الصواب، لكان الرأي ما أشار إليه دُرَيد فخالفه، فكان ذلك سبباً لتصييرهم غنيمة للمسلمين، ثم اقتضت تلك الحكمة أن تُقسم تلك الغنائم في المؤلفة، ويُوكَل مَن قلبه ممتلئ بالإيمان إلى إيمانه، ثم كان من تمام التأليف ردُّ من سُبي منهم إليهم، فانشرحت صدورهم للإسلام، فدخلوا طائعين راغبين، وجَبَر ذلك قلوب أهل مكة بما نالهم من النصر والغنيمة عما حصل لهم من الكسر والرعب، فصَرَّف عنهم شرَّ من كان يجاورهم من أشدّ العرب من هوازن وثقيف بما وقع بهم من الكسر، وبما قيّض لهم من الدخول في الإسلام، ولولا ذلك ما كان أهل مكة يطيقون مقاومة تلك القبائل مع شدّتها وكثرتها . وأما قصة الأنصار، وقول من قال منهم، فقد اعتَذَر رؤساؤهم بأن ذلك كان من بعض أتباعهم، ولما شَرَح لهم وَّر ما خفي عليهم من الحكمة فيما صنع رجعوا مذعنين، ورأوا أن الغنيمة العظمى ما حصل لهم من عود رسول الله وَل﴿ إلى بلادهم، فسَلَوا عن الشاة والبعير والسبايا من الأنثى والصغير بما حازوه من الفوز العظيم، ومجاورة النبيّ الكريم وَل﴿ لهم حيّاً وميتاً، وهذا دأب الحكيم، يعطي كل أحد ما يناسبه. انتهى كلام ابن القيّم تَخُّْ ملخصاً(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وبحثٌ أنيس. (١) راجع: ((زاد المعاد)) ٤٧٧/٣ - ٤٧٩، والتلخيص من ((الفتح)) ٤٥٨/٩ - ٤٥٩. ١٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَخَطَبَهُمْ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ) وفي رواية الزهريّ، عن أنس: ((فُحُدِّث رسول الله وَ ﴿ بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار، فجمعهم في قبة من أدم، فلم يَدْعُ معهم غيرهم، فلما اجتمعوا، جاءهم رسول الله وَله، فقال: ((ما حديث بلغني عنكم؟)) فقال له فقهاء الأنصار: أما رؤساؤنا فلم يقولوا شيئاً، وأما ناس منا حديثةٌ أسنانهم، فقالوا ... إلخ، وفي رواية هشام بن زيد: ((فجمعهم في قبة من أدم، فقال: ((يا معشر الأنصار، ما حدیث بلغني؟)) فسكتوا)). ويُحْمَل على أن بعضهم سكت، وبعضهم أجاب، وفي رواية أبي التيّاح عن أنس، عند الإسماعيليّ: ((فجمعهم، فقال: ((ما الذي بلغني عنكم))؟ قالوا: هو الذي بلغك، وكانوا لا يَكْذِبون))، ولأحمد من طريق ثابت، عن أنس، أن النبيّ وَّر أعطى أبا سفيان، وعيينة، والأقرع، وسهيل بن عمرو في آخرين يوم حنين، فقالت الأنصار: ((سيوفنا تقطر من دمائهم، وهم يذهبون بالمغنم ... ))، فذكر الحديث، وفيه: ((ثم قال: ((أقلتم كذا وكذا؟)) قالوا: نعم))، وإسناده على شرط مسلم، وكذا ذكر ابن إسحاق، عن أبي سعيد الخدريّ أن الذي أخبر النبيّ ◌َّه بمقالتهم سعد بن عبادة، ولفظه: ((لَمّا أعطى رسول الله ربَّ ما أعطى من تلك العطايا في قريش، وفي قبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء وَجَدَ هذا الحيّ من الأنصار في أنفسهم، حتى كثرت منهم القالة، فدخل عليه سعد بن عبادة، فذكر له ذلك، فقال له: ((فأين أنت من ذلك يا سعد؟)) قال: ما أنا إلا من قومي، قال: ((فاجمع لي قومك))، فخرج، فجمعهم ... )) الحديث. وأخرجه أحمد من هذا الوجه، وهذا يعكُر على الرواية التي فيها: ((أما رؤساؤنا، فلم يقولوا شيئاً))؛ لأن سعد بن عبادة من رؤساء الأنصار بلا ريب، إلا أن يُحْمَل على الأغلب الأكثر، وأن الذي خاطبه بذلك سعد بن عبادة، ولم يُرد إدخال نفسه في النفي، أو أنه لم يقل لفظاً، وإن كان رضي بالقول المذكور، فقال: ما أنا إلا من قومي، وهذا أوجه، والله أعلم، قاله في ((الفتح))(١) . (١) ((الفتح)) ٩/ ٦٦٠. ١٦٩ (٤٤) - بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَمَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٤٦) (ثُمَّ قَالَ: ((يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالاً) بالضمّ، والتشديد: جمع ضالّ، والمراد هنا ضلالة الشرك (فَهَدَاكُمُ اللهُ بِي) المراد بالهداية الإيمان، وقد رتّب وَ﴿ ما مَنَّ الله تعالى عليهم على يده من النِّعَم ترتيباً بالغاً، فبدأ بنعمة الإيمان التي لا يوازيها شيء من أمر الدنيا، وثَنّى بنعمة الأُلفة، وهي أعظم من نعمة المال؛ لأن الأموال تُبْذَل في تحصيلها، وقد لا تحصل، وقد كانت الأنصار قبل الهجرة في غاية التنافر والتقاطع؛ لِمَا وقع بينهم من حرب بُعَاثَ، وغيرها، فزال ذلك كله بالإسلام، كما قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِ اُلْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٦٣]. (وَعَالَةً) بالعين المهملة: أي فقراء لا مال لهم، والْعَيْلة الفقر (فَأَغْنَاكُمُ اللهُ بي) أي بسبب اتّباعكم لي، وجهادكم معي، ففتح الله تعالى عليكم من الغنائم، فصرتم أغنياء (وَمُتَفَرِّقِينَ) أي بسبب العصبيّة الجاهليّة، فإنهم كانوا متحاربين من سنين طويلة (فَجَمَعَكُمُ اللهُ بِي؟)) وَيَقُولُونَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ) - بفتح الهمزة والميم والتشديد: أفعلُ تفضيل من الْمَنّ. (فَقَالَ) وَِّ ((أَلَا تُجِيبُونِي؟))) وفي نسخة: ((ألا تجيبونني)) (فَقَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ) وفي حديث أبي سعيد ظُه: ((فقالوا: ماذا نُجيبك يا رسول الله، ولله ولرسوله الْمَنُّ والفضل)). (فَقَالَ: ((أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ شِئْتُمْ أَنْ تَقُولُوا كَذَا وَكَذَا، وَكَانَ مِنَ الْأَمْرِ كَذَا وَكَذَا) وفي رواية البخاريّ: ((قال: لو شئتم قلتم: جئتنا كذا وكذا)) (لِأَشْيَاءَ عَدَّدَهَا) الفاعل ضمير عبّاد بن تميم الراوي عن عبد الله بن زيد ◌َظُه (زَعَمَ عَمْرٌو) أي ابن يحيى الراوي عن عبّاد (أَنْ لَا يَحْفَظَهَا) ((أن)) مخفّفة من الثقيلة، أي أنه لا يحفظ تلك الأشياء التي عدّدها شيخه، وفي هذا ردٌّ على من قال: إن الراوي كَنَى عن ذلك عمداً على طريق التأدب، وقد جوّز بعضهم أن يكون المراد: جئتنا ونحن على ضلالة، فهُدينا بك، وما أشبه ذلك، وفيه بُعْدٌ، فقد فُسِّر ذلك في حديث أبي سعيد نَظُه، ولفظه: ((فقال: أما والله لو شئتم لقلتم، فَصَدَقْتُم، وصُدِّقتم: أتيتنا مُكَذَّباً فصَدَّقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فواسيناك))، ونحوُه في مغازي أبي الأسود، عن عروة مرسلاً وابنٍ عائذ من حديث ابن عباس موصولاً، وفي مغازي سليمان التيميّ أنهم ١٧٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة قالوا في جواب ذلك: رضينا عن الله ورسوله، وكذا ذكر موسى بن عقبة في («مغازيه)) بغير إسناد، وأخرجه أحمد عن ابن أبي عديّ، عن حُميد، عن أنس، بلفظ: ((أفلا تقولون: جئتنا خائفاً فآمناك، وطريداً فآويناك، ومخذولاً فنصرناك))، فقالوا: بل الْمَنّ علينا لله ولرسوله، وإسناده صحيح. ورَوَى أحمد من وجه آخر، عن أبي سعيد قال: قال رجل من الأنصار لأصحابه: لقد كنت أحدثكم أن لو استقامت الأمور لقد آثر عليكم، قال: فردوا عليه ردّاً عنيفاً، فبلغ ذلك النبيّ وَلّ الحديث. وإنما قال ﴿ ذلك تواضعاً منه، وإنصافاً، وإلا ففي الحقيقة الحجة البالغة والمنة الظاهرة في جميع ذلك له عليهم، فإنه لولا هجرته وَلير إليهم، وسكناه عندهم، لَمَا كان بينهم وبين غيرهم فرق، وقد نَبَّهَ على ذلك بقوله وَّه: ((ألا ترضون إلخ))، فنبههم على ما غَفَلوا عنه من عظيم ما اختَصُّوا به منه بالنسبة إلى ما حَصَل عليه غيرهم من عَرَض الدنيا الفانية، قاله في ((الفتح))(١). (فَقَالَ) وَ ((أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاءِ وَالْإِبِلِ) ولفظ البخاريّ: ((بالشاة والبعير)) وهو اسم جنس فيهما، والشاة تقع على الذكر والأنثى، وكذا البعير، وفي رواية الزهريّ: ((أن يذهب الناس بالأموال))، وفي رواية قتادة، وأبي التيّاحِ: ((أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا)) (وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللهِ إِلَى رِحَالِكُمْ؟) - بالحاء المهملة -: أي بيوتكم، وهي رواية قتادة وأبي التّاح، زاد في رواية الزهريّ، عن أنس: ((فوالله لَمَا تنقلبون به خير مما ينقلبون به))، وزاد فيه أيضاً: ((قالوا: يا رسول الله قد رضينا))، وفي رواية أبي التيّاح: ((قالوا: بلى))(٢)، وذكر الواقديّ أنه حينئذ دعاهم ليكتب لهم بالبحرين تكون لهم خاصة بعده دون الناس، وهي يومئذ أفضل ما فُتِح عليه من الأرض، فَأَبَوا، وقالوا: لا حاجة لنا بالدنيا(٣). (١) ((الفتح)) ٤٦١/٩ - ٤٦٢ ((كتاب المغازي)) رقم (٤٣٣٠). (٢) هذه الزيادة في رواية أبي التيّاح ليست عند المصنّف في الرواية الماضية، بل هي عند البخاريّ، فتنبّه. (٣) ((الفتح)) ٤٦٢/٩. ١٧١ (٤٤) - بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَمَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٤٦) (الْأَنْصَارُ شِعَارٌ، وَالنَّاسُ دِثَارٌ) ((الشعار)) - بكسر المعجمة، بعدها مهملة خفيفة -: الثوب الذي يلي الجلد من الجسد، و((الدثار)) - بكسر المهملة، ومثلثة خفيفة : الذي فوقه، وهي استعارة لطيفة لِفَرْط قربهم منه وَّة، وأراد أيضاً أنهم بطانته وخاصته، وأنهم ألصق به، وأقرب إليه من غيرهم، زاد في حديث أبي سعيد ظه: ((اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار))، قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لِحَاهم، وقالوا: رضينا برسول الله وَله قَسْماً وحَظّاً)). (وَلَوْلَا الْهِجْرَةُ) أي لولا وجود الهجرة (لَكُنْتُ امْرَءاً مِنَ الْأَنْصَارِ) قال الخطابيّ ◌َُّ: أراد ◌َلقه بهذا الكلام تألف الأنصار، واستطابة نفوسهم، والثناء عليهم في دينهم، حتى رضي أن يكون واحداً منهم، لولا ما يمنعه من الهجرة التي لا يجوز تبديلها، ونسبة الإنسان تقع على وجوه، منها: الولادة، كالقرشيّة، والبلادية، كالكوفيّة، والاعتقادية، كالسنّة، والصناعية، كالصيرفيّة، ولا شك أنه وَلي لم يرد الانتقال عن نسب آبائه؛ لأنه ممتنع قطعاً، وكيف وأنه أفضل منهم نسباً، وأكرمهم أصلاً، وأما الاعتقاديّ فلا معنى للانتقال فيه، إذ كان دينه ودينهم واحداً، فلم يبق إلا القسمان الآخران، الجائز فيهما الانتقال، وكانت المدينة دار الأنصار، والهجرة إليها أمراً واجباً، أي لولا أن النسبة الهجرية لا يسعني تركها لانتسبت إلى داركم. قال الخطابيّ: وفيه وجه آخر، وهو أن العرب كانت تعظم شأن الخؤولة، وتكاد تلحقها بالعمومة، وكانت أم عبد المطلب امرأة من بني النجار، فقد يكون ذهب هذا المذهب، وأراد أن ينتسب إليهم بهذه الولادة، لولا مانع الهجرة. وقال ابن الجوزيّ كَّلُهُ: لم يرد ◌َ﴿ تغير نسبه، ولا محو هجرته، وإنما أراد أنه لولا ما سبق من كونه هاجر لانتسب إلى المدينة، وإلى نصرة الدين، فالتقدير: لولا أن النسبة إلى الهجرة نسبة دينية، لا يسع تركها، لانتسبت إلى داركم. وقال القرطبيّ نَّلُ: معناه: لتسميت باسمكم، وانتسبت إليكم، كما كانوا ينتسبون بالْحِلْف، لكن خصوصية الهجرة وتربيتها سبقت، فمنعت من ١٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة ذلك، وهي أعلى وأشرف، فلا تتبدل بغيرها، وقيل: معناه: لكنت من الأنصار في الأحكام والعداد، وقيل: التقدير: لولا أن ثواب الهجرة أعظم لاخترت أن يكون ثوابي ثواب الأنصار، ولم يرد ظاهر النسب أصلاً، وقيل: لولا التزامي بشروط الهجرة، ومنها ترك الإقامة بمكة فوق ثلاث لاخترت أن أكون من الأنصار، فيباح لي ذلك. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله القرطبيّ تَخْتُ أوّلاً هو الأقرب، وقريب مما قاله الخطّابيّ، وابن الجوزيّ، فتأمّل، والله تعالى أعلم. (وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِياً) هو المكان المنخفض، وقيل: الذي فيه ماء، والمراد هنا بلدهم (وَشِعْباً) وفي نسخة: ((أو شِعباً))، وعليها فتكون ((أو)) للشك من الراوي، أو هي بمعنى الواو، وهذا أولى، فقد وقع عند البخاريّ بالواو، و((الشِّعْب)) - بكسر الشين المعجمة -: اسم لما انفرج بين جبلين، وقيل: الطريق في الجبل. (لَسَلَكْتُ وَادِيَ الْأَنْصَارِ وَشِعْبَهُمْ) أراد النبيّ ◌َّ بهذا، وبما سبق من قوله: ((الأنصار شعار إلخ)) التنبيه على جزيل ما حَصَل لهم من ثواب النصرة، والقناعة بالله تعالى ورسوله ◌َ﴿ عن الدنيا، ومَن هذا وصفه فحقّه أن يُسْلَك طريقه، ويُتَبَع حاله. قال الخطابيّ تَخُّْهُ: لَمّا كانت العادة أن المرء يكون في نزوله وارتحاله مع قومه، وأرض الحجاز كثيرة الأودية والشعاب، فإذا تفرقت في السفر الطُّرُق سلك كل قوم منهم وادياً وشعباً، فأراد وَ ل ◌ّ أنه مع الأنصار. قال: ويَحْتَمِل أن يريد بالوادي المذهب، كما يقال: فلان في وادٍ، وأنا في وادٍ. انتهى، والأول أقرب، والله تعالى أعلم. وقال في ((المرقاة)): وقيل: أراد ◌َّله بذلك حسن موافقته إياهم، وترجيحهم في ذلك على غيرهم؛ لِمَا شاهد منهم حسن الوفاء بالعهد، وحسن الجوار، وما أراد بذلك وجوب متابعته إياهم، فإن متابعته حقّ على كل مؤمن؛ لأنه و هو المتبوع المطاع، لا التابع المطيع. انتهى (١). (١) ((المرقاة)) ٣٥٩/١١. ١٧٣ (٤٤) - بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَمَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٤٦) (إِنَّكُمْ) التفاتٌ إليهم، متضمن للترحّم عليهم (سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً) - بضم الهمزة، وسكون المثلثة، وبفتحتين، ويجوز كسر أوله، مع الإسكان - هو: أي الانفراد بالشيء المشترَك دون من يَشْرَكه فيه، وفي رواية الزهريّ: ((أثرةً شدیدةً». والمعنى: ستلقون بعد موتي استئثاراً صعباً عليكم، يستأثر عليكم أمراؤكم بأمور الدنيا من المغانم والفيء، ونحوهما، ويفضلون عليكم أنفسهم، أو من هو أدنى إليهم منكم. (فَاصْبِرُوا) على ذلك الاستئثار (حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ) أي يوم القيامة، وفي رواية الزهريّ: ((حتى تلقوا الله ورسوله، فإني على الحوض))، أي اصبروا حتى تموتوا، فإنكم ستجدوني عند الحوض، فيحصل لكم الانتصاف ممن ظلمكم، والثواب الجزيل على الصبر، قاله في ((العمدة)) (١). وقال القاري: أي فحينئذ يحصل جبر خاطركم المتعطشٍ إلى لقائي بسقيكم شَرْبةً لا تظمؤون بعدها أبداً (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأول): حديث عبد الله بن زيد ﴿به هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤٤٦/٤٤] (١٠٦١)، و(البخاريّ) في ((المغازي)) (٤٣٣٠) و((التمنّي)) (٧٢٤٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٢/٤)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٢٥/٣)، والله تعالى أعلم. وأما فوائد الحديث، فقد تقدّمت في شرح حديث أنس بن مالك المذكور أول الباب، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) ((عمدة القاري)) ٣٠٩/١٧. (٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٣٦٠/١١. ١٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٤٤٧] (١٠٦٢) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةً، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنِ أَثَرَ رَسُولُ اللهِ نَاساً فِي الْقِسْمَةِ(١)، فَأَعْطَّى الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى عُبَيْنَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَعْطَى أُنَاساً مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ، وَأَثَرَهُّمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْقِسْمَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: وَاللهِ إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا، وَمَا أُرِيدَ فِيهَا وَجْهُ اللهِ، قَالَ: فَقُلْتُ: وَاللهِ لَأُخْبِرَنَّ(٢) رَسُولَ اللهِن ◌َّهِ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ، قَالَ: فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ، حَتَّى كَانَ كَالصِّرْفِ، ثُمَّ قَالَ: ((فَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ يَعْدِلِ اللهُ وَرَسُولُهُ؟))، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: ((يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، قَدْ أُوْذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ))، قَالَ: قُلْتُ: لَا جَرَمَ لَا أَرْفَعُ إِلَيْهِ بَعْدَهَا حَدِيثاً). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) ذُكر في الباب. ٢ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) تقدّم أيضاً في الباب الماضي. ٤ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر السَّلَميّ، أبو عّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٦. ٦ - (أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة، تقدّم في الباب الماضي. ٧ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود ◌َظُه مات سنة (٣٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف نَظْذَلُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ (١) وفي نسخة: ((في الغنيمة)). (٢) وفي نسخة: ((لأخبرنّ بها)). ١٧٥ (٤٤) - بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَمَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٤٧) قرن بينهم؛ لاتحاد كيفيّة تلقّيه عنهم، ثم فصل بينهم؛ لاختلافهم فيها، وقد سبق بيان هذا غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول والثاني ما أخرج لهما الترمذيّ، والثالث ما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره، سوى شيخه زُهیر، فنسائيّ، ثم بغداديّ، وقد دخل الكوفة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ صغير عن تابعيّ كبير مخضرم، على قول من يقول: إن منصوراً من صغار التابعين. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة ﴿ه، ذو مناقب جمّة، وقد ذكر بعضها غير مرّة. ٦ - (ومنها): أن فيه القاعدة التي تأتي في كثير من الأسانيد، وهي أنه إذا أُطلق عبد الله من الصحابة في السند يُنظر إلى السند، فإن كان كوفيّاً، كهذا السند فهو ابن مسعود به، وإن كان مدنيّاً، فهو ابن عمر، وإن كان مكيّاً فهو ابن الزبير، وإن كان بصريّاً، فهو ابن عبّاس، وإن مصريّاً أو شاميّاً فهو ابن عمرو بن العاص ﴿ه، وإلى هذا أشار السيوطيّ تَخُّْ في ((ألفيّة الحديث)) حيث قال : طَيْبَةَ فَابْنُ عَمَرٍ وَإِنْ يَفِ وَحَيْثُمَا أُظْلِقَ عَبْدُ اللهِ فِي بِكُوفَةٍ فَهْوَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُرَى بِمَكَّةٍ فَابْنُ الزُّبَيْرِ أَوْ جَرَى وَالشَّامِ مَهْمَا أُطْلِقَ ابْنُ عَمْرِو وَالْبَصْرَةِ الْبَحْرُ وَعِنْدَ مِصْرٍ شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود نَظَّهُ أنه (قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ) ((كان)) هنا تامّة، و((يوم)) مرفوع على الفاعليّة، أي جاءت غزوة يوم حنين، ويَحْتَمل أن تكون تامّة، و((يومُ)) اسمها، وخبرها محذوف، أي واقعاً أو حاضراً (آثَرَ) بالمدّ: أي فضّل (رَسُولُ اللهِنَّهِ نَاساً) الناس: اسمٌ وُضع للجمع، كالقومِ، والرَّهْط، وواحده إنسانٌ من غير لفظه، مشتقّ من ناس ينوس: إذا تدلّى وتحرّك، فيُطلق على الجنّ والإنس، وقد سبق تمام البحث فيه (فِي الْقِسْمَةِ) ١٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة بالكسر اسم من الاقتسام، ويُطلق أيضاً على النصيب، ويُجمع على القِسَم، مثلُ سِدْرة وسِدَرٍ، وهو المناسب هنا، أي فضّلهم على غيرهم في الحظّ من الغنيمة، وفي نسخة: ((في الغنيمة))، أي آثرهم في قسمة الغنيمة (فَأَعْطَى الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى عُبَيْنَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَعْطَى أُنَاساً مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ) تقدّم أسماء الذين أعطاهم النبيّ ◌َّ مع هؤلاء في شرح الحديث الماضي، وقوله: (وَآَثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْقِسْمَةِ) جملة مؤكّدة لما قبلها (فَقَالَ رَجُلٌ) قال في ((الفتح)): في رواية الأعمش: ((فقال رجل من الأنصار))، وفي رواية الواقديّ: إنه معتّب بن قُشير من بني عمرو بن عوف، وكان من المنافقين، وفيه تعقّب على مغلطاي حيث قال: لم أر أحداً قال: إنه من الأنصار إلا ما وقع هنا، وجزم بأنه حرقوص بن زُهير السعديّ، وتبعه ابن الملقِّن، وأخطأ في ذلك، فإن قصّة حرقوص غير هذه، كما سيأتي قريباً من حديث أبي سعيد الخدريّ ◌ُه. انتهى(١). (وَاللّهِ إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا) بالبناء للمفعول (وَمَا أُرِيدَ فِيهَا وَجْهُ اللهِ) بالبناء للمفعول أيضاً، وفي رواية الأعمش عند البخاريّ: ((ما أراد بها وجه الله)). قال القرطبيّ كَخَّتُهُ: قوله: ((ما عُدل فيها، وما أريد بها وجه الله)) هذا قول جاهل بحال النبيّ وَّ، غليظ الطبع، حريصٌ، شَرِهِ، منافقٌ، وكان حقّه أن يُقتَل؛ لأنه آذى رسول الله وَّهِ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٦١] والعذاب في الدنيا هو القتل، لكن لم يقتله النبيّ تَليقول للمعنى الذي قاله، وهو ما في حديث جابر ظه الآتي: ((معاذ الله أن يتحدّث الناس أني أقتل أصحابي))، ولهذه العلّة امتنع النبيّ وَّر من قتل المنافقين، مع علمه بأعيان كثير منهم، وبنفاقهم، ولا يُلتفت لقول من قال بإبداء علّة أخرى؛ لأن حديث جابر رَُّه وغيره نصّ في تلك العلّة، وقد أُمنت تلك العلّة بعد رسول الله وَ له، فلا نفاق بعده، وإنما هو الزندقة، كذلك قال مالك كَظّتُهُ، فمن آذى رسول الله وَله، أو سبّه قُتل، ولا يُستتاب، وهذا هو الحقّ والصواب. (١) ((الفتح)) ٩ / ٤٦٩. ١٧٧ (٤٤) - بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَمَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٤٧) انتهى كلام القرطبيّ كَُّ(١)، وهو كلام نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. (قَالَ) ابن مسعود نَظُه (فَقُلْتُ: وَاللهِ لَأُخْبِرَنَّ(٢) رَسُولَ اللهِ﴾ وفي نسخة: ((لأُخبرنّ بها رسول الله ◌ََّ)) (قَالَ: فَأَتَيْتُهُ) وَِّ (فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ) ذلك الرجل (قَالَ: فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ) بَِّ (حَتَّى كَانَ كَالصِّرْفٍ) - بكسر الصاد المهملة -: هو صبغ أحمر تُصْبَغ به الجلود، قال ابن دُريد: وقد يُسَمَّى الدم أيضاً صِرْفاً(٣)، وفي الرواية التالية: ((فغضِبَ من ذلك غضباً شديداً، واحمرّ وجهه، حتى تمنّيتُ أني لم أذكره له)). (ثُمَّ قَالَ) بَرِ ((فَمَنْ يَعْدِلُ) ((من)) استفهاميّة (إِنْ لَمْ يَعْدِلِ اللّهُ) تََّ (وَرَسُولُهُ؟) وََّ، وجواب ((إن)) محذوف دلّ عليه ما قبله، أي فمن يعدل؟. ذكر الله رب إشارة إلى أنه و ﴿ مبلّغ عن الله تعالى، فإذا لم يعدل هو لم يعدل الله ◌ُعَلَ، فالاعتراض عليه وَله اعتراض على حكم الله ثَلّ. والاستفهام هنا إنكاريّ بمعنى النفي، والمعنى أنه لا أحد يعدل إذا لم يعدل رسول الله ټلتر. قال القاضي عياض تَخُّْهُ: حُكْمُ الشرع أن من سبّ النبيّ ◌َُّ كَفَرَ، وقُتِل، ولم يذكر في هذا الحديث أن هذا الرجل قُتِل. وقال المازريّ تَخُّْ: يَحْتَمِل أن يكون لم يَفْهَم منه الطعن في النبوة، وإنما نسبه إلى ترك العدل في القسمة، والمعاصي ضربان: كبائر، وصغائر، فهو رد معصوم من الكبائر بالإجماع، واختلفوا في إمكان وقوع الصغائر، ومن جَوَّزها منع من إضافتها إلى الأنبياء على طريق التنقيص، وحينئذ فلعله وَّ لم يعاقب هذا القائل؛ لأنه لم يثبت عليه ذلك، وإنما نقله عنه واحد، وشهادة الواحد لا يراق بها الدم. قال القاضي: هذا التأويل باطلٌ يدفعه قوله: ((اعْدِلْ يا محمد))، و((اتق الله یا محمد»، وخاطبه خطاب المواجهة بحضرة الملأ، حتى استأذن عمر وخالد النبيّ ◌َّ في قتله، فقال: ((معاذ الله أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل (١) ((المفهم)) ١٠٧/٣. (٣) ((شرح النووي)) ١٥٨/٧. (٢) وفي نسخة: ((لأخبرنّ بها)). ١٧٨ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة أصحابه))، فهذه هي العلة، وسلك معه مسلكه مع غيره من المنافقين الذين آذوه، وسَمِع منهم في غير موطن ما كرهه، لكنه صَبَر؛ استبقاءً لانقیادهم، وتأليفاً لغيرهم؛ لئلا يتحدث الناس أنه يقتل أصحابه فينفروا، وقد رأى الناس هذا الصنف في جماعتهم، وعَدُّوه من جملتهم. انتهى كلام القاضي تَُّهُ، وهو تحقیق نفیس. (قَالَ) ابن مسعود ◌َظُهُ (ثُمَّ قَالَ) النبيّ وَّهِ ((يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى) بن عمران عليّ (قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ))) أي آذاه قومه بأكثر من هذا الإيذاء، فصبر على أذاهم، ففيه تسلية لنفسه وَله، وتحريض لأمته على الصبر على الأذى، وذلك امتثال لأمر الله تعالى بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةُ﴾ الآية [الأنعام: ٩٠]. [تنبيه]: أشار بقوله: ((قد أوذي موسى)) إلى قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَذِينَ ءَاذَوْا مُوسَى﴾ الآية [الأحزاب: ٦٩]، وقد حُكِي في صفة أذاهم له ثلاث قِصَص: [إحداها]: قولهم: هو آدر، وهو ما أخرجه الشيخان(١) عن أبي هريرة ـ قال: قال رسول الله رَله: إن موسىلِلَّا كان رجلاً حَيِيّاً سَتِيراً لا يُرَى من جلده شيءٌ؛ استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يتستر هذا التستر إلا من عيب في جلده، إما بَرَصٍٍ، وإما أُدْرة، وإما آفة، وإن الله رَّى أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى ظلَّا فخلا يوماً وحده، فخلع ثيابه على حجر، ثم اغتَسَل، فلما فرغ أقبل على ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه، وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجرُ ثوبي حجرُ حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عرياناً أحسن ما خلق الله رَ، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبه فلبسه، وطَفِق بالحجر ضرباً بعصاه، فوالله إن بالحجر لندباً من أثر ضربه ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَكُونُواْ كَّذِينَ مَاذَوْا مُوسَى فَبَرََّهُ اَللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَچِهًا [٦﴾ [الأحزاب: ٦٩]. (١) هذا الحديث متّفقٌ عليه، وأما قول الحافظ ابن كثير تَلَفُ في تفسيره: إنه مما تفرّد به البخاريّ، ففيه نظر لا يخفى، فتنبّه. ١٧٩ (٤٤) - بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَمَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٤٧) وفي رواية: كانت بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ، وكان مُوسَى يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: والله ما يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلاَ أَنَّهُ آدَرُ، فَذَهَبَ مَرَّةٌ يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ على حَجَرٍ، فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ ... الحديث. [ثانيها]: في قصة موت هارون علّل*، فقد روى أحمد بن منيع في ((مسنده))، والطحاويّ، وابن مردويه، من حديث عليّ رَظُه أن الآية المذكورة نزلت في طعن بني إسرائيل على موسى بسبب هارون؛ لأنه توجّه معه إلى زيارة، فمات هارون، فدفنه موسى، فطَعَن فيه بعض بني إسرائيل، وقالوا: أنت قتلته، فبرأه الله تعالى بأن رفع لهم جسد هارون، وهو ميت، فخاطبهم بأنه مات. قال الحافظ تَخْذَتُهُ: وفي الإسناد ضعف، ولو ثبت لم يكن فيه ما يمنع أن يكون في الفريقين معاً؛ لصدق أن كلّاً منهما آذى موسى، فبرأه الله مما قالوا. انتھی. [ثالثها]: في قصته مع قارون، حيث أمر الْبَغِيّ أن تزعم أن موسى راودها، حتی کان ذلك سبب هلاك قارون. أخرج ابن أبي حاتم بإسناد صحيح، عن ابن عباس ﴿ قال: كان موسى يقول لبني إسرائيل: إن الله يأمركم بكذا، حتى دخل عليهم في أموالهم، فشَقَّ ذلك على قارون، فقال لبني إسرائيل: إن موسى يقول: من زنى رُجم، فتعالوا نجعل لبغيّ شيئاً، حتى تقول: إن موسى فعل بها، فيرجم، فنستريح منه، ففعلوا ذلك، فلما خطبهم موسى قالوا له: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا، فقالوا: فقد زنيتَ، فجَزِعَ، فأرسلوا إلى المرأة، فلما جاءت عَظُم عليها موسى، وسألها بالذي فلق البحر لبني إسرائيل إلا صدقت، فأَقَرَّت بالحقّ، فخرَّ موسى ساجداً يبكي، فأوحى الله إليه: إني أمرت الأرض أن تطيعك، فأمرها بما شئت، فأمرها، فخسفت بقارون ومن معه(١) . (قُلْتُ: لَا جَرَمَ) قال في ((القاموس)): ((لا جرم)) (قَالَ) ابن مسعود (١) ((الفتح)) ١٧/٨ - ١٨. ١٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة أي لا بُدّ، أو حقّاً، أو لا محالة، أو هذا أصله، ثم كثر حتى تحوّل إلى معنى القسم. انتهى. وقال في ((النهاية)): هذه كلمة تَرِدُ بمعنى تحقيق الشيء، وقد اختُلِف في تقديرها، فقيل: أصلها التبرئة، بمعنى لا بُدّ، ثم استُعمِلت في معنى حَقّاً، وقيل: جَرَمَ بمعنى كَسَبَ، وقيل: بمعنى وَجَبَ، وحَقَّ و((لا)) رَدٌّ لما قبلها من الكلام، ثم يُبتدأ بها، كقوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ [النحل: ٦٢]، أي ليس الأمر كما قالوا، ثم ابتدأ فقال: وجب لهم النار، وقيل في قوله تعالى: ﴿لَا يَحْرِمَنَّكُمْ شِقَافِىَ﴾ [هود: ٨٩]: أي لا يحملنكم، ويَحْدُوكم، وقد تكررت في الحدیث. انتهى(١). وقال ابن هشام الأنصاريّ تَُّهُ: أن معنى ((لا جرم)) عند الفرّاء: لا بُدّ من كذا، أو لا محالة في كذا، فحذفت ((من))، أو ((في))، وقال قُطْرُب: ((لا)) رَدِّ لما قبلها، أي ليس الأمر كما وصفوا، ثم ابتدئ ما بعده، و((جَرَمَ)) فِعْلٌ، لا اسمٌ، ومعناه: وَجَبَ، وما بعده فاعلٌ، وقال قوم: ((لا)) زائدة، و((جَرَمَ)) وما بعدها فعلٌ وفاعلٌ، كما قال قُظْرُب، وردّه الفراء بأن ((لا)) لا تزاد في أول الكلام. انتهى (٢). والمعنى هنا: حقّاً والتزاماً أن لا أرفع إليه وَل جر حديثاً أسمعه من الناس بعد هذه الحادثة؛ لئلا أُغضبه كما أغضبته في هذه المرّة، وفي الرواية التالية: ((حتى تمنّيتُ أني لم أذكره له)). (لَا أَرْفَعُ إِلَيْهِ) وَلِ (بَعْدَهَا) أي بعد هذه المقالة، أو بعد هذه الواقعة التي غَضِب النبيّ وَّ من أجلها (حَدِيثاً) إنما قال ذلك؛ لئلا يؤذيه بإبلاغ كلام المنافقين، فيتأثّر به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود ظ له هذا متّفقٌ عليه. (١) ((النهاية في غريب الأثر)) ٢٦٣/١. (٢) ((مغني اللبيب)) ٣١٤/١.