Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
(١٢) - بَابٌ فِي غَسْلِ الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٦٨)
وثمرته طيّبة، والآخر ينبت في البّرّ، ولا يُنتفع بوَرَقه في الغَسْل، وثمرته
عَفِصَةٌ. انتهى.
[تنبيه]: قال: الزين ابن المنيّر تَخْذَلُهُ: قوله: ((بماء وسدر)) يتعلّق بقوله:
((اغسلنها))، وظاهره أن السدر يُخلَط في كلّ مرّة من مرّات الغسل، وهو مشعر
بأن غسل الميت للتنظيف، لا للتطهير؛ لأن الماء المضاف لا يُتطهّر به.
انتھی.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((لأن الماء المضاف لا يتطهّر به)) غير
صحيح؛ لأن حديث الباب ظاهر في كونه مطهّراً، ولا يُعْدَل عن هذا الظاهر
إلا لدليل صحيح صريح، فالماء المضاف إليه السدر ونحوه من الأشياء الطاهرة
مطهّر ما دام اسم الماء ثابتاً له، كما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه
العلامة ابن القيّم - رحمهما الله تعالى -.
وقال في ((الفتح)) بعد نقل كلام ابن المنيّر المذكور: وقد يُمْنَع لزوم كون
الماء يصير مضافاً بذلك؛ لاحتمال أن لا يُغَيِّرِ السدرُ وصف الماء بأن يُمعَك
بالسدر، ثم يغسل بالماء في كلّ مرّة، فإن لفظ الخبر لا يأبى ذلك. انتهى.
قال الجامع: لكن الأول هو الظاهر، فلا داعي إلى أن يعدل عنه، كما
علمت، والله أعلم.
وقال القرطبيّ كَُّهُ: يُجعل السدر في ماء، ويُخَضَخَض إلى أن تخرج
رغوته، ويدلك به جسده، ثم يصبّ عليه الماء القَرَاح، فهذه غسلة.
وحَكَى ابن المنذر أن قوماً قالوا: تُطرح ورقات السدر في الماء؛ أي:
لئلا يمازج الماء، فيتغيّر وصفه المطلق. وحُكي عن أحمد أنه أنكر ذلك،
وقال: يُغسل في كلّ مرّة بالماء والسدر.
قال الجامع: هذا الذي حُكِي عن الإمام أحمد تَظُّ هو الحقّ، الذي
يجب المصير إليه، وما عداه من التأويلات التي ذكروها، فآراء ساقطة، لا
أثارة عليها من الأدلّة، والله تعالى أعلم.
قال الحافظ: وأعلى ما ورد في ذلك ما رواه أبو داود من طريق قتادة،
عن ابن سيرين أنه كان يأخذ الغُسْل، عن أمّ عطيّة، فيغسل بالماء والسدر
مرتين، والثالثة بالماء والكافور.

٣٠٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
قال ابن عبد البرّ: كان يقال: كان ابن سيرين من أعلم التابعين بذلك.
قال الجامع: هذا الذي نُقل عن ابن سيرين هو الذي ينبغي اتباعه؛ لكونه
أعلم التابعين بذلك، لكن الثالثة تكون بالماء والسدر، والكافور؛ لظاهر
النصّ، والله تعالى أعلم ..
وقال ابن العربيّ تَخْلُهُ: من قال: الأولى بالماء القَرَاح، والثانية بالماء
والسدر، أو العكس، والثالثة بالماء والكافور، فليس هو في لفظ الحديث.
انتهى، وكأن قائله أراد أن تقع إحدى الغسلات بالماء الصرف المطلق؛ لأنه
المطهّر في الحقيقة، وأما المضاف فلا.
قال الجامع: قوله: وأما المضاف فلا غير صحيح؛ لأن الشارع جعل
الماء والسدر مطهّراً حقيقةً، فكيف يقال: إن المضاف لا يطهّر؟ إن هذا لشيءٍ
عجيب !!! .
قال: وتمسّك بظاهر الحديث ابن شعبان، وابن الفرضي، وغيرهما من
المالكيّة، فقالوا: غسل الميت إنما هو للتنظيف، فيجزئ بالماء المضاف، كماء
الورد، ونحوه، قالوا: وإنما يكره من جهة السرف، والمشهور عند الجمهور أنه
غسل تعبّديّ يُشترط فيه ما يشترط في بقية الأغسال الواجبة والمندوبة.
وقيل: شُرع احتياطاً؛ لاحتمال أن يكون عليه جنابة، وفيه نظر؛ لأن
لازمه أن لا يُشرَع غسل من هو دون البلوغ، وهو خلاف الإجماع. انتهى (١)،
والله تعالى أعلم بالصواب.
(وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُوراً) قال في ((القاموس)) - عند تعداد معاني
الكافور - ما نصّه: وطيب معروف، يكون من شجر بجبال بحر الهند والصين،
يُظِلُّ خلقاً كثيراً، وتَأَلَفُهُ النُّمُورةِ، وخشبه أبيض هَشٌّ، ويوجد في أجوافه
الكافور، وهو أنواع. انتهى(٢).
وقوله: (أَوْ شَيْئاً مِنْ كَافُورٍ) ((أو)) هنا للشكّ من الراوي، أيَّ اللفظين
قال، والأول محمول على الثاني؛ لأنه نكرة في سياق الإثبات، فيصدق بكلّ
شيء منه.
(١) راجع: ((الفتح)) ٧٠٢/٣ - ٧٠٣.
(٢) ((القاموس المحيط)) ١٢٨/٢.

٣٠٣
(١٢) - بَابٌ فِي غَسْلِ الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٦٨)
وظاهره جعل الكافور في الماء، وبه قال الجمهور، وقال النخعيّ،
والكوفيّون: إنما يجعل في الحنوط؛ أي: بعد إنهاء الغسل والتجفيف، قاله في
((الفتح)).
وعبارة ابن الملقّن: انفرد أبو حنيفة، فقال: لا يستحبّ استعمال
الكافور، وخالفه الثلاثة والجمهور، وهذا الحديث حجة عليه، وروي عن
النخعيّ: إنما ذلك في الحنوط، لا في الغسل، وعزاه القرطبيّ إلى الأوزاعيّ،
ويمكن أن يتأول من قال هذا ((في الأخيرة))؛ أي: بعد تمامها، والظاهر
بخلافه. انتھی.
قال الجامع عفا الله عنه: هذه الأقوال كلها يردُّها ظاهر الحديث، كما
أشار إليه ابن الملقّن، فالصواب مشروعية استعمال الكافور في المرة الأخيرة
من الغسلات، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قيل: الحكمة في الكافور مع كونه يُطيّب رائحة الموضع لأجل
من يحضر من الملائكة وغيرهم، أن فيه تجفيفاً، وتبريداً، وقوّة نفوذ، وخاصيّةً
في تصليب بدن الميت، وطرد الهوامّ عنه، وردع ما يتحلل من الفضلات، ومنع
إسراع الفساد إليه، وهو أقوى الأرابيح الطيّبة في ذلك، وهذا هو السرّ في
جعله في الأخيرة؛ إذ لو كان في الأولى مثلاً لأذهبه الماء.
وهل يقوم المسك مثلاً مقام الكافور؟ إن نُظِر إلى مجرّد التطييب، فنعم،
وإلا فلا، وقد يقال: إذا عُدم الكافور قام غيره مقامه، ولو بخاصية واحدة
مثلاً، قاله في ((الفتح)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ أن غير الكافور لا يقوم مقامه، عند
وجوده، بل يجب استعماله، لأمر النبيّ ◌َّلهم بذلك، حيث قال: ((واجعلن في
الآخرة كافوراً)»، والله تعالى أعلم.
(فَإِذَا فَرَغْتُنَّ) أي: من غسلها على الكيفية المذكورة، والخطاب لجماعة
الإناث (فَاذِنَّنِي))) أي: أعلمنني، وهو بمد الهمزة، وتشديد النون الأولى فعل
أمر من الإيذان، وهو الإعلام، قال السنديّ: ويَحْتَمِل أن يُجعل من التأذين،
والمشهور الأول. انتهى. (فَلَمَّا فَرَغْنَا، آذَنَّهُ) أي: أعلمناه بفراغنا من الغسل
المذكور (فَأَعْطَانَا حِقْوَهُ) بفتح الحاء المهملة - ويجوز كسرها، وهي لغةُ هُذيل -

٣٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
بعدها قاف ساكنة، والمراد به هنا الإزار، كما وقع مفسّراً في آخر هذه
الرواية عند البخاريّ، والحقو في الأصل مَعْقِد الإزار، وأطلق على الإزار
مجازاً .
وقال ابن الملقّن دَخْتُ: الحقو بالكسر، وفتحها لغتان، والمعروف من
كلام العرب الثاني، وقالته هذيل بالأول، كما أفاده القرطبيّ، وهو الإزار،
والأصل فيه الخصر معقد الإزار، وسُمّي الإزار مجازاً؛ لملازمته إياه، وهو من
باب تسمية الشيء بما يلازمه، كما قالوا للمَزَادة راوية، والراوية اسم للجمل
الحامل لها. انتهى(١).
وقال في ((المصباح)): الْحَقْوُ موضع شَدّ الإزار، وهو الخاصرة، ثم
توسّعوا حتى سَمَّوا الإزار الذي يُشدّ على العورة حَقْواً، والجمع أَحْقٍ، وحُقِيٍّ،
مثل فلس وفُلُوس، وقد يُجمع على حِقَاءٍ، مثل سَهْم وسِهَام. انتهى(٢).
ووقع عند البخاريّ من رواية ابن عون، عن محمد بن سيرين بلفظ:
((فنزع من حقوه إزاره)، والحقو في هذا على حقيقته، قاله في ((الفتح))(٣).
(فَقَال: ((أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ))) أي: اجعلنه شِعارَها؛ أي: الثوب الذي يلي
جسدها، وقد وقع عند البخاريّ تفسير أيوب السختيانيّ له، فقال: الففنها فيه،
فالمراد من إشعارها الإزارَ لَفّها فيه، وليس مجرّد وضعه عليها، فتنبّه.
قيل: الحكمة في تأخير الإزار معه إلى أن يفرغن من الغسل، ولم
يناولهنّ إياه أوّلاً، ليكون قريب العهد من جسده الكريم بَّر، حتى لا يكون بين
انتقاله من جسده إلى جسدها فاصل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أم عطيّة ﴿ّا هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
(١) ((الإعلام)) ٤٣٥/٤ - ٤٣٦.
(٣) ((الفتح)) ٧٠٩/٣.
(٢) ((المصباح المنير)) ١٤٥/١.

٣٠٥
(١٢) - بَابٌ فِي غَسْلِ الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٦٨)
أخرجه (المصنّف) هنا [٢١٦٨/١٢ و٢١٦٩ و٢١٧٠ و٢١٧١ و٢١٧٢
و٢١٧٣ و٢١٧٤ و٢١٧٥ و٢١٧٦] (٩٣٩)، و(البخاريّ) في ((الجنائز)) (١٦٧
و١٢٥٣ و١٢٥٤ و١٢٥٧ و١٢٥٩ و١٢٦١)، و(أبو داود) في ((الجنائز))
(٣١٤٢)، و(الترمذيّ) في ((الجنائز)) (٩٩٠)، و(النسائيّ) في ((الجنائز)) (١٨٨١
و١٨٨٣ و١٨٨٤ و١٨٨٥ و١٨٨٧ و١٨٨٨ و١٨٨٩ و١٨٩٠ و١٨٩١ و١٨٩٢
و١٨٩٣ و١٨٩٤) و((الكبرى)) (٢٠٠٨ و٢٠١٠ و٢٠١١ و٢٠١٢ و٢٠١٣ و٢٠١٤
و٢٠١٥ و٢٠١٦ و٢٠١٧ و٢٠١٨ و٢٠٢٠ و٢٠٢١)، و(ابن ماجه) في ((الجنائز))
(١٤٥٥)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٥١٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٠٢٦٦
و٢٦٧٥٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٠٩١ و٢٠٩٢ و٢٠٩٣ و٢٠٩٤
و٢٠٩٥ و٢٠٩٦ و٢٠٩٧ و٢٠٩٨ و٢٠٩٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعية غسل الميت، وكون الغسل بالماء والسدر.
٢ - (ومنها): استعمال الكافور في الغسلة الأخيرة.
٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَّل من تعليم أمور الدين لأمته
رجالا ونساءً.
٤ - (ومنها): أنه ينبغي للعالم إذا عَلّم أمراً يتعلّق بالمأمورية، لا يمكن
الائتمار به إلا بالفعل على صورة أن يقيّد الأمر، والتعليم بغاية، لتوضع
موضعه .
٥ - (ومنها): أنه ينبغي للمأمور التقيّد بالأمر فوراً وغايةً.
٦ - (ومنها): أن على العالم أن يبتدىء بتعليم العلم إذا علم أن العامل
يجهل ذلك العلم، أو يقصّر في العمل به.
٧ - (ومنها): مشروعية الإيتار في غسل الميت على حسب الحاجة، كما
سبق .
٨ - (ومنها): تفويض الحاجة في ذلك إلى العامل على حسب المصلحة
الشرعية، من غير إسراف، ولا تقتير.
٩ - (ومنها): التبرّك بآثار رسول الله وَله .
١٠ - (ومنها): جواز تكفين المرأة في ثوب الرجل.

٣٠٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
١١ - (ومنها): ما قاله ابن العربيّ كَّثُ: هذا الحديث أصل في جواز
التطهّر بالماء المضاف إذا لم يُسلَب الماء الإطلاق. انتهى.
قال الحافظ تَخُّْ: وهو مبنيّ على أن الصحيح أن غسل الميت للتطهير،
کما تقدّم. انتھی.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله العلامة ابن العربي تَخْتُ هو الحقّ
الذي يدلّ عليه حديث الباب وغيره، وقد تقدّم الردّ على الأقوال المخالفة له
قريباً، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
١٢ - (ومنها): أن بعضهم استدّل به على عدم وجوب غسل من غسل
ميتاً؛ حيث إن النبيّ وَ ﴿ لم يأمرهنّ بذلك، وسيأتي تمام البحث في هذا في
المسألة التالية - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وجوب غَسْل من غسل
ميتاً :
(اعلم): أنه استَدَلّ بعض أهل العلم بهذا الحديث على أنه لا يجب
الغُسل على من غَسَلَ الميت، من حيث إنه موضع تعليم، فلو وجب لذكره
النبيّ ێو.
قال العلامة ابن الملَقِّن ◌َّلهُ: وعدم الوجوب هو الصحيح، من مذهب
الشافعي، ورواية المدنيين عن مالك، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد،
والجمهور، لكن قال الخطابي: لا أعلم أحداً قال بوجوبه، وأوجب أحمد،
وإسحاق الوضوء منه، والجمهور على استحبابه، والحديث المرويّ فيه من
طريق أبي هريرة ربه: ((مَن غَسَلَ ميتاً فليغتسل، ومن مسّه فليتوضأ))، ضعيف
بالاتفاق، كذا قال النوويّ في ((شرح مسلم))، وتبعه بعض شراح هذا الكتاب
يعني ((عمدة الأحكام)) وليس بجيّد، فقد حسّنه الترمذيّ، وصححه ابن حبّان،
وابن السكن، وقال البخاريّ: الأشبه وقفه على أبي هريرة ظ ◌ُه.
ويُحْمَل على الاستحباب بدليل حديث ابن عباس ﴿ًا، قال: قال
رسول الله وَر: ((ليس عليكم في غسل ميتكم غسل، إذا غسلتموه، فإن ميتكم
ليس بنجس)). رواه الحاكم في ((مستدركه))، وقال: صحيح على شرط

٣٠٧
(١٢) - بَابٌ فِي غَسْلِ الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٦٨)
البخاريّ، ثم قال: وفيه ردّ لحديث أبي هريرة الذي أسلفناه، وليس كما قال،
بل يُعمل بهما، فيستحبّ الغسل، فإذا قلنا بالوجوب، فقيل: تعبّد، وقيل:
محمول على نجاسة بدن الآدمي بالموت(١)، وهو قول بعضهم. وقيل: المعنى
فيه حرمة الميت، حكاه الماورديّ. انتهى كلام ابن الملقّن رحمه الله تعالى.
وقال البغويّ تَكْثُ في ((شرح السنة)): واختَلَف أهل العلم في الغسل من
غسل الميت، فذهب بعضهم إلى وجوبه، وذهب أكثرهم إلى أنه غير واجب،
قال ابن عمر، وابن عباس ﴿: ليس على غاسل الميت غسل، وروي عن
عبد الله بن أبي بكر، عن أسماء بنت عُميس امرأة أبي بكر أنها غسلت أبا بكر
حين توفي، فسألت من حضرها من المهاجرين، فقالت: إني صائمة، وهذا يوم
شديد البرد، فهل عليّ من غسل؟ فقالوا: لا .
وقال مالك، والشافعيّ: يستحبّ له الغسل، ولا يجب، وقال النخعي،
وأحمد، وإسحاق: يتوضأ غاسل الميت، وقال أحمد: لا يثبت في الاغتسال
من غسل الميت حديث، وقال ابن المبارك: لا يغتسل، ولا يتوضأ. انتهى
كلام البغويّ دكّتُهُ .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث: ((من غسل ميتاً فليغتسل ... )) قال
الحافظ في ((الفتح)): رواه أبو داود، من طريق عمرو بن عمير، ورواته ثقات،
إلا عمرو بن عمير، فليس بمعروف، وروى الترمذيّ، وابن حبان، من طريق
سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة نحوه، وهو معلول؛ لأن أبا
صالح لم يسمعه من أبي هريرة ظه، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: الصواب
عن أبي هريرة موقوف، وقال أبو داود بعد تخريجه: هذا منسوخ، ولم يبين
ناسخه، وقال الذهليّ فيما حكاه الحاكم في ((تاريخه)): ليس فيمن غسل ميتاً
حدیث ثابت. انتهى.
وقد استوفى الكلام عليه الحافظ كَّلُهُ في ((التلخيص الحبير))، ودونك
عبارته، قال رَُّهُ: حديث: ((من غسل ميتاً فليغتسل)) رواه أحمد، والبيهقيّ،
من رواية ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة بهذا، وزاد:
(١) هذا ضعيف، فإن الميت لا ينجس بالموت، فتنبه.

٣٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
(ومن حمله فليتوضأ)). وصالح ضعيف، ورواه البزار، من رواية العلاء، عن
أبيه، ومن رواية محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، ومن رواية أبي بحر
البكراويّ، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، كلهم عن أبي هريرة، ورواه
الترمذيّ، وابن ماجه، من حديث عبد العزيز بن المختار، وابن حبان من رواية
حماد بن سلمة، كلاهما عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي
هريرة ظه، ورواه أبو داود، من رواية عمرو بن عُمير، وأحمد من رواية
شيخ، يقال له: أبو إسحاق، كلاهما عن أبي هريرة ظه، وذكر البيهقيّ له
طرقاً، وضعّفها، ثم قال: والصحيح أنه موقوف، وقال البخاري: الأشبه
موقوف، وقال عليّ، وأحمد: لا يصحّ في الباب شيء، نقله الترمذيّ عن
البخاريّ، عنهما، وعلّق الشافعيّ القول به على صحّة الخبر، وهذا في
((البويطيّ)). وقال الذهليّ: لا أعلم فيه حديثاً ثابتاً، ولو ثبت للزمنا استعماله.
وقال ابن المنذر: ليس في الباب حديث يثبت، وقال ابن أبي حاتم في ((العلل))
عن أبيه: لا يرفعه الثقات، إنما هو موقوف، وذكر الدارقطني الخلاف في
حديث ابن أبي ذئب، هل هو عن صالح، أو عن المقبريّ، أو عن سهيل، عن
أبيه، أو عن القاسم بن عباس، عن عمرو بن عمير؟ ثم قال: وقوله: عن
المقبريّ أصحّ. وقال الرافعي: لم يصحح علماء الحديث في هذا الباب شيئاً
مرفوعاً، قلت: قد حسنه الترمذيّ، وصححه ابن حبان.
وله طريق أخرى، قال عبد الله بن صالح: ثنا يحيى بن أيوب، عن
عُقيل، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، رفعه: ((من غسل
ميتاً، فليغتسل))، ذكره الدارقطنيّ، وقال: فيه نظر. قلت: رواته موثقون، وقال
ابن دقيق العيد في ((الإمام)): حاصل ما يُعلُّ به وجهان: أحدهما من جهة
الرجال، ولا يخلو إسناد منها من متكلّم فيه، ثم ذكر ما معناه أن أحسنها رواية
سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، وهي معلولة، وإن صححها ابن حبان، وابن
حزم، فقد رواها سفيان، عن سهيل، عن أبيه، عن إسحاق مولى زائدة، عن
أبي هريرة، قلت: إسحاق مولى زائدة أخرج له مسلم، فينبغي أن يصحح
الحديث. قال: وأما رواية محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة،
فإسناد حسن، إلا أن الحفّاظ من أصحاب محمد بن عمرو رووه عنه موقوفاً.

٣٠٩
(١٢) - بَابٌ فِي غَسْلِ الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٦٨)
وفي الجملة هو بكثرة طرقه أسوأ أحواله أن يكون حسناً، فإنكار النووي
على الترمذيّ تحسينه معترض، وقد قال الذهبيّ في ((مختصر البيهقي)): طرق
هذا الحديث أقوى من عدّة أحاديث، احتجّ بها الفقهاء، ولم يُعلّوها بالوقف،
بل قدّموا رواية الرفع، والله أعلم.
وفي الباب عن عائشة، رواه أحمد، وأبو داود، والبيهقيّ، وفي إسناده
مصعب بن شيبة، وفيه مقال، وضعفه أبو زرعة، وأحمد، والبخاريّ، وصححه
ابن خزيمة.
وفيه عن عليّ، وسيأتي في ((الجنائز))، وعن حذيفة ذكره ابن أبي حاتم،
والدار قطنيّ في ((العلل))، وقالا: لا يثبت، قلت: ونفيهما الثبوت على طريقة
المحدثين، وإلا فهو على طريقة الفقهاء قويّ؛ لأن رواته ثقات، أخرجه
البيهقيّ، من طريق معمر، عن أبي إسحاق، عن أبيه، عن حذيفة، وأعلّه بأن
أبا بكر بن إسحاق الصبغيّ، قال: هو ساقط، قال: وقال علي ابن المدينيّ:
لا يثبت فيه حديث. انتهى، وهذا التعليل ليس بقادح؛ لما قدمناه.
وعن أبي سعيد، رواه ابن وهب في ((جامعه))، وعن المغيرة، رواه أحمد
في ((مسنده)).
وذكر الماورديّ أن بعض أصحاب الحديث خرّج لهذا الحديث مائة
وعشرين طريقاً، قال الحافظ: وليس ذلك ببعيد.
وقد أجاب أحمد عنه بأنه منسوخ، وكذا جزم بذلك أبو داود، ويدلّ له
ما رواه البيهقيّ عن الحاكم، عن أبي عليّ الحافظ، عن أبي العباس الهمدانيّ
الحافظ، ثنا أبو شيبة، ثنا خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، عن عمرو،
عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿ه، قال: قال رسول الله وَلفيه: ((ليس عليكم في
غَسل ميتكم غُسْل، إذا غسلتموه، إن ميتكم يموت طاهراً، وليس بنجس،
فحسبكم أن تغسلوا أيديكم))، قال البيهقيّ: هذا ضعيف، والحمل فيه على أبي
شيبة .
قال الحافظ: أبو شيبة هو إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة، احتجّ به
النسائيّ، ووثقه الناس، ومَن فوقه احتجّ بهم البخاريّ، وأبو العباس، هو ابن
عُقْدة حافظ كبير، إنما تكلّموا فيه بسبب المذهب، ولأمور أخرى، ولم يضعفه

٣١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
بسبب المتون أصلاً، فالإسناد حسن، فيجمع بينه وبين الأمر في حديث أبي
هريرة بأن الأمر على الندب، أو المراد بالغسل غسل الأيدي، كما صرّح به في
هذا .
قلت: ويؤيِّد أن الأمر فيه للندب ما رواه الخطيب في ترجمة محمد بن
عبد الله المخرِّميّ من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: قال لي أبي:
كتبتَ حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: ((كنا نغسل الميت، فمنا من
يغتسل، ومنا من لا يغتسل))؟. قال: قلت: لا، قال: في ذلك الجانب شاب،
يقال له: محمد بن عبد الله، يحدّث به، عن أبي هشام المخزوميّ، عن
وهيب، فاكتبه عنه.
قلت: وهذا إسناد صحيح، وهو أحسن ما جمع به بين مختلف هذه
الأحاديث، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ تَظْلَّتُ في ((التلخيص)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أجاد الحافظ تَُّ في تحقيق الكلام
على هذا الحديث، وأفاد، وخلاصته أن حديث أبي هريرة عظته، مرفوعاً: ((من
غسل ميتاً، فليغتسل .... )) حسنه الترمذيّ، وصححه ابن حبان، وابن القطان،
واحتجّ به ابن حزم، فالراجح أنه صحيح، لكنه محمول على الاستحباب؛
لحديث ابن عباس ، مرفوعاً: ((ليس عليكم في غسل ميتكم غسل ... ))
الحديث، وأثر ابن عمر ◌ًا: ((كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل ... ))
الحديث، وكلاهما ثابتان، فالعمل بكلها متعيّن.
والحاصل أن المذهب الصحيح هو القول باستحباب الاغتسال لمن غسل
الميت، والوضوء لمن حمله عملاً بكلّ الأحاديث.
ثم إن الراجح أن الأمر فيه تعبّديّ، والقول بكون الميت نجساً باطل؛ لما
تقدّم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في غسل أحد الزوجين
للآخر إذا مات :
(اعلم): أنه استدلَّ بعض أهل العلم بحديث الباب على أن النساء أحقّ
بغسل الميتة من زوجها، وأنه لا يغسلها، إلا عند عدمهنّ، وهو مذهب
الحسن، قال ابن الملقّن تَخْتُ: وقد يمنع من ذلك حتى يتحقق أن زوج زينب

٣١١
(١٢) - بَابٌ فِي غَسْلِ الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٦٨)
كان حاضراً إذ ذاك، لا مانع له من غسلها، وأنه لم يفوّض الأمر إلى النسوة،
وجمهور العلماء على خلافه، وأنه أحقّ، وذهب الشعبيّ، والثوريّ، وأبو حنيفة
إلى أنه لا يغسلها جملة، وقال سحنون: الأولياء أحقّ، واختلف الشافعيّة في
أن النساء أحقّ بغسل الميتة من زوجها على وجهين، أصحهما نعم؛ لأنهنّ
أليق، وأجمعَ العلماء على أن لها غسل زوجها، وإن كان فيه رواية عن أحمد،
والأصحّ أنها تغسله أبداً. انتهى.
وقال الإمام أبو بكر بن المنذر تَّثُ: أجمع أهل العلم على أن للمرأة أن
تغسل زوجها إذا مات، وقد روينا عن أبي بكر الصديق به أنه أوصى أن
تغسله أسماء بنت عُميس زوجته، قال: وذلك بحضرة المهاجرين والأنصار، لم
ينكر ذلك منهم منكر، وأن أبا موسى غسلته امرأته.
قال: واختلفوا في الرجل يغسل زوجته، فقالت طائفة: يغسلها، هكذا
قال علقمة، وجابر بن زيد، وعبد الرحمن بن الأسود، وسليمان بن يسار،
وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وقتادة، وحماد بن أبي سليمان، ومالك،
والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق. وكرهت طائفة ذلك،
كرهه الشعبيّ، وقال الثوريّ، وأصحاب الرأي: لا يغسلها.
قال ابن المنذر: وبالقول الأول أقول، ولا فرق بين غسل الرجل زوجته،
وبين غسلها إياه، وليس فيما يحلّ لكلّ واحد بينهما، ويحرم من صاحبه في
حياته، وبعد مماته فرق، فإن قال قائل: إن أبا بكر غسلته أسماء؟ قيل له:
وغسل عليّ فاطمة، وليست العلة التي اعتلّ بها ناس، من باب غسل الموتى
بسبيل؛ لأنه يطلقها ثلاثاً، فتكون في عدة منه، وتموت، فلا تغسله عند من
خالفنا، فبطل لما كان هذا مذهب من خالفنا أن يكون لقوله: هي في عدة منه،
وليس هو في عدة منها معنى، والله أعلم. انتهى كلام ابن المنذر كَذَتُهُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الإمام ابن المنذر تَُّ، من
ترجيح القول بأن لكل واحد من الزوجين غسلَ الآخر هو الحقّ؛ لما ذكره،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) ((الأوسط)) ٣٣٤/٥ - ٣٣٦.

٣١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢١٦٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا بَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، عَنْ
أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، ثَّلَتْ:
(مَشَطْنَاهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وهم المذكورون في السند السابق.
[تنبيه]: في هذه الرواية وقع رواية أيوب عن محمد بن سيرين، عن أخته
حفصة بنت سيرين، عن أم عطيّة، فأدخل محمد بينه وبين أم عطيّة واسطة،
وقد صرّح في رواية النسائيّ بالإخبار عن حفصة، ونصّه: ((عن محمد قال:
أخبرتني حفصة، عن أم عطيّة))، وأما بقيّة الروايات، فإنه رواها عن أم عطيّة
مباشرة من غير واسطة، والحديث أيضاً مما رواه أيوب عن حفصة، عن أم
عطيّة، فثبت بهذا أن أيوب تارة يرويه عن محمد، عن أم عطيّة، وتارة عن
حفصة، عن أم عطيّة، وتارة عن محمد، عن حفصة، عن أم عطيّة، وكلها في
((الصحيح))، فأما رواية محمد، عن حفصة، عن، أم عطيّة، ففي ((صحيح
مسلم)) هنا، وأما روايته عن أم عطيّة، ففي ((الصحيحين)) كليهما، فتنبّه، والله
تعالى أعلم.
وقوله: (مَشَطْنَاهَا) بتخفيف الشين المعجمة: أي: سرّحنا شعرها بالْمُشْط،
يقال: مَشَطَت الشعرَ مَشْطاً، من بابي قتل، وضرب: سرّحته، والتثقيل مبالغة،
وامتشطت المرأة مَشَطَت شعرها، والْمُشْطُ الذي يُمْتشط به بضمّ الميم، وتميم
تكسر، وهو القياس؛ لأنه آلة، والجمع أَمْشاطٌ، والْمُشَاطة بالضمّ: ما يسقُطُ
من الشعر عن مَشْطِهِ، قاله الفيّومِيّ ◌َخْذُّهُ(١).
وقوله: (ثَلَاثَةَ قُرُونٍ) جمع قَرن، والمراد به الْخُصْلة من الشعر، و((ثلاثةَ))
منصوب على الحال؛ أي: حال كونه ثلاثة قرون، والمعنى: جعلنا شعرها
(١) ((المصباح المنير)) ٥٧٤/٢.

٣١٣
(١٢) - بَابٌ فِي غَسْلِ الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٦٩)
ثلاث ضفائر بعد أن حللناه، وغسلناه، وسرّحناه، وهو بمعنى قولها في الرواية
الآتية: ((فضَفَرْنا شعرَها ثلاثة أثلاث: قرنيها، وناصیتها)).
وفيه حجة للشافعيّ نَّهُ ومن وافقه على استحباب تسريح الشعر، ومثل
المرأة في ذلك الرجل إذا كان له شعر يُنقَض؛ لأجل التنظيف، وليبلغ الماء
البشرة، وذهب من منعه إلى أنه قد يفضي إلى انتشاف شعره، وأجاب من أثبته
بأنه يُضمّ إلى ما انتثر منه، أفاده في ((الفتح))(١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تخريجه، وبقي الكلام على مذاهب
العلماء في حكم مشط الشعر، فأقول:
(مسألة): في اختلاف أهل العلم في حكم تضفير شعر الميت:
قال الإمام ابن المنذر تخّتُ: اختلفوا في تضفير شعر الميتة، فكان
الشافعيّ يقول: يُضفّر شعر رأسها كلّه، ناصيتها، وقرنها ثلاث قرون، ثم ألقيت
خلفها، وكذلك قال أحمد، وأومأ إليه إسحاق، وبه نقول؛ لحديث أم
عطية رضي
وكان الأوزاعيّ يقول: ليس مشط رأس الميتة ثلاثة قرون بواجب، ولكن
يفرّق شعرها، ويرسله مع خدّيها، وقال أصحاب الرأي: يرسل من بين ثدييها
من الجانبين جميعاً، ثم يُسدل الخمار عليه. انتهى(٢).
وقال العلامة ابن الملقّن تَخْلَثُ عند الكلام على قوله: ((وجَعَلْنا رأسها
ثلاثة قرون)) ما حاصله: أي ثلاث ضفائر، ضفيرتين، وناصيتها، كما جاء مبيّناً
في رواية أخرى، وتضمّن ذلك التسريحَ، والضَّفْرَ، بناء على أن الغالب في أن
الضَّفْر بعد التسريح، وإن كان هذا اللفظ لا يُشعر به صريحاً، وقد جاء في
رواية في ((الصحيح)): ((فمَشَطْناها ثلاثة قرون))، وبه قال الشافعيّ، وأحمد،
وإسحاق، وابن حبيب المالكي.
وقال الأوزاعيّ، والكوفيون: لا يستحبّ المشط، ولا الضَّفْر، بل يُرسَل
شعرها على جانبيها مفرّقاً. ونقل القرطبيّ عن الأوزاعيّ أنه لا يجب الْمَشْطُ،
وما نقلناه عن الأوزاعي تبعنا فيه النوويّ تَُّ، ولم يَعرِف ابنُ القاسم الضَّفْر،
(١) ((الفتح)) ٧١٣/٣ - ٧١٤.
(٢) ((الأوسط)) ٣٣٣/٥.

٣١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
وقال: يُلَفّ، وقال بعض الشافعية - فيما حكاه الشيخ تقي الدين -: تُجعَل
الثلاث خلف ظهرها، قال: ورَوَى في ذلك حديثاً أثبت استحبابه به، وهو
ثابت من فعل من غَسَل بنت رسول الله وَلّ؛ أي: كما أخرجه البخاريّ من
حديث أم عطيّة ◌َّا .
وقال ابن الجوزيّ: إنه السنّة، قال القاضي: ومن حجة مَن مَنَعَ
الاستحباب أنه ليس في الحديث معرفة النبيّ وَ﴿ بفعل أم عطية، فيُجعلَ سنةً
وحجةً، قال النوويّ: الظاهر اطّلاعه عليه، واستبيانه فيه كما في غيرها،
واعترض عليه الفاكهيّ، فقال: هذا الظاهر عنده، غير ظاهر.
قال ابن الملقّن: قلت: عجيب منه، ومن القاضي عياض، ففي ((صحيح
ابن حبّان)) أنه ﴿ ﴿ أمر بذلك، ولفظ روايته: ((واجْعَلْنَ لها ثلاثة قرون))، وترجم
عليه: (باب ذكر البيان بأنّ أم عطيّة إنما مَشَطَت قرونها بأمر المصطفى وَّهِ، لا
من تلقاء نفسها))، فاستفيد ذلك، ولم يطّلع القرطبيّ أيضاً على هذه الرواية،
فادَّعَى أن ذلك لم يَرِد مرفوعاً. انتهى كلام ابن الملقّن كَذَتُهُ(١).
وقال في ((الفتح)): وقد رواه سعيد بن منصور بلفظ الأمر من رواية
هشام، عن حفصة، عن أم عطيّة، قالت: قال لنا رسول الله وَله: ((اغسلنها
وتراً، واجْعَلْنَ شعرها ضفائر)). انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن المذهب الراجح
مشروعية نقض شعر رأس الميتة، وتسريحه، وجعله ثلاث ضفائر، وإلقاؤه
خلف ظهرها؛ لصحة الأحاديث بذلك، على ما قدّمناه، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢١٧٠] (.) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسِ (ح) وَحَدَّثَنَا
أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّاءٌ (٢) (ح) وَحَدَّثَنَا بَحْبَى
(١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٤/ ٤٤٣ - ٤٤٥.
(٢) وفي نسخة: ((حماد بن زيد)).

٣١٥
(١٢) - بَابٌ فِي غَسْلِ الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٧٠)
ابْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، كُلُّهُمْ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ:
تُؤْقِيَتْ إِحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ وَّهِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ: قَالَتْ: أَتَانَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ،
وَنَحْنُ نَفْسِلُ ابْنَتَهُ، وَفِي حَدِيثِ مَالِكِ: قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ وَهِ حِينَ
تُوُفِّيَتِ ابْتَتُهُ، بِمِثْلِ حَدِيثٍ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمَّ عَطِيَّةَ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم قبل بابين أيضاً.
٣ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود، تقدّم قبل باب.
٤ - (حَمَّادُ) بن زيد تقدّم قبل باب أيضاً.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ أَيُّوبَ) أي: كلّ من مالك، وحمّاد بن زيد، وابن عليّة
رووا عن محمد بن سیرین ... إلخ.
وقولها: (تُوُقِّيَتْ إِحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ بَّهِ) تقدّم أنها زينب
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثٍ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمّ عَطِيَّةَ)
إنما نصّ على هذا؛ لأن يزيد بن زُريع رَوَاه بسند آخر، وهو السند الماضي بعد
السند المذكور، وهو: عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن حفصة بنت
سيرين، عن أم عطيّة، ففيه إدخال الواسطة بين محمد وبين أم عطيّة، فأراد أن
رواية هؤلاء إنما هي بلا واسطة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: أما رواية مالك بن أنس، عن أيوب، فساقها البخاريّ تَُّهُ في
((صحيحه)) فقال:
(١٢٥٣) - حدّثنا إسماعيل بن عبد الله، قال: حدّثني مالك، عن أيوب
السختيانيّ، عن محمد بن سيرين، عن أم عطيّة الأنصارية ﴿ّ قالت: دخل
علينا رسول الله (98 حين توفيت ابنته، فقال: ((اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو
أكثر من ذلكِ، إن رأيتنّ ذلك، بماء وسدر، واجْعَلْنَ في الآخرة كافوراً، أو
شيئاً من كافور، فإذا فرغتنّ، فآذنّني))، فلما فرغنا آذنّاه، فأعطانا حِقوه، فقال:
((أشعرنها إياه))، تعني إزاره. انتهى.

٣١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
وأما رواية حماد بن زيد، عن أيوب، فساقها أبو داود في ((سننه))،
فقال :
(٣١٤٢) - حدّثنا القعنبيّ، عن مالك (ح) وحدّثنا مسدّد، حدّثنا حماد بن
زيد، المعنى عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أم عطية، قالت: دخل
علينا رسول الله * حين توفيت ابنته، فقال: ((اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو
أكثر من ذلك، إن رأيتنّ ذلك، بماء وسدر، واجْعَلْنَ في الآخرة كافوراً، أو
شيئاً من كافور، فإذا فرغتنّ، فآذنّني))، فلما فرغنا آذنّاه، فأعطانا حقوه، فقال:
((أشعرنها إياه))، قال عن مالك: يعني إزاره، ولم يقل مسدد: ((دخل علينا)).
انتھی.
وأما رواية ابن علية، فساقها النسائيّ تَخّْثُ في ((سننه)) فقال:
(١٨٩٠) - أخبرنا عمرو بن زرارة، قال: حدّثنا إسماعيل، عن أيوب،
عن محمد، عن أم عطية، قالت: أتانا رسول الله وَله، ونحن نغسل ابنته،
فقال: ((اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو أكثر من ذلك، إن رأيتنّ ذلك، بماء
وسدر، واجعَلْنَ في الآخرة كافوراً، أو شيئاً من كافور، فإذا فرغتنّ فآذنّني))،
فلما فرغنا آذنّاه، فألقى إلينا حقوه، وقال: ((أشعرنها إياه))، قال: أو قالت
حفصة: ((اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً))، قال: وقالت أم عطية:
((مشطناها ثلاثة قرون)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢١٧١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا(١) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ
حَقْصَةَ، عَنْ أُمَّ عَطِيَّةَ، بِنَحْوِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((ثَلَاثاً، أَوْ خَمْساً، أَوْ سَبْعاً، أَوْ أَكْثَرَ
مِنْ ذَلِكِ، إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكِ))، فَقَالَتْ حَفْصَةُ، عَنْ أُمَّ عَطِيَّةَ: وَجَعَلْنَا رَأْسَهَا ثَلَاثَةَ
قُرُونٍ).
(١) وفي نسخة: ((حدثنا)).

٣١٧
(١٢) - بَابٌ فِي غَسْلِ الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٧٢)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم ذكروا قبله.
وقوله: (أَوْ سَبْعاً، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكِ) هذه الرواية صريحة في مشروعيّة
الزيادة على السبع، بخلاف الروايات السابقة، فإنها كلها إلى السبع فقط، ولذا
أنكر الزيادة على السبع من غفل عن هذه الرواية، وهي في ((الصحيحين))، وقد
سبق الردّ عليه، فلا تغفل، وبالله تعالى التوفيق.
[تنبيه]: هذه الرواية من رواية حفصة، عن أم عطيّة، وقد سبق أن مدار
حديث أم عطيّة على محمد، وحفصة ابني سيرين، وأن حفصة حفظت منها ما
لم يحفظه محمد، قاله في ((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: رواية حماد، عن أيوب هذه ساقها البخاريّ تَظُّ، فقال:
(١٢٥٩) - حدّثنا حامد بن عمر، حدّثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن
محمد، عن أم عطية، قالت: تُوُقِّيت إحدى بنات النبيّ وَِّ، فخرج النبيّ ◌َّ،
فقال: ((اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو أكثر من ذلك، إن رأيتنّ، بماء وسدر،
واجْعَلْن في الآخرة كافوراً، أو شيئاً من كافور، فإذا فرغتنّ فآذنّني))، قالت:
فلما فرغنا آذناه، فألقى إلينا حقوه، فقال: ((أشعرنها إياه)).
وعن أيوب، عن حفصة، عن أم عطية ﴿ّا بنحوه، وقالت: إنه قال:
((اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً، أو أكثر من ذلك، إن رأيتنّ))، قالت
حفصة: قالت أم عطية ظُها: وجعلنا رأسها ثلاثة قرون. انتهى.
فقوله: ((وعن أيوب ... إلخ)) موصول بالإسناد السابق، وليس معلّقاً،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٧٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا (٢) يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، وَأَخْبَرَنَا(٣)
أَيُّوبُ، قَالَ: وَقَالَتْ حَقْصَةُ، عَنْ أُمَّ عَطِيَّةَ: قَالَتْ: ((اغْسِلْنَهَا وِتْراً، ثَلَاثاً، أَوْ
خَمْساً، أَوْ سَبْعاً))، قَالَ: وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: مَشَطْنَاهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ).
(١) راجع: ((الفتح)) ٧٠٥/٣.
(٣) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).
(٢) وفي نسخة: ((حدثنا)).

٣١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وکلّهم ذُکروا قبل حدیث.
وقوله: (قَالَتْ: اغْسِلْنَهَا ... إلخ) أي: قالت أم عطيّة: قال النبيّ وَّ لنا:
((اغسلنها خمساً ... إلخ))، فجملة ((اغسلنها ... إلخ)) مقول لـ((قال)) المقدّر،
فتنبه .
وقوله: (وِتْراً، ثَلَاثاً، أَوْ خَمْساً، أَوْ سَبْعاً) (ثلاثاً ... إلخ)) بدل من ((وتراً))،
أو عطف بيان له، وهو بيان للمراد من الوتر هنا؛ إذ الوتر أقله الواحد، وليس
مراداً هنا، فبيّنه بأنه ثلاث ... إلخ.
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢١٧٣] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيعاً عَنْ
أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمِ أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ
الْأَحْوَلُ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قُّالَتْ: لَمَّا مَاتَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ
رَسُولِ اللهِّهِ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِهِ: ((اغْسِلْنَهَا وِتْراً، ثَلَاثاً، أَوْ خَمْساً، وَاجْعَلْنَ
فِي الْخَامِسَةِ كَافُوراً، أَوْ شَيْئاً مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا غَسَلْتُنَّهَا فَأَعْلِمْتَنِي))، قَالَتْ:
فَأَعْلَمْنَاهُ، فَأَعْطَانَا حِقْوَهُ، وَقَالَ: ((أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَمْرٌو النَّقِدُ) هو: عمر بن محمد بن بكر، تقدّم قبل بابين.
٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ مُحَمَّدُ بْنُ خَازِم) الضرير تقدّم قبل باب.
٤ - (عَاصِمُ الْأَحْوَلُ) هو: ابن سليمان، تقدّم قبل باب أيضاً.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا ونعم الوكيل.

٣١٩
(١٢) - بَابٌ فِي غَسْلِ الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٧٤)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢١٧٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّقِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا(١)
هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ حَفْصَةَ بِئْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: أَنَانًا
رَسُولُ اللهِ وَّهِ، وَنَحْنُ نَفْسِلُ إِحْدَى بَنَاتِهِ، فَقَالَ: ((اغْسِلْنَهَا وِتْراً، خَمْساً، أَوْ أَكْثَرَ
مِنْ ذَلِكِ))، بِنَحْوِ حَدِيثٍ أَيُّوبَ، وَعَاصِمٍ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: قَالَتْ: فَضَفَرْنَا
ء
شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ أَثْلَاثٍ: قَرْنَيْهَا، وَنَاصِيَتَهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ
عابدٌ [٩] (ت٢٠٦) وقد قارب التسعين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤٥/٦.
٢ - (هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ) الْقُردوسيّ، تقدّم في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا قبله.
وقولها: (إِحْدَى بَنَاتِهِ) تقدّم في الرواية التي قبلها أنها زينب بنت
رسول الله ◌َلند .
وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثٍ أَيُّوبَ، وَعَاصِم) يعني: أن هشام بن حسّان حدّث
عن حفصة بنت سيرين بنحو ما حدّث بهً أيوب السختياني، وعاصم الأحول
كلاهما عنها .
وقوله: (وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ) فاعل ((قال)) ضمير هشام.
وقولها: (فَضَفَرْنَا شَعْرَهَا) أي: جعلنا شعرها ضفائر، يقال: ضَفَرتُ
الشَّعْرَ ضَفْراً من باب ضرب: إذا جعلته ضَفَائر، كلُّ ضَفِيرة على حِدَةٍ بثلاث
طاقات، فما فوقها، والضَّفِيرة من الشعر: الْخُصْلة، والجمع ضفائر، وضُفُرٌ
بضمّتين، والضّفِيرة أيضاً: الذُّؤَابة، أفاده في ((المصباح))(٢).
وقولها: (ثَلَاثَةَ أَثْلَاثٍ) أي: ثلاث أجزاء.
وقولها: (قَرْنَيْهَا، وَنَاصِيَتَهَا) بالنصب على البدليّة من ((ثلاثة أثلاث)).
(١) وفي نسخة: ((حدثنا)).
(٢) راجع: ((المصباح المنير)) ٣٦٣/٢.

٣٢٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
وقولها: (قَرْنَيْهَا) أي: الشعر النابت في قرني رأسها، وهما جانباه
الأعلى، قال في ((القاموس)): الْقَرنُ: الرَّوْقُ من الحيوان، وموضعه من رأسنا،
أو الجانب الأعلى من الرأس، جمعه قُرونٌ، والذُّؤَابةُ، أو ذُؤابة المرأة،
والْخُصْلة من الشَّعَرِ. انتهى المقصود منه(١).
وقولها: (وَنَاصِيَتَهَا) قال في ((القاموس)): الناصيةُ، والناصاة: قُصَاصُ
الشعر. انتهى (٢)، وقال أيضاً: وقُصاص الشعر مثلّثة، والضمّ أعلى: حيث
تنتهي نِبْتَتُهُ من مقدّمه، أو مؤخّره. انتهى (٣).
[تنبيه]: رواية هشام بن حسّان، عن حفصة هذه ساقها الإمام أحمد كَذَتهُ
في ((مسنده))، فقال:
(٢٦٧٦١) - حدّثنا يحيى بن سعيد، ويزيد بن هارون، قالا: أنا هشام،
عن حفصة، قالت: حدّثتني أم عطية، قالت: تُوُفّيت إحدى بنات النبيّ وَّ،
فأتانا رسول الله صل﴿، فقال: ((اغسلنها بسدر، واغسلنها وتراً: ثلاثاً، أو
خمساً، أو أكثر من ذلك، إن رأيتنّ ذلك، واجعلن في الآخرة كافوراً، أو شيئاً
من كافور، فإذا فرغتنّ فآذَّني))، قالت: فلما فرغنا آذناه، فألقى إلينا حقوه،
فقال: ((أشعرنها إياه))، قالت أم عطية: وضَفَرْنا رأس ابنة النبيّ وَّ ثلاثة قرون،
وألقينا خلفها: قرنيها، وناصيتها. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢١٧٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ
حَقْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمَّ عَطِيَّةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِّ حَيْثُ أَمَرَهَا أَنْ تَغْسِلَ ابْتَتَهُ،
قَالَ لَهَا: ((ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا))).
(١) راجع: ((القاموس المحيط)) ٤/ ٢٥٧.
(٣) ((القاموس)) ٣١٣/٢.
(٢) («القاموس)) ٣٩٥/٤.