Indexed OCR Text
Pages 621-640
٦٢١ (٣٣) - بَابُ بَيَانِ مَا يُقَالُ عِنْدَ دُخُولِ الْمَغْبَرَةِ، وَالدُّعَاءِ لِأَهْلِهَا - حديث رقم (٢٢٥٦) أحمد بن هلال بن زيد، قال: نا أبو عبيد الله محمد ربيع الْجِيزيّ، قال: نا يوسف بن سعيد بن مسلم، قال: نا حجّاج، عن ابن جُريج قال: أخبرني ابن أبي مليكة سمع محمد بن قيس بن مَخْرمة يقول: سمعت عائشة تُحدّث، قالت: ألا أحدّثكم عنّ وعن رسول الله وَلي؟ قلنا: بلى، قالت: لَمّا كانت ليلتي التي هو عندي ... ، واقتصّ الحديث بلفظ مسلم بن الحجاج. قال: هكذا رَوَيناه من طريق أبي عبيد الله محمد بن الربيع الجِيزيّ، وكان ثقةً، وجعله في باب ابن أبي مليكة. وقال أيضاً: أخبرناه أبو عمر النَّمَريّ، نا عبد الله بن محمد بن أسد، نا حمزة الكنانيّ، قال: أنا النسائيّ، قال: أنا يوسف بن سعيد - يعني المصّيصيّ - قال: نا حجاج - هو الأعور - عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن أبي مُليكة، أنه سمع محمد بن قيس بن مَخْرمة يقول: سمعت عائشة تقول، فذكر الحدیث. وأخبرنا أبو عمر النَّمَريّ، قال: نا خلف بن القاسم، قال: نا أبو عليّ بن السكن، نا أبو نعيم عبد الملك بن محمد الْجُرْجانيّ، حدّثني يوسف بن سعيد المصّيصيّ، نا حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني ابن أبي مليكة، أنه سمع محمد بن قيس بن مخرمة. قال أبو عليّ (١): وقد خُطئ يوسف بن سعيد في قوله: ((عبد الله بن أبي ملیکة))، ولم يُتابع عليه. ذكر أبو الحسن الدارقطنيّ: نا أبو بكر النيسابوريّ، عبد الله بن محمد بن زياد، نا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدّثني عمّي، حدثني ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، أنه سمع محمد بن قيس بن مَخْرمة يقول: سمعت عائشة تُحدّث، وذكر الحديث بكماله. قال أبو الحسن: وحدّثنا أبو بكر النيسابوريّ، نا يوسف بن سعيد، نا حجاج، عن ابن جريج، نا عبد الله بن أبي مليكة، سمعت محمد بن قيس بن مخرمة، فذكر الحديث. (١) هو الجيّانيّ. ٦٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز قال أبو الحسن: وحدّثنا أبو بكر النيسابوريّ، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدّثني أبي، نا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني عبد الله رجل من قريش، أنه سمع محمد بن قيس بن مخرمة. قال أبو بكر النيسابوريّ: هذا هو الصواب، وأخطأ يوسف بن سعيد في قوله: ((ابن أبي مليكة)). قال الدارقطنيّ: هو عبد الله بن كثير بن المطلب بن أبي وَدَاعة السهميّ. قال الدارقطنيّ: وحدّثنا أبو بكر النيسابوريّ، قال: حدثني أبو أميّة، نا رَوْح، نا ابن جريج، نا من سمع محمد بن قيس بن مخرمة يقول: سمعت عائشة بهذا . ورواه عبد الرزّاق في ((مصنّفه)): عن ابن جريج قال: أخبرني محمد بن قيس بن مخرمة، أنه سمع عائشة تقول ... ، وذكر الحديث. هكذا رُوي لنا هذا الإسناد من طريق الدَّبَريّ مقطوعاً، لم يُذكر فيه ((عبد الله بن كثير)). انتهى كلام الحافظ الجيّانيّ تَقْذَلُهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تلخّص مما ساقه الجيّانيّ، ونقله عن الدارقطنيّ، وأبي بكر النيسابوريّ أن الصواب في هذا الإسناد كون شيخ ابن جريج هو عبد الله بن كثير بن المطّلب، كما هو رواية الأكثرين، وهو عبد الله رجل من قريش، كما وقع في سند المصنّف الثاني، وليس عبد الله بن أبي مليكة، كما هو رواية يوسف بن سعيد المصّيصيّ عند النسائيّ. والحاصل أن عبد الله رجل من قريش في سند المصنّف الثاني هو عبد الله بن كثير بن المطّلب المذكور في السند الأول، وليس ابن أبي مليكة، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢٥٦/٣٣] (٩٧٤)، و(الترمذيّ) (٧٣٩)، و(النسائيّ) في ((الجنائز)) (٢٠٣٧ و٢٠٣٩) وفي ((الكبرى)) (٢١٦٤) وفي باب ((الغيرة)) من ((عشرة النساء)) (٨٩١١ و٨٩١٢)، و(ابن ماجه) (١٥٤٦) (١) ((تقييد المهمل)) (٨٠٠/٣ - ٨٠١ و٨٢٨ - ٨٣١). ٦٢٣ (٣٣) - بَابُ بَيَانِ مَا يُقَالُ عِنْدَ دُخُولِ الْمَقْبَرَةِ، وَالدُّعَاءِ لِأَهْلِهَا - حديث رقم (٢٢٥٦) و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٦٧١٢) وقد سقط من سنده ((عبد الله بن كثير))، و(أحمد) في ((مسنده)) (٧١/٦ و١١١ و٢٢١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٥٩٣ و٤٦١٩ و٤٧٤٨)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٥٣/٣ - ٥٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧١٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧٩/٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما يقال عند دخول المقبرة، من السلام على الموتى، والدعاء، والاستغفار لهم. ٢ - (ومنها): بيان مشروعية القَسْم بين الزوجات في المبيت، وغيره. ٣ - (ومنها): بيان ما جُبلت عليه النساء، من الغيرة. ٤ - (ومنها): بيان حسن أخلاق النبيّ وَليهِ، ورأفته بأهل بيته، حيث إنه لم يفعل ما يُدخل على عائشة يا الوحشة، بل تلطّف في الخروج. ٥ - (ومنها): بيان كون الملائكة لا تدخل بيتاً، فيه امرأة وضعت ثيابها . ٦ - (ومنها): بيان رأفة الله تعالى، ورحمته بأهل البقيع حيث أمر نبيّه وَليه أن يستغفر لهم. ٧ - (ومنها): بيان جواز ترخيم الاسم، إذا لم يكن فيه إيذاء للمرخّم. ٨ - (ومنها): بيان مشروعية تأديب الزوج زوجته بالضرب باليد ونحوه، ولو أوجعها ذلك. ٩ - (ومنها): بيان أن رسول الله وَ ل﴿ لا يظلم أحداً؛ لأن الله خلق يكرمه بالوحي، ويرشده إلى ما هو الصواب، فلا يقع في الحيف والظلم. ١٠ - (ومنها): بيان استحباب إطالة الدعاء، وتكريره، ورفع اليدين فيه. ١١ - (ومنها): بيان أن دعاء القائم أكمل من دعاء الجالس في القبور. ١٢ - (ومنها): بيان جواز زيارة النساء للقبور، وهو الصحيح، وقد تقدم تمام البحث في ذلك، فلا تغفل. ١٣ - (ومنها): أنه استدلّ بعضهم بقوله: ((أن يحيف الله عليك، ورسوله)) على أن القَسْم واجب على النبيّ ◌َّ، لكن الراجح من أقوال أهل العلم في ذلك عدم وجوب القسم عليه وَّةٍ، لقوله تعالى: ﴿تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُقْوِىّ إِلَيْكَ ٦٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز مَنْ تَشَاءٌ﴾ الآية [الأحزاب: ٥١]، ولكنه ◌َّلو كان يَقسِم لكريم أخلاقه، وحسن عشرته ونَ﴾، وسيأتي تمام البحث فيه في محلّه - إن شاء الله تعالى -. ١٤ - (ومنها): استحباب الدعاء المذكور في الحديث عند زيارة القبور. ١٥ - (ومنها): أن في قوله: ((على أهل الديار)) ترجيح قول من قال في قوله: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين)): إن معناه أهل دار قوم مؤمنين. ١٦ - (ومنها): بيان أن المسلم والمؤمن قد يكونان بمعنى واحد، وعطف أحدهما على الآخر لاختلاف اللفظ، وهو بمعنى قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَحْنَا مَنْ كَانَ فِيَهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٥ ◌َا وَحَدْنَا فِيَهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ (4)﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦]، ولا يجوز أن يكون المراد بالمسلم في هذا الحديث غير المؤمن؛ لأن المؤمن إن كان منافقاً لا يجوز السلام عليه والترحّم، قاله النوويّ تَّهُ(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٥٧] (٩٧٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَسَدِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى الْمَقَابِرِ، فَكَانَ قَائِلُهُمْ يَقُولُ فِي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرٍ: ((السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ))، وَفِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ: ((السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ(٢)، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَلَأَحِقُونَ، أَسْأَلُ الله(٣) لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَسَدِيُّ) هو: أبو أحمد الزبيريّ، تقدّم قبل باب. (١) (شرح النوويّ)) ٧/ ٤٤ - ٤٥. (٣) وفي نسخة: ((نسأل الله)). (٢) وفي نسخة: زيادة: ((والمسلمات)). ٦٢٥ (٣٣) - بَابُ بَيَانِ مَا يُقَالُ عِنْدَ دُخُولِ الْمَقْبَرَةِ، وَالدُّعَاءِ لِأَهْلِهَا - حديث رقم (٢٢٥٧) ٤ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم أيضاً قبل باب. ٥ - (عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْئَدٍ) الحضرميّ، أبو الحارث الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٤٨/٢٥. ٦ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بُرَيْدَةَ) بن الْحُصيب الأسلميّ المروزيّ قاضيها، ثقة [٣] (ت١٠٥) وله تسعون سنةً (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٤٨/٢٥. ٧ - (أَبُوهُ) بريدة بن الْحُصيب الأسلميّ، أبو عبد الله الصحابيّ المشهور، أسلم قبل بدر، ومات سنة (٦٣) (ع) تقدم في ((الإيمان) ٥٣٣/١٠٠. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف كَذَلُهُ، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة التحمل والأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخيه، فما أخرج لهما الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ الابن عن أبيه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) بريدة بن الْحُصيب ◌َظُه أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ،وَهِ يُعَلَّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا)؛ أي: خرج الصحابة ﴿ه (إِلَى الْمَقَابِرِ)؛ أي: إلى زيارتها، وفي رواية النسائيّ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ إِذَا أَتَى عَلَى الْمَقَابِرِ قال: السلام عليكم ... )) (فَكَانَ قَائِلُهُمْ يَقُولُ) وقوله: (فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ) بيان لاختلاف شيخيه في لفظ الحديث، فلفظ شيخه أبي بكر بن أبي شيبة: فكان قائلهم يقول: (السَّلامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ، وَفِي رِوَايَةٍ) شيخه (زُهَيْرِ) بن حرب: فكان قائلهم يقول: ((السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ))) بنصب ((أهلَ)) على النداء، أو الاختصاص، كما تقدّم بيان ذلك (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ)، وفي بعض النسخ زيادة: ((والمسلمات))، ويحتاج إلى تأكّد صحتها، والله تعالى أعلم. (وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَلَاحِقُونَ) زاد في رواية النسائيّ: ((أَنْتُمْ لَنَا فَرَظٌ، وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَعِ))، ومعنى قوله: ((لنا فَرَط)) بفتحتين؛ أي: متقدّمون علينا إلى الدار الآخرة، وأصل الفَرَط هو المتقدّم في طلب الماء، يُهَيِّئ الدِّلَاء، والأَرْشاء، ٦٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز يقال: فَرَطَ القومَ فُرُوطاً، من باب قَعَد: إذا تقدم لذلك، يستوي فيه الواحد، والجمع، يقال: رجلٌ فَرَظٌ، وقومٌ فَرَطّ. أفاده في ((المصباح))(١) . ومعنى قوله: ((وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ))؛ أي: متبعون لكم، وآتون إلى الآخرة بعدكم، فـ((التبع)) بفتحتين يستوي فيه الواحد، وغيره، يقال: تَبع زيد عمراً، من باب تَعِبَ: مشى خلفه، أو مَرَّ به، فمضى معه، والمصلي تبع لإمامه، والناس تبعٌ له، ويكون واحداً، وجمعاً، ويجوز جمعه على أتباع، مثلُ سبب وأسباب، قاله في ((المصباح)) أيضاً(٢). (أَسْأَلُ اللهَ) وفي نسخة: ((نسأل الله)) (لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ)؛ أي: محوَ الذنوب عنّا وعنكم، يقال: عفا الله عنك؛ أي: محا ذنوبَك، وعفوتُ عن الحقّ: أسقطتُهُ، كأنك محوتَهُ عن الذي هو عليه، وعافاه الله: محا عنه الأسقام، و((العافية)): اسم منه، وهي مصدر جاءت على فاعلة، ومثله ناشئةٌ الليل، بمعنى نُشُوء الليل، والخاتمةُ: بمعنى الختم، والعاقبة: بمعنى الْعُقُب، و﴿لَسَ لِوَقْعَنِهَا كَاذِبَةُ (٣)﴾ [الواقعة: ٢]، قاله الفيّوميّ كَُّهُ(٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث بريدة بن الحصيب ظه هذا من أفراد المصنّف تَخَذْتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢٥٧/٣٣] (٩٧٥)، و(النسائيّ) في ((الجنائز)) (٢٠٤٠) و((الكبرى)) (٢١٦٧) و((عمل اليوم والليلة)) (١٠٩١)، و(ابن ماجه) في (الجنائز)) (١٥٤٧)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٤٠/٣)، و(أحمد) في (مسنده)) (٣٥٣/٥ و٣٥٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣١٧٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٥٣/٣)، و(ابن السنّيّ) في ((عمل اليوم والليلة)) (٥٩٤)، (١) ((المصباح المنير)) ٤٦٩/٢. (٣) ((المصباح المنير)) ٤١٩/٢. (٢) ((المصباح المنير)) ٧٢/١. ٦٢٧ (٣٤) - بَابُ اسْتِذَانِ النَِّّ وَّهِ رَبَّهُ فِي زِيَارَةٍ قَبْرِ أُمَّهِ - حديث رقم (٢٢٥٨) و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧٩/٤)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٥٥٥)، وفوائد الحديث تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٣٤) - (بَابُ اسْتِْذَانِ النَّبِيِّ وَّهِ رَبَّهُ فِي زِيَارَةٍ قَبْرِ أُمِّهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٥٨] (٩٧٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى، قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ يَزِيدَ، يَعْنِي ابْنَ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأَمِّيَ(١)، فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا، فَأَذِنَ لِي))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزَّبْرِقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِم [١٠] (ت٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٩/٤. ٣ - (مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ) بن الحارث بن أسماء الفزاريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقةٌ حافظٌ، يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت١٩٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٨/٨. ٤ - (يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ) اليشكريّ، أبو إسماعيل، أو أبو مُنين الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٦] (بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤٢. ٥ - (أَبُو حَازِم) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤٢. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَظُه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. (١) وفي نسخة: ((في أن أستغفر لأمي)). ٦٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف تَّثُ، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لما سبق غير مرّة. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخيه، فبغداديّان، والصحابيّ، فمدنیّ. ٣ - (ومنها): أن أبا هريرة ◌ُه، رَأْسُ المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبُ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي)؛ أي: طلبت منه الإذن، وكان ذلك عام الفتح (أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأَمِّي) وفي نسخة: ((في أن أستغفر لأمي))؛ أي: أطلب لها أن يغفر ذنوبها (فَلَمْ يَأْذَنْ لِي) بالبناء للفاعل، وفي الرواية التالية: ((فلم يؤذن لي)) بالبناء للمفعول. قال ابن الملك تَخُّْ: إنما لم يأذن له؛ لأنها كافرة، والاستغفار للكافرين لا يجوز؛ لأن الله لا يغفر لهم أبداً، وقال النوويّ تَّتُهُ: فيه النهي عن الاستغفار للكفّار، وقال الشوكانيّ تَظُّ: فيه دليل على عدم جواز الاستغفار لمن مات على غير ملة الإسلام. وقال القرطبيّ تَخُّْ: يَحْتَمِلُ أن يكون هذا الاستئذان قبل نزول قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَِّّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ قُرَُّ﴾ الآية [التوبة: ١١٣]، ويَحْتَمِل أن يكون بعد ذلك؛ وارتجى خصوصية أمه بذلك، والله تعالى أعلم، وهذا التأويل الثاني أولى. انتهى(١). (وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا) وكان بالأبواء، بين مكة والمدينة. و ((الزيارة)) - بكسر الزاي، وتخفيف الياء -: معناه القَصْدُ، يقال: زاره، زيارةً، وَزَوْراً - بالفتح -: قصده، فهو زائرٌ، وزَوْرٌ - بفتح، فسكون -، وقَوم زَوْرٌ أيضاً، وزُوّارٌ، مثلُ سافرٍ، وسَفْرٍ، وسُفّار، ونسوةٌ زَوْرٌ أيضاً، وزُوَّرٌ، (١) ((المفهم)) ٦٣٣/٢ - ٦٣٤. ٦٢٩ (٣٤) - بَابُ اسْتِْذَانِ النَّبِيِّوَّهِ رَبَّهُ فِي زِيَارَةٍ قَبْرِ أُمَّهِ - حديث رقم (٢٢٥٨) وزائراتٌ، والْمَزَار - بفتح الميم - يكون مصدراً، وموضعُ الزيارة، والزِّيَارةُ في الْعُرْفِ قَصْدُ المزور؛ إكراماً له، واستئناساً به، أفاده في ((المصباح))(١). (فَأَذِينَ لِي))) بالبناء للفاعل، قال القاضي عياض ◌َّلُهُ: سبب زيارته وَله قبرها أنه قصد الموعظة والذكرى بمشاهدة قبرها، ويؤيّده قوله بَ ﴿ في آخر الحديث: ((فزوروا القبور، فإنها تذكر الموت))، وقيل: زيارته وَلقر قبرها مع أنها كافرة تعليم منه للأمة حقوق الوالدين، والأقارب، فإنه لم يترك قضاء حقها مع كفرها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة له هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢٥٨/٣٤ و٢٢٥٩] (٩٧٦)، و(أبو داود) في ((الجنائز)) (٣٢٣٤)، و(النسائيّ) في ((الجنائز)) (٢٠٣٤) و((الكبرى)) (٢١٦١)، و(ابن ماجه) في ((الجنائز)) (١٥٦٩ و١٥٧٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٤٣/٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٤١/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣١٦٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٥٥/٣)، و(الحاكم) في ((مستدركه)) (٣٧٥/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧٦/٤)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٥٥٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز زيارة قبر المشرك. ٢ - (ومنها): أن فيه دلالةً على جواز زيارة المشركين في الحياة، وقبورهم بعد الوفاة؛ لأنه إذا جازت زيارتهم بعد الوفاة، وقد انقطع الأمل في إسلامهم ففي الحياة أولى؛ لأنه يمكن أن يُدعَوْا إلى الإسلام، ويشرح لهم محاسنه، وتكشف شبهاتهم، ويرغبون في الدخول فيه، فيُرجَى بذلك إنقاذهم (١) ((المصباح المنير)) ٢٦٠/١. ٦٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز من النار، وقد ثبت في ((الصحيح)) أن غلاماً يهوديّاً كان يخدم النبيّ وَّل، فمرض، فعاده النبيّ ◌َّر، ودعاه إلى الإسلام، فأسلم. ٣ - (ومنها): بيان جواز البكاء عند حضور المقابر؛ لما في الرواية التالية من كونه ڼ بكى، وأبكى من حوله. ٤ - (ومنها): بيان النهي عن الاستغفار للمشركين. ٥ - (ومنها): بيان تأكّد بِرِّ الوالدين، وأن إسلامهما ليس شرطاً في وجوب بِرّهما، بل يلزم برّهما ولو كانا مشركين، كما قال الله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِىِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ الآية [لقمان: ١٥]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قال صاحب ((المرعاة في شرح المشكاة)): الحديث بظاهره يدلّ على أن أمه وَ ل ◌ِ ماتت على غير الإسلام، وهو مذهب جمهور العلماء في شأن أبويه *، وقد ترجم النسائيّ، وابن ماجه لهذا الحديث: (باب زيارة قبر المشرك)). قال السنديّ في حاشية النسائيّ: كأنه أخذ ما ذَكَرَ في الترجمة من المنع عن الاستغفار، أو من مجرّد أنه الظاهر على مقتضى وجودها في وقت الجاهليّة، لا من قوله: ((فبكى، وأبكى))، إذ لا يلزم من البكاء عند الحضور في ذلك المحلّ العذاب، أو الكفر، بل يمكن تحققه مع النجاة، والإسلام أيضاً، لكن من يقول بنجاة الوالدين لهم ثلاث مسالك في ذلك: مَسلَكُ أنهما ما بلغتهما الدعوة، ولا عذاب على من لم تبلغه الدعوة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَقَّ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] فلعلّ من سلك هذا المسلك يقول في تأويل الحديث: إن الاستغفار فرع تصوّر الذنب لهم، وذلك في أوان التكليف، ولا يُعقل ذلك فيمن لم تبلغه الدعوة، فلا حاجة إلى الاستغفار لهم، فيمكن أنه ما شُرع الاستغفار إلا لأهل الدعوة، لا لغيرهم، وإن كانوا ناجين، وأما من يقول بأنهما أُحييا له وَل﴿، فآمنا به، فيَحمِل هذا الحديث على أنه كان قبل الإحياء، وأما من يقول بأنه تعالى يوفقهما للخير عند الامتحان يوم القيامة، فهو يقول: بمنع الاستغفار لهما قطعاً، فلا حاجة له إلى تأويل، فاتضح وجه الحديث على جميع المسالك، والله تعالى أعلم. انتهى ٦٣١ (٣٤) - بَابُ اسْتِذَانِ النَّبِّ وَّهِ رَبَّهُ فِي زِيَارَةٍ قَبْرِ أُمِّهِ - حديث رقم (٢٢٥٨) كلام السنديّ(١). قال صاحب ((المرعاة)): ولا يخفى ما في الوجوه الثلاثة من الضعف؛ لأن حديث إحياء أبويه وال ضعيف جدّاً حتى حكم عليه بعض الأئمة بالوضع، كالدار قطنيّ، والجوزقانيّ، وابن الجوزيّ، وابن دحية، وصرّح بضعفه فقط غير واحد، كابن شاهين، والخطيب، وابن عساكر، والسهيليّ، والمحبّ الطبريّ، وابن سيّد الناس، وقد اعترف بضعفه السيوطيّ أيضاً، حيث قال: وروى ابن شاهين حديثا مسنداً في ذلك، لكن الحديث مضعّف. وأما الآية الكريمة: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ فهي مكيّة، وزيارته بَّ لقبر أمه كانت عام الفتح، وقيل: عام الحديبية، سنة ستّ من الهجرة، وقيل: الآية في حقّ الأمم السالفة السابقة خاصّة، وقيل: المنفيّ فيها عذاب الاستئصال في الدنيا، لا عذاب الآخرة، وقيل: المراد: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ في الأعمال التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بعد مجيء الشرع، من أنواع العبادات والحدود. وأما القول بأنه تعالى يوفّقهما للخير عند الامتحان يوم القيامة، فهي دعوى مجرّدة، من غير برهان، فلا يُلتفت إليه. قال النوويّ في شرح حديث أنس ﴿به أن رجلاً قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: ((في النار))، قال: فلما قَفَّى دعاه، فقال: ((إن أبي وأباك في النار))، ما نصّه: فيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان، فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء قد بلغتهم دعوة إبراهيم، وغيره من الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم. انتهى كلام النوويّ دكّتُهُ. وهذا يدلّ على أن النوويّ يكتفي في وجوب الإيمان على كلّ أحد ببلوغه دعوة من قبله من الرسل، وإن لم يكن مرسلاً إليه، وإلى هذا ذهب الْحَلِيميّ، کما صرّح به في (منها جه)). وقال القاري: الجمهور على أن والديه وَلّ ماتا كافرين، وهذا الحديث أصحّ ما ورد في حقّهما، وقول ابن حجر - يعني الهيتمي -: وحديث إحيائهما (١) (شرح السندي على النسائيّ)) ٩٠/٤. ٦٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز حتى آمنا به، ثم توفيا حديث صحيح، وممن صححه الإمام القرطبيّ، والحافظ ابن ناصر الدين(١)، فعلى تقدير صحته لا يصلح أن يكون معارضاً لحديث مسلم، مع أن الحفاظ طعنوا فيه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول ابن حجر: حديث صحيح، غير صحيح، وكذا نسبته التصحيح إلى القرطبيّ، وابن ناصر الدين غير صحيحة أيضاً، فقد ذكر السيوطيّ مَن مال إلى القول بإحيائهما، وإيمانهما من العلماء: الخطيبَ، والسهيليّ، والقرطبيّ، والمحب الطبريّ، والعلامة ناصر الدين ابن المنيّر، وغيرهم، وذكر استدلالهم بالحديث المذكور، ثم قال: هذا الحديث ضعيف باتفاق المحدثين، بل قيل: إنه موضوع الى آخر كلامه، والسيوطيّ من أشدّ من حاول في إثبات النجاة لهما، ولكن عمدته في ذلك عموم الآيات، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَُّا مُعَذِّبِينَ﴾ الآية، وغيرها، والأدلة العقلية، فلو كان أحد من حفاظ الحديث قال بصحة هذا الحديث لذكره، ونصره، وهو مع شدة بحثه للأدلة في المسألة لم يستطع أن يصححه بكل ما أوتيه من العلم، وإنما دافع عن القول بوضعه فقط، ولم يبرهن على ذلك. وبالجملة، فالحديث ما صححه عالم له عناية بالحديث، وإنما صححه من يَعْتَمِد على الرؤيا المنامية، والطرق الكشفية، التي لم يأذن الله تعالى بها في التشريع، وإنما غايتها إن كانت صحيحة أن يُستأنس بها في تثبيت ما ثبت (١) الظاهر أنه ابن ناصر الدين المعروف بابن المنير الآتي في كلام السيوطيّ، وليس هو المحدث الكبير الحافظ المشهور ابن ناصر الدين الدمشقيّ، بدليل أنه ضعف الحديث، كما ذكر السيوطيّ عنه، ونصه: وقال الحافظ شمس الدين ابن ناصر الدين الدمشقيّ في كتابه المسمى ((مورد الصادي في مولد الهادي)» بعد إيراده الحديث المذكور، منشداً لنفسه: عَلَى فَضْلٍ وَكَانَ بِهِ رَؤُوفًا حَبَا اللهُ النَّبِيَّ مَزِيدَ فَضْلٍ لإِيمَانٍ بِهِ فَضْلاً لَطِيفاً فَأَحْيَا أُمَّهُ وَكَذَا أَبَاهُ وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ بِهِ ضَعِيفًا فَسَلِّمْ فَالْقَدِيمُ بِذَا قَدِيرٌ فبان بهذا أن الحافظ ابن ناصر الدين ممن ضعّف الحديث، لا ممن صححه، فتنبه . ٦٣٣ (٣٤) - بَابُ اسْتِْذَانِ النَّبِيَِِّ﴿ رَبَّهُ فِي زِيَارَةٍ قَبْرِ أُمِّهِ - حديث رقم (٢٢٥٨) شرعاً، لا في إثبات ما أبطله علماء الحديث، وغيرهم ممن أوجب الله تعالى اتباعهم على الأمة، وجعلهم مرجعاً لها في المعضلات، حيث قال: ﴿فَتَشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، والله تعالى أعلم بالصواب. وقال القاري ◌َُّهُ: ومنعوا جوازه أيضاً بأن إيمان اليأس غير مقبول إجماعاً، كما يدلّ عليه الكتاب والسنّة، وبأن الإيمان المطلوب من المكلّف إنما هو الإيمان الغيبيّ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ الآية [الأنعام: ٢٨]. وهذا الحديث الصحيح صريح أيضاً في ردّ ما تشبث به بعضهم بأنهما كانا من أهل الفترة، ولا عذاب عليهم، مع اختلاف في المسألة(١). قال صاحب ((المرعاة)): واعلم أن هذه المسألة كثر النزاع والخلاف بين العلماء فيها، فمنهم من نصّ على عدم نجاة الوالدين، كما رأيت في كلام النوويّ، والقاري، وقد بسط الكلام في ذلك القاري في ((شرح الفقه الأكبر))، وفي رسالة مستقلّة له، ومنهم من شَهِد لهما بالنجاة، كالسيوطيّ، وقد ألّف في هذه المسألة سبع رسائل(٢)، بسط الكلام فيها، وذكر الأدلة من الجانبين، من شاء رجع إليها، والأسلم، والأحوط عندي هو التوقّف، والسكوت. انتهى كلام صاحب ((المرعاة)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأولى، والأسلم الوقوف مع النصوص الصحيحة، كحديث الباب، وحديث مسلم المذكور: ((إن أبي وأباك في النار))، مع عدم التوسع والخوض بزيادة ما ليس في النصوص، وأما تصحيح حديث إحياء أبوي النبيّ وَله، كما قال ابن حجر الهيتميّ فمما لا يُلتفت إليه، فإن جلّ الحفّاظ من المحدثين على أنه موضوع، كما أشرت إليه فيما تقدّم. ثم إن هذه المسألة ما رأيت للمتقدّمين فيها كلاماً، بل إنما أثارها، وتنازع فيها، وخاض غَمْرَتَها المتأخرون، من أمثال السيوطي، ومن سار على دَرْبه فما وَسِع الأولين من السكوت، وعدم الخوض، وترك التنازع، والتخاصم (١) ((مرقاة المفاتيح)) ٢٥٠/٤ - ٢٥١. (٢) كذا في ((المرعاة))، والذي في كلام القاري ((ثلاث رسائل))، فليُحرّر. ٦٣٤ = البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز هو الصواب لمن كان حريصاً على دينه، فلو كان في هذا الخوض خير لكان المتقدّمون أسبق إليه، وأحرص من المتأخرين عليه، فسلوك سبيلهم فيه السلامة في الدنيا والآخرة، فالواجب الوقوف على ما صحّ عن رسول الله وَّ، وعدم التوسّع، ونصبِ الخلاف فيما وراءه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٥٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ(١)، عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: زَارَ النَّبِيُّ ◌َِّ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى، وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي(٢)، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا، فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ) بن أبي أميّة الطنافسيّ الكوفيّ الأحدب، ثقة حافظٌ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان) ٢٣٤/٣٢. والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي. وقوله: (زَارَ النَّبِيُّ وَّهِ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى، وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ) قال القاضي: بكاؤه ﴿ على ما فاتها من إدراكه، والإيمان به، وقيل: على عذابها، وفيه دليل على جواز البكاء عند حضور المقابر. انتهى. وقوله: (فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي) بالبناء للمفعول، وفي بعض النسخ: ((فلم يأذن لي)» بالبناء للفاعل. وقوله: (فَزُورُوا الْقُبُورَ، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ)؛ أي: وذكرُ الموت يزهّد في الدنيا، ويرغّب في العقبى. (١) وفي نسخة: ((عن يزيد يعني: ابن كيسان)). (٢) وفي نسخة: ((يأذن لي)). ٦٣٥ (٣٤) - بَابُ اسْتِعْذَانِ النَّبِيِّ لَّهِ رَبَّهُ فِي زِيَارَةٍ قَبْرِ أُمِّهِ - حديث رقم (٢٢٥٩) وقال القاضي عياض تَخَّقُ(١): قوله: ((فزوروها)) بيان في نسخ النهي عن زيارة القبور، وفي علّة الإباحة، وهو أن يكون للتذكر والاعتبار، لا للفخر والمباهاة، ولا لإقامة النوح والمآتم عليه، كما قال ◌َله: فزوروها، ولا تقولوا (٢) هُجْراً (٢) . [تنبيه]: قال النوويّ كَُّهُ: هذا الحديث وُجِد في رواية أبي العلاء بن ماهان لأهل المغرب، ولم يوجد في روايات بلادنا من جهة عبد الغافر الفارسيّ، ولكنه يوجد في كثير من الأصول في آخر ((كتاب الجنائز))، ويُضَبَّب عليه، وربما كتب في الحاشية: رواه أبو داود في ((سننه)) عن محمد بن سليمان الأنباريّ، عن محمد بن عبيد بهذا الاسناد، ورواه النسائي عن قتيبة، عن محمد بن عبيد، ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن محمد بن عبيد، وهؤلاء كلهم ثقات، فهو حديث صحيح بلا شك. انتهى كلام النوويّ كَذَلُ(٣). وقال الحافظ تَّتُهُ في ((النكت الظراف)) بعد نقل كلام النوويّ المذكور ما نصّه: قلت: قد ذكره الحميديّ في ((الجمع))، من ((صحيح مسلم)) من طريق الجلوديّ، شيخ عبد الغافر، وكذا سبقه أبو مسعود في ((أطراف الصحیحین))، وأخرجه البغويّ في ((شرح السنّة)) من طريق عبد الغافر الفارسيّ. قال: وأقرب من هذا أن يُجمع بين الكلامين بأنه سقط من النسخ (١) ((إكمال المعلم)) ٤٥٢/٣ - ٤٥٣. (٢) حديث صحيح أخرجه النسائيّ (٢٠٣٣): أخبرني محمد بن قُدامة، قال: حدثنا جرير، عن أبي فروة، عن المغيرة بن سبيع، حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه، أنه كان في مجلس فيه رسول الله وَل﴿، فقال: ((إني كنت نهيتكم أن تأكلوا لحوم الأضاحي إلا ثلاثاً، فكلوا، وأطعموا، وادّخِروا ما بدا لكم، وذكرت لكم أن لا تنتبذوا في الظروف: الدباء، والمزَفّت، والنقير، والحنتم، انتبذوا فيما رأيتم، واجتنبوا كل مسكر، ونهيتكم عن زيارة القبور، فمن أراد أن يزور فليزر، ولا تقولوا هُجْراً)). (٣) ((شرح النوويّ)) ٤٦/٧. ٦٣٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز المتأخّرة التي تدور على فقيه الحرم محمد الفضل الْفُرَاويّ، وعلى ذلك يُحمل كلام النوويّ، وكان ثابتاً في الأصل من طريق الجلوديّ، وعلى ذلك يُحمل صنيع صاحب ((شرح السنّة))، وسائر من أثبته في ((صحيح مسلم))، وأخرجه أبو نعيم الأصبهانيّ في ((مستخرجه على صحيح مسلم)) بأسانيده، وجزم بأن مسلماً أخرجه، وكتاب مسلم عنده من طريق أبي العلاء بن ماهان التي وقعت لنا. انتهى كلام الحافظ تَّتُهُ باختصار(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بهذا أن هذا الحديث ثابت في ((صحيح مسلم))، ولذا أورده الحافظ المزّيّ كَّلُ في ((تحفة الأشراف)) (١٠/ ٩٢ - ٩٣)، ولم يتكلم فيه بشيء، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٢٦٠] (٩٧٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَاللَّغْظُ لِأَبِي بَكْرٍ، وَابْنٍ نُمَيْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، وَهُوَ ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ، عَنْ مُحَارِبٍ بْنِ ◌ِثَارٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ، فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَِّيذِ، إِلَّا فِي سِقَاءٍ، فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلُّهَا، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِراً))، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ثُمَيْرٍ) الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. (١) ((النكت الظراف)) ٩/ ٤٥٠ من نسخة ((تحفة الأشراف)). ٦٣٧ (٣٤) - بَابُ اسْتِذَانِ النَّبِيِّ وَهْ رَبَّهُ فِي زِيَارَةٍ قَبْرِ أُمِّهِ - حديث رقم (٢٢٦٠) ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْل) بن غَزْوان الضبّيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوق عارف، رمي بالتشيّع [٩] (١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٨/٦٣. ٤ - (أَبُو سِنَانٍ ضِرَارُ(١) بْنُ مُرَّةَ) الشيبانيّ الأكبر الكوفيّ، ثقة ثبت [٦]. روى عن أبي صالح السمّان، وسعيد بن جبير، ومحارب بن دثار، وغيرهم. وروى عنه شعبة، وشريك، والسفيانان، وهُشيم، ومحمد بن فُضيل، وخالد الواسطيّ، وجرير بن عبد الحميد، وغيرهم. قال ابن المدينيّ، عن يحيى القطّان: كان ثقة. وقال أبو طالب، عن أحمد: كوفيّ ثبت. وقال أبو حاتم: ثقة لا بأس به. وقال النسائيّ: كوفيّ ثقة. وقال العجليّ: ثقة ثبت في الحديث، مبرّز، صاحب سنّة، وهو في عداد الشيوخ، ليس بكثير الحديث. وقال ابن يونس، عن أبي بكر بن عياش: حدثنا أبو سنان ضِرَار بن مُرّة، وكان من خيار الناس. وقال ابن سعد: كان ثقة مأموناً، حَفَر قبره قبل موته بخمس عشرة سنة، وكان يأتيه، فيختم فيه القرآن. ونقل ابن خلفون، عن ابن نُمير، أنه وثقه. وقال يعقوب بن سفيان: كان خياراً ثقة. وفي موضع آخر: ثقة ثقة. وقال الدارقطنيّ: كوفيّ ثقة فاضل. وقال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أنه ثقة ثبت. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: مات سنة (١٣٢) وكذا أرّخه يعقوب بن سفيان، وخليفة، وابن قانع. روى له البخاريّ في ((الأدب المفرد)) وأبو داود في (المراسيل))، والباقون، سوى ابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث، وكرّره ثلاث مرّات، و(١١٥١) حديث: ((إن الصوم لي، وأنا أجزي به ... )) الحدیث. [تنبيه]: ولهم أبو سنان الشيبانيّ الأصغر، وهو سعيد بن سِنَان الْبُرْجُميّ الكوفيّ، نزيل الريّ، صدوق له أوهام، وهو أيضاً من الطبقة [٦] وله في هذا الكتاب حديث واحد، وهو حديث: ((لا وجدت، إنما بُنيت المساجد ... ))، وتقدّم في [١٨ / ١٢٦٧] (٥٦٩). (١) بكسر أوله، مخفّف الراء. ٦٣٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز ٥ - (مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ) السّدوسيّ الكوفيّ القاضي، ثقة إمام زاهد [٤] (ت١١٦) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٦٩/٤٠. ٦ - (ابْنُ بُرَيْدَةَ) هو: عبد الله بن بريدة بن الْحُصيب الأسلميّ، أبو سهل المروزيّ القاضي، ثقة [٣] (ت١٠٥) وقيل: (١١٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٢. ٧ - (أَبُوهُ) بريدة بن الْحُصيب ◌ُه، تقدّم في الباب الماضي. وأبو بكر بن أبي شيبة ذُكر قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لما سبق غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وأما ابن المثنّى فمن التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير ابن المثنّى، فبصريّ، وبريدة وابنه فمروزيّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ) هو عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) بُريدة بن الْحُصيب ◌َبه أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِّهِ: ((نَهَيْتُكُمْ) وفي رواية للنسائيّ: أنه كان في مجلسٍ فيه رسول الله وَي، فقال: ((إني كنت نهيتكم أن تأكلوا لحوم الأضاحي ... )) (عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ) قيل: سبب النهي عن زيارة القبور في أول الأمر أنهم كانوا حديثي عهد بالجاهليّة، وقريبي عهد بعبادة الأوثان، ودعاء الأصنام، فنُهُوا عن زيارة القبور، خشية أن يقولوا، أو يفعلوا عندها ما كانوا يعتادونه في الجاهلية، وخوفاً من أن يكون ذلك ذريعة لعبادة أهل القبور(١)، والله تعالى أعلم. (١) راجع: ((المرعاة)) ٥١٠/٥. ٦٣٩ (٣٤) - بَابُ اسْتِئْذَانِ النَّبِّ وَّهِ رَبَّهُ فِي زِيَارَةٍ قَبْرِ أُمِّهِ - حديث رقم (٢٢٦٠) (فَزُورُوهَا) وفي رواية للنسائيّ: ((فمن أراد أن يزورها، فليزرها، ولا تقولوا هُجْراً)»، بضم، فسكون؛ أي: ما لا ينبغي من الكلام، وفي رواية له من طريق زُبيد بن الحارث، عن محارب: ((فزوروها ولْتَزدكم زيارتها خيراً))، وفي رواية له من طريق الزبير بن عديّ، عن ابن بريدة: ((ومن أراد زيارة القبور، فإنها تذكر الآخرة))، وللحاكم من حديث أنس حه: ((وتُرِقّ القلبَ، وتُدمِع العين، فلا تقولوا هُجْراً))، وله من حديث ابن مسعود ظُه: «فإنها تزهد في الدنيا))، وفي حديث أبي هريرة ظه، الماضي عند مسلم: ((زوروا القبور، فإنها تذكّر الموت)). وفي قوله: ((ومن أراد زيارة القبور إلخ)) بيان أن الأمر في زيارتها للاستحباب، لا للوجوب؛ لأنه علّقه بالإرادة، ففيه الردّ على بعض من قال: إن زيارتها واجبة - كابن حزم - مستدلاً بلفظ الأمر، حيث إنه للوجوب، والله تعالى أعلم. وقال النوويّ كَّلُ: هذا من الأحاديث التي تَجمَع بين الناسخ والمنسوخ، وهو صريح في نسخ نهي الرجال عن زيارتها، وأجمعوا على أن زيارتها سنّة، وأما النساء ففيهنّ خلاف لأصحابنا. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي أن الراجح هو الجواز للنساء أيضاً؛ لقوة دليله، والله تعالى أعلم. (وَتَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ)؛ أي: عن أكل لحومها (فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ) وفي رواية: ((فكلوا، وأطعموا، وادَّخِروا، ما بدا لكم)). وسبب نهيه ولو عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام، هو ما سيأتي للمصنف نَّثُ في ((كتاب الأضاحي)) (١٩٧١) من طريق عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الله بن واقد، قال: نهى رسول الله وَ ر عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، قال عبد الله بن أبي بكر: فذكرت ذلك لعمرة، فقالت: صدق، سمعت عائشة تقول: دَفّ أهل أبيات من أهل البادية حضرة الأضحى، زمن رسول الله صل﴾، فقال رسول الله و الجر: ((ادَخِروا ثلاثاً، ثم تصدقوا بما بقي))، (١) ((شرح مسلم)) ٧/ ٥٠. ٦٤٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز فلما كان بعد ذلك قالوا: يا رسول الله إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم، ويَجْمُلون منها الوَدَكَ، فقال رسول الله وَّه: ((وما ذاك؟))، قالوا: نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، فقال: ((إنما نهيتكم من أجل الدافّة التي دَفَّت، فكلوا، وادَّخِروا، وتصدقوا)). والذّافّة بتشديد الفاء: الجماعة التي تسير سيراً ليّناً، وسيأتي تمام ما يتعلّق به هناك - إن شاء الله تعالى -. (وَنَهَيْئُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ) فعيل بمعنى مفعول، يقال: نَبَذْته نَبْذاً، من باب ضرب: ألقيتُهُ، فهو منبوذ، وصبيّ منبوذ: مطروح، ومنه سمي النبيذ؛ لأنه يُنَبَذ؛ أي: يُترك حتى يشتدّ. قاله في ((المصباح)). والمعنى نهيتكم عن شرب النبيذ، في الظروف (إِلّا) حالة كونه (فِي سِقَاءٍ)؛ أي: قِرْبَة، وفي رواية للنسائيّ: ((وذكرت لكم أن لا تنتبذوا في الظروف: الدبّاء، والمزفّت، والنقير، والحنتم)) (فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلُّهَا) وفي رواية للنسائيّ: ((في الأوعية كلها))، وهو بوزن ((الأسقية)) ومعناها، قال السنديّ كَّتُهُ: أي الظروف، وإلا لا يصحّ المقابلة. انتهى. (وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِراً)) وفي رواية للنسائيّ: ((انتبذوا فيما رأيتم، واجتنبوا كلّ مسكر)). يعني أن الانتباذ في جميع الظروف جائز، وإنما المنهيّ عنه هو شرب المسكر. وقوله: (قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ)؛ أي: محمد بن عبد الله بن نُمير شيخه الثاني (فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) غرض المصنّف تَّتُ بهذا بيان أن المكنّى في رواية أبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن المثنّى بـ((ابن بريدة)) هو عبد الله بن بُريدة، كما بيّنه ابن نمير في روايته، وليس سليمان بن بُريدة أخاه، كما يأتي في رواية علقمة بن مرثد. والحاصل أن هذا الحديث مرويّ عن ابني بُريدة: عبد الله، وسليمان، كلاهما عن أبيهما، ولكن رواية محارب بن دثار، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، وكذا رواية عطاء الخراسانيّ، وأما رواية علقمة بن مرثد، فعن سليمان، عن أبيه، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.