Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ (٤٤) - بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَمَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٣٩) وقوله: (إِنَّ ابْنَ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ) أي فيما يَرْجع إلى المناظرة والتعاون، ونحو ذلك، وأما بالنسبة إلى الميراث ففيه نزاع بين العلماء. قال النوويّ كَُّ: استَدَلّ بهذا الحديث من يُوَرِّث ذوي الأرحام، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمد، وآخرين، ومذهب مالك، والشافعيّ، وآخرين أنهم لا يَرِثون، وأجابوا بأنه ليس في هذا اللفظ ما يقتضي توريثه، وإنما معناه أن بينه وبينهم ارتباطاً، وقرابةً، ولم يتعرض للإرث، وسياق الحديث يقتضي أن المراد أنه كالواحد منهم في إفشاء سرّهم بحضرته، ونحو ذلك، والله أعلم. انتهى (١). وقال الطيبيّ كَّتُهُ: ((مِنْ)) في قوله: ((منهم)) اتصالية، أي ابن الأخت متصل بأقربائه في جميع ما يجب أن يتصل به، من التولي، والنصر، والتوريث، وما أشبه ذلك، وهو نحو قوله تعالى: ﴿وَأُوْلُوْ اْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللَّهِ﴾ الآية [الأحزاب: ٦]، أي في أحكامه، وفرائضه، والكتاب كثيراً ما يجيء بمعنى الفريضة، واستَدَلّ به أصحاب أبي حنيفة ◌َّتُ على توريث ذوي الأرحام، ويؤيّده ما رواه أحمد، وأصحاب السنن عن المقدام بن معدي كرب ربه مرفوعاً: ((والخالُ وارث من لا وارث له))، قال الترمذيّ: حديث حسنٌ صحيحٌ، وهو كما قال(٢). قال الجامع عفا الله عنه: القول بتوريث ذووي الأرحام - كما هو مذهب أبي حنيفة، وأحمد رحمهما الله تعالى - هو الأرجح عندي؛ لحديث المقدام ربه المذكور، فتأمله، والله تعالى أعلم. وقوله: (حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ) قال في ((الفتح)): كذا وقع بالإفراد في ((الصحيحين))، والمعروف: ((حديثو عهد))، وكتبها الدمياطيّ بخطّه: ((حديثو عهد))، وفيه نظر، وقد وقع عند الإسماعيليّ: ((أن قريشاً كانوا قريب عهد)). انتھی(٣). والجاهليّة هي ما كانوا عليه قبل الإسلام، أي كانوا قريب زمن بكفر. (١) ((شرح النوويّ)) ٧/ ١٥٢. (٢) راجع: ((مرقاة المفاتيح)) ٣٥٩/١١ - ٣٦٠. (٣) ((الفتح)) ٤٦٧/٩ ((كتاب المغازي)) رقم (٤٣٣٤). ١٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة وقوله: (وَمُصِيبَةٍ) والمصيبة ما أصابهم بسبب غزو المسلمين ديارهم، واستيلائهم عليها، وقتل بعض أقاربهم. وقوله: (أَنْ أَجْبُرَهُمْ) بضمّ الموحّدة، من باب نصر، أي أجبر كسرهم الذي لحقهم بسبب الغزو، فأعطيهم ما يجبر خاطرهم، ويُنسيهم مصائبهم. وقال في ((الفتح)): قوله: (أن أجبرهم)) كذا للأكثر بفتح أوله، وسكون الجيم، بعدها موحّدة، ثمّ راء مهملة، وللسرخسيّ والمستملي بضمّ أوله، وكسر الجيم، بعدها تحتانيّة ساكنة، ثم زاي، من الجائزة. انتهى (١). وقوله: (وَأَتَأَلَّفَهُمْ) قال ابن الأثير كَُّهُ: التألَّف: المداراة، والإيناس؛ لَيَثْبُوا على الإسلام؛ رغبةً فيما يَصِل إليهم من المال. انتهى(٢). وقوله: (لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِياً) هو المكان المنخفض، وقيل: هو الذي فيه ماءٌ، والمراد به هنا بلدهم. وقوله: (وَسَلَكَ الْأَنْصَارُ شِعْباً، لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ) - بكسر الشين المعجمة - هو اسم لما انفرج بين جبلين، وقيل: الطريق في الجبل، وقال الخطابيّ: لما كانت العادة أن المرء يكون في نزوله وارتحاله مع قومه، وأرض الحجاز كثيرة الأودية والشعاب، فإذا تفرقت في السفر الظُّرُق سلك كل قوم منهم وادياً وشعباً، فأراد أنه مع الأنصار، قال: ويَحْتَمِل أن يريد بالوادي المذهب، كما يقال فلان في وادٍ، وأنا في وادٍ، قاله في ((العمدة)»(٣). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٤٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي التََّّاحِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ، قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ، قَسَمَ الْغَنَائِمَ فِي قُرَيْشٍ، فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْعَجَبُ، إِنَّ سُيُوفَنَا تَقْطُرُ مِنْ (١) ((الفتح)) ٩/ ٤٦٧. (٣) ((عمدة القاري)) ٣٠٨/١٧. (٢) ((النهاية)) ٦٠/١. ١٤٣ (٤٤) - بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَمَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٤١) دِمَائِهِمْ، وَإِنَّ غَنَائِمَنَا تُرَدُّ عَلَيْهِمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِنَّهِ، فَجَمَعَهُمْ، فَقَالَ: ((مَا الَّذِي بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟)) قَالُوا: هُوَ الَّذِي بَلَغَكَ، وَكَانُوا لَا يَكْذِبُونَ، قَالَ: ((أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا إِلَى بُيُوتِهِمْ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللهِ إِلَى بُيُوتِكُمْ؟، لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِياً أَوْ شِعْباً، وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ وَادِياً أَوْ شِعْباً، لَسَلَكْتُ وَادِيَ الْأَنْصَارِ، أَوْ شِعْبَ الْأَنْصَارِ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ) بن عبد الحميد القُرشيّ الْبُسْريّ البصريّ، يُلقّب حمدان، ثقة [١٠] (ت٢٥٠) أو بعدها (خ م س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٦٨/٤٠. ٢ - (أَبُو التَّيَّحِ) يزيد بن حُميد الضُّبَعيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت١٢٨) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٥٩/٢٧. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْعَجَبُ) بفتحتين، أي المجاوز حدّ الإعجاب، قال في ((القاموس)): وأمرٌ عَجِبٌ، وعَجِيبٌ، وعُجَابٌ، وعُجَّابٌ، وعَجَبٌ عَاجِبٌ، وعُجابٌ، أو العَجِيب كالعَجَبِ، والعُجَاب: ما جاوز حدَّ العَجَبِ. انتهى (١). والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٤١] (.) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ عَرْعَرَةَ، يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ الْحَرْفَ بَعْدَ الْحَرْفِ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْذٍ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ، أَقْبَلَتْ هَوَازِنُ، وَغَطَفَانُ، وَغَيْرُهُمْ بِذَرَارِيِّهِمْ، وَنَعَمِهِمْ، وَمَعَ النَّبِيِّ بَّهِ يَوْمَئِذٍ عَشَرَةُ آلآنٍ، وَمَعَهُ الطَّلَقَاءُ، فَأَدْبَرُوا عَنْهُ، حَتَّى بَقِيَ وَحْدَهُ، قَالَ: (١) ((القاموس المحيط)) ١٠١/١. ١٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة فَنَادَى يَوْمَئِذٍ نِدَاءَيْنِ، لَمْ يَخْلِطْ بَيْنَهُمَا شَيْئاً، قَالَ: فَالْتَفَتَ عَنْ يَمِينِهِ، فَقَالَ: ((يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ))، فَقَالُوا: لَبَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَبْشِرْ نَحْنُ مَعَكَ، قَالَ: ثُمَّ الْتَفَتَ عَنْ يَسَارِهِ، فَقَالَ: ((يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ؟)) قَالُوا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَبْشِرْ نَحْنُ مَعَكَ، قَالَ: وَهُوَ عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ، فَنَزَلَ، فَقَالَ: ((أَنَا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ))، فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ، وَأَصَابَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ غَنَائِمَ كَثِيرَةً، فَقَسَمَ فِي الْمُهَاجِرِينَ، وَالطُّلَقَاءِ، وَلَمْ يُعْطِ الْأَنْصَارَ شَيْئاً، فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: إِذَا كَانَتِ الشِّدَّةُ، فَتَحْنُ نُدْعَى، وَتُعْطَى الْغَنَائِمُ غَيْرَنَا، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ، فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ، فَقَالَ: ((يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟)) فَسَكَثُوا، فَقَالَ: ((يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا، وَتَذْهَبُونَ بِمُحَمَّدٍ، تَحُوزُونَهُ إِلَى بُيُوتِكُمْ؟)) قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، رَضِينَا، قَالَ: فَقَالَ: ((لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِياً، وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ شِعْباً، لَأَخَذْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ))، قَالَ هِشَامٌ: فَقُلْتُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، أَنْتَ شَاهِدٌ ذَاكَ؟ قَالَ: وَأَيْنَ أَغِيبُ عَنْهُ؟). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ) الساميّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حافظٌ، تكلّم أحمد في بعض سماعه [١٠] (ت٢٣١) (م د س) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٣٩٤/٣١. ٢ - (مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ) بن نصر بن حسّان الْعَنْبريّ، أبو المثنّى البصريّ، ثقةٌ متقنٌّ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣. ٣ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أَرْطبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٥] (١٥٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٣. ٤ - (هِشَامُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَنَسٍ) بن مالك الأنصاريّ البصريّ، ثقةٌ [٥] (ع) تقدم في ((الحيض)) ٧١٤/٦. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (بِذَرَارِيِّهِمْ) - بتشديد الياء، وتخفيفها - وكانت عادتهم إذا أرادوا الثبات في القتال استصْحَبُوا الأهالي وثَقَلَهم معهم إلى موضع القتال. ١٤٥ (٤ ٤) - بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَمَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٤١) وقوله: (وَنَعَمِهِمْ) بفتح النون والعين، واحد الأنعام، وهي الأموال الراعية، وأكثر ما يقع على الإبل. وقوله: (وَمَعَهُ الطَّلَقَاءُ) هذه هي الرواية الصحيحة، ووقع في رواية للبخاريّ: ((ومع النبيّ ◌َّه عشرة آلاف من الطلقاء))، وهي غلط؛ لأن الطلقاء لم يبلغوا هذا القدر، ولا عشر عشره، قاله في ((الفتح))(١). وقوله: (وَمَعَهُ الطَّلَقَاءُ) بضمّ الطاء وفتح اللام، وبالمدّ: جمع طَلِيق، وهم: الذين أسلموا يوم فتح مكّة، ويقال ذلك لمن أُطلق من إسار، أو وَثَاق، قال القاضي عياض ◌َُّ في ((المشارق)): قيل لمسلمي الفتح: الطلقاء لمنّ النبيّ وَّر عليهم، فلم يأسرهم، ولم يقتلهم(٢). وقال القرطبيّ تَظُّهُ: الظُّلَقاء: هم الذين مَنَّ عليهم النبيّ ◌َّهِ، وخَلَّى سبيلهم يوم فتح مكة، وأصله أنه أطلقهم بعدما حَصَلُوا في وَثاقه. انتهى (٣) . وقوله: (فَأَدْبَرُوا عَنْهُ، حَتَّى بَقِيَ وَحْدَهُ) يعني أنهم ولّوه أدبارهم، وما أقبلوا معه وَّر على العدوّ، بل بقي وحده. وقوله: (فَنَادَى يَوْمَئِذٍ نِدَاءَيْنِ، لَمْ يَخْلِطْ بَيْنَهُمَا شَيْئاً) مفسَّر بما بعده، يعني أنه وَ ل ◌ّ نادى الأنصار يومئذ نداءين متعاقبين، ملتفتاً يميناً وشمالاً. وقوله: (وَهُوَ عَلَى بَعْلَةٍ بَيْضَاءَ) هذا من كمال شجاعته بَّ؛ فإن البغال لا تُركب في القتال، وإنما يركب الخيل. وقوله: (فَقَالَ: «أَنَا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ) يعني أنه ينصرني كما وعد بقوله رَبّ: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ الآية [غافر: ٥١]. وقوله: (إِذَا كَانَتِ الشِّدَّةُ) وفي رواية البخاريّ: ((إذا كانت شديدة))، يعني قضية شديدةٌ مثل حرب. وقوله: (فَتَحْنُ نُدْعَى) على صيغة المجهول، أي نُطْلب. وقوله: (وَتُعْطَى الْغَنَائِمُ غَيْرَنَا) فعلٌ ونائب فاعله، وفي رواية البخاريّ: ((ويُعطِي غيرنا))، أي يعطي النبيّ وَّر الغنائم لقريش. (١) ٩ / ٤٦٧. (٣) ((المفهم)) ١٠٥/٣ - ١٠٦. (٢) شرح النوويّ ٧/ ١٥٣. ١٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة قوله: (فبلغه ذلك) أي فبلغ النبي ذلك أي ما قالوه، ويروى ((ذاك)) بدون اللام. وقوله: (تَحُوزُونَهُ إِلَى بُيُوتِكُمْ؟) بالحاء المهملة والزاي، يقال: حازه يحوزه: إذا قبضه، ومَلَکه، واستبدّ به. وقال في ((الفتح)): قوله: ((تحوزونه)) كذا للجميع بالحاء المهملة، من الحوز، ووقع عند الكرمانيّ: ((تُجِيرونه)) بالتحتانية بدل الواو، وضبطه بالجيم والراء المهملة، وفسره بقوله: أي تُنقِذونه، وكل ذلك خطأ نقلاً وتفسيراً، وقد أخرجه مسلم، والإسماعيليّ من هذا الوجه بلفظ: ((فتذهبون بمحمدٍ تحوزونه))، كما في الرواية المعتمدة. انتهى(١). وقوله: (قَالَ هِشَامٌ) هو هشام بن زيد الراوي عن أنس بظُه، وهو موصول بالإسناد المذكور. وقوله: (فَقُلْتُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ) كنية أنس بن مالك وقوله: (أَنْتَ شَاهِدٌ ذَاكَ؟) وفي رواية للبخاريّ: ((شاهدٌ ذلك» باللام، وهو بتقدير همزة الاستفهام، أي أأنت شاهد هذا الذي حدّثتنا به من قصّة غزوة حنين؟. وقوله: (قَالَ: وَأَيْنَ أَغِيبُ عَنْهُ؟) استفهامٌ إنكاريٌّ، يقرّر أنه ما كان ينبغي لهشام أن يظنّ أن أنساً يغيب عن ذلك. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظْهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٤٤٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدٍ الْأَعْلَى، قَالَ ابْنُ مُعَاذٍ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي السُّمَيْطُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: افْتَتَحْنَا مَكَّةَ، ثُمَّ إِنَّا غَزَوْنَا حُنَيْناً، فَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ بِأَحْسَنِ صُفُوفٍ رَأَيْتُ، قَالَ: فَصُقَّتِ الْخَيْلُ، ثُمَّ صُفَّتِ الْمُقَاتِلَةُ، ثُمَّ صُفَّتِ النِّسَاءُ (١) ((الفتح)) ٩/ ٤٦٧. ١٤٧ (٤٤) - بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَمَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٤٢) مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ، ثُمَّ صُفَّتِ الْغَنَمُ، ثُمَّ صُفَّتِ النَّعَمُ، قَالَ: وَنَحْنُ بَشَرٌ كَثِيرٌ، قَدْ بَلَغْنَا سِتَّةَ آلَافٍ، وَعَلَى مُجَنَِّةٍ خَيْلِنَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: فَجَعَلَتْ خَيْلُنَا تَلْوِي خَلْفَ ظُهُورِنَا، فَلَمْ نَلْبَثْ أَنِ انْكَشَفَتْ خَيْلُنَا، وَفَرَّتِ الْأَعْرَابُ، وَمَنْ نَعْلَمُ مِنَ النَّاسِ، قَالَ: فَنَادَى رَسُولُ اللهِ وَِّ: (يَالَ الْمُهَاجِرِينَ، بَالَ الْمُهَاجِرِينَ))، ثُمَّ قَالَ: ((يَالَ الْأَنْصَارِ، يَالَ الْأَنْصَارِ))، قَالَ: قَالَ أَنَسرٌ: هَذَا حَدِيثُ عِمِّيَّةٍ، قَالَ: قُلْنَا: لَبَّيْكَ بَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: فَايْمُ اللهِ، مَا أَتَيْنَاهُمْ حَتَّى هَزَمَهُمُ اللهُ، قَالَ: فَقَبَضْنَا ذَلِكَ الْمَالَ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا إِلَى الطَّائِفِ، فَحَاصَرْنَاهُمْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى مَكَّةَ، فَزَلْنَا، قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ يُعْطِي الرَّجُلَ الْمِائَةَ مِنَ الْإِبِلِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ، كَتَحْوِ حَدِيثٍ قَتَادَةَ، وَأَبِ التََّّحِ، وَهِشَامِ بْنِ زَيْدٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنْبريّ، أبو عمرو البصريّ ولد معاذ بن معاذ المذكور في السند الماضي، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٧) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٣/ ٧. ٢ - (حَامِدُ بْنُ عُمَرَ) بن حفص بن عمر بن عبيد الله بن أبي بكرة الثقفيّ البكراويّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، قاضي كِرْمان، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٣) (خ م) تقدم في ((الطهارة)) ٦٤٩/٢٦. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الصنعانيّ، عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٥) (م قد ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٥٠٣/٩٢. ٤ - (الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) التيميّ، أبو محمد البصريّ، يُلقّب بالظُفيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت١٨٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٥/١. ٥ - (أَبُوهُ) سليمان بن طرخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، نزل في بني تيم، فنُسب إليهم، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت١٤٣) وهو ابن (٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. ٦ - (السُّمَيْطُ) - مصغّراً - ابن عُمير، ويقال: ابن سُمير السدوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، صدوقٌ [٣]. ١٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة رَوَى عن أبي موسى الأشعريّ، وعمران بن حُصين، وأنس، وأبي الأحوص الْجُشَميّ، وأبي السَّوّار الْعَدَويّ. وروى عنه سليمان التيميّ، وعاصم الأحول، وعِمران بن حُدير، ووثّقه العجليّ، وابن حبّان(١). أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد)»، والمصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. و(أَنَسُ بْنُ مَالِك) ذُكر قبله. وقوله: (قَالَ: وَنَحْنُ بَشَرٌ كَثِيرٌ، قَدْ بَلَغْنَا سِتَّةَ آلافٍ) قال القاضي عياض وغيره: هذا وَهَمِّ من الراوي عن أنس، يعني أن الرواية الأولى بأنهم كانوا عشرة آلاف، ومعهم الطلقاء أصحّ؛ لأن المشهور في كتب المغازي أن المسلمين كانوا يومئذ اثني عشر ألفاً، عشرةُ آلاف شَهِدوا الفتح، وألفان من أهل مكة، ومن انضاف إليهم، وهذا معنى قوله: ومع النبيّ وَّر عشرة آلاف، ومعه الطلقاء. انتهى. وقوله: (وَعَلَى مُجَنَِّةٍ خَيْلِنَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ) الْمُجَنِبَة - بضم الميم، وفتح الجيم، وكسر النون المشدّدة - قال شَمِر: الْمُجَنِّبة هي الْكَتِيبة من الخيل التي تأخذ جانب الطريق الأيمن، وهما مُجَنِّتان: مَيْمَنَةٌ، ومَيْسَرَةٌ، بجانبي الطريق، والقلب بينهما. انتهى. وقوله: (فَجَعَلَتْ خَيْلُنَا تَلْوِي خَلْفَ ظُهُورِنَا) قال النوويّ تَُّهُ: هكذا هو في أكثر النسخ، وفي بعضها ((تَلُوذ))، وكلاهما صحيح. انتهى(٢). وقوله: (فَلَمْ تَلْبَثْ) بفتح أوله، وثالثه، من باب تَعِبَ: أي لم نتأخّر. وقوله: (أَنِ انْكَشَفَتْ خَيْلُنَا) ((أن)) مصدريّة، والمصدر المؤوّل بدل من الضمير الفاعل بدل اشتمال، كما قال في ((الخلاصة)): وَمِنْ ضَمِيرِ الْحَاضِرِ الظَّاهِرَ لَا تُبْدِلْهُ إِلَّ مَا إِحَاطَةً جَلَا (١) ذكر في (تهذيب التهذيب)) الخلاف هل سُميط بن عمير، وسُميط بن سُمير رجل واحدٌ، أم اثنان؟، فراجعه في ٢١٠/٤. (٢) شرح النوويّ)) ٧/ ١٥٤. ١٤٩ (٤٤) - بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَمَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٤٢) كَأَنَّكَ ابْتِهَاجَكَ اسْتَمَالًا أَوِ اقْتَضَى بَعْضاً أَوِ اشْتِمَالًا والمعنى أنه لم يتأخر انكشاف الفُرسان، وتولّيهم عن مواجهة العدّو عن وقت ملاقاتهم، بمعنى أنهم بمجرّد ابتدائهم القتال تولَّوا . وقوله: (وَفَرَّتِ الْأَعْرَابُ) بفتح الهمزة، وفيه إشارة إلى الانكشاف إنما أتى من جهة أسافلة الناس، لا من أكابر الصحابة، وأفاضلهم. وقوله: (وَمَنْ نَعْلَمُ مِنَ النَّاسِ) تعميم بعد تخصيص. وقوله: ((يَالَ الْمُهَاجِرِينَ)) هكذا في جميع النسخ في المواضع الأربعة ((يال)) بلام مفصولة مفتوحة، والمعروف وصلها بلام التعريف التي بعدها. انتھی . [تنبيه]: قوله: ((يالَ المهاجرين)» هذا هو المسمّى عند النحاة بالاستغاثة، وهو نداء من يُخلّص من شِدّة، أو يُعين على دفعها، قال في ((الخلاصة)): بِاللَّامِ مَفْتُوحاً كَايَا لَلْمُرْتَضَى)» إِذَا اسْتُغِيثَ اسْمٌ مُنَادَى خُفِضَا وَفِي سِوَى ذَلِكَ بِالْكَسْرِ الْتِيَا وَافْتَحْ مَعَ الْمَعْطُوفِ إِنْ كَرَّرْتَ ((يَا)) [فإن قلت]: نداؤه ◌ّ المهاجرين هنا يعارض ما سبق في الحديث الذي قبله من قول أنس ظه: ((فنادى يومئذ نداءين، لم يخلط بينهما شيئاً ... إلخ)) حيث يدلّ على أنه لم يناد مع الأنصار غيره، فكيف الجواب عنه؟. [قلت]: يمكن أن يجاب بأن المنفيّ هناك النداء المخلوط بين نداءي الأنصار، وأما ما كان قبله كما في هذه الرواية فلم ينفه. والحاصل أنه ◌َ* نادى أولاً المهاجرين نداءين والى بينهما، ثم نادى الأنصار بعدهم نداءين والى بينهما، والله تعالى أعلم. وقوله: (هَذَا حَدِيثُ عِمِّيَّةٍ) قال النوويّ تَخْتُ: هذه اللفظة ضبطوها في ((صحيح مسلم)) على أوجه: [أحدها]: ((عِمِّيَّة)) - بكسر العين، والميم، وتشديد الميم، والياء - قال القاضي: كذا روينا هذا الحرف عن عامّة شيوخنا، قال: وفُسِّر بالشِّدَّة. [والثاني]: ((عُمّيّة)) كذلك، إلا أنه بضم العين. [والثالث]: ((عَمِّيَهْ)) - بفتح العين، وكسر الميم المشددة، وتخفيف الياء، وبعدها هاء السكت - أي حَدَّثني به عَمِّي، وقال القاضي: على هذا الوجه ١٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة معناه عندي: جماعتي، أي هذا حديثهم، قال صاحب ((العين)): العمّ الجماعة، وأنشد عليه ابن دريد في ((الجمهرة)): أَقْنَيْتُ عَمّاً وَجَبَرْتُ عَمَّا قال القاضي: وهذا أشبه بالحديث. [والوجه الرابع]: كذلك، إلا أنه بتشديد الياء، وهو الذي ذكره الحميديّ صاحب (الجمع بين الصحيحين))، وفَسَّره بعمومتي، أي هذا حديث فضل أعمامي، أو هذا الحديث الذي حدّثني به أعمامي، كأنه حدَّث بأول الحديث عن مشاهدة، ثم لعله لم يضبط هذا الموضع؛ لتفرق الناس فحدّثه به مَن شَهِده من أعمامه، أو جماعته الذين شَهِدوه، ولهذا قال بعده: قال: قلنا: لبيك يا رسول الله، والله أعلم. انتهى. وقوله: (فَايْمُ اللهِ) (ايم)) اسم مستعمل في القسم، مختصر من ((أيمن))، قال الفيّوميّ تَظُّ: و((أيمن)) اسم مستعمل في القسم، والتُزِمِ رفعه، كما التُزم رفع لَعَمْرُ الله، وهمزته عند البصريين وصلٌ، واشتقاقه عندهم من الْيُمْن، وهو البركة، وعند الكوفيين قَطْعٌ؛ لأنه جمع يمين عندهم، وقد يُختصر منه، فيقال: وايْمُ الله، بحذف الهمزة، والنون، ثم اختُصِر ثانياً، فقيل: مُ الله، بضمّ الميم وكسرها. انتهى(١). وقال الخضريّ كَّلُهُ في ((حاشيته)): وأيمن عند البصريين اسم مفرد من اليُمْن، وهو البركة، وهمزته وصلٌ خلافاً للكوفيين فيهما، والهمزة عِوَضٌ عن نونه المحذوفة في بعض لغاته، كأيم، ثم ثبتت مع النون؛ لأنها بصدد الحذف، كما في امرئ، وفيه لغات: أيمن بفتح الهمزة، وكسرها، مع ضمّ الميم وفتحها، وأيم، وأم بفتح الهمزة وكسرها، مع ضمّ الميم فيهما، ومُّ، ومُّن بتثليث الميم فيهما، ويجب إضافة الكل للفظ الجلالة، وكونها مبتدأ محذوف الخبر، أي أيمن الله قسمي، قيل: أو خبراً لمحذوف، أي قسمي أيمن الله، كما في ((المغني))(٢). (١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦٨٢. (٢) ((حاشية الخضري على شرح ابن عقيل على الخلاصة)) ٢٩٥/٢. ١٥١ (٤٤) - بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَمَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٤٢) وقوله: (مَا أَتَيْنَاهُمْ حَتَّى هَزَمَهُمُ اللهُ) أي ما رجعنا إلى المشركين حتى نصرنا الله، فانهزموا . وقوله: (فَقَبَضْنَا ذَلِكَ الْمَالَ) أي غنائم هوازن، وقد تقدّم عدد ما غَنِموه من السبي والأنعام. وقوله: (ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى مَكّةَ) المراد رجوعهم إلى الجعرانة؛ لأنهم لم يدخلوا مكة بالغنائم، وإنما حُبِست في الجعرانة، حتى رجعوا من حصار الطائف، ثم قُسمت هناك. وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ) الضمير يرجع إلى السُّمَيطِ. [تنبيه]: رواية السُّميط، عن أنس ◌ُه هذه ساقها بتمامها الإمام أحمد تَخُّْ في ((مسنده))، فقال: (١٢١٩٧) - حدّثنا عارمٌ، حدّثنا معتمر بن سليمان التيميّ، قال: سمعت أبي يقول: حدّثنا السُّميط السَّدُوسيّ، عن أنس بن مالك، قال: فتحنا مكة، ثم إنا غزونا حُنيناً، فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت، أو رأيت، فصُفّ الخيل، ثم صُفّت المقاتلة، ثم صُفّت النساء من وراء ذلك، ثم صُفّت الغنم، ثم صُفّتِ النَّعَم، قال: ونحن بشر كثير، قد بلغنا ستة آلاف، وعلى مجنبة خيلنا خالد بن الوليد، قال: فجعلت خيولنا تلوذ خلف ظهورنا، قال: فلم نلبث أن انكشفت خيولنا، وفَرَّت الأعراب، ومن نعلم من الناس، قال: فنادى رسول الله صلى: ((يا للمهاجرين، يا للمهاجرين - ثم قال -: يا للأنصار، يا للأنصار))، قال أنس: هذا حديث عمية، قال: قلنا: لبيك يا رسول الله، قال: فتقدم رسول الله ◌َير، فأيم الله ما أتيناهم حتى هزمهم الله، قال: فقبضنا ذلك المال، ثم انطلقنا إلى الطائف، فحاصرناهم أربعين ليلة، ثم رجعنا إلى مكة، قال: فنزلنا فجعل رسول الله ولي﴿ يعطي الرجل المائة، ويعطي الرجل المائة، قال: فتحدث الأنصار بينها، أما من قاتله فيعطيه، وأما من لم يقاتله فلا يعطيه، قال: فرُفع الحديث إلى رسول الله وَّته، ثم أَمَر بِسَرَاة المهاجرين والأنصار أن يدخلوا عليه، ثم قال: ((لا يدخل عليّ إلا أنصاريٌّ، أو الأنصار))، قال: فدخلنا القبة حتى ملأنا القبة، قال نبي الله وَليقول: (يا معشر الأنصار - أو كما قال - ما حديث أتاني؟)) قالوا: ما أتاك يا رسول الله؟ قال: ١٥٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة ((ما حديث أتاني؟)) قالوا: ما أتاك يا رسول الله؟ قال: ((ألا ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وتذهبون برسول الله وَ﴿ حتى تدخلوا بيوتكم؟» قالوا: رضينا يا رسول الله، قال: قال رسول الله وَال﴾: ((لو أخذ الناس شِعْباً، وأخذت الأنصار شعباً، لأخذت شِعْب الأنصار))، قالوا: يا رسول الله رضينا، قال: «فارْضَوْا))، أو كما قال. انتھی. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه مستوفّى، وكذا بيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٤٤٣] (١٠٦٠) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيج، قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللهِ نَّهِ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، وَصَفْوَانَ بْنَ أُمَّيَّةَ، وَعُيَيْنَةُ بْنَ حِصْنٍ، وَالْأَفْرَعَ بْنَ حَابِسٍ، كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى عَبَّاسَ بْنَ مِرْدَاسٍ دُونَ ذَلِكَ، فَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ [من المتقارب]: ـدِ بَيْنَ عُبَيْئَةَ وَالْأَفْرَعِ أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ الْعُبَيْ يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي الْمَجْمَعِ فَمَا كَانَ بَدْرٌ وَلَا حَابِسٌ وَمَنْ تَخْفِضِ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعِ وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا قَالَ: فَأَتَمَّ لَهُ رَسُولُ اللهِ مِائَةً). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، ثم المكيّ، ذُكر في الباب. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة الإمام المشهور، ذُكر في الباب أيضاً. ٣ - (عُمَرُ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ مَسْرُوقٍ) الثوريّ، أخو سفيان الثوريّ، ثقةٌ [٧] (م د س) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٤٩١/٤٦. ٤ - (أَبُوهُ) سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ت١٢٦) أو بعدها (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين)) ١٧٣٨/١٩. ١٥٣ (٤٤) - بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَمَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٤٣) ٥ - (عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ) هو: عباية - بفتح أوّله، والموحّدة الخفيفة، وبعد الألف تحتانيّة خفيفة - ابن رِفَاعة بن رافع بن خَدِيج الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو رِفَاعة المدنيّ، ثقة [٣]. رَوَى عن جده، وعن أبيه عن جده على خلاف في ذلك، وعن الحسين بن علي بن أبي طالب، وأبي عَبْسَ بن جَبْر. ورَوَى عنه سعيد بن مسروق الثوري، وأبو حَيّان يحيى بن سعيد التيميّ، ويزيد بن أبي مريم الشامي، وأبو بِشْر جعفر بن أبي وَحْشِيّة، وعاصم بن گُلیب، ومُحارب بن دِئَار وجماعة. قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وكذا قال النسائي. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١٠٦٠) و(١٩٦٨) و(٢٢١٢) وأعاده بعده. ٦ - (رَافِعُ بْنُ خَدِيج) بن رافع بن عَدِيّ بن يزيد بن جُشَم بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الصحابيّ الأنصاريّ الأوسيّ الحارثيّ، أبو عبد الله، ويقال: أبو خَدِيج، عُرِض على النبيّ ◌َِ﴿ يوم بَدْر، فاستصغره، وأجازه يوم أحدٍ، فخرج بها، وشَهِد ما بعدها، ومات سنة (٣ أو ٧٤) وقيل: قبل ذلك، تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٨٩. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف وَّلُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، وعمر بن سعيد. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن جدّه، فرافع جدّ عباية. شرح الحديث: (عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ) جدّه (رَافِعِ بْنِ خَدِيج) - بفتح الخاء المعجمة، وكسر الدال المهملة - أنه (قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللهِّوَّهِ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ) صخر بن حرب بن أُميّة بن عبد شمس بن عبد مناف الأُمويّ، والد معاوية، وإخوته، كان رئيس المشركين يوم أُحُد، ورئيس الأحزاب يوم الخندق، أسلم ١٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة زمن الفتح، ولَقِي النبيّ وَّ بالطريق قبل دخول مكة، وشَهِد حُنيناً، والطائف، رَوَى عنه ابن عباس حديث هرقل، وقيسُ بن أبي حازم، وابنه معاوية، وقال النبيّ ◌َ * يوم فتح مكة: ((من دخل دار أبي سفيان، فهو آمن))، وقال إبراهيم بن سعيد، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبيه: خَمَدت الأصوات يوم اليرموك، والمسلمون يقاتلون الروم إلا صوت رجل، يقول: يا نصر الله اقترب، يا نصر الله اقترب، فرفعت رأسي أنظر، فإذا أبو سفيان بن حرب تحت راية ابنه یزید بن أبي سفيان. قال علي ابن المدينيّ: مات لستّ خَلَت من خلافة عثمان، وقال الهيثم: لتسع، وقال الزبير بن بكار: في آخرها، وقال الواقديّ، وخليفة: سنة (٣١)، وكذا قال أبو عبيد، وزاد: ويقال: سنة (٣٢)، وبه جزم ابن سعد، وأبو حاتم الرازيّ، وابن الْبَرْقيّ، وقال المدائنيّ: سنة أربع وثلاثين، وكذا قال ابن منده، وزاد: وكان مولده قبل الفيل بعشر سنين. وذكر ابن إسحاق أن النبيّ وَّ و أرسله إلى مناة بقديد، فهدمها، وقال العسكريّ: ولّاء نجران، وصدقات الطائف. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ(١)، وله حديث قصّة هرقل، سيأتي - إن شاء الله تعالى - في ((كتاب الجهاد)) برقم (١٧٧٣). (وَصَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ) بن خلف بن وهب بن حُذافة بن جُمَح القرشيّ الْجُمَحيّ، أبو وهب، وقيل: أبو أميّة المكيّ الصحابيّ، قُتل أبوه يوم بدر كافراً، وأسلم هو بعد الفتح، وكان من المؤلّفة قلوبهم، وشَهِد يوم اليرموك، وكان من أشراف قريش في الجاهلية والإسلام، قيل: إنه مات أيام قتل عثمان، وقيل: سنة (١ أو٤٢) في أوائل خلافة معاوية. علّق له البخاريّ، وأخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديث واحد، يأتي برقم (٢٣١٣)(٢). (١) الظاهر أن النسائيّ أخرج له في ((الكبرى)). (٢) ٢٣١٣ - وحدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح، أخبرنا عبد الله بن وهب= ١٥٥ (٤٤) - بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَمَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٤٣) (وَعُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ) بن حذيفة بن بدر بن عمرو بن جُوَيّة - بالجيم مصغراً - ابن لوذان بن ثعلبة بن عديّ بن فزارة الفزاريّ، أبو مالك، يقال: كان اسمه حذيفة، فلقب عيينة؛ لأنه كان أصابته شَجَّة، فجحظت عيناه، قال ابن السَّكَّن: له صحبة، وكان من المؤلفة، ولم يصحّ له رواية، أسلم قبل الفتح، وشهدها، وشَهِد حُنيناً، والطائف، وبعثه النبيّ وَّ لبني تميم، فسَبَى بعضَ بني العنبر، ثم كان ممن ارتدّ في عهد أبي بكر ◌َُّه، ومال إلى طليحة فبايعه، ثم عاد إلى الإسلام، وكان فيه جفاءُ سكان البوادي، قال إبراهيم النخعي: جاء عيينة بن حصن إلى النبيّ و18َّ وعنده عائشة، فقال: من هذه؟ وذلك قبل أن ينزل الحجاب، فقال: هذه عائشة، فقال: ألا أنزل لك عن أم البنين؟ فغضبت عائشة، وقالت: من هذا؟ فقال النبيّ وَّل : ((هذا الأحمق المطاع))، يعني في قومه، رواه سعيد بن منصور، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عنه مرسلاً، ورجاله ثقات، وأخرجه الطبرانيّ موصولاً من وجه آخر، عن جرير، أن عيينة بن حصن دخل على النبيّ 9َ، فقال - وعنده عائشة -: من هذه الجالسة إلى جانبك؟ قال: ((عائشة))، قال: أفلا أنزل لك عن خير منها؟، يعني امرأته، فقال له النبيّ وَّهِ: ((اخرج، فاستأذِنْ))، فقال: إنها يمين عليَّ أن لا أستأذن على مضريّ، فقالت عائشة: من هذا؟ فذكره(١)، وليس له في الكتب السّة رواية، وإنما له ذكرٌ فقط. (وَالْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ) بن عقال بن محمد بن سفيان التميميّ المجاشعيّ الدراميّ، وَفَد على النبيّ ◌َّهِ، وشَهِد فتح مكة، وحُنيناً، والطائف، وهو من = أخبرني يونس عن ابن شهاب قال: غزا رسول الله و 18- غزوة الفتح، فتح مكة ثم خرج رسول الله ◌َو بمن معه من المسلمين، فاقتتلوا بحنين فنصر الله دينه والمسلمين، وأعطى رسول الله ( * يومئذ صفوان بن أمية مائة من النعم، ثم مائة ثم مائة. قال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب أن صفوان قال: والله لقد أعطاني رسول الله و * ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي. (١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٤/ ٧٦٧ - ٧٦٩. ١٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة المؤلفة قلوبهم، وقد حَسُن إسلامه، وكان حَكَماً في الجاهلية. ورَوَى البخاريّ في ((تاريخه الصغير))، ويعقوب بن سفيان بإسناد صحيح، من طريق محمد بن سيرين، عن عَبِيدة بن عمرو السَّلْمانيّ، أن عيينة والأقرع استقطعا أبا بكر أرضاً، فقال لهما عمر: إنما كان النبيّ ◌َ ﴿ يتألفكما على الإسلام، فأما الآن فاجَهَدَا جهدكما، وقطع الكتاب. قال علي ابن المدينيّ في (العلل)): هذا منقطع؛ لأن عَبِيدة لم يدرك القصة، ولا رَوَى عن عمر أنه سمعه منه، قال: ولا يُرْوَى عن عمر بأحسن من هذا الإسناد، ورواه سيف بن عمر في ((الفتوح)) مطوّلاً، وزاد: وشهدا مع خالد بن الوليد اليمامة وغيرها، ثم مضى الأقرع، فشَهِد مع شُرَحبيل ابن حسنة دُومة الْجَندل، وشَهِد مع خالد حرب أهل العراق، وقال ابن دريد: اسم الأقرع بن حابس فِراس، وإنما قيل له: الأقرع؛ لقرع كان برأسه، وكان شريفاً في الجاهلية والإسلام، واستعمله عبد الله بن عامر على جيشٍ سَيَّره إلى خُراسان، فأصيب بالْجُوزَجَان هو والجيش، وذلك في زمن عثمان، وذكر ابن الكلبيّ أنه كان مجوسيّاً قبل أن يُسلم(١). وليس له في الكتب الستّة رواية، وإنما له ذكرٌ فقط. (كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ) بنصب ((كلَّ)) بدلاً من ((أبا سفيان))، وما عُطف عليه، وقوله: (مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ) بنصب ((مائةً)) على أنه المفعول الثاني لـ(أعطَى)). (وَأَعْطَى عَبَّاسَ بْنَ مِرْدَاسٍ) بن أبي عامر بن حارثة بن عبد قيس بن رفاعة بن الحارث بن يحيى بن الحارث بن بهئة بن سليم أبو الهيثم السّلميّ، مات أبوه، وشريكه حرب بن أمية والد أبي سفيان في يوم واحد قتلهما الجنّ، ولهما في ذلك قصةٌ، وشهد العباس بن مرداس مع النبيّ وَّ الفتح، وحُنيناً، وقال ابن سعد: لَقِي النبيّ ﴿ ﴿ بالْمُشَلَّل، وهو متوجه إلى فتح مكة، ومعه سبعمائة من قومه، فشهد بهم الفتح، وذكر ابن إسحاق أن سبب إسلامه رؤيا رآها في صنمه، وكان ينزل البادية بناحية البصرة (٢). (١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ١٠١/١ - ١٠٢. (٢) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٦٣٣/٣. ١٥٧ (٤٤) - بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَمَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٤٣) وليس له في هذا الكتاب رواية، وإنما له ذكر فقط، وأخرج له أبو داود، وابن ماجه حديثاً في ضحك النبيّ وَّ﴾(١)، وأخرجه ابن ماجه مطوّلاً في (المناسك)) في دعائه وَ ار عشيّة عرفة لأمته، وأخرجه أحمد أيضاً مطوّلاً. (دُونَ ذَلِكَ) أي أقلّ من المائة (فَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ) مخاطباً للنبيّ وَله في إعطائه أقلّ مما أعطى هؤلاء الأربعة (أَتَجْعَلُ نَهْبِي) أي غنيمتي، قال في ((القاموس)): النّھْبُ: الغنيمة، جمعہ نھابٌ ۔ أي بالکسر، کسهم وسِهام -، ونَهَبَ الَّهْبَ، كجعل، وسَمِعَ، وكَتَبَ: أخذه، كانتهبه. انتهى(٢). والمعنى: أي تجعل نصيبي من الغنيمة (وَنَهْبَ الْعُبَيْدِ) بالتصغير اسم فرسه، وكان هو يُدعى فارس العبيد، كما في ((خِزَانة الأدب))، أي وتجعل نصيب فرسي العبيد (بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَع) أي بين نصيبهما، يعني أنه لا ينبغي أن تجعل نصيبي أقلّ من نصيبيهما؛ لأنهما ليسا بأكبر مني قدراً، كما أشار إليه بقوله: (فَمَا كَانَ بَدْرٌ) والفاء للتعليل، و((ما)) نافية، و((بدرٌ)) هو جدّ والد عُيينة، قال الأبيّ تَّثُ: لم تختلف الرواية في البيت أنه بدرٌ، وإنما اختَلَفت في غير البيت، فقال مرّةً: عُيينة بن حِصْن، ومرّةً: عُيينة بن بدر، فمرّةً نسبه إلى أبيه حِصْن، ومرّةً نسبه إلى أبيه بدر؛ لأنه عُيينة بن حِصْن بن حُذيفة بن بدر. (٣) انتھی(٣). (وَلَا حَابِسٌ) هو والد الأقرع، أي لأنهما لم يكونا (يَقُوقَانِ مِرْدَاسَ) يعني والده، قال النوويّ كَّثُهُ: هكذا هو في جميع الروايات ((مِرْداسَ)) غير مصروف، وهو حجةٌ لمن جوّز ترك الصرف بعّة واحدة، وأجاب الجمهور بأنه في ضرورة الشعر. انتهى(٤). (فِي الْمَجْمَعِ) أي في محلّ اجتماع العشائر والقبائل. (وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا) أي لست أنا أيضاً أقلّ رُتبةً من عُيينة والأقرع، لا في النسب، ولا في المجد، أما في النسب فلأن الجميع من (١) هو حديث واحد اختصره أبو داود، وطوّله ابن ماجه وأحمد، فتنبّه. (٣) ((شرح الأبّيّ)) ١٩٠/٣. (٢) ((القاموس المحيط)) ٣١١/١. (٤) ((شرح النوويّ)) ١٥٥/٧ - ١٥٦. ١٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة مضر؛ لأن تميماً الذي ينتسب إليه الأقرع بن حابس هو تميم بن مرّ بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر، وفزارة التي ينتسب إليها عُبينة، هو فزارة بن ذبيان بن نغيض بن ردف بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر، وسليم الذي ينتسب إليه مِرداس هو سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر، وفي قیس هذا تجتمع قبائل قیس کلّها، من مازن، وهوازن، وسلیم، وغيرهم من قبائل قیس. وأما أنه ليس دونهما في المجد فلأن كلّ من الثلاثة رئيس عشيرته(١). (وَمَنْ) شرطيّةٌ، ولذا ◌ُزم الفعلان بعدها بها (تَخْفِضِ الْيَوْمَ) بنقص عطيّته (لَا يُرْفَع) أي لا يرفعه الناس بعد هذا اليوم؛ لأنهم يقتدون بك. (قَالَ) رافع بن خَدِيج ◌َبُهُ (فَأَتَمَّ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَّرِ مِائَةً) ذكر ابن إسحاق أن رسول الله ﴿ أعطى المؤلّفة قلوبهم، وكانوا أشرافاً من أشراف الناس، يتألّفهم، ويتألّف بهم قومهم، فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة بعير، وأعطى ابنه معاوية مائة بعير، وأعطى حكيم بن حِزام مائة بعير، وأعطى الحارث بن الحارث بن كَلَدة أخا بني عبد الدار مائة بعير، وأعطى الحارث بن هشام مائة بعير، وأعطى سُهيل بن عمرو مائة بعير، وأعطى حُويطب بن عبد العُزَّى بن أبي قيس مائة بعير، وأعطى العلاء بن جارية الثقفيّ حليف بني زُهْرة مائة بعير، وأعطى عُيينة بن حِصن بن حُذيفة بن بدر مائة بعير، وأعطى الأقرع بن حابس التميميّ مائة بعير، وأعطى مالك بن عوف النصريّ مائة بعير، وأعطى صفوان بن أُميّة مائة بعير، فهؤلاء أصحاب المئين. وأعطى دون المائة رجالاً من قُريش، منهم مَخرمة بن نوفل الزهريّ، وعُمير بن وهب الْجُمحيّ، وهشام بن عمرو أخو بني عامر بن لُؤيّ، لا أحفظ ما أعطاهم، وقد عرفت أنها دون المائة، وأعطى سعيد بن يَرْبوع بن عَنْكَثَة بن عامر بن مخزوم خمسين من الإبل، وأعطى السَّهْميّ(٢) خمسين من الإبل، وأعطى عبّاس بن مِرْداس أباعر، فسَخِطها، فعاتب فيها رسول الله وَّ، فقال في عتابه: (١) ((شرح الأبيّ)) ١٩٠/٣ - ١٩١. (٢) قال ابن هشام: واسمه عديّ بن قيس. ١٥٩ (٤٤) - بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَمَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٤٣) بَكَرِّي عَلَى الْمُهْرِ فِي الأَجْرَعِ كَانَتْ نِهَاباً تَلَافَيْتُهَا وَإِيقَاظِيَ الْقَوْمَ أَنْ يَرْقُدُوا فَأَصْبَحَ نَهْبِي وَنَهْبُ الْعُبَيْ وَقَدْ كُنْتُ فِي الْحَرْبِ ذَا تُدْرٍَ(١) إِلَّا أَفَائِلَ أُعْطِيْتُهَا(٣) إِذَا هَجَعَ النَّاسُ لَمْ أَهْجَعِ ـدِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالأَقْرَعَ فَلَمْ أُغْطَ شَيْئاً وَلَمْ أُمْنَعِ(٣) عَدِيدَ قَوَائِمِهَا الأَرْبَّعِ يَفُوقَانِ شَيْخِيَ فِي الْمَجْمَعِ(٤ وَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلَا حَابِسٌ وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا وَمَنْ تَضَعِ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعِ فقال رسول الله وَ ر: ((اذهبوا به، فاقطعوا عنّي لسانه))، فأعطوه حتى رضي، فكان ذلك قطع لسانه الذي أمر به رسول الله وَلاته . قال ابن هشام: وحدّثني بعض أهل العلم أن عباس بن مرداس أتى رسول الله صل، فقال له رسول الله وَله: ((أنت القائل: فَأَصْبَحَ نَهْبِي وَنَهْبُ الْعَبِيدِ بَيْنَ الأَقْرَعِ وَعُبَيْنَة؟)). فقال أبو بكر الصديق: بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالأَقْرَع، فقال رسول الله وَّه: (هما واحدٌ))، فقال أبو بكر: أشهد أنك كما قال الله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ وَمَا يَلْبَغِى لَهُ﴾ [يس: ٦٩](٥). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) وقوله (تُدْرَأ)) تفعل بضم التاء وفتح العين، مهموز، من الدرء وهو الدفع، قال في ((الصحاح)): وقولهم: السلطان ذو تدرإ أي ذو عُدَّة وقُوّة على دفع أعدائه عن نفسه، وهذا اسم موضوع للدفع. انتهى. ((خزانة الأدب)) ١٦٢/١. (٢) أي لم أعط شيئاً طائلاً، أو شيء أستحقّه. (٣) ((الأفائل)): جمع أَفِيل بالفاء، كالفصيل وزناً ومعنى، وقال الأصمعيّ: هو ابن سبعة أشهر، أو ثمانية، ويُجمَع على إفال أيضاً بكسر الهمزة. انتهى. ((خزانة الأدب)) ١٦٢/١. (٤) قال ابن هشام: أنشدني يونس النحويّ: يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي الْمَجْمَعِ فَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلَا حَابِسٌ (٥) ((السيرة النبوية)) ١٧١/٥. ١٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة مسائل تتعلّق بهذا الحديث: ـيا هذا من أفراد (المسألة الأولى): حديث رافع بن خَدِیج المصنّف رَحْذَلُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤٤٣/٤٤ و٢٤٤٤ و ٢٤٤٥] (١٠٦٠)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٤١٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٢٥/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٧/٧) و((المعرفة)) (١٩٩/٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز إعطاء المؤلّفة قلوبهم. ٢ - (ومنها): أن للإمام أن يفضّل بعضهم على بعض إذا رأى في ذلك مصلحة . ٣ - (ومنها): جواز إنشاد الشعر، وجواز الاستماع إليه. ٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَّ ﴿ من مكارم الأخلاق، حيث أعطى لهذا الشاعر ما ساوى فيه أصحابه حتى رضي عنه، ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ · [القلم: ٤]، فصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٤٤٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ بْنِ مَسْرُوقٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، أَنَّ النَّبِيَّ وَهِ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ، فَأَعْطَى أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ، وَزَادَ: وَأَعْطَى عَلْقَمَةَ بْنَ عُلَاثَةَ مِائَةً(١)). (١) وفي نسخة: ((مائة من الإبل)).