Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١
(١١) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى النَّفَقَةِ، وَتَبْشِيرِ الْمُنْفِقِ بَالْخَلَفِ - حديث رقم (٢٣٠٩)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ حافظُ عابدٌ [١١]
(٢٤٥) (خ م « ت س) تقدَّم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّام) أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظ، مصنّفٌ شهيرٌ،
عمي، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت٢١١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٣ - (مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ) الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ نزيل اليمن،
ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ) أبو عقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت١٣٢) (ع) تقدم
في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦.
و((أَبُو هُرَيْرَةَ» ذُكر قبله.
وقوله: (أَخِي وَهْبٍ بْنِ مُنَبِّهٍ) المتوفّى سنة بضع عشرة ومائة، وستأتي
ترجمته في [٣٤/ ٢٣٩٠] ((باب النهي عن المسألة))، وهمّام أكبر سنّاً من أخيه
وهب، لكن تأخّرت وفاته عنه، فقد تُوُفّي سنة (١٣٢) على الصحيح.
وقوله: (قَالَ: هَذَا ... إلخ) أي: قال همّام بن منبّه مشيراً إلى ما كتبه في
صحيفته من حديث أبي هريرة ظه، فاسم الإشارة مبتدأ خبره قوله: ((مَا حَدَّثَنَا
أَبُو هُرَيْرَةَ رُه ... إلخ)).
وقوله: (فَذَكَرَ) أي: همّام (أَحَادِيثَ) كثيرة، وهي نحو (١٣٨) حديثاً.
وقوله: (مِنْهَا) جارّ ومجرور خبر مقدّم لقوله: ((وقال: قال
رسول الله ( ... إلخ)) لقصد لفظه، فهو محكيّ.
(لَا يَغِيضُهَا) أي: لا ينقصها شيء من الإنفاق، ففاعله مقدّر، يدلّ عليه
السياق، وقد جاء مصرّحاً به في الرواية السابقة، حيث قال: ((لا يغيضها
شيء)).
وقوله: (سَخَّاءُ) بالمدّ والهمز والرفع على أنه خبرٌ لـ((يمينُ الله)) بعد
خبرين، وقوله: ((الليل والنهار)) في هذه الرواية منصوبان على الظرفيّة متعلّقان
بما في ((سجّاء)) من معنى الفعل، قال القرطبيّ تَّفُ: هذه هي الرواية
المشهورة، وعند أبي بحر: ((سَحّاً)) منصوباً منوّناً على أنه مصدر، حُذف فعله؛
٢٤٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
أي: تسُحّ سخّاً، والسحّ الصبّ الكثير(١).
وقوله: (اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) قال النوويّ تَخُّْهُ: ضبطناه بوجهين: نصب ((الليلَ
والنهارَ))، ورفعهما، فالنصب على الظرف، والرفع على أنه فاعل.
وقال في ((الفتح)): بالنصب على الظرفيّة؛ أي: فيهما، ويجوز الرفع،
ووقع في رواية لمسلم: ((سَحُ الليلِ والنهارِ)) بالإضافة، وفتح الحاء، ويجوز
(٢)
ضمها. انتهى (٢) .
[تنبيه]: قال الطيبيّ تَخّْلُهُ: يجوز أن تكون ((ملآی))، و((لا يَغِيضها))،
و(سخّاء))، و((أرأيت)) على تأويل مقول فيه أخباراً مترادفةً لـ((يمين الله))، ويجوز
أن تكون الثلاثة الأخيرة أوصافاً لـ((ملآى))، ويجوز أن يكون ((أرأيت)) استئنافاً
وفيه معنى الترقّ، كأنه لَمّا قيل: ((ملآى)) أَوْهَم جواز النقصان، فأزاله بقوله:
((لا يَغِيضها شيءٌ))، وربما يمتلىء الشيءُ، ولا يغيض، فقيل: سَحَاءُ، ليؤذن
بالغيضان، وقرنها بما يدلّ على الاستمرار، من ذكر الليل والنهار، ثم أتبعها
بما يدلّ على أن ذلك ظاهر غير خافٍ على ذي بصر وبصيرة بعد أن انتقل من
ذكر الليل والنهار إلى المدّة المتطاولة بقوله: ((أرأيتم)) مستأنفاً؛ لأنه خطاب
عامّ، والهمزة فيه للتقرير، قال: وهذا الكلام إذا أخذته بجملته من غير نظر إلى
مفرداته أبان زيادة الغنى، وكمال السعة، والنهاية في الجود، وبسط اليد في
العطاء. انتهى كلامه ببعض تصرّف(٣).
وقوله: (أَرَأَيْتُمْ) بضمير الجمع، وفي رواية ابن ماجه: ((أريت)) بضمير
المخاطب الواحد، وهو تنبيه على وضوح ذلك لمن له بصيرة.
وقوله: (مَا أَنْفَقَ) ((ما)) مصدريّة؛ أي: أتعلمون إنفاق الله تعالى (مُنْذُ
خَلَقَ اللهُ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ، فَإِنَّهُ) الضمير راجع إلى الإنفاق (لَمْ يَغِضْ)، بِالغين
والضاد المعجمتين، وهو بمعنى ينقص، وفاعله ضمير الإنفاق أيضاً؛ أي: لم
ينقص ذلك الإنفاق (مَا فِي يَمِينِهِ) ((ما)) هذه موصولة، وهي مع صلتها مفعول
(يَغِض))، وفي رواية البخاريّ: ((ما في يده)).
(١) راجع: ((المفهم)) ٣٨/٣.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٥٥٢/٢ - ٥٥٣.
(٢) ((الفتح)) ١٧/ ٣٧٣.
٢٤٣
(١١) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى النَّفَقَةِ، وَتَبْشِيرِ الْمُنْفِقِ بَالْخَلَفِ - حديث رقم (٢٣٠٩)
وقوله: (قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) فيه إشارة إلى أنه لم يكن تحت العرش
قبل السماوات والأرض شيء إلا الماء، وإلى أن جوده تعالى لا نهاية له، ولا
حصر .
وقال في ((الفتح)): مناسبة ذكر العرش هنا أن السامع يتطلع من قوله:
((خلق السماوات والأرض)) ما كان قبل ذلك، فذَكَرَ ما يدل على أن عرشه قبل
خلق السماوات والأرض كان على الماء، كما وقع في حديث عمران بن
حصين ◌ًا بلفظ: ((كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم
خلق السماوات والأرض)). انتهى.
وقوله: (وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْقَبْضُ، يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ) قال النوويّ تَخْتُ: ضبطوه
بوجهين: أحدهما: ((الْفَيْضُ) بالفاء والياء المثناة تحتُ، والثاني: ((الْقَبْضُ))
بالقاف والباء الموحدة، وذكر القاضي أنه بالقاف، وهو الموجود لأكثر الرواة،
قال: وهو الأشهر والمعروف، قال: ومعنى القبض الموت، وأما الفيض بالفاء
فالإحسان والعطاء والرزق الواسع، قال: وقد يكون بمعنى القبض بالقاف؛
أي: الموت، قال البكراويّ: والفيض الموت، قال القاضي: قَيْسٌ يقولون:
فاضت نفسه بالضاد: إذا مات، وطٌَّ يقولون: فاظت نفسه بالظاء، وقيل: إذا
ذكرت النفس فبالضاد، واذا قيل: فاظ من غير ذكر النفس فبالظاء، وجاء في
رواية أخرى: ((وبيده الميزان، يَخْفِض ويرفع))، فقد يكون عبارةً عن الرزق
ومقاديره، وقد يكون عبارة عن جملة المقادير، ومعنى ((يخفض، ويرفع))، قيل:
هو عبارة عن تقدير الرزق، يُقَتِّره على من يشاء، ويوسعه على من يشاء، وقد
يكونان عبارةً عن تصرف المقادير بالخلق بالعز والذل، والله أعلم. انتهى(١).
ووقع في رواية البخاريّ: ((وبيده الأخرى الميزان، يخفض ويرفع))؛ أي:
يخفض الميزان ويرفعها، قال الخطابيّ: الميزان مَثَلٌ والمراد القسمة بين
الخلق، وإليه الإشارة بقوله: ((يخفض ويرفع))، وقال الداوديّ: معنى الميزان
أنه قدّر الأشياء، ووقّتها، وحددها، فلا يملك أحد نفعاً ولا ضرّاً إلا منه وبه.
وقال السنديّ كَُّ في ((شرح النسائيّ)): وعنى قوله: ((وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى
(١) ((شرح النوويّ)) ٧/ ٨١.
٢٤٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
الْمِيزَانُ)) كما ذكروا في ((اليمين)) من المجاز، فليُتأمل، قال: والوجه مذهب
السلف، فالواجب فيه وفي أمثاله الإيمان بما جاء في الحديث والتسليم، وترك
التصرّف فيه بالعقل. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد السنديّ كَُّ في آخر كلامه، فإن
مذهب السلف هو الأسلم، والأعلم، والأحكم، فيا ليته التزم هذا المذهب في
كلّ كتابه لأفاد وأجاد، ولكنك في بعض المواضع ترى منه العجب العُجاب،
والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقال في ((الفتح)): ووقع في رواية همام؛ يعني: عند البخاريّ: ((وبيده
الأخرى الفيض، أو القبض))، الأولى بفاء وتحتانية، والثانية بقاف وموحدة،
كذا للبخاريّ بالشك، ولمسلم بالقاف والموحدة بلا شك، وعن بعض رواته
فيما حكاه عياض بالفاء والتحتانية، والأول أشهر، قال عياض: المراد بالقبض
قبض الأرواح بالموت، وبالفيض الإحسان بالعطاء، وقد يكون بمعنى الموت،
يقال: فاضت نفسه إذا مات، ويقال: بالضاد وبالظاء. انتهى.
قال الحافظ: والأولى أن يُفَسَّر بمعنى الميزان؛ ليوافق رواية الأعرج التي في
هذا الباب، فإن الذي يوزن بالميزان يَخِفّ ويَرْجَح، فكذلك ما يُقْبَض، ويَحْتَمِل أن
يكون المراد بالقبض المنع؛ لأن الإعطاء قد ذُكِر في قوله قبل ذلك: ((سَخَّاءُ الليل
والنهار))، فيكون مثل قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْضُّطٌ﴾ [البقرة: ٢٤٥].
ووقع في حديث النَّوّاس بن سَمْعان ◌َظُه عند مسلم: ((الميزان بيد
الرحمن، يرفع أقواماً، ويَضَعُ آخرين)).
وفي حديث أبي موسى ظُه عند مسلم، وابن حبان: ((إن الله لا ينام،
ولا ينبغي أن ينام، يَخْفِض القسط، ويرفعه))، وظاهره أن المراد بالقسط
الميزان، وهو مما يؤيد أن الضمير المستتر في قوله: ((يخفض ويرفع)) للميزان،
كما بدأت الكلام به، وقد تقدّم على هذا الحديث في ((كتاب الإيمان))(٢)،
فراجعه، تستفد.
(١) ((شرح السنديّ)) ١٣١/١.
(٢) تقدّم برقم (١٧٩) حديث أبي موسى
رَُّه قال: قام فينا رسول الله والله بأربع : =
٢٤٥
(١٢) - بَابُ فَضْلِ النَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ، وَالْمَمْلُوكِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٣١٠)
وقال المازريّ: ذكر القبض والبسط وإن كانت القدرة واحدة؛ لتفهيم
العباد أنه يفعل بها المختلفات، وأشار بقوله: ((بيده الأخرى)) إلى أن عادة
المخاطبين تعاطي الأشياء باليدين معاً، فعبّر عن قدرته على التصرف بذكر
اليدين؛ لتفهيم المعنى المراد بما اعتادوه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذهب إليه المازريّ، وكذا القرطبيّ في
((المفهم)) من تفسيره اليد بالقدرة مذهب منابذٌ لظواهر الكتاب والسنّة، ومذهب
السلف الصالح، وقد بيّا بطلانه في هذا الشرح في غير موضع، وكذا في شرح
النسائيّ، وشرح ابن ماجه في عدّة مواضع بما يكفي ويشفي.
والحاصل أن الله له صفة اليد كما أن له صفة القدرة، وله سائر صفاته
العليّة على ما يليق بجلاله، فتبصّر، ولا تتهوّر، والله تعالى الهادي إلى سواء
السبيل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيِّدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ .
(١٢) - (بَابُ فَضْلِ النَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ، وَالْمَمْلُوكِ،
وَإِثْمِ مَنْ حَسَ عَنْهُمْ قُوتَهُمْ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٣١٠] (٩٩٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا
عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ،
عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ(١)، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ
الرَّجُلُ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَدِينَارٌ
يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ»، قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: وَبَدَأَ بِالْعِيَالِ، ثُمَّ قَالَ أَبُو
= ((إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يرفع القسط، ويخفضه، ويُرفع إليه عمل
النهار بالليل، وعمل الليل بالنهار)).
(١) وفي نسخة: ((عن أبي أسماء الرحبي)).
٢٤٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
قِلَابَةَ: وَأَيُّ رَجُلِ أَعْظَمُ أَجْراً مِنْ رَجُلِ يُنْفِقُ عَلَى عِيَالٍ صِغَارٍ يُعِفَّهُمْ، أَوْ
يَنْفَعُهُمُ اللهُ بِهِ (١)، وَيُغْنِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٠/٢٣.
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِیدٍ) تقدّم قبل بابین.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨]
(ت١٧٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥.
٤ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
فقيهٌ عابدٌ [٥] (ت١٣١) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٥.
٥ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو الجرميّ البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، کثیر
الإرسال، وفيه نصبٌ يسير [٣] (ت١٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧/ ١٧٣.
٦ - (أَبُو أَسْمَاءَ) عمرو بن مرثد الرَّحَبيّ الدمشقيّ، ويقال: اسمه عبد الله،
ثقةٌ [٣] مات في خلافة عبد الملك (بخ م ٤) تقدم في ((الحيض)) ٧/ ٧٢٢.
٧ - (ثَوْبَانُ) بن بُجْدُد، ويقال: ابن جَحْدر الهاشميّ مولى النبيّ ◌َ*،
صَحِبه، ولازمه، ونزل بعده الشام، مات رُه بحِمْص سنة (٥٤) (بخ م ٤)
تقدم في ((الحيض)) ٧٢٢/٧.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَّتُهُ، وله فيه شيخان قرن بينهما؛
لاتحاد كيفية أخذه عنهما، ثم فصّل؛ لاختلافهما في كيفيّة صيغة الأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى أبي الربيع، فما أخرج له
الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين إلى أبي قلابة، وقتيبة بغلانيّ،
والباقيان شاميّان.
(١) وفي نسخة: ((يعفّهم الله، أو ينفعهم الله به)).
٢٤٧
(١٢) - بَابُ فَضْلِ النَّفَقَّةِ عَلَى الْعِيَالِ، وَالْمَمْلُوكِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٣١٠)
٤ - (ومنها): أن ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض: أيوب، عن
أبي قلابة، عن أبي أسماء، ورواية الأخيرين من رواية الأقران.
شرح الحديث:
(عَنْ ثَوْبَانَ) بن بُجْدُد ◌َبُهَ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((أَفْضَلُ دِينَارٍ
يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ) يراد به العموم؛ أي: أكثر الدنانير إذا أُنفقت (دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَىْ
عِيَالِهِ) بكسر العين المهملة، وتخفيف الياء التحتانيّة: أهل البيت، ومن يمونه
الإنسان، الواحد عَيِّلٌ، مثلُ جِيَادٍ وجَيِّدٍ، ويقال: عال الرجل اليتيم عَوْلاً، من
باب قال: إذا كَفَلَهُ، وقام به (١).
والمعنى: أن أفضل ما يُنفقه الرجل من الدنانير دينارٌ يُنفقه على من
يعولهم، وتلزمه نفقتهم ومؤنتهم، من نحو زوجة، وولد، وخادم، وهذا إذا نوى
به وجه الله تعالى؛ لما أخرجه الشيخان عن سعد بن أبي وقاص رص يته أن
رسول الله ◌َ﴿ قال: ((إنك لن تُنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله، إلا أُجرت عليها،
حتى ما تَجعَل في فم امرأتك)».
وأخرجا عن أبي مسعود البدريّ ﴿له، عن النبيّ وَّ قال: ((إذا أنفق
الرجل على أهله يَحتسبها، فهو له صدقة))، ولفظ مسلم: ((إن المسلم إذا أنفق
على أهله نفقةً، وهو يحتسبها، كانت له صدقةً)).
(وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ) متعلّق بحال من ((دابته))؛
أي: حال كونها مربوطةً، أو مجاهَداً بها في سبيل الله ﴾، وفي رواية ابن
ماجه: ((على فرس في سبيل الله)) (وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ»)
متعلّق بحال مقدّر؛ أي: حال كونهم مجاهدين في سبيل الله تعالى، والمراد
رُفقاؤه الغُزاة، وقيل: المراد بـ((سبيل الله)) كلُّ طاعة.
وقال القاري كَُّهُ(٢): يعني: أن الإنفاق على هؤلاء الثلاثة على الترتيب
أفضل من الإنفاق على غيرهم، ذكره ابن الملك.
قال: ولا دلالة في الحديث على الترتيب؛ لأن الواو لمطلق الجمع، إلا
(١) راجع: ((المصباح المنير)) ٤٣٨/٢.
(٢) راجع: ((المرقاة)) ٤٢٣/٤ - ٤٢٤.
٢٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
أن يقال: الترتيب الذكريّ الصادر من الحكيم لا يخلو عن حكمة، فالأفضل
ذلك، إلا أن يوجد مخصِّصٌ، ولذا قال ◌َلجر: «فابدءوا بما بدأ الله به))، رواه
أحمد، ومسلم، وأصحاب السنن(١).
(قَالَ أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد الْجَرْميّ (وَبَدَأَ بِالْعِيَالِ، ثُمَّ قَالَ أَبُو قِلَابَةَ)
منوّهاً بتقديم العيال على غيرهم، ومنّهاً على عظم أجر الإنفاق عليهم (وَأَيُّ
رَجُلٍ) مبتدأ خبره قوله: (أَعْظَمُ أَجْراً) منصوب على التمييز (مِنْ رَجُلِ يُتْفِقُ عَلَى
عِيَالٍّ صِغَارٍ بُعِفَّهُمْ) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإعفاف؛ أي: يمنعهم الله
تعالى بسببه من مذلّة السؤال (أَوْ) للشكّ من الراوي (يَنْفَعُهُمُ) بفتح أوله، من
النفع، وقوله (اللهُ بِهِ) تنازعه الفعلان قبله، وفي بعض النسخ: ((يُعفّهم الله، أو
ينفعهم))، وعليه فلا تنازع (وَيُغْنِيهِمْ) بضمّ أوله، من الإغناء، وهو مؤكّد لما
قبله .
وهذا الذي قاله أبو قلابة يدلّ له ما يأتي في حديث أبي هريرة
التالي: ((أعظمها نفقةً الذي أنفقته على أهلك))، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ثوبان رَّتُه هذا من أفراد المصنّف ◌َُّهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣١٠/١٢] (٩٩٤)، و(البخاريّ) في ((الأدب
المفرد)» (٧٤٨)، و(الترمذيّ) في («البرّ والصِّلَة)) (١٩٤٤)، و(النسائيّ) في
((الكبرى)) (٩١٨٢)، و(ابن ماجه) في ((الجهاد)) (٢٧٦٠)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٢٧٧/٥ و٢٧٩ و٤٨٤)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٨٠/٣)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (١٧٨/٤) و(٤٦٧/٧)، والله تعالى أعلم.
(١) هكذا وقعت في رواية للنسائيّ: ((ثم خرج، فقال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللهِ﴾
[البقرة: ١٥٨]، فابدءوا بما بدأ الله به)) بصيغة الأمر، وأما لفظ مسلم فهو ((أَبْدَأُ))
بصيغة مضارع المتكلّم، وأكثر الروايات بلفظ: ((نبدأ))، بصيغة المضارع المبدوء
بالنون، فتنبه.
٢٤٩
(١٢) - بَابُ فَضْلِ النَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ، وَالْمَمْلُوكِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٣١١)
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الحثّ على النفقة على العيال، وبيان عظم الثواب فيه؛ لأن
منهم من تجب نفقته بالقرابة، ومنهم من تكون مندوبةً، وتكون صدقةً وصلةً،
ومنهم من تكون واجبةً بملك النكاح، أو ملك اليمين، وهذا كله فاضلٌ
محثوثٌ عليه، وهو أفضل من صدقة التطوع، ولهذا قال ويالخير في الرواية التالية:
((أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك))، مع أنه ذكر قبله النفقة في سبيل الله،
وفي العتق، والصدقة، ورَجَّحَ النفقة على العيال على هذا كله؛ لما ذكرناه
وزاده تأكيداً بقوله {وَلير في الحديث الآخر: ((كفى بالمرء إثماً أن يَحْبِس عمن
يملك قوته)) (١).
٢ - (ومنها): الحثّ على العناية بالخيل ونحوه من عُدّة الجهاد في
سبيل الله رَات .
٣ - (ومنها): الحثّ على التعاون في الجهاد، والإنفاق على الغزاة
المعوزين فيه؛ لأنه من باب التعاون على البرّ والتقوى، قال ريات: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى
اُلْبِ وَالنَّقْوَى﴾ الآية [المائدة: ٢]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٣١١] (٩٩٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو
كُرَيْبٍ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُزَاحِم بْنِ
زُفَرَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي
سَبِيلِ اللهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ
عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْراً الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) تقدّم قبل بابين.
(١) راجع: ((شرح النوويّ)) ٨١/٧ - ٨٢.
٢٥٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل بابين.
٤ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٥ - (سُفْيَانٌ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ الإمام
الحجة الثبت الفقيه المشهور، من رؤوس [٧] (ت١٦١) (ع) تقدم في ((المقدمة))
١/١.
٦ - (مُزَاحِمُ بْنُ زُفَرَ) بن الحارث الضبّيّ، ويقال: الثوريّ، ويقال:
العلائيّ الجعفريّ العامريّ الكوفيّ، وهو مزاحم بن أبي مُزَاحم، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن عمر بن عبد العزيز، ومجاهد، والشعبيّ والربيع بن عبد الله
التيميّ، والقاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، والضحاك بن مزاحم.
ورَوَى عنه مِسْعَرٌ، والمسعوديّ، ومنصور بن أبي الأسود، والثوريّ،
وشعبة، وشريك، وغيرهم.
قال أبو داود، عن شعبة: أخبرني مُزاحم بن زُفَر الضبيّ، وكان كخير
الرجال، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح
الحديث، وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: مات يوم النهر غازياً مع
قتيبة بن مسلم. انتهى.
عَلَّقَ له البخاريّ، عن عمر بن عبد العزيز أَثَراً، وروى له مسلم والنسائي
حديث مجاهد عن أبي هريرة: دينار أعطيه في سبيل الله تعالى ... الحديث،
وليس له عندهما إلا هذا الحديث.
٧ - (مُجَاهِدٌ) بن جبر أبو الحجّاج المخزوميّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ
فقيه إمام في التفسير [٣] (ت١٠١) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢١/٤.
٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َُّه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف نَّتُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ
قرن بينهم؛ لاتحادهم في كيفية التحمّل والأداء.
٢٥١
(١٢) - بَابُ فَضْلِ النَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ، وَالْمَمْلُوكُ، ... إلخ - حديث رقم (٢٣١١)
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه الأول والثاني، فما
أخرج لهما الترمذيّ، وسوى مزاحم، فانفرد به المصنّف والنسائيّ، وأما شيخه
الثالث، فممن اتّفق الجماعة على الرواية عنهم بلا واسطة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى زهير، فنسائيّ، ثم بغداديّ،
ومجاهد، فمكيّ، وأبو هريرة ر ◌ُه، فمدنيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َهُ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: (دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ) قوله:
((دينار)) مبتدأ، خبره جملة ((أعظمها أجراً ... إلخ))، وقوله: ((أنفقته ... إلخ))
في محلّ رفع صفة لـ((دينارٌ))، وما بعده عطف عليه (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي: في
الجهاد، وقيل: المراد عموم سبيل الطاعة، كالحجّ، وطلب العلم (وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ
فِي رَقَبَةٍ) أي: في فكّها، أو إعتاقها (وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ
أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ) وقوله: (أَعْظَمُهَا) مبتدأ (أَجْراً) منصوب على التمييز، وخبر
المبتدأ قوله: (الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ))) والجملة خبر ((دينارٌ))، كما مرّ آنفاً،
وفيه دليلٌ على أن إنفاق الرجل على أهله أفضل من الإنفاق في سبيل الله، ومن
الإنفاق في الرقاب، ومن الصدقة على المساكين، وإنما كان أعظمها أجراً؛
لكونه فرضاً، وهي تطوّع، والفرض أفضل من التطوّع، ولأنه صدقةٌ وصلةٌ،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌ُبه هذا من أفراد المصنّف كَّلُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣١١/١٢] (٩٩٥)، و(البخاريّ) في («الأدب
المفرد)) (٧٥١)، و(أحمد) في («مسنده)) (٤٧٣/٢ و٤٧٦)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (٨٠/٣)، وفوائد الحديث تقدّمت في الحديث الماضي، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
٢٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظْثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٣١٢] (٩٩٦) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرْمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ
الرَّحْمُنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ الْكِنَانِيُ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ
خَيْئَمَةَ، قَالَ: كُنَّا جُلُوساً مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، إِذْ جَاءَهُ قَهْرَمَانٌ لَهُ، فَدَخَلَ،
فَقَالَ: أَعْطَيْتَ الرَّقِيقَ قُوتَهُمْ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَانْطَلِقْ فَأَعْطِهِمْ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ نَِّ: ((كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْماً أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرْمِيُّ) - بفتح الجيم، وسكون الراء - الكوفيّ،
صدوقٌ رُمي بالتشيّع، من كبار [١١] (تخ مد ق) تقدم في ((الصلاة)) ١٠١٦/٣٤.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ الْكِتَانِيُّ) هو: عبد الرحمن بن
عبد الملك بن سعيد بن حيّان بن أبجر الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ٢٣١)
(م س) تقدم في ((الجمعة)) ٢٠٠٩/١٥.
٣ - (أَبُوهُ) عبد الملك بن سعيد بن حيّان بن أبجر الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ [٦]
(م د ت س) تقدم في ((الإيمان)» ٤٧٢/٩٠.
٤ - (طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ) بن عمرو بن كعب الياميّ الكوفيّ، ثقةٌ قارىءٌ
فاضلٌ [٥] (ت١١٢) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٦/١٠.
٥ - (خَيْئَمَةُ) بن عبد الرحمن بن أبي سَبْرَة - بفتح المهملة، وسكون
الموحّدة - واسمه يزيد بن مالك بن عبد الله بن ذويب الْجَهْنيّ الكوفيّ - لأبيه
ولجده صحبةٌ، وَفَدَ جده أبو سَبْرَة إلى النبيّ وَ ﴿ ومعه ابناه: سَبْرة، وعزيز -
ثقةٌ، يرسل [٣].
رَوَى عن أبيه، وعلي بن أبي طالب، وابن عمر، وابن عمرو، وابن
عباس، والبراء بن عازب، وعَديّ بن حاتم، والنعمان بن بشير، وغيرهم من
الصحابة والتابعين.
ورَوَى عنه زِرّ بن حُبَيش، وأبو إسحاق السَّبِيعيّ، وطلحة بن مُصَرِّف،
وعمرو بن مُرّة الْجَمَليّ، وقتادة، والأعمش، ومنصور، وغيرهم.
٢٥٣
(١٢) - بَابُ فَضْلِ النَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ، وَالْمَمْلُوكِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٣١٢)
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ، ثقةٌ، وكان
رجلاً صالحاً، وكان سَخِيّاً، ولم ينج من فتنة ابن الأشعث إلا هو وإبراهيم
النخعيّ، وقال مالك بن مِغْوَل، عن طلحة بن مُصَرِّف: ما رأيت بالكوفة أحداً
أعجب إليّ منهما.
قال البخاريّ: مات قبل أبي وائل، وقال غيره: مات بعد سنة ثمانين،
وأرّخه ابن قانع سنة (٨٠)، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وساق بسنده إلى
نُعيم بن أبي هند، قال: رأيت أبا وائل في جنازة خيثمة، وقال عبد الله بن
أحمد، عن أبيه: لم يسمع خيثمةُ من ابن مسعود، وكذا قال أبو حاتم، وقال
أبو زرعة: خيثمة عن عمر مرسلٌ، وقال ابن القطان: يُنظَر في سماعه من
عائشة ٹ
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط برقم (٩٩٦)
و(١٠١٦) وكرّره ثلاث مرّات، و(١٠٦٦) و(٢٠١٧) و(٢٥٨٦) و(٢٨٧١).
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعَيد بن
سَعْد بن سَهْم السهميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ◌ُّ، مات في ذي الحجة ليالي
الْحَرّة على الأصحّ بالطائف على الراجح (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَّلُهُ.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيّين، سوى الصحابيّ، فمصريّ، ثم
طائفيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو ابن صحابيّ، من السابقين
إلى الإسلام، ومن الصحابة المكثرين من الرواية، وأحد العبادلة الأربعة، ومن
فقهاء الصحابة
شرح الحديث:
(عَنْ خَيْئَمَةَ) بن عبد الرحمن الْجُهنيّ أنه (قَالَ: كُنَّا جُلُوساً) بالضمّ: جمع
جالس (مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) بن العاص ◌َِّا (إِذْ جَاءَهُ) فجائيّة؛ أي: فاجأه
٢٥٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
مجيء (قَهْرَمَانٌ لَهُ) - بفتح القاف، وإسكان الهاء، وفتح الراء -: هو الخازن
القائم بحوائج الإنسان، وهو بمعنى الوكيل، وهو بلسان الْفُرْس(١). (فَدَخَلَ)
أي: القهرمان (فَقَالَ) عبد الله بن عمرو ﴿ّا لقهر مانه (أَعْطَيْتَ الرَّقِيقَ) أي:
العبيد، فهو هنا بمعنى الجمع، قال الفيّوميّ تَُّهُ: ويُطلق الرقيق على الذكر
والأنثى، وجمعه أَرِقّاءُ، مثلُ شَحِيح وأَشِحّاء، وقد يُطلق على الجمع أيضاً،
فيقال: عَبِيدٌ رَقِيقٌ، ومنه: ((وليس فَي الرقيق صدقةٌ)) أي: في عَبِيد الخدمة.
انتهى (٢). (قُوتَهُمْ؟) بالضمّ: ما يُؤكل ليُمسك الرَّمَقَ، قاله ابن فارس،
والأزهريّ، والجمع: أقوات، ويقال: قاته يقوته قَوْتاً، من باب قال: أعطاه
قُوتاً(٣). (قَالَ) القهرمان (لَا) أي: لم أُعطهم قوتهم (قَالَ) عبد الله بن عمرو ﴾
(فَانْطَلِقْ فَأَعْطِهِمْ) وقوله: (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَي) جملة تعليليّة لأمره بإعطائهم
قوتهم («كَفَى بِالْمَرْءِ) الباء زائدة في المفعول؛ أي: كفى المرء (إِثْماً) منصوب
على التمييز، وقوله: (أَنْ يَحْبِسَ) في تأويل المصدر فاعل ((كَفَى))، ومعنى
((يحبس)): يمنع (عَمَّنْ يَمْلِك) ((من)) موصولة، والعائد محذوف؛ لكونه فضلةً؛
أي: عن الشخص الذي يملكه (قُوتَهُ))) منصوب على المفعوليّة لـ((يَخْبِس)).
والمعنى أنه لو لم يكن للشخص ذنب غير منعه مملوكه قوته، لكفاه ذلك
إثماً يوجب له دخول النار، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو ﴿يا هذا من أفراد
المصنّف نَخْذَلُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣١٢/١٢] (٩٩٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٤٢٤١)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (١٢٢/٤ و٢٣/٥ و٨٧)، و(البيهقيّ) في
((الصغرى)) (٦ / ٥٧٠)، والله تعالى أعلم.
(١) ((شرح النوويّ)) ٧/ ٨٢.
(٣) ((المصباح)) ٥١٨/٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٣٥/١.
٢٥٥
(١٣) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِالابْتِدَاءِ فِي النَّفَقَةِ بِالنَّفْسِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٣١٣)
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب النفقة على العبيد.
٢ - (ومنها): بيان كون التقصير في نفقة العبيد إثماً، وهو معنى حديث
عبد الله بن عمرو ﴿يا الذي أخرجه أحمد، وأبو داود بسند صحيح، قال: قال
رسول الله وَله: ((كَفَى بالمرء إثماً أن يُضَيِّع من يَقُوت)).
٣ - (ومنها): عناية الشريعة بحقوق جميع الناس، حتى العبيد والبهائم،
حيث أوجبت على ملّاكها الإنفاق عليهم، والقيام بحقوقهم، فما أكمل
الشريعة، وأشملها، وأقومها، وأعدلها، وأوفاها:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِلْعَدْلِ
وَلْإِحْسَنِ وَإِتَآٍ ذِى الْقُرْبَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِّ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَذَكَّرُونَ (®﴾ [النحل: ٩٠]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَهِ عَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١٣) - (بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِالابْتِدَاءِ فِي النَّفَقَةِ بِالَّفْسِ،
ثُمَّ بِالأَهْلِ، ثُمَّ الأَقَارِبِ)
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٣١٣] (٩٩٧) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ، قَالَ: أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنْ
بَنِي عُذْرَةَ عَبْدَاً لَهُ عَنْ دُبُرٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِوَهِ، فَقَالَ: ((أَلَكَ مَالٌ غَيْرُهُ؟»،
فَقَالَ: لَا، فَقَالَ: ((مَنْ يَشْتَرِبِهِ مِنِّي؟))، فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْعَدَوِيُّ، بِثَمَانِ
مِائَةٍ دِرْهَم، فَجَاءَ بِهَا رَسُولَ اللهِ نَّهِ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((ابْدَأُ بِنَفْسِكَ،
فَتَصَدَّقْ عَلَّيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٍ فَلِأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ،
فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٍ فَهَكَذَا وَهَكَذَا))، يَقُولُ: فَبَيْنَ يَدَيْكَ، وَعَنْ يَمِينِكَ،
وَعَنْ شِمَالِكَ))).
٢٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
رجال هذا الإسناد:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بن سعيد الثقفي البغلاني، ثقة ثبت [١٠] (ت٢٤٠)
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح) التجيبيّ المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٢) (م ق)
تقدم في ((الإيمان)) ١٩٨/١٦.
٣ - (اللَّيْثُ) الإمام الحجة الثبت المشهور المصري [٧] (ت١٧٥) (ع)
تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٢.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تدرُس المكي، صدوق، يدلس [٤]
(ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤.
٥ - (جَابِرُ) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ
،
مات بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤/ ١١٧.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف تَخُّْ، وهو أعلى ما وقع له من
الأسانيد، وهو (١٤٦) من رباعيات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه ابن رُمح،
فتفرّد به هو وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه جابراً ظلله من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠)
حديثاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) رَبُهُ أنه (قَالَ: أَعْتَقَ رَجُلٌ) وفي الرواية التالية من طريق أيوب،
عن أبي الزبير: ((أن رجلاً من الأنصار، يقال له: أبو مذكور أعتق غلاماً له)) (مِنْ
بَنِي عُذْرَةَ) - بضمّ العين المهملة، وسكون الذال المعجمة، بعدها راء - نسبة إلى
◌ُذرة، من قُضاعة، وهو عُذرة بن زيد اللات بن رُفیدة بن ثور بن كعب بن وبرة بن
تغلب بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قُضاعة، وهي قبيلة معروفة(١).
(١) راجع: ((الأنساب)) للسمعانيّ ١٧١/٤ - ١٧٢.
٢٥٧
(١٣) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِالابْتِدَاءِ فِي النَّفَقَةِ بِالنَّفْسِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٣١٣)
(عَبْدَاً لَهُ عَنْ دُبُرٍ) وفي الرواية التالية: ((أعتق غلاماً له، يقال له:
يعقوب))، زاد في الرواية الآتية في ((كتاب الأيمان والنذور)) من طريق عمرو بن
دينار، عن جابر: «لم يكن له مالٌ غيره))، وفي رواية: ((دبّر رجلٌ من الأنصار
غلاماً له، لم يكن له مالٌ غيره، فباعه رسول الله وَّر، فاشتراه ابن النحّام،
عبداً قبطيّاً، مات عامَ أوّلَ، في إمارة ابن الزبير)).
[تنبيه]: ((المدبّر)): اسم مفعول، من دبّر الرجل عبده تدبيراً: إذا أعتقه
بعد موته، ويقال: أعتق عبده عن دُبُر: أي: بعد دُبُر؛ أي: في آخر أمره،
وقال في ((الفتح)): المدبّر: هو الذي عَلّق مالكه عتقه بموته، سُمّي بذلك؛ لأن
الموت دُبُر الحياة، أو لأن فاعله دَبّر أمر دنياه وآخرته، أما دنياه، فباستمراره
على الانتفاع بخدمة عبده، وأما آخرته فبتحصيل ثواب العتق، وهو راجع إلى
الأول؛ لأن تدبير الأمر مأخوذ من النظر في العاقبة، فيرجع إلى دبر الأمر،
وهو آخره. انتهى(١).
(فَبَلَغَ ذَلِكَ) أي: عتقه المذكور (رَسُولَ اللهِ وَلّ) منصوب على المفعوليّة
(فَقَالَ) وَّ للرجل ((أَلَكَ مَالٌ غَيْرُهُ؟))، فَقَالَ: لا) أي: قال الرجل: ليس لي
مالٌ غيره.
فيه دلالة على أنّ سبب بيعه كونه لا يملك شيئاً غيره، وأصرح من هذا
رواية للبخاريّ، من طريق عطاء بن أبي رباح، عن جابر: ((أنّ رجلاً أعتق
غلاماً له عن دبر، فاحتاج، فأخذه النبيّ وَّه، فقال: ((من يشريه منّي ... ))
الحديث. ففيها التصريح بأنّ سبب بيعه هو احتياجه إلى ثمنه، وقد جاءت رواية
أخرى فيها بيان أن سببه هو الدَّين، فقد أخرج الإسماعيليّ، من طريق أبي
بكر بن خلّاد، عن وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، وفيه: ((أعتق غلاماً له،
وعليه دينٌ))، وقد جاءت رواية أخرى بيّنت السببين معاً، فقد أخرج النسائيّ من
طريق الأعمش، عن سلمة بن كهيل، بلفظ: ((أنّ رجلاً من الأنصار أعتق غلاماً
له عن دبر، وكان محتاجاً، وكان عليه دينٌ، فباعه رسول الله صلّ بثمانمائة
درهم، فأعطاه، وقال: اقض دینك)).
(١) ((الفتح)) ١٧٢/٥ - ١٧٣.
٢٥٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
والحاصل أنّ سبب بيعه كونه فقيراً محتاجاً إليه، حيث لا مال له سواه،
وتحمّله الدين، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ) بَرِ ((مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي))؟) فيه جواز بيع المدبّر، وفيه خلاف بين
أهل العلم، والراجح جوازه مطلقاً، وهو قول الشافعيّ، وأهل الحديث.
ومنهم من منع مطلقاً، وهو قول مالك، والأوزاعيّ، والكوفيين.
ومنهم من أجازه للحاجة، وهو قول الليث بن سعد.
وقال السنديّ تَخْشُ في ((شرح النسائيّ)): من لا يرى بيع المدبّر، منهم من
يَحْمِله على أنه كان مدبّراً مقيّداً بمرضٍ، أو بمدّة، كعلمائنا - يعني: الحنفيّة -
ومنهم من يَحْمِله على أنه دبّره، وهو مديونٌ، كأصحاب مالك، والأول بعيدٌ،
والثاني يردّه آخر الحديث. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله السنديّ تَخْلُ إنصاف منه
حيث ردّ على أهل مذهبه، وغيرهم؛ لمخالفتهم الحديث، فيا ليت أصحاب
المذاهب المتأخّرين كلهم كانوا هكذا، وانقادوا للنصّ إذا اتّضح لهم الحقّ،
ولا يعاندوا، ولا يتعصّبوا لمذهبهم، ولا يتعلّلوا بتعليلات باردة في إعراضهم
عن النصّ بالتأويل البعيد، اللهمّ أرنا الحقّ حقّاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل
باطلاً، وارزقنا اجتنابه، إنك أرحم الراحمين.
(فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْعَدَوِيُّ) هو نُعيم بن عبد الله بن أُسيد بن عبد
عوف بن عبيد بن عُويج بن عديّ بن كعب القرشيّ العدويّ، المعروف
بـ(النحّام))، قيل له ذلك؛ لأنّ النبيّ وَّ قال له: ((دخلت الجنّة، فسمعت نَحْمة
من نُعيم))، وأخرج ابن قتيبة في ((الغريب)) من طريق عبد الرحمن بن أبي سعيد،
عن أبيه، قال: خرجنا في سريّة زيد بن حارثة التي أصاب فيها بني فَزَارةَ،
فأتينا القوم خلوفاً، فقاتل نعيم بن النحّام العدويّ يومئذ قتالاً شديداً.
و((النحْمَةُ)) هي السَّعْلَة التي تكون في آخر النَّحْنَحَة الممدود آخرها.
وقال خليفة: أمّه فاختة بنت حرب بن عبد شمس، وهي عدويّةٌ أيضاً،
من رهط عمر، وقال البخاريّ: له صحبة.
(١) راجع: ((شرح السندي)) ٧٠/٥.
٢٥٩
(١٣) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِالابْتِدَاءِ فِي النَّفَقَّةِ بِالنَّفْسِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٣١٣)
وقال مصعبٌ الزبيريّ: كان إسلامه قبل عمر، ولكنّه لم يُهاجر إلا قبيل
فتح مكّة، وذلك لأنه كان يُنفق على أرامل بني عديّ، وأيتامهم، فلما أراد أن
يهاجر، قال له قومه: أقم ودِنْ بأيّ دِين شئت، وكان بيت بني عديّ بيته في
الجاهليّة، حتى تحوّل في الإسلام لعمر في بني رَزَاح.
وقال الزبير: ذكروا أنه لما قدم المدينة قال له النبيّ وَله: ((يا نُعيم،
قومك كانوا خيراً لك من قومي)»، قال: بل قومك خير يا رسول الله، قال: ((إن
قومي أخرجوني، وإن قومك أقرّوك))، فقال نعيم: يا رسول الله، إن قومك
أخرجوك إلى الهجرة، وإن قومي حبسوني عنها.
وقال الواقديّ: حدّثني يعقوب بن عمرو، عن نافع العدويّ، عن أبي
بكر بن أبي الجهم، قال: أسلم نعيم بعد عشرة، وكان يكتم إسلامه، وقال ابن
أبي خيثمة: أسلم بعد ثمانية وثلاثين إنساناً، وذكر موسى بن عقبة في
((المغازي)) عن الزهريّ، أنّ نعيماً استُشْهِد بأَجْنَادِين، في خلافة عمر، وكذا
قال ابن إسحاق، ومصعبٌ الزبيريّ، وأبو الأسود، وعروة، وسيفٌ في
((الفتوح))، وأبو سليمان بن زَبْر، قال الواقديّ: وكانت أجنادينُ قبل اليرموك،
سنة خمس عشرة، وقال ابن الْبَرْقيّ: يقول بعض أهل النسب: إنه قتل يوم مؤتة
في حياة النبيّ ◌َّ، وكذا قال ابن الكلبيّ.
وأما ما ذكره عمر بن شبّة في ((أخبار المدينة)) عن أبي عبيد المدنيّ،
قال: ابتاع مروان من النحّام داره بثلاثمائة درهم، فأدخلها في داره، فهو
محمولٌ على أن المراد به إبراهيم بن نعيم المذكور، فإنه يقال له أيضاً:
النحّام. ذكر هذا كلّه في ((الإصابة))(١).
وقال في ((الفتح)) بعد ذكر نحو ما تقدّم: ثم هاجر عام الحديبية، ومعه
أربعون من أهل بيته، واستُشهد في فتوح الشام، زمنَ أبي بكر، أو عمر،
وروى الحارث في ((مسنده)) بإسناد حسن: أن النبيّ وَ ﴿ سماه صالحاً، وكان
اسمه الذي يعرف به نعيماً.
وكان يُعرف بـ((النحام)) بالنون والحاء المهملة الثقيلة، عند الجمهور،
(١) راجع: ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ١٧٤/١٠ - ١٧٦.
٢٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
وضبطه ابن الكلبي بضم النون، وتخفيف الحاء، ومنعه الصغاني، وهو لقب
نُعيم، وظاهر الرواية أنه لقب أبيه، قال النووي: وهو غلط؛ لقول النبيّ وَّ:
(دخلت الجنة فسمعت فيها نَحْمَةً من نعيم)). انتهى. وكذا قال ابن العربي،
وعیاض، وغير واحد.
قال الحافظ تَّهُ: لكن الحديث المذكور من رواية الواقدي، وهو
ضعيف، ولا تُرَدُّ الروايات الصحيحة بمثل هذا، فلعل أباه أيضاً، كان يقال له:
النّحّام، و((النَّحْمَة)) - بفتح النون، وإسكان المهملة -: الصوت، وقيل: السَّعْلَة،
وقيل: النحنحة. انتهى (١).
(بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَم) قال في ((الفتح)): اتفقت الظُّرُق على أنّ ثمنه ثمانمائة
درهم، إلا ما أخرجه أبو داود من طريق هشيم، عن إسماعيل، قال:
(سبعمائة، أو تسعمائة)). انتهى. (فَجَاءَ بِهَا رَسُولَ اللهِ وَّ﴾ أي: أتى نعيم بن
عبد الله بتلك الدراهم (فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ) أي: دفع النبيّ وَّر تلك الدراهم إلى
الرجل المعتق، زاد في رواية الأوزاعيّ، عن عطاء بن أبي رباح، عند أبي داود
في آخره: ((أنت أحقّ بثمنه، والله أغنى عنه)).
[تنبيه]: قال في ((الفتح)) ما حاصله: اتفقت الروايات على أن بيع ذلك
المدبر كان في حياة الذي دبره، إلا ما رواه شريك، عن سلمة بن كهيل، عن
عطاء، عن جابر: ((أن رجلاً مات، وترك مدبراً، وديناً، فأمرهم النبيّ وَّ،
فباعه في دينه بثمانمائة درهم))، أخرجه الدارقطني، ونقل عن شيخه أبي بكر
النيسابوري، أن شريكاً أخطأ فيه، والصحيح ما رواه الأعمش وغيره، عن
سلمة، وفيه: ((ودفع ثمنه إليه))، وفي رواية النسائي من وجه آخر، عن
إسماعيل بن أبي خالد: ((ودفع ثمنه إلى مولاه))، وقد رواه أحمد، عن أسود بن
عامر، عن شريك بلفظ: ((أن رجلاً دبر عبداً له، وعليه دين، فباعه النبيّ وَل
في دين مولاه)»، وهذا شبيه برواية الأعمش، وليس فيه للموت ذكر، وشريك
كان تغير حفظه، لَمّا ولي القضاء، وسماع من حمله عنه قبل ذلك أصح،
(١) ((الفتح)) ٤٧١/٥.