Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
(١٩) - بَابُ بَيَانِ قَبُولِ اللهِ وَ الصَّدَقَةَ مِنَ الْكَسْبِ الطَّيِّبِ، وَتَرْبِيَتِهِ لَهَا -حديث رقم (٢٣٤٦)
سعيد بن المسيب، قال: وجدت لقطة، أفأتصدق بها؟ قال: لا تؤجر أنت،
ولا صاحبها، ولعل مراده إذا تصدق بها قبل تعريفها الواجب.
ولو أخذ السلطان، أو بعض نوابه من بيت المال مالاً يستحقه، فتصدق
منه، أو أعتق، أو بنى به مسجداً، أو غيره، مما ينتفع به الناس، فالمنقول عن
ابن عمر ◌ًا أنه كالغاصب، إذا تصدق بما غصبه، كذلك قال لعبد الله بن
عامر أمير البصرة، وكان الناس قد اجتمعوا عنده في حال موته، وهم يُثنون
عليه ببره وإحسانه، وابن عمر ساكت، فطلب منه أن يتكلم، فروى له حديث:
((لا يقبل الله صدقة من غُلُول))، ثم قال له: وكنت على البصرة.
وقال أسد بن موسى في ((كتاب الورع)): حدثنا الفضيل بن عياض، عن
منصور، عن تميم بن سلمة، قال: قال ابن عامر لعبد الله بن عمر: أرأيت هذا
العقاب التي نُسَهِّلها، والعيون التي نُفَجِّرها، ألنا فيها أجر؟ فقال ابن عمر: أما
علمتَ أن خبيثاً لا يكفر خبيثاً قط.
حدثنا عبد الرحمن بن زياد، عن أبي مليح، عن ميمون بن مِهْران، قال:
قال ابن عمر لابن عامر، وقد سأله عن العتق، فقال: مَثَلُك مَثَلُ رجل سَرَق
إبل حاجّ، ثم جاهد بها في سبيل الله، فانظر هل يقبل منه؟.
وقد كان طائفة من أهل التشديد في الورع، كطاوس، ووهيب بن الورد
يَتَوَقَّون الانتفاع بما أحدثه مثل هؤلاء الملوك.
وأما الإمام أحمد تَّتُهُ فإنه رَخّص فيما فعلوه من المنافع العامة،
كالمساجد، والقناطر، والمصانع، فإن هذه يُنفَق عليها من مال الفيء، اللهم
إلا أن يُتَيَقَّن أنهم فعلوا أشياء من ذلك بمال حرام، كالمكوس، والغصوب،
ونحوهما، فحينئذ يُتَوَقَّى الانتفاع بما عُمِل بالمال الحرام، ولعل ابن عمر ـ
إنما أنكر عليهم أخذهم لأموال بيت المال لأنفسهم، ودعواهم أن ما فعلوه
منها بعد ذلك فهو صدقة منهم، فإن هذا شبيه بالمغصوب، وعلى مثل هذا
يُحْمَل إنكار من أنكر من العلماء على الملوك بنيان المساجد.
قال أبو الفرج ابن الجوزيّ كَُّهُ: رأيت بعض المتقدمين يسأل عمن
كَسَبَ حلالاً أو حراماً من السلاطين والأمراء، ثم بَنَى الأربطة والمساجد، هل
له ثواب؟ فأفتى بما يوجب طيب قلب المنفق، وأن له في إيقاف ما لا يملكه

٤٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
نوع سَمْسَرَة؛ لأنه لا يعرف أعيان المغصوبين، فيردَّ عليهم، قال: فقلت:
واعجباً من متصدرين للفتوى، لا يعرفون أصول الشريعة، ينبغي أن يُنْظَر في
حال هذا المنفق أوّلاً، فإن كان سلطاناً، فما يخرج من بيت المال فقد عُرِفت
وجوه مصارفه، فكيف يَمنع مستحقيه، ويَشغله بما لا يفيد، من بناء مدرسة، أو
رباط؟، وإن كان من الأمراء، أو نواب السلاطين، فيجب أن يَرُدّ ما يجب رده
إلى بيت المال، وإن كان حراماً، أو غصباً، فكل تصرّف فيه حرام، والواجب
ردُّه على من أُخذ منه، أو ورثته، فإن لم يُعْرَف رَدّه إلى بيت المال، يُصْرَف في
المصالح، أو في الصدقة، ولم يَحْظَ آخذه بغير الإثم. انتهى.
وإنما كلامه في السلاطين الذين عهِدهم في وقته الذين يمنعون المستحقين
من الفيء حقوقهم، ويتصرفون فيه لأنفسهم تصرف الملّاك ببناء ما يبنونه إليهم
من المدارس، والأربطة، ونحوهما، مما قد لا يحتاج إليه، ويَخصّ به قوماً
دون قوم، فأما لو فُرض إمام عادل، يعطي الناس حقوقهم من الفيء، ثم يبني
لهم ما يحتاجون إليه من مسجد، أو مدرسة، أو مارستان، ونحو ذلك، كان
ذلك جائزاً، فلو كان بعض من يأخذ المال لنفسه من بيت المال بَنَى بما أخذ
منه بناءً محتاجاً إليه في حال، فيجوز البناء فيه من بيت المال، لكنه ینسبه إلى
نفسه، فقد يتخرج على الخلاف في الغاصب إذا ردّ المال إلى المغصوب منه
على وجه الصدقة والهبة، هل يبرأ بذلك أم لا؟.
وهذا كله إذا بنى على قدر الحاجة، من غير سرف، ولا زخرفة، وقد أمر
عمر بن عبد العزيز بترميم مسجد البصرة من بيت المال، ونهاهم أن يتجاوزوا
ما تصدَّع منه، وقال: إني لم أجد للبنيان في مال الله حقّاً .
ورُوي عنه أنه قال: لا حاجة للمسلمين فيما أضرّ ببيت مالهم.
(واعلم): أن من العلماء من جعل تصرف الغاصب ونحوه في مال غيره
موقوفاً على إجازة مالكه، فإن أجاز تصرفه فيه جاز، وقد حَكَى بعض أصحاب
أحمد تَقْدَثُ عنه أن من أخرج زكاته من مال مغصوب، ثم أجازه المالك جاز،
وسقطت عنه الزكاة، وكذلك خرَّج ابن أبي الدنيا رواية عن أحمد أنه إذا أعتق
عبدَ غيره عن نفسه ملتزماً ضمانه في ماله، ثم أجازه المالك جاز، ونفذ عتقه،
وهو خلاف نّصّ أحمد.

٤٠٣
(١٩) - بَابُ بَيّانِ قَبُولِ اللهِوَ﴿َ الصَّدَقَةَ مِنَ الْكَسْبِ الطَّيِّبِ، وَتَرْبِيَتِ لَهَا - حديث رقم (٢٣٤٦)
وحُكِي عن الحنفية أنه لو غصب شاةً، فذبحها لمتعته وقرانه، ثم أجازه
المالك أجزأت عنه.
[الوجه الثاني] من تصرفات الغاصب في المال المغصوب: أن يتصدق به
عن صاحبه، إذا عجز عن ردّه إليه، وإلى ورثته، فهذا جائز عند أكثر العلماء،
منهم: مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وغيرهم.
قال ابن عبد البرّ: ذهب الزهريّ، ومالك، والثوريّ، والأوزاعيّ،
والليث، إلى أن الغالّ إذا تفرق أهل العسكر، ولم يصل إليهم أنه يدفع إلى
الإمام خُمُسهُ، ويتصدق بالباقي، رُوي ذلك عن عبادة بن الصامت، ومعاوية،
أنهما كانا
والحسن البصريّ، وهو يُشبه مذهب ابن مسعود، وابن عباس
يريان أن يتصدق بالمال الذي لا يَعْرِف صاحبه، قال: قد أجمعوا في اللُّقَطّة
على جواز الصدقة بها بعد التعريف، وانقطاع صاحبها، وجعلوه إذا جاء مخيَّراً
بين الأجر والضمان، وكذلك المغصوب. انتهى.
ورُوي عن مالك بن دينار، قال: سألت عطاء بن أبي رباح عمن عنده
مال حرام، ولا يَعْرِف أربابه، ويريد الخروج منه، قال: يتصدق به، ولا أقول:
إن ذلك يجزي عنه، قال مالك: كان هذا القول من عطاء أحب إليّ من وزنة
ذهب.
وقال سفيان فيمن اشترى من قوم شيئاً مغصوباً: يردُّه إليهم، فإن لم يقدر
عليهم يتصدق به كلُّه، ولا يأخذ رأس ماله، وكذا قال فيمن باع شيئاً ممن تكره
معاملته لشبهة ماله، قال: يتصدق بالثمن، وخالفه ابن المبارك، وقال: يتصدق
بالربح خاصّة، وقال أحمد: يتصدق بالربح، وكذا قال فيمن ورث مالاً من
أبيه، وكان أبوه يبيع ممن يكره معاملته، أنه يتصدق منه بمقدار الربح، ويأخذ
الباقي.
نحو ذلك، منهم: عمر بن
وقد رُوِي عن طائفة من الصحابة ـ
الخطاب به، وعبد الله بن يزيد الأنصاريّ ظ له، والمشهور عن الشافعيّ
ـه
في الأموال الحرام أنها تُحْفَظ، ولا يُتَصَدَّق بها حتى يظهر مستحقها، وكان
الفضيل بن عياض يرى أن من عنده مال حرام لا يُعرَف أربابه أنه يُتلفه، ويُلقيه
في البحر، ولا يَتصدق به، وقال: لا يُتقرَّب إلى الله إلا بالطيب، والصحيح

٤٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
الصدقة به؛ لأن إتلاف المال وإضاعته منهيّ عنه، وإرصاده أبداً تعريض له
للإتلاف، واستيلاء الظلمة عليه، والصدقةُ به ليست عن مكتسبه حتى يكون
تقرباً منه بالخبيث، وإنما هي صدقة عن مالكه؛ ليكون نفعه له في الآخرة حيث
يتعذر عليه الانتفاع به في الدنيا(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من ذكر أقوال أهل العلم
وأدلّتهم أن الأرجح قول من قال: إن من كان عنده مالٌ حرام، ولم يعرف
مالكه، ولا ورثته يتصدّق به عنه؛ تخلّصاً منه، لا طمعاً في ثوابه، ولا يتركه
عنده حتى يَتلَف، ويفسُد؛ لأن الله تعالى نهَى عن إضاعة المال، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): قوله: ((ثم ذَكَرَ الرجل، يُطيل السفرَ، أشعث، أغبر،
يَمُدّ يديه إلى السماء، يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه
حرام، وغُذِي بالحرام، فأَنَّى يُستجاب لذلك؟)).
قال الإمام ابن رجب تَّتُهُ: هذا الكلام أشار فيه وَ له إلى آداب الدعاء،
وإلى الأسباب التي تقتضي إجابته، وإلى ما يَمنَع من إجابته، فذكر من الأسباب
التي تقتضي إجابة الدعاء أربعةً:
[أحدها]: إطالة السفر، والسفر بمجرده يقتضي إجابة الدعاء، كما في
حديث أبي هريرة ربه، عن النبيّ وَلّ قال: ((ثلاثُ دعوات مستجابات، لا
شك فيهنّ: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد لولده))، خرّجه أبو
داود، وابن ماجه، والترمذيّ(٢)، وعنده: ((دعوة الوالد على ولده))، ورُوي مثله
عن ابن مسعود أنه من قوله.
ومتى طال السفر كان أقرب إلى إجابة الدعاء؛ لأنه مظنة حصول انكسار
النفس بطول الغربة عن الأوطان، وتحمل المشاقّ، والانكسارُ من أعظم
أسباب إجابة الدعاء.
(١) ((جامع العلوم والحكم)) ٢٦٤/١ - ٢٦٩.
(٢) حديث صححه ابن حبّان، وله شاهد من حديث عقبة بن عامر ظبه عند أحمد في
«مسنده)) (١٥٤/٤).

٤٠٥
(١٩) - بَابُ بَيَانِ قَبُولِ اللهِ وَ الصَّدَقَةَ مِنَ الْكَسْبِ الطَّيِّبِ، وَتَرْبِيَتِهِ لَهَا - حديث رقم (٢٣٤٦)
[والثاني]: حصول التبذّل في اللباس، والهيئة، بالشعث والإغبار، وهو
أيضاً من المقتضيات لإجابة الدعاء، كما في الحديث المشهور، عن النبيّ وَكالآتى:
«رُبَّ أشعثَ أغبرَ ذي ◌ِمْرين، مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبرّه))(١).
ولما خرج النبيّ وَّ للاستسقاء خَرَج متبذّلاً متواضعاً متضرّعاً (٢)، وكان
مطرِّف بن عبد الله قد حُبِس له ابن أخ فلبس خُلْقان ثيابه، وأخذ عُكّازاً بيده،
فقيل له: ما هذا؟ قال: أستكين لربي، لعله أن يُشَفِّعني في ابن أخي.
[الثالث]: مَدُّ يديه إلى السماء، وهو من آداب الدعاء التي يُرْجَى بسببها
إجابته، وفي حديث سلمان ظه، عن النبيّ وَّ﴾: ((إن الله تعالى حَييٌّ كَرِیم
يستحيي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صِفْراً خائبتين))، خرّجه الإمام
أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه(٣)، وروي نحوه من حديث أنس،
وجابر، وغيرهما .
وكان النبيّ وَّه يرفع يديه في الاستسقاء، حتى يُرَى بياض إبطيه(٤)، ورفع
يديه يوم بدر، يستنصر الله على المشركين، حتى سقط رداؤه عن منكبيه(٥).
وقد رُوي عن النبيّ ◌َِّ في صفة رفع يديه في الدعاء أنواعٌ متعددةٌ، فمنها
أنه كان يشير بأصبعه السبابة فقط، وروي عنه أنه كان يفعل ذلك على
المنبر(٦)، وفَعَله لَمّا رَكِب راحلته(٧) .
وذهب جماعة من العلماء إلى أن دعاء القنوت في الصلاة يشير فيه
بإصبعه، منهم الأوزاعيّ، وسعيد بن عبد العزيز، وإسحاق ابن راهويه، وقال
(١) رواه مسلم، وابن حبّان في ((صحيحه)).
(٢) أخرجه أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وأبو داود، من حديث ابن
عبّاس څ، وصححه ابن حبّان.
(٣) صححه ابن حبّان (٨٧٦ و٨٨٠)، والحاكم (٤٩٧/١)، ووافقه الذهبيّ، وجوّد
إسناده الحافظ في ((الفتح)) ١١/ ١٤٣.
(٤) متفقٌ عليه.
(٦) رواه مسلم.
(٧) رواه مسلم في حديث جابر الطويل.
(٥) رواه مسلم.

٤٠٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
ابن عباس وغيره: هذا هو الإخلاص في الدعاء، وقال ابن سيرين: إذا أثنيت
على الله فأشر بإصبع واحدة.
ومنها أنه وَيُ رفع يديه، وجعل ظهورهما إلى جهة القبلة، وهو مستقبلها،
وجعل بطونهما مما يلي وجهه، وقد رُويت هذه الصفة عن النبيّ و9َّ في دعاء
الاستسقاء(١)، واستحب بعضهم الرفع في الاستسقاء على هذه الصفة، منهم
الجوزجانيّ، وقال بعض السلف: الرفع على هذا الوجه تضرِّع.
ومنها: عكس ذلك، وقد رُوي عن النبيّ وَّ ر في الاستسقاء أيضاً(٢)،
وروي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يدعون كذلك، وقال بعضهم: الرفع
على هذا الوجه استجارة بالله، واستعاذة به، منهم ابن عمر، وابن عباس، وأبو
هريرة څ.
ورُوي عن النبيّ وَّر أنه كان إذا استعاذ رفع يديه على هذا الوجه(٣).
ومنها: رفع يديه، وجعل كفيه إلى السماء، وظهورهما إلى الأرض، وقد
ورد الأمر بذلك في سؤال الله ◌َ في غير حديثٍ، وعن ابن عمر، وأبي
هريرة، وابن سيرين، أن هذا هو الدعاء، والسؤال لله رحيم.
ومنها: عكس ذلك، وهو قَلْبُ كفيه، وجَعْلُ ظهورهما إلى السماء،
وبطونهما إلى ما يلي الأرض، وفي ((صحيح مسلم)) عن أنس ظُه: ((أن
النبيّ ◌َّ﴿ استسقى، فأشار بظهر كفيه إلى السماء))، وخرّجه الإمام أحمد دَّثُ،
ولفظه: ((فبسط يديه، وجعل ظاهرهما مما يلي السماء))، وخرّجه أبو داود،
ولفظه: ((استسقى هكذا)) يعني: النبيّ ◌َ﴾ّ مَدّ يديه، وجعل بطونهما مما يلي
الأرض.
وخرّج الإمام أحمد، من حديث أبي سعيد الخدريّ ظُه قال: كان
(١) راجع: حديث أنس ◌ُه في البخاريّ (١٠٣١)، ومسلم (٨٩٥).
(٢) في ((سنن أبي داود)) (١١٧١) من حديث أنس به: كان النبيّ ◌َّو يستسقي هكذا،
ومدّ يديه، وجعل بطونهما مما يلي الأرض حتى رأيت بياض إبطيه، وهو حديث
صحیح.
(٣) رواه أحمد في ((مسنده))، وفي سنده ابن ◌َهِيعة، وهو متكلّم فيه.

٤٠٧
(١٩) - بَابُ بَيَانِ قَبُولِ اللهِلَ﴿َ الصَّدَقَةَ مِنَ الْكَسْبِ الطَّيِّبِ، وَتَرْبِيَتِهِ لَهَا -حديث رقم (٢٣٤٦)
النبيّ وَّيه واقفاً بعرفة يدعو هكذا، ورفع يديه حيال تُنْدويه(١)، وجعل بطون
ويم يديه
كفيه مما يلي الأرض، وهكذا وصف حماد بن سلمة رفع النبيّ .
بعرفة، وروي عن ابن سيرين أن هذا هو الاستجارة، وقال الحميديّ: هذا هو
الابتهال.
[والرابع]: الإلحاح على الله رَك بتكرير ذكر ربوبيته، وهو من أعظم ما
يُطلب به إجابة الدعاء، وخرّج البزار من حديث عائشة أم المؤمنين
مرفوعاً: ((إذا قال العبد يا رب أربعاً، قال الله: لبيك عبدي سل تعطه))(٢).
وخرّج الطبرانيّ وغيره من حديث سعد بن خارجة: أن قوماً شكوا إلى
النبيّ وَّ﴿ قُخُوط المطر، فقال: ((اجُوا على الرُّكَب، وقولوا: يا رب يا رب،
وارفعوا السبابة إلى السماء))، فسُقُوا حتى أحبوا أن يُكْشَف عنهم(٣) .
وفي ((المسند)) وغيره عن الفضل بن عباس ﴿ه، عن النبيّ وَّ قال:
((الصلاة مثنى مثنى، وتَشَهَّدُ في كل ركعتين، وتَضَرَّع، وتَخشع، وتمسكن،
وتُقْنِع يديك - يقول: ترفعهما - إلى ربك، مستقبلاً بهما وجهك، وتقول: یا
رب يا رب، فمن لم يفعل ذلك فهي خداج)) (٤).
وقال يزيد الرَّقَاشيّ، عن أنس، مرفوعاً: ((ما من عبد يقول: يا رب يا
رب يا رب، إلا قال له ربه: لبيك لبيك)).
ورُوي عن أبي الدرداء، وابن عباس ظه كانا يقولان: اسم الله الأكبر:
رب رب.
وعن عطاء قال: ما قال عبد: يا رب يا رب ثلاث مرات، إلا نظر الله
إليه، فذكر ذلك للحسن، فقال: أما تقرءون القرآن، ثم تلا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ
(١) ((الثَنْدُوَةُ)) بضمّ أوله، ويُفتح: لحم النَّدْي، أو أصله، أفاده في ((القاموس)) ٢٨٠/١.
(٢) رواه البزار برقم (٣١٤٥). قال الهيثميّ في ((مجمع الزوائد)) ١٥/١٠: فيه الحكم بن
سعيد الأمويّ، ضعيفٌ.
(٣) في سنده عامر بن خارجة، قال البخاريّ: في إسناده نظرٌ، وقال أبو حاتم: إسناده
منكر.
(٤) رواه أحمد، والترمذيّ، وفي سنده عبد الله بن نافع بن العمياء، مجهول.

٤٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا
خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴿٣َ رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْرَيْتَهُ
وَمَا لِّلِمِينَ مِنْ أَنْصَارِ ﴿ رَبََّآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَانِ أَنْ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمْ
رَبَّنَا وَءَائِنَا مَا
فَشَامَنَّا رَبَّنَا فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَقَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ
فَأَسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ
١٩٤
وَعَدَتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ اٌلْقِيَمَةِ إِنَّكَ لَا تُخِفُ اَلِيعَادَ
أَنِى لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَمِلٍ مِّنَكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىُّ بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضَِّ قَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ
مِن دِيَرِهِمْ وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِىِ وَقَتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِرَنَّ عَنْهُمْ سَيْئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِنَّهُمْ جَنَّاتٍ
(0)﴾ [آل
تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهُ وَاَللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ
عمران: ١٩١ - ١٩٥].
ومن تأمل الأدعية المذكورة في القرآن وجدها غالباً تُفتتح باسم الرب،
كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِ الدُّنْيَا حَسَنَّةً وَفِ الْآَخِرَةِ حَسَنَّةً وَقِنَا عَذَابَ
النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]، ﴿رَبََّا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ
عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهٌِ﴾
[البقرة: ٢٨٦]، وقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُرَعْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨]، ومثل هذا
في القرآن كثير.
وسئل مالك، وسفيان عمن يقول في الدعاء: يا سيدي، فقال: ألا
يقول: يا رب، زاد مالك: كما قالت الأنبياء في دعائهم.
وأما ما يمنع إجابة الدعاء، فقد أشار ◌َّه إلى أنه التوسع في الحرام أكلاً
وشرباً ولبساً وتغذيةً، وفي حديث ابن عباس ظًّا أن النبيّ وَّ قال لسعد:
((أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة))(١).
فأكلُ الحرام وشربه ولبسه والتغذي به سبب موجب لعدم إجابة الدعاء.
وروى عكرمة بن عمار، حدثنا الأصفر، قال: قيل لسعد بن أبي وقاص:
تستجاب دعوتك من بين أصحاب رسول الله وَليه؟ قال: ما رفعت إلى فمي
لقمة، إلا وأنا عالم من أين مجيئها؟ ومن أين خرجت؟.
وعن وهب بن منبه قال: من سره أن يستجيب الله دعوته، فليطيب
(١) ضعيف جدّاً. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) ٢٩٢/٤.

٤٠٩
(١٩) - بَابُ بَيَانِ قَبُولِ اللهِ وَ الصَّدَقَةَ مِنَ الْكَسْبِ الطَّيِّبِ، وَتَرْبِيَتِهِ لَهَا -حديث رقم (٢٣٤٦)
طعمته، وعن سهل بن عبد الله قال: من أكل الحلال أربعين صباحاً أجيبت
دعوته، وعن يوسف بن أسباط قال: بلغنا أن دعاء العبد يُحبَس عن السموات
بسوء المطعم.
وقوله وَله: ((فَأَنَّى يُستجاب لذلك؟)) معناه كيف يستجاب له؟ فهو استفهام
وقع على وجه التعجب والاستبعاد، وليس صريحاً في استحالة الاستجابة،
ومنعها بالكلية، فيؤخذ من هذا أن التوسع في الحرام، والتغذي به من جملة
موانع الإجابة، وقد يوجد ما يمنع هذا المانع من منعه، وقد يكون ارتكاب
المحرمات الفعلية مانعاً من الإجابة أيضاً، وكذلك ترك الواجبات، كما في
الحديث أن ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، يمنع استجابة دعاء
الأخيار، وفعل الطاعات يكون موجباً لاستجابة الدعاء، ولهذا لَمّا توسل الذين
دخلوا الغار، وانطبقت الصخرة عليهم بأعمالهم الصالحة التي أخلصوا فيها لله
تعالى، ودعوا الله بها أجيبت دعوتهم.
وقال وهب بن منبه: مثل الذي يدعو بغير عمل، كمثل الذي يرمي بغير
وَتَر، وعنه قال: العمل الصالحِ يبلغ الدعاء، ثم تلا قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ
اَلْكَلِمُ الطَّيْبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُمْ﴾ [فاطر: ١٠].
وعن عمر بن الخطاب رضيالله قال: بالورع عما حرّم الله يُقبَل الله الدعاء
والتسبيح.
وعن أبي ذرّ ◌َظُه قال: يكفي مع البر من الدعاء مثل ما يكفي مع الطعام
من الملح.
وقال محمد بن واسع: يكفي من الدعاء مع الورع اليسير، وقيل لسفيان:
لو دعوت الله؟ قال: إن ترك الذنوب هو الدعاء.
وقال الليث: رأى موسى - عليه الصلاة والسلام - رجلاً رافعاً يديه، وهو
يسأل الله مجتهداً، فقال موسى ظلَّله: أي رب عبدك دعاك حتى رحمتُهُ، وأنت
أرحم الراحمين، فما صنعت في حاجته؟ فقال: يا موسى لو رفع يديه حتى
ينقطع ما نظرت في حاجته، حتى ينظر في حقي.
وخرّج الطبراني بإسناد ضعيف، عن ابن عباس ظها مرفوعاً معناه.
وقال مالك بن دينار: أصاب بني إسرائيل بلاء، فخرجوا مخرجاً،

٤١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
فأوحى الله تعالى إلى نبيّه أن أخبرهم أنكم تخرجون إلى الصعيد بأبدان نجسة،
وترفعون إليّ أَكُفّاً قد سفكتم بها الدماء، وملأتم بها بيوتكم من الحرام، الآن
اشتدّ غضبي عليكم، ولن تزدادوا مني إلا بُعْداً.
وقال بعض السلف: لا تستبطئ الإجابة، وقد سَدَدتَ طرقها بالمعاصي،
وأخذ بعض الشعراء هذا المعنى، فقال (من الخفيف]:
ثُمَّ نَنْسَاهُ عِنْدَ کَشْفِ الْكُرُوب
نَحْنُ نَدْعُو الإِلَهَ فِي كُلِّ گَرْبٍ
قَدْ سَدَدْنَا طَرِيقَهَا بِالذُّنُوبِ(١)
كَيْفَ نَرْجُو إِجَابَةً لِدُعَاءِ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٢٠) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ الصَّدَقَةَ وِقَايَةٌ مِنَ النَّارِ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٤٧] (١٠١٦) - (حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ سَلَّام الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ
مُعَاوِيَةَ الْجُعْفِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِّ مَعْقِلٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمِ،
قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَّهِ يَقُولُ: ((مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَتِرَ مِنَ النَّارِ، وَلَوْ بِشِّقِّ
تَمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (عَوْنُ بْنُ سَلَّامِ الْكُونِيُّ) الهاشميّ مولاهم، أبو جعفر الكوفيّ، ثقةٌ
[١٠] (ت٢٣٠) (م) تقدمً في ((الإيمان) ٢٢٨/٣٠.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُعْفِيُّ) أبو خيثمة الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ
ثبتٌ، إلا أن سماعه من أبي إسحاق بآخرة [٧] (ت٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم
في ((المقدمة)) ٦٢/٦.
٣ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السبيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ اختلط
بآخرة [٣] (ت١٢٩) تقدم في ((المقدمة)) (ع) ١١/٣.
(١) ((جامع العلوم والحكم)) ٢٥٨/١ - ٢٧٧.

٤١١
(٢٠) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ الصَّدَقَةَ وِقَابَةٌ مِنَ النَّارِ، وَلَوْ بِشِقٌّ تَمْرَةٍ - حديث رقم (٢٣٤٧)
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَعْقِلٍ(١)) بن مُقَرِّن المزنيّ، أبو الوليد الكوفيّ، ثقةٌ، من
کبار [٣].
رَوَى عن أبيه، وعليّ، وابن مسعود، وثابت بن الضحاك، وكعب بن
عُجْرة، وعديّ بن حاتم، وسالم مولى أبي حذيفة.
وروى عنه أبو إسحاق السَّبِيعيّ، وعبد الملك بن عُمير، ويزيد بن أبي
زياد، وعبد الرحمن بن الأصبهانيّ، وعبد الله بن السائب الكنديّ، وزياد بن
أبي مريم، وأبو إسحاق الشيبانيّ، وغيرهم.
قال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقةٌ، من خيار التابعين، وقال ابن سعد: كان
ثقةً، قليل الحديث، وقال ابن حبان في ((الثقات)): مات سنة بضع وثمانين
بالبصرة، وقال البخاريّ في ((تاريخه)): قال لي أحمد: أنا عبد الله، أنا يونس،
عن أبي إسحاق، قال: خرجنا سنة (٨٨)، فجعل عبد الله بن مَعْقِل في ذلك
البعث، ثم إن الحجاج أخرجهم مع عتبة بن أبي عقيل، فمات ابن معقل
بأنقرة .
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم
(١٠١٦)، وحديث (١٢١٠) وأعاده بعده، و(١٥٤٩) وأعاده بعده.
٥ - (عَدِيُّ بْنُ حَاتِم) بن عبد الله بن سعد الْحَشْرج الطائيّ، أبو طَرِيف
الصحابيّ الشهير، وكان ◌ُه ممن ثبت على الإسلام في الردّة، وحضر فتوح
العراق، وحروب عليّ رَظُه، ومات سنة (٦٨) وهو ابن (١٢٠) سنة، وقيل غير
ذلك (ع) تقدم في ((الجمعة)) ٢٠١٠/١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ◌َُّهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فإنه من
أفراده.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره.
(١) بفتح أوله، وسكون العين المهملة، بعدها قاف.

٤١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمِ) ◌َُّهُ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّهِ يَقُولُ: (مَنِ اسْتَطَاعَ
مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَتِرَ مِنَ النَّارِ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ) - بكسر المعجمة -: أي: نصفها، أو
جانبها؛ أي: ولو كان الاتّقاء بالتصدّق بشِقّ تمرة واحدة، فإنه يفيد (فَلْيَفْعَلْ)
أي: ليتصدّق بها حتى يستر نفسه من النار، وفيه الحثّ على الصدقة، وأنه لا
يمتنع منها لقلّتها، وأن قليلها سبب للنجاة من النار(١).
وفي رواية البخاريّ: (اتقوا النار، ولو بشقّ تمرة))، وفي رواية الطبرانيّ
من حديث فضالة بن عُبيد ◌َظُبه، مرفوعاً: ((اجعلوا بينكم وبين النار حجاباً،
ولو بشِقّ تمرة))، ولأحمد من حديث ابن مسعود ظُه، مرفوعاً أيضاً، بإسناد
صحيح: ((لِيَتَّقِ أحدكم وجهه النار، ولو بشقّ تمرة))، وله من حديث عائشة ◌ًُّا،
بإسناد حسن: ((يا عائشة استتري من النار، ولو بشقّ تمرة، فإنها تَسُدُّ من
الجائع مَسدّها من الشبعان))، ولأبي يعلى من حديث أبي بكر رَُّه نحوه، وأتمّ
منه، بلفظ: ((تقع من الجائع موقعها من الشبعان))، وكأنّ الجامع بينهما في ذلك
حلاوتها، قاله في ((الفتح))(٢).
[تنبيه]: هذا الحديث مختصرٌ من حديث عديّ بن حاتم ظُه الطويل،
وقد ساقه البخاريّ تَخّْثُ في ((كتاب المناقب)) من ((صحيحه)) بطوله، فقال:
٣٥٩٥ - حدثني محمد بن الحكم، أخبرنا النضر، أخبرنا إسرائيل،
أخبرنا سعد الطائي، أخبرنا مُحِلّ بن خليفة، عن عدي بن حاتم، قال: بينا أنا
عند النبي وَ﴿، إذ أتاه رجل، فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر، فشكا إليه قطع
السبيل، فقال: ((يا عدي هل رأيت الْحِيرَة؟)) قلت: لم أرها، وقد أُنبئت عنها،
قال: ((فإن طالت بك حياة، لَتَرَيَنَّ الظعينةَ ترتحل من الحيرة، حتى تطوف
بالكعبة، لا تخاف أحدا إلا الله)) - قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دُغَّار طَيِّئٍ
الذين قد سَعّرُوا البلاد - ((ولئن طالت بك حياة، لتُفتَحَنّ كنوز كسرى))، قلت:
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠١/٧.
(٢) راجع: ((الفتح)) ٣٢/٤ - ٣٣.
٠

٤١٣
(٢٠) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ الصَّدَقَةَ وِقَايَةٌ مِنَ النَّارِ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ - حديث رقم (٢٣٤٨)
كسرى بن هُرْمُز؟، قال: ((كسرى بن هُرْمُز، ولئن طالت بك حياة، لترين الرجل
يُخرِج مِلْءَ كفه من ذهب أو فضة، يطلب من يقبله منه، فلا يجد أحداً يقبله
منه، ولَيَلْقَيَنَّ الله أحدكم يوم يلقاه، وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له، فليقولنّ
له: ألم أَبْعَث إليك رسولاً، فيبلغك؟، فيقول: بلى، فيقول: ألم أعطك مالاً،
وأُفْضِل عليك؟، فيقول: بلى، فينظر عن يمينه، فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن
يساره، فلا يرى إلا جهنم))، قال عديّ: سمعت النبيّ وَّه، يقول: ((اتقوا النار
ولو بشقة تمرة، فمن لم يجد شقة تمرة، فبكلمة طيبة))، قال عديّ: فرأيت
الظعينة ترتحل من الحيرة، حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن
افتتح كنوز كسرى بن هُرْمُز، ولئن طالت بكم حياة، لَتَرَوُنَّ ما قال النبيّ أبو
القاسم ◌َل : ((يخرج ملء كفه)). انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، والمسائل
المتعلّقة به ستأتي في الحديث التالي، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٣٤٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَم، قَالَ ابْنُ حُجْرٍ: حَدَّثَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ،
حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ خَيْئَمَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وِ: ((مَا
مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ اللهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُوَّجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ، فَلَا يَرَى
إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ، فَلَ يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَا يَرَى إِلَّا
الَّارَ، تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»، زَادَ ابْنُ حُجْرٍ: قَالَ الْأَعْمَشُ:
وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ خَيْئَمَةَ مِثْلَهُ، وَزَادَ فِيهِ: ((وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ))، وقَالَ
إِسْحَاقُ: قَالَ الْأَعْمَشُ: عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ خَيْئَمَةَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩]
(ت٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.

٤١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ إمام مشهور
[١٠] (ت٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٣ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم) المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) أو
بعدها، وقد قارب المائة (مَّ ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٥/٤.
٤ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي عيسى الكوفيّ، نزل الشام مرابطاً، ثقةٌ
مأمون [٨] (ت١٨٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٥ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ
حافظ ورع، لكنه يدلّس [٥] (ت٧ أو ١٤٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٢٩٧.
والباقیان ذُكرا قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف نَّتُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ
قرن بينهم؛ لاتحاد كيفيّة تحمّله منهم، وهو السماع من لفظهم مع غيره، ولذا
قال: ((حدّثنا))، ثم فرّق بينهم؛ لاختلافهم في كيفيّة تحمّلهم، فابن حجر سمع
من عيسى بن يونس مع غيره، ولذا قال: ((حدّثنا))، والآخران سمعا قارئاً يقرأ
على عيسى، ولذا قالا: ((أخبرنا)).
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيوخه، كما أسلفته
آنفاً في تراجمهم.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، سوى شيوخه، فإنهم مروزيّون.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ خَيْثَمَةَ) - بفتح المعجمة، وسكون التحتانية، بعدها مثلثة - ابن
عبد الرحمن الجعفيّ (عَنْ عَدِيٍّ بْنِ حَاتِم) الطائيّ ◌َ ◌ُبهِ أنه (قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((مَا مِنْكُمْ) ظاهر الخطاب للصحَّابة ﴿ه، ويَلتحق بهم المؤمنون
كلهم، سابقهم ومُقصِّرهم، أشار إلى ذلك ابن أبي جمرة كَّفُ(١). (مِنْ أَحَدٍ)
(١) ((الفتح)) ٤٠٤/١١.

٤١٥
(٢٠) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ الصَّدَقَةَ وِقَابَةٌ مِنَ النَّارِ، وَلَوْ بِشِقُّ تَمْرَةٍ - حديث رقم (٢٣٤٨)
((من)) زائدة لتفيد استغراق النفي (إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ اللهُ) في رواية وكيع، عن
الأعمش، عند ابن ماجه: ((سيكلمه ربه)) (لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ) أي: بين الله تعالى
وبين الأحد (تُرْجُمَانٌ) قال في ((القاموس)): الترجمان بضمّ التاء والجيم،
ويفتحهما، وبفتح التاء، وضمّ الجيم: هو المفسّر للسان، وقد ترجمه، وعنه،
والفعل يدلّ على أصالة التاء. انتهى(١).
وقال في ((المصباح)): وتَرْجَم فلانٌ كلامه: إذا بيّنه، وأوضحه، وترجم
كلام غيره: إذا عَبَّر عنه بلغةٍ غيرِ لغة المتكلم، واسم الفاعل تَرْجُمان، وفيه
لغات: أجودها فتح التاء، وضم الجيم، والثانية ضمهما معاً بجعل التاء تابعةً
للجيم، والثالثة فتحهما بجعل الجيم تابعةً للتاء، والجمع: تَرَاجِم، والتاء
والميم أصليتان، فوزن ترجم فَعْلَلَ، مثل دحرج، وجعل الجوهري التاء زائدة،
وأورده في تركيب رَجَمَ، ويوافقه ما في نسخة من ((التهذيب)) من باب رَجَمَ
أيضاً، قال اللِّحيانيّ: وهو التَّرْجُمَانُ، والتُّرْجُمَانُ، لكنه ذكر الفعل في
الرباعيّ، وله وجه، فإنه يقال: لسانٌ مِرْجَمٌ: إذا كان فصيحاً قوّالاً، لكن
الأكثر على أصالة التاء. انتهى(٢).
[تنبيه]: لم يُذْكَر في هذه الرواية ما يقول، وبَيَّنه في رواية البخاريّ في
((الزكاة) من طريق مُحِلّ بن خَلِيفة، عن عديّ بن حاتم ◌َُّه بلفظ: ((ثم لَيَقِفَنّ
أحدكم بين يدي الله، ليس بينه وبينه حجابٌ، ولا ترجمان يُترجم له، ثم ليقولنّ
له: «ألم أوتك مالاً؟، فيقولنّ: بلى، ثم ليقولنّ: ألم أرسل إليك رسولاً؟،
فليقولنّ بلى ... )) الحديث، وفي رواية له في ((المناقب)): ((وليلقينّ الله أحدكم
يوم يلقاه، وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له، فيقولنّ له: ألم أبعث إليك
رسولاً، فيبلّغك؟ فيقول: بلى، فيقول: ألم أُعطك مالاً، وأُفضل عليك؟
فيقول: بلى ... ))(٣).
(فَيَنْظُرُ) ذلك الأحد (أَيْمَنَ مِنْهُ) أي: في الجانب الذي على يمينه (فَلَا
يَرَى إِلَّ مَا قَدَّمَ) أي: من أعماله الصالحات، وللترمذيّ من رواية أبي معاوية
(١) ((القاموس المحيط)) ٤/ ٨٣.
(٣) ((الفتح)) ٢٣٣/٤ و٢٧٢/٨.
(٢) ((المصباح المنير)) ١/ ٧٤.

٤١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
بلفظ: ((فلا يرى شيئاً إلا شيئاً قدمه))، وفي رواية مُحِلّ بن خليفة: ((فينظر عن
يمينه، فلا يرى إلا النار، وينظر عن شماله، فلا يرى إلا النار))، قال في
((الفتح)): وهذه الرواية مختصرةٌ، ورواية خيثمة مفسَّرة، فهي المعتمدة في ذلك.
انتھی .
وقوله: ((أيمن))، و((أشأم)) بالنصب فيهما على الظرفية، والمراد بهما
اليمين والشمال، قال ابن هبيرة تَّتُهُ: نظر اليمين والشمال هنا كالمثل؛ لأن
الإنسان من شأنه إذا دَهَمه أمر أن يلتفت يميناً وشمالاً، يطلب الغوث.
قال الحافظ تَقْذَُّ: ويَحْتَمِل أن يكون سبب الالتفات أنه يَتَرَجَّى أن يجد
طريقاً يذهب فيها؛ ليحصل له النجاة من النار، فلا يرى إلا ما يُفضي به إلى
النار، كما وقع في رواية مُحِلّ بن خليفة. انتهى.
(وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ، فَلَا يَرَى إِلَّ مَا قَدَّمَ) أي: من أعماله السيّئات (وَيَنْظُرُ
بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَ يَرَى إِلَّ النَّارَ، تِلْقَاءَ وَجْهِهِ) أي: في محاذاته، ومقابل وجهه،
وفي رواية البخاريّ: ((ثم ينظر بين يديه، فتستقبله النار))، وفي رواية له: ((ينظر
تلقاء وجهه، فتستقبله النار)).
قال ابن هبيرة تَخْتُ: والسبب في ذلك أن النار تكون في مَمَرِّه، فلا
يمكنه أن يحيد عنها؛ إذ لا بدّ له من المرور على الصراط. انتهى.
(فَاتَّقُوا النَّارَ) أي: احترزوا منها بالتقوى التي هي تجنّب المخالفات؛ لئلا
يصيبكم، ويواقعكم عذابها (وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ)) أي: اجعلوا بينكم وبينها وقايةً من
الصدقة، وعمل البرّ، ولو بشيء يسير.
وقال الطيبيّ تَخْثُ: المعنى: إذا عرفتم أنه لا ينفعكم في ذلك اليوم شيء
إلا الأعمال الصالحة، وأن أمامكم النار، فاجعلوا الصدقة جُنّةً بينكم وبينها،
ولو بشقّ تمرة.
ونقل الطيبيّ قبل ذلك عن المظهر أن المعنى: إذا عرفتم ذلك، فاحذروا
من النار، ولا تظلموا أحداً، ولو بشقّ تمرة. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى بُعد ما قاله المظهر، بل الظاهر ما قاله
الطيبيّ.
وقوله: (زَادَ ابْنُ حُجْرٍ) أي عليّ بن حُجر شيخه الأول؛ أي: فهو

٤١٧
(٢٠) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ الصَّدَقَةَ وِقَابَةٌ مِنَ النَّارِ، وَلَوْ بِشِقٌّ تَمْرَةٍ - حديث رقم (٢٣٤٨)
موصول بالسند الماضي (قَالَ الْأَعْمَشُ: وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ خَيْئَمَةَ مِثْلَهُ)
غرض المصنّف تَخْلَثُ بيان أن شيخه عليّ بن حجر قال في روايته عن عيسى بن
يونس قال: قال الأعمش: وحدّثني عمرو بن مرّة، وقد صرّح بالتحديث، عن
خيثمة بن عبد الرحمن، مثل الحديث الماضي.
وحاصل المعنى: أن الأعمش تَظْلَقُ روى هذا الحديث عن خيثمة بن
عبد الرحمن بلا واسطة، ورواه أيضاً عنه بواسطة عمرو بن مرّة، وكلا الطريقين
صحیح.
قال الإمام ابن حبّان في ((صحيحه)): سمع هذا الخبرَ الأعمشُ عن
خيثمة، وسمعه عن عمرو بن مرة، عن خيثمة، رَوَى هذا الخبر أبو معاوية،
وهو من أعلم الناس بحديث الأعمش بعد الثوريّ، وكذلك وكيع في وصله عن
الأعمش، عن خيثمة، وروى قطبة بن عبد العزيز، وجرير بن عبد الحميد، عن
الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن خيثمة، فالطريقان جميعاً صحيحان.
انتھی(١).
وقوله: (وَزَادَ فِيهِ) أي في الحديث، يعني: أن الأعمش زاد في روايته
عن عمرو بن مرّة قوله: (وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ) أي التي فيها تطييب قلب إنسان إذا
كانت مباحةً، أو طاعةً، وفيه أن الكلمة الطيّبة سبب للنجاة من النار، قاله
النوويّ كَذَتُهُ(٢).
وقال المناويّ دَّثُ: قوله: ((فبكلمة طيّبة)): أي: فاتقوا النار بكلمة طيبة،
تُطَيِّب قلب السائل، مما يُتَلَطّف به في القول والفعل، فإن ذلك سبب للنجاة من
النار، وقيل: الكلمة الطيبة ما يدلّ على هُدَى، أو يَرُدّ عن رَدى، أو يصلح بين
اثنين، أو يفصل بين متنازعين، أو يَحُلّ مشكلاً، أو يكشف غامضاً، أو يدفع
تأثيراً، أو يُسَكِّن غضباً .
قال: واستدلّ الشافعية بهذا الخبر على أنه لو قال: لزيد عندي شيء،
وفسّره بما لا يُتَمَوَّل، كحبة بُرّ، وشِقّ تمرة قُبِلَ. انتهى(٣).
(١) ((صحيح ابن حبان)) ١٦/ ٣٧٣.
(٣) ((فيض القدير)) ١٣٨/١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٠١/٧.

٤١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
وقوله: (قَالَ إِسْحَاقُ: قَالَ الْأَعْمَشُ: عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ خَيْثَمَةَ)
غرضه منه بيان أن شيخه إسحاق ابن راهويه قال في روايته عن عيسى بن
يونس، قال: قال الأعمش: عن عمرو بن مرّة، عن خيثمة، يعني: أنه عنعنه،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عديّ بن حاتم حظُّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣٤٨/٢٠ و٢٣٤٩ و٢٣٥٠] (١٠١٦)،
و(البخاريّ) في ((الزكاة)) (١٤١٣ و١٤١٧)، و((المناقب)) (٣٥٩٥)، و((الأدب))
(٦٠٢٣)، و(الرقاق)) (٦٥٣٩ و٧٥١٣) و((التوحيد)) (٧٥١٢)، و(النسائيّ) في
((الزكاة)) (٢٥٥٢ و٢٥٥٣)، وفي ((الكبرى)) (٢٣٣٣ و٢٣٣٤)، و(الطيالسيّ) في
((مسنده)) (١٠٣٦ و١٠٣٧ و١٠٣٩)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١١٠/٣)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٥٦/٤ و٢٥٨ و٢٥٩ و٣٧٧)، و(الدارميّ) في ((سننه))
(١٦٥٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٩٢/٣ - ٩٣)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٤٧٣ و٣٣٠٠ و٧٣٧٣)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٢٠/١٧)،
و(ابن السنّيّ) في ((عمل اليوم والليلة)) (٣٢٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الحثّ على الصدقة، ولو بالقليل.
٢ - (ومنها): أن الصدقة تُقبَل، ولو قلّت، لكن بشرط أن تكون طيّبة؛
لحديث أبي هريرة عنه، قال: قال رسول الله وَله: ((أيها الناس، إن الله طيب،
لا يقبل إلا طيباً ... )) الحديث تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (ومنها): عدم احتقار القليل من الصدقة، وغيرها؛ لأنها تربو عند الله
حتى تكون كالجبل، كما دلّ عليه حديثُ أبي هريرة ◌َُّبه، قال: قال
رسول الله وَج: ((من تصدق بعدل تمرة، من كسبٍ طيِّب ... )) الحديث المذكور
في الباب الماضي أيضاً.

(٢٠) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ الصَّدَقَةَ وِقَابَةٌ مِنَ النَّارِ، وَلَوْ بِشِقٌّ تَمْرَةٍ - حديث رقم (٢٣٤٩)
٤١٩
٤ - (ومنها): أن الكلمة الطيّبة تكون وقايةً عن النار كصدقة المال، وقد
ثبت كونها صدقة، فيما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة نظر ته، قال: قال
رسول الله وَّ: ((كلُّ سُلامَى من الناس، عليه صدقة، كلَّ يوم تطلع فيه
الشمس، يعدل بين الاثنين صدقة، ويُعين الرجل على دابته، فيحمله عليها، أو
يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة يخطوها إلى
الصلاة صدقة، ويُمِيط الأذى عن الطريق صدقة))، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٤٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا(١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالًا:
حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ خَيْئَمَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ
حَاتِمِ، قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ِ النَّارَ، فَأَعْرَضَ وَأَشَاحَ، ثُمَّ قَالَ: ((اتَّقُوا النَّارَ))، ثُمَّ
أَعْرَضََّ وَأَشَاحَ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ كَأَنَّمَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: ((اتَّقُوا النَّارَ، وَلَوْ بِشِقِّ
تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ»، وَلَمْ يَذْكُرُ (٢) أَبُو كُرَيْبٍ: كَأَنَّمَا، وَقَالَ: حَدَّثَنَا
أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشِرُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس
لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، من كبار [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدم
في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
٤ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد الله بن طارق الْجَمَليّ المراديّ، أبو عبد الله
الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ عابدٌ، رُمي بالإرجاء [٥] (١١٨) أو قبلها (ع) تقدم في
(الإيمان)) ٤٥٢/٨٥.
والباقيان ذُكرا قبله.
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).
(٢) وفي نسخة: ((لم يذكر)).

٤٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َذَثُ، وله فيه شيخان قرن
بينهما؛ لاتحادهما في التحمّل والأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج
له الترمذيّ، وأما أبو كريب، فمن مشايخ الجماعة، بلا واسطة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض:
الأعمش، عن عمرو، عن خيثمة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم الطائيّ) ◌َُّه أنه (قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ النَّارَ،
فَأَعْرَضَ وَأَشَاحَ) - بشين مَّعَجمة، وحاء مهملة -: أي: أظهر الْحَذَر منها، قال
الخليل: أشاح بوجهه عن الشيء: نَجَّاه عنه، وقال الفرّاء: الْمُشِيحِ: الْحَذِرُ،
والْجادّ في الأمر، والْمُقبِلُ في خطابه، المانع لما وراء ظهره، فيجوز أن يكون
أشاح أحد هذه المعاني: أي: حَذِرَ النارَ، كأنه ينظر إليها، أو جَدَّ على الوصيّة
باتّقائها، أو أقبل على أصحابه في خطابه بعد أن أعرض عن النار لَمَّا ذكرها.
انتھی(١).
وحكى ابن التين: أنّ معنى ((أشاح)) صَدّ، وانكمش، وقيل: صرف وجهه
كالخائف أن تناله. انتهى.
(ثُمَّ قَالَ) بَرِ (اتَّقُوا النَّارَ)، ثُمَّ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ كَأَنَّمَا يَنْظُرُ
إِلَيْهَا) وفي رواية شعبة التالية: ((أنه ذكر النار، فتعوّذ منها، وأشاح بوجهه ثلاث
مرار)) (ثُمَّ قَالَ: ((اتَّقُوا النَّارَ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ) أي: اجعلوا بينكم وبين النار
وِقَايَةً، من الصدقة، وعَمَلِ البرّ، ولو بشيء يسير (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) أي: ما يتصدّق
به من المال اليسير (فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ)) أي: فتصدّقوا بكلمة طيّبة، وهي الكلمة التي
تُطيّب قلب سامعها؛ لكونها موافقة لغرضه، مع كونها طاعةً، أو مباحةً.
(١) راجع: ((النهاية في غريب الحديث)) ٢/ ٥ بزيادة من ((فتح الباري ٢٢١/١٣ - ٢٢٢.