Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
(١٠) - بَابُ تَحْرِيمِ النِّيَاحَةِ - حديث رقم (٢١٦٠)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، نزيل
مكة، صدوقٌ [١٠] (ت٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
٢ - (مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ) هو: مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء، أبو
عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت١٩٣)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٨/٨.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية مروان بن معاوية، عن سعيد بن عُبيد هذه ساقها أبو نعيم
في ((مستخرجه)) (١٨/٣) فقال:
(٢٠٨٤) - حدّثنا فاروق بن عبد الكبير، ثنا أبو مسلم الكشيّ، ثنا
حجاج بن منهال، عن عبد الله بن داود، عن سعيد بن عبيد الطائي (ح) وثنا
محمد بن إبراهيم، ثنا إسحاق بن أحمد بن نافع الخزاعيّ، ثنا ابن أبي عمر،
ثنا مروان بن معاوية، ثنا سعيد بن عبيد الطائيّ، عن عليّ بن ربيعة الأسديّ،
عن المغيرة بن شعبة، قال: سمعت النبيّ وَّ ر يقول: ((من نِيح عليه يعذب بما
نيح عليه)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٦٠] (٩٣٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا أَبَانُ
ابْنُ يَزِيدَ (ح) وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ،
حَدَّثَنَا أَبَانُ(١)، حَدَّثَنَا يَحْيَى، أَنَّ زَيْداً حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا سَلََّمٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا مَالِكٍ
الْأَشْعَرِّ حَدَّثَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ وَّرِ قَالَ: ((أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنَّ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا
يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَانِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالْاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ،
وَالنِّيَاحَةُ))، وَقَالَ: ((النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَلَيْهَا
سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ)»).
(١) وفي نسخة: ((أبان بن يزيد)).

٢٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور قبل حدیثین.
٢ - (عَفَّانُ) بن مسلم الصفّار البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠]
(ت٢٢٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤٤/٦.
٣ - (أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ) العطار، أبو يزيد البصريّ، ثقةٌ له أفراد [٧] مات في
حدود (١٦٠) (خ م د ت س) تقدم في ((الطهارة)) ١/ ٥٤٠.
٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكوسج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ
ثبتٌ [١١] (ت٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٦.
٥ - (حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ) أبو حبيب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢١٦) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٢/٥٥.
٦ - (يَحْيَى) بن أبي كثير الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، نزيل اليمامة،
ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس [٥] (ت١٣٢) (ع) تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٢٤.
٧ - (زَيْدٌ) بن سلّام بن أبي سلّام الحبشيّ الدمشقيّ، ثقةٌ [٦] (بخ م ٤)
تقدم في ((الطهارة)) ٥٤٠/١.
٨ - (أَبُو سَلََّم) ممطور الأسود الحبشيّ، ثقةٌ يرسل [٣] (بخ م ٤)
تقدم في ((الطهارة)) ١/ ٥٤٠.
٩ - (أَبُو مَالِكِ الْأَشْعَرِيُّ) قيل: اسمه الحارث بن الحارث، وقيل: معُبيد،
وقيل: عبيد الله، وقيل: عمرو، وقيل: كعب بن عاصم، وقيل: كعب بن
كعب، وقيل: عامر بن الحارث بن هانىء بن كلثوم، صحابيّ نزل الشام، مات
في طاعون عَمَواس سنة (١٨) (خت م د س ق) تقدم في ((الطهارة)) ٥٤٠/١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ◌َخْذَلُهُ، وله فيه إسنادان فرّق بينهما
بالتحويل.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث من أوله إلى آخره.
٣ - (ومنها): أن صحابيّه ممن اشتهر بكنيته، وهو قليل الرواية، فليس له

٢٦٣
(١٠) - بَابُ تَحْرِيمِ النِّيَاحَةِ - حديث رقم (٢١٦٠)
في الكتب الستة سوى بضعة عشر حديثاً، راجع: ((تحفة الأشراف))(١).
شرح الحديث:
(أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ: «أَرْبَعْ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ
عن أبي مَالِكِ الْأَشْعَرِيّ .
الْجَاهِلِيَّةِ) أي: من أمورهم وخصالهم المعتادة، طُبع عليهنّ كثير من الأمة (لَا
يَتْرُكُونَهُنَّ) أي: غالباً، قال الطيبيّ كَُّهُ: المعنى أن هذه الخصال تدوم في
الأمة، لا يتركونهنّ بأسرهم تركَهُم لغيرها، من سنن الجاهلية، فإنهنّ إن تتركهنّ
طائفة، باشرهنّ آخرون. (الْفَخْرُ) أي: الافتخار، وهو المباهاة والتمدّح
بالخصال، والمناقب، والمكارم، إما فيه، وإما في أهله، قال في ((الفائق)):
الفخر تعداد الرجل من مآثره، ومآثر آبائه (فِي الأَحْسَابِ) أي: في شأنها
وسببها، والْحَسَبُ: ما يَعُدّه الرجل من الخصال التي تكون فيه؛ كالشجاعة،
والفصاحة، وغير ذلك، وقيل: الحسب ما يَعُدّه الإنسان من مفاخر آبائه، قال
ابن السِّكِّيت: الحسب والكرم يكونان في الرجل، وإن لم يكن لآبائه شَرَفٌ،
والشرف والمجد لا يكون إلا بالآباء، وقال في ((الفائق)): الفخر تعداد الرجل
من مآثره ومآثر الآباء، ومنه قولهم: من فات حسبه، لم ينتفع بحسب أبيه.
ومعنى الفخر بالأحساب: هو: التفاخر، والتكبر، والتعظم بِعَدِّ مناقبه،
ومآثر آبائه، وهذا يستلزم تفضيل الرجل نفسه على غيره؛ ليَحْقِره لا يجوز.
وفيه تنبيه على أن الحسب الذي يُحمد به الإنسان ما تحلّى به من خصال
الخير في نفسه، لا ما يعدّه من مفاخره، ومآثر آبائه.
وقال القرطبيّ تَظّثهُ: الفخر في الأحساب: أي الافتخار بالآباء الكبراء
والرؤساء، وقد قال الله: ((إن الله أذهب عنكم عُبّة الجاهليّة، وفخرها بالآباء،
إنمّا مؤمن تقيّ، أو فاجر شقيّ، الناس كلّهم من آدم، وآدم خُلق من تراب))(٢).
(٣)
انتھی(٣).
(١) ((تحفة الأشراف)» ٥٧١/٨ - ٥٧٦.
(٢) حديث حسن، رواه أحمد ٥٢٤/٢، وأبو داود (٥١١٦)، والترمذيّ (٣٩٥٠ -
٣٩٥١).
(٣) («المفهم)) ٥٨٧/٢.

٢٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
(وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ) أي إدخال العيب في أنساب الناس، والقدح
فيهم، واستحقارهم، وذلك يستلزم تحقير الرجل آباء غيره، وتفضيل آبائه على
آباء غيره وهو لا يجوز، قال التوربشتيّ: الظاهر أن المراد منه الطعن فيمن
ينتسب إليه حجيجُ الطاعن، فينسب آباءه وذويه عند المساجلة، والمساءات إلى
الخمول والخساسة، والغموض، والانحطاط؛ لأنه ذُكر في مقابلة الفخر
بالأحساب.
وقال الطيبيّ: ويجوز أن يُكْنَى بالطعن في أنساب الغير عن الفخر بنسب
نفسه، فيجتمع له الحسب والنسب، وأن يُحْمَل على الطعن في نسب نفسه.
انتھی.
(وَالْاسْتِسْقَاءُ) أي: طلب السُّقيا (بِالنُّجُوم) أي: بسببها، يعني: توقّع
الأمطار عند وقوع النجوم في الأنواء، كما كانوا يقولون: مُطِرنا بنوء كذا،
وقيل: المعنى: سؤال المطر من الأنواء، فإن كان ذلك على جهة اعتقاد أنها
المؤثّرة في نزول المطر حقيقةً فهو كفر(١).
وقال القرطبيّ ◌َُّهُ: و((الاستسقاء)): استدعاء السُّقْيا وسؤاله، وكأنهم
كانوا يسألون من النجوم أن تسقيهم؛ بناءً منهم على اعتقادهم الفاسد في أن
النجوم تُوجد المطر وتخلقه. انتهى(٢).
وحاصل المعنى: أن اعتقاد الرجل نزول المطر بظهور نجم كذا حرامٌ،
وإنما يجب أن يقال: مُطِرنا بفضل الله تعالى.
(وَالنِّيَاحَةُ))) بالرفع، وهي الخصلة الرابعة، وهي: البكاء على الميت
بصياح وعَوِيل وجَزَع، فيقول: واويلاه، واحسرتاه، والندبةُ عدّ شمائل الميت
ومحاسنه، مثل وا شُجاعاه، وا أسداه، وا جبلاه.
(وَقَالَ) بَرِ (النَّائِحَةُ) أي: المرأة التي صَنْعَتُها النياحة (إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ
مَوْتِهَا) أي: قبل حضور موتها، قال التوربشتيّ: وإنما قيّد به؛ ليُعلم أن من
شرط التوبة أن يتوب التائب، وهو يأمل البقاء، ويمكن أن يتأتى منه العمل
الذي يتوب منه، ومصداق ذلك في كتاب الله رَك: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ
(١) ((المرعاة)) ٤٦٥/٥.
(٢) («المفهم)) ٥٨٧/٢.

٢٦٥
(١٠) - بَابُ تَحْرِيمِ النَِّاحَةِ - حديث رقم (٢١٦٠)
يَعْمَلُونَ السَّيْئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِنِّ تُبْتُ اٌلْثَنَ وَلَا الَّذِينَ
يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارُ﴾ الآية [النساء: ١٨].
وبمعناه حديث ابن عمر ﴿يا مرفوعاً: ((إن الله يقبل توبة العبد ما لم
يُغَرْغِرْ))، رواه أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ، وغيرهم(١).
(تُقَامُ) بالبناء للمجهول، من الإقامة، وهي الإيقاف (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) بين أهل
الموقف للفضيحة، قال الطيبيّ تَّتُهُ: ((تقام)): أي تُحشر، ويَحْتَمِل أنها تقام
على تلك الحالة بين أهل النار، وأهل الموقف؛ جزاءً على قيامها في الْمَنَاحة،
وهو الأمثلُ(٢). (وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ) جملة حاليّة من فاعل (تقام))، والسِّربال: بكسر
السين المهملة: القميص، وقوله: (مِنْ قَطِرَانٍ) متعلّق بصفة ((سِرْبال))، وهو بفتح
القاف، وكسر الطاء: طِلاءٌ يُظْلَى به، وقيل: دُهْنٌ يُدْهَنُ بهِ الجمل الأجرب،
وفي ((القاموس)): الْقِطْرَانُ بالفتح والكسر، وكَظَرِبَان: عُصَارةُ الأَبْهَل، والأَرْزِ،
ونحوهما. انتهى(٣).
وقال الطيبيّ كَخَّتُهُ: ((القطران)) ما يتحلّب من شجر يُسمّى الأبهل، ڤيُطبخ،
فتهنأ به الإبل الْجَرْبَى، فيحرق الْجَرَبَ بحرّه وحدّته، والجلدَ، وقد تبلغ حرارته
الجوف. انتهى.
(وَدِرْعٌ) بكسر الدال: قميص النساء، والسربال القميص مطلقاً (مِنْ
جَرَبٍ))) أي من أجل جَرَبٍ كائنٍ بها .
وقال الطيبيّ تَّثُ: الدرعُ: قميص النساء، والسرابيل أيضاً: قميصٌ،
لكن لا يختصّ بهنّ، يعني أنه يُسَلَّط على أعضائها الْجَرَبُ والْحِكَّة، بحيث
يُغَطِّي جلدها تغطيةَ الدرع، فتُظْلَى مواقعه بالقطران؛ لِيُدآوَى، فيكون الدواء
أدوى من الداء؛ لاشتماله على لَذْع القطران، وحدّته، وحرارته، وإسراع النار
في الجلود، واشتعالها، ونتن الرائحة، وسواد اللون الذي تشمئزّ منه النفوس.
وقال التوربشتيّ تَخْلُهُ: خُصَّتِ بِدِرْع من الجرب؛ لأنها كانت تَجْرَح
(١) حديث حسنٌ.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٤١٨/٤.
(٣) ((القاموس المحيط)) ١١٩/٢.

٢٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
بكلماتها المحرقة قلوب ذوات المصيبات، وتَحُكّ بها بواطنهنّ، فعوقبت في
ذلك المعنى بما يماثله في الصورة، وخُصَّت أيضاً بسرابيل من قطران؛ لأنها
كانت تلبس الثياب السُّود في المأْتَم، فألبسها الله تعالى السرابيل؛ لتذوق وبال
أمرها. انتهى.
[فإن قلت]: ذكر الخصال الأربع في الحديث، ولم يُرَتِّب عليها الوعيد،
سوى النياحة، فما الحكمة فيه؟.
[قلت]: النياحة مختصة بالنساء، وهُنّ لا ينزجرن من هِجِّيرَاهُنّ انزجار
الرجال، فاحتجن إلى مزيد الوعيد. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي مالك الأشعريّ ◌ُه هذا من أفراد
المصنّف يَخْذَلهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢١٦٠/١٠] (٩٣٤)، و(ابن ماجه) في ((الجنائز))
(١٥٨١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٦٦٨٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه))
(٣٩٠/٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٤٢/٥ و٣٤٣ و٣٤٤)، و(الطبرانيّ) في
((الكبير)) (٢٨٥/٣)، و(الحاكم) في ((مستدركه)) (٣٨٣/١)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٣١٤٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٠٨٥)، و(البيهقيّ) في
(الكبرى)) (٦٣/٤)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٥٣٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): تحريم النياحة على الميت، قال النوويّ تَخْلُّ: وهو مجمع
عليه، وقال ابن حجر الهيتميّ الفقيه كَثّلُهُ: وأخذ أئمتنا من هذه الأحاديث
تحريم التَّوْح وتعديد محاسن الميت بنحو: وا كهفاه، مع رفع الصوت والبكاء،
وتحريم ضرب الخدّ، وشقّ الجيب، ونشر الشعر، وحلقه، ونتفه، وتسويد
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٤١٩/٤.

٢٦٧
(١٠) - بَابُ تَحْرِيمِ النَِّاحَةِ - حديث رقم (٢١٦١)
الوجه، وإلقاء التراب على الرأس، والدعاء بالويل والثبور، قال إمام الحرمين،
وآخرون: والضابط أنه يَحْرُم كلُّ فعل يتضمن إظهار جزع، وينافي الانقياد
والتسليم لقضاء الله تعالى، قالوا: ومن ذلك تغيير الزِّيِّ، ولبس غير ما جرت
العادة بلبسه؛ أي: وإن اعتيد لبسه عند المصيبة. انتهى.
٢ - (ومنها): تحريم الطعن في الأنساب، قال الله ومات: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُوْ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّنِ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُواْ خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَآءٌ مِّن نِسَآءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ
غَيْراً مِنْهُنّ وَلَا نَلْمِزُوَاْ أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَرُواْ بِالْأَلْقَبِّ﴾ الآية [الحجرات: ١١].
٣ - (ومنها): تحريم التفاخر في الأحساب، قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ
إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَابِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَكُمْ﴾
الآية [الحجرات: ١٣].
٤ - (ومنها): تحريم الاستسقاء بالأنواء، وقد تقدّم البحث في هذا في
((كتاب الإيمان)) مستوفى، فراجعه تستفد.
٥ - (ومنها): صحة التوبة وقبولها ما لم يمت المكلّف، أو يصل إلى حدّ
الغرغرة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢١٦١] (٩٣٥) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَتْنِ عَمْرَةُ، أَنَّهَا
سَمِعَتْ عَائِشَةَ، تَقُولُ: لَمَّا جَاءَ رَسُولَ اللهِهِ قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ(١)، وَجَعْفَرِ بْنِ أَبِي
طَالِبٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ، جَلَسَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ، قَالَتْ:
وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ، شَقِّ الْبَابِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الهِ، إِنَّ نِسَاءَ
جَعْفَرٍ، وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَذْهَبَ، فَيَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ، فَأَتَّاهُ فَذَكَرَ أَنَّهُنَّ لَمْ
يُطِعْنَهُ، فَأَمَرَهُ الثَّانِيَةَ أَنْ يَذْهَبَ فَيَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَاهُ، فَقَالَ: وَاللهِ لَقَدْ غَلَبْنَنَا يَا
(١) وفي نسخة: ((قتل زيد بن حارثة)).

٢٦٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
رَسُولَ اللهِ، قَالَتْ: فَزَعَمَتْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: «اذْهَبْ فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ
مِنَ التُّرَابِ)»، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: أَرْغَمَ اللهُ أَنْفَكَ، وَاللهِ مَا تَفْعَلُ مَا أَمَرََ
رَسُولُ اللهِ وَِّ، وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللهِ وَلَهُ مِنَ الْعَنَاءِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر المذكور قبل
حدیث.
٣ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد بن الصَّلْت الثقفيّ، أبو محمد البصريّ،
ثقةٌ [٨] (ت١٩٤) عن نحو (٨٠) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧/ ١٧٣.
٤ - (يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ
[٥] (ت١٤٤) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ١٧ / ٦١٧.
٥ - (عَمْرَةُ) بنت عبد الرحمن الأنصاريّة، تقدّمت في الباب الماضي.
٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﴿ّا، تقدّمت في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف نَّثُهُ، وله فيه شيخان قرن
بينهما؛ لاتحاد كيفيّة أخذه عنهما، ثم فرّق بينهما بالتفصيل؛ لاختلافهما فيها .
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة، سوى شيخه ابن أبي عمر،
فما أخرج له البخاريّ وأبو داود، وأما ابن المثنّى، فهو أحد التسعة الذين روى
عنهم الجماعة بلا واسطة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من يحيى، وابن أبي عمر مكيّ،
والباقيان بصريّان.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والسماع من أوله إلى آخره.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعية.
٦ - (ومنها): أن فيه عائشةَ ؤُها من المكثرين السبعة، روت من
الأحاديث (٢٢١٠)، والله تعالى أعلم.

٢٦٩
(١٠) - بَابُ تَحْرِيمِ النَِّاحَةِ - حديث رقم (٢١٦١)
شرح الحديث:
عن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصاريّة (أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ) ﴿َّا (تَقُولُ:
لَمَّا جَاءَ رَسُولَ اللهِ ﴿) بالنصب على المفعوليّة، والفاعل قوله: (قَتْلُ ابْنِ
حَارِثَةَ) وفي بعض النسخ: ((زيد بن حارثة)).
وهو: زيد بن حارثة بن شَرَاحيل الكلبيّ، أبو أسامة، مولى رسول الله وَل
شَهِدَ المشاهد كلها، وكان من الرماة المذكورين.
رَوَى عن النبيّ ◌َّهِ، وعنه ابنه أسامة، والبراء بن عازب، وابن عباس،
وأرسل عنه أبو العالية، وعليّ بن عبد الله بن عباس، وهُزيل بن شرحبيل، آخى
رسول الله ◌َو بينه وبين حمزة بن عبد المطلب، وقال سالم بن عبد الله بن
عمر، عن أبيه: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد، حتى أنزل
القرآن: ﴿آدْعُوهُمْ لِأَبَآِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]، وقال عبد الله
البهيّ، عن عائشة: ما بعث رسول الله وَل﴿ زيد بن حارثة في جيش قطّ إلا أَمّره
عليهم، استُشْهِد يوم مؤتة، سنة ثمان من الهجرة، وهو ابن خمس وخمسين
سنةً، ونعاه النبيّ وَل ◌ِ لأصحابه في اليوم الذي قُتل فيه، وعيناه تذرفان.
قال ابن إسحاق: كان أول ذَكَر آمن بالله، وصلى بعد عليّ بن أبي طالب
زيد بن حارثة، وقال أبو علي بن السكن: كان قصيراً شديد الأدمة، في أنفه
فَظْسٌ (١)، وقال أبو نعيم: رآه النبيّ ◌َّه بالبطحاء يُنَادَى عليه بسبعمائة درهم،
فذكره لخديجة، فاشتراه من مالها، فوهبته خديجة رضيها له، فتبناه، وأعتقه.
أخرج له النسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب، ولا في بقيّة
الكتب الستة إلا الذكر فقط(٢).
(وَجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) بن عبد المطلب بن هاشم، أبو عبد الله الطيّار
(١) من بابي ضرب، وقعد.
(٢) وأما ما قاله الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمته من: أن له حديثاً عند مسلم
في قصّة تزويج النبيّ وَ ◌ّه زينب بنت جحش ﴿يا، وسيأتي في ((كتاب النكاح)) برقم
ـه، وإنما ذكر هناك منه
(١٤٢٨) ففيه نظر لا يخفى؛ لأن الحديث حديث أنس
قصّة جرت له مع زينب، فراجعه بتأمل، والله تعالى أعلم.

٢٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
ابن عم رسول الله ﴿ أسلم قديماً، واستعمله رسول الله وسلم على غزوة مؤتة،
واستُشهد بها، وهي بأرض البَلْقَاء سنة ثمان من الهجرة.
رَوَى عن النبيّ ◌ََّ، وعنه ابنه عبد الله، وأم سلمة، وعمرو بن العاص،
وابن مسعود.
قال الحسن بن زيد: إنه أسلم بعد زيد بن حارثة، وقال مِسعر، عن
عون بن أبي جُحيفة، عن أبيه: لَمّا قَدِمَ جعفر على رسول الله وَّر من أرض
الحبشة قَبَّل بين عينيه، وقال: ما أدري أنا بقدوم جعفر أَسَرُّ أو بفتح خيبر؟
وكانا في يوم واحد، وقال الشعبيّ: كان ابن عمر إذا حَيّا ابن جعفر، قال:
السلام عليك يا ابن ذي الجناحين، وقال ابن إسحاق: حدّثني يحيى بن عباد بن
عبد الله بن الزبير، عن أبيه، حدّثني أبي الذي أرضعني، وكان أحد بني مُرّة بن
عوف، قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر يوم مؤتة حين اقتَحَمَ عن فرسٍ له
شَقْراء، فعقَرَها، ثم تقدم، فقاتل حتى قتل، قال الزبير بن بكار: كان سنّه يوم
قُتِل (٤١) سنةً.
رَوَى له النسائيّ في ((عمل اليوم والليلة)) حديثاً واحداً من رواية ابنه
عبد الله عنه، في كلمات الفرح، والمحفوظ عن عبد الله بن جعفر، عن عليّ،
قصة غزوة مؤتة في ((الصحيحين)) من حديث عائشة وغيرها.
(وَعَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ) بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس
الأكبر بن مالك بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج، وقيل في نسبه
غير ذلك، الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو محمد، ويقال: أبو رواحة، ويقال: أبو
عمرو المدنيّ، شَهِد بدراً، والعقبةَ، وهو أحد النقباء، وأحد الأمراء في غزوة
مُؤتة، وبها قُتِل.
رَوَى عن النبيّ وَّ، وعن بلال المؤذن، وروى عنه ابن أخته النعمان بن
بشير، وأبو هريرة، وابن عباس، وأنس، وأرسل عنه عبد الرحمن بن أبي
ليلى، وقيس بن أبي حازم، وعروة بن الزبير، وعطاء بن يسار، وزيد بن
أسلم، وعكرمة، وأبو الحسن مولى بني نوفل، وأبو سلمة بن عبد الرحمن.
قال الواقديّ: كان موته في جمادى الأولى سنة (٨)، وكذا قال غير
واحد، وقيل: سنة سبعة، والأول أصحّ.

٢٧١
(١٠) - بَابُ تَحْرِيمِ النِّيَاحَةِ - حديث رقم (٢١٦١)
روى له البخاريّ، وأبو داود في ((الناسخ والمنسوخ))، والنسائيّ في ((عمل
اليوم والليلة))، وابن ماجه، وليس له عند المصنّف إلا ذكره فقط.
(جَلَسَ رَسُولُ اللهِ وَي) زاد أبو داود من طريق سليمان بن كثير، عن
يحيى: ((في المسجد)) (يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: يَظْهر في
وجهه الحزن، وهو بضم، فسكون، أو بفتحتين، والجملة حال من فاعل
((جَلَس))، قال الطيبيّ تَغْتُهُ: كأنه كَظَمَ الحزن كَظْماً، فظهر منه ما لا بدّ للجِبلَّة
البشريّة منه. انتهى.
(وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ) قال في ((الفتح)):
(قَالَتْ) عائشة
بالمهملة، والتحتانيّ، وقع تفسيره في نفس الحديث بقوله: (شَقِّ الْبَابِ) بفتح
الشين المعجمة؛ أي: الموضع الذي يُنظر منه، ولم يَرِدْ بكسر المعجمة؛ أي:
الناحية؛ إذ ليست مرادةً هنا، قاله ابن التين.
وهذا التفسير الظاهر أنه من قول عائشة ﴿ا، ويَحْتَمِل أن يكون ممن
بعدها، قال المازريّ: كذا وقع في ((الصحيحين)) هنا ((صائر)) والصواب ((صِیر))؛
أي: بكسر أوله، وسكون التحتانيّة، وهو الشَّقّ، قال أبو عبيدة في ((غريب
الحديث)) في الكلام على حديث: ((مَن نَظَر من صِيرِ الباب، ففُقِئت عينه، فهي
هدر)): الصِّير الشَّقّ، ولم نسمعه إلا في هذا الحديث، وقال ابن الجوزيّ:
صائر، وصِير بمعنى واحد، وفي كلام الخطابيّ نحوه.
(فَأَتَاهُ رَجُلٌ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه، وكأنه أُبِهِمَ عمداً؛ لما
وقع في حقّه من غضّ عائشة منه (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ) أي:
امرأته، وهي أسماء بنت عُمَيس الخَتْعَميّةُ، ومن حضر عندها، من أقاربها،
وأقارب جعفر، ومن في معناهنّ، ولم يذكر أهل العلم بالأخبار لجعفر امرأة
غير أسماء، قاله في ((الفتح)). (وَذَكَرَ) أي: الرجل الآتي (بُكَاءَهُنَّ) قال
الطيبيّ تَُّ: جملة ((وذَكَر)) حال عن الضمير المستتر في قوله: ((فقال))، وحذف
خبر ((إنّ)) من القول المحكيّ لدلالة الحال عليه، والمعنى: قال الرجل: إن
نساء جعفر فَعَلْن كذا مما لا ينبغي من البكاء المشتمل على النَّوْح. انتهى.
ولفظ النسائيّ: ((فَقَالَ: إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ يَبْكِينَ))، ولفظ أبي عوانة من طريق

٢٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
سليمان بن بلال، عن يحيى: ((قد كثُر بكاؤهنّ))، وعند ابن حبّان من طريق
عبد الله بن عمرو، عن يحيى بلفظ: ((قد أكثرن بكاءهنّ)).
(فَأَمَرَهُ) وَإِ (أَنْ يَذْهَبَ، فَيَنْهَاهُنَّ) وفي رواية النسائيّ: ((فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: انْطَلِقْ، فَانْهَهُنَّ)) (فَذَهَبَ) الرجل (فَأَتَاهُ) المرّة الثانية (فَذَكَرَ أَنَّهُنَّ
لَمْ يُطِعْنَهُ) أي: في ترك البكاء، قال الطيبيّ: قوله: ((لم يُطعنه)) حكاية لمعنى
قول الرجل؛ أي: فذهب، فنهاهنّ، ثم أتى النبيّ بَّ، وقال: نهيتهنّ، فلم
يُطعني، يدلّ عليه قوله في المرّة الثالثة: ((والله غلبننا)) (فَأَمَرَهُ) ◌َّهِ (الثَّانِيَةَ) أي:
المرة الثانية (أَنْ يَذْهَبَ فَيَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَاهُ) أي: فذهب إليهنّ، ونهاهنّ،
فلم يُطعنه أيضاً، فأتاه المرّة الثالثة (فَقَالَ: وَاللهِ لَقَدْ غَلَبْنَنَا يَا رَسُولَ اللهِ) وفي
رواية النسائيّ: ((ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: قَدْ نَهَيْتُهُنَّ، فَأَبَيْنَ أَنْ يَنْتَهِينَ))، قال
القرطبيّ تَخَّثُ: كون نساء جعفر لم يُطعن الناهي لهنّ عن البكاء، إما لأنه لم
يُصرّح لهنّ بأن النبيّ وََّ نهاهنّ، فظننّ منه أنه كالمحتسب في ذلك، وكالمرشد
للمصلحة، أو لأنهنّ غُلبنَ في أنفسهنّ على سماع النهي لحرارة المصيبة، والله
تعالى أعلم. انتهى.
(قَالَتْ) عمرة بنت عبد الرحمن (فَزَعَمَتْ) أي: قالت عائشة ◌ْنَا؛ لأن
الزعم وإن كان الغالب أن يُستعمل فيما يُشكّ فيه، ولا يُتحقَّق، بل قال
بعضهم: هو كناية عن الكذب، إلا أنه قد يُستعمل في المحقّق(١)، وهذا منه
(أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ) للرجل لما لم ينتهين ((اذْهَبْ فَاحْثُ) بضمّ المثلّثة،
وبكسرها، يقال: حثا يَحْثُو، ويَحْثِي، قال في ((المصباح)): حثا الرجلُ الترابَ
يَحثوه حَثْواً، ويَحْثيه حَثْياً، من باب رَمَى لغةً: إذا هاله - أي: صبّه - بيده،
وبعضهم يقول: قبضه بيده، ثمّ رماه، ومنه: ((فاحثوا التراب في وجهه))، ولا
يكون إلا بالقبض والرمي. انتهى. (فِي أَفْوَاهِهِنَّ مِنَ التُّرَاب))) وفي رواية:
((فاحثِ في أفواههنّ التراَبَ)) بحذف ((من))، قيل: يؤخذ من هذا أن التأديب
يكون بمثل هذا، وهذا إرشاد عظيم قلّ من يتفطّن له.
وقال في ((الفتح)): قال القرطبيّ تَخُّْهُ: هذا يدلّ على أنهنّ رفعن أصواتهنّ
(١) راجع: ((المصباح)) ١/ ٢٥٣.

٢٧٣
(١٠) - بَابُ تَحْرِيمِ النِّيَاحَةِ - حديث رقم (٢١٦١)
بالبكاء، فلما لم ينتهين أمره أن يسدّ أفواههنّ بذلك، وخصّ الأفواه بذلك؛
لأنها محلّ النَّوْح، بخلاف الأعين مثلاً. انتهى.
ويَحْتَمِل أن يكون كناية عن المبالغة في الزجر، أو المعنى: أعلمْهنّ أنهنّ
خائبات من الأجر المترتّب على الصبر؛ لما أظهرن من الجزع، كما يقال
للخائب: لم يَحصُل في يده إلا التراب، لكن يُبعِد هذا الاحتمال قولُ
عائشة ◌ّا الآتي، وقيل: لم يُرِد بالأمر حقيقته، قال عياض: هو بمعنى
التعجيز؛ أي: إنهنّ لا يسكتن إلا بسدّ أفواههنّ، ولا يسدّها إلا أن تملأ
بالتراب، فإن أمكنك فافعل.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الاحتمالات كلها ضعيفة، والصواب
أن الحديث على ظاهره من حثو الترب في أفواههنّ على حقيقته؛ إذ لا دليل،
ولا داعي إلى صرف الظاهر إلى غير ظاهره، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
قال: ثم الظاهر أنه كان بكاؤهنّ زيادة على القدر المباح، فيكون النهي
للتحريم بدليل أنه كرّره، وبالغ فيه، وأمر بعقوبتهنّ إن لم يسكتن.
ويحتمل أن يكون مجرّداً، والنهي للتنزيه، ولو كان للتحريم لأرسل غير
الرجل المذكور لِمَنعِهِنّ؛ لأنه لا يُقرّ على باطل، ويبعد تمادي الصحابيات بعد
تكرار النهي على فعل الأمر المحرّم، وفائدة نهيهنّ عن الأمر المباح خشية أن
يسترسلن فيه، فيفضي بهنّ إلى الأمر المحرّم؛ لضعف صبرهنّ، فَيُستفاد منه
جواز النهي عن المباح عند خشية إفضائه إلى ما يحرّم، كذا في ((الفتح)) (١).
وقال النوويّ كَُّ: أمره وَ﴿ بذلك مبالغة في إنكار البكاء عليهنّ ومنعهنّ
منه، ثم تأوله بعضهم على أنه كان بكاء بنوح وصياح، ولهذا تأكد النهيُ، ولو
كان مجرد دمع العين لم ينه عنه لأنه ◌َ فعله، وأخبر أنه ليس بحرام، وأنه
رحمة، وتأوله بعضهم على أنه كان بكاءً من غير نياحة ولا صوت، قال: ويبعد
أن الصحابيات يتمادين بعد تكرار نهيهنّ على محرم، وإنما كان بكاءً مجرداً،
والنهي عنه تنزيه وأدبٌّ، لا للتحريم، فلهذا أصررن عليه متأولاتٍ. انتهى(٢).
(١) ((الفتح)) ٥٤/٤ - ٥٥.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢٣٦/٦.

٢٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
قال الجامع عفا الله عنه: لا يبعد تماديهنّ؛ لأنهنّ في تلك الحالة
مغلوبات، فتأمل، والله تعالى أعلم.
(قَالَتْ عَائِشَةُ) ◌ِوَّا (فَقُلْتُ) للرجل (أَرْغَمَ اللهُ أَنْفَكَ) وفي رواية النسائيّ:
((أَرْغَمَ اللهُ أَنْفَ الْأَبْعَدِ))، وهو بالراء، والغين المعجمة: أي ألصق الله أنفك
بالرغام - بفتح الراء - وهو التراب؛ إهانة، وإذلالاً، ووصفته بـ(الأبعد)) لبعده
عن الصواب، حيث أحرج النبيّ بَّو بكثرة المراجعة.
وقال في ((الفتح)): دعت عليه من جنس ما أُمر أن يفعله بالنسوة، لفهمها
من قرائن الحال أنه أحرج النبيّ وَي بكثرة تردّده إليه في ذلك.
وقال الطيبيّ تَخُّ: أي أذلّك الله، فإنك آذيت رسول الله وَلقول، وما
كففتهنّ عن البكاء، وهذا معنى قولها عَها: ((إِنَّكَ وَاللهِ، مَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللهِ وَه
من العَنَاء)»؛ أي: التَّعَب.
(وَاللّهِ مَا تَفْعَلُ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللهِ ◌ِهِ) بحذف متعلّقه؛ أي: ما أمرك به،
والمراد لم تفعل على وجه الكمال في الزجر، وإلا فقد قام بالأمر حيث نهاهنّ
عن الضجر، قاله القاري.
وقال الكرمانيّ كَّثُهُ: أي لم تبالغ في النهي، ونفته، وإن كان قد نهاهنّ؛
لأنه لم يترتب على نهيه الامتثال، فكأنه لم يفعله، ويَحْتَمِل أن تكون أرادت لم
تفعل؛ أي: الحثو بالتراب. انتهى.
(وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللهِ وَلَهُ مِنَ الْعَنَاءِ) بفتح المهملة، والنون، والمدّ:
أي المشقّة والتعب، وفي الرواية التالية: ((من العِيّ)) بكسر المهملة،
وتشديد التحتانية، ووقع في رواية العُذْريّ ((الغَيّ)) بفتح المعجمة بلفظ ضدّ
الرشد.
ومراد عائشة ينا أن الرجل لا يقدر على ذلك، فإذا كان لا يقدر، فقد
أتعب نفسه، ومن يخاطبه في شيء لا يقدر على إزالته، ولعل الرجل لم يفهم
من الأمر الحتم.
وقال النوويّ كَُّ: معناه أنك قاصر لا تقوم بما أمرت به من الإنكار
لنقصك، وتقصيرك، ولا تخبر النبيّ وَله بقصورك عن ذلك حتى يرسل غيرك،

٢٧٥
(١٠) - بَابُ تَحْرِيمِ النِّيَاحَةِ - حديث رقم (٢١٦١)
ويستريح من العناء. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة غَّا هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢١٦١/١٠ و٢١٦٢] (٩٣٥)، و(البخاريّ) في
((الجنائز)) (١٢٩٩ و١٣٠٥ و٤٢٦٣)، و(أبو داود) في ((الجنائز)) (٣١٢٢)،
و(النسائيّ) في ((الجنائز)) (١٨٤٧) و((الكبرى)) (١٩٧٤)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٢٣٧٩٢ و٢٥٨٣١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٠٨٦ و٢٠٨٧)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن البكاء على الميت، وقد تقدّم أن مثل هذا
محمول على ما إذا اشتمل البكاء على المحظور من النوح وقبيح القول
والفعل.
٢ - (ومنها): جواز الجلوس للعزاء بسكينة ووقار، وقد ترجم الإمام
البخاريّ تَخُّْ في ((صحيحه)) على هذا الحديث بقوله: ((باب من جلس عند
المصيبة، يُعرَف فيه الحزن))، قال الزين ابن الْمُنَيِّر تَخْذَفُ ما ملخّصه: موقع هذه
الترجمة من الفقه أن الاعتدال في الأحوال هو المسلك الأقوم، فمن أصيب
بمصيبة عظيمة، لا يُفْرِطُ في الحزن حتى يقع في المحذور، من اللَّظم،
والشَّقّ، والنَّوْحِ، وغيرها، ولا يُفَرِّطُ في التجلّد، حتى يفضي إلى القسوة،
والاستخفاف بقدر المصاب، فيَقتدِي به ◌ّ﴿ في تلك الحالة، بأن يَجلِس
المصاب جلسة خفيفةً بوقار، وسكينة، تظهر عليه مخايل الحزن، ويُؤذن بأن
المصيبة عظيمة.
ثم ترجم البخاريّ تَظّفُهُ بعد هذا ((باب من لم يُظهِر حزنه عند المصيبة))،
(١) ((شرح النووي)) ٦/ ٢٣٧.

٢٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
وأورد فيه قصة أبي طلحة مع زوجته أم سليم ﴿قًا، فقال في ((الفتح)) عند
الكلام على الترجمة الأولى ما نصّه: ولم يفصح المصنف بحكم هذه المسألة،
ولا التي بعدها؛ لأن كلّ منهما قابل للترجيح، أما الأول، فلكونه من فعل
النبيّ وَّ، والثاني من تقريره، وما يباشره بالفعل أرجح غالباً، وأما الثاني،
فلأنه فعل أبلغ في الصبر، وأزجر للنفس، فيرجَّح، ويُحمَل فعلُهُ وَّرِ المذكور
على بيان الجواز، ويكون فعله في حقّه في تلك الحالة أَوْلَى. انتهى. وهو
بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): جواز نظر النساء المحتجبات إلى الرجال الأجانب.
٤ - (ومنها): أن المنهيّ عن المنكر إن لم ينتَهِ عُوقب، وأُدّب بذلك،
وإلا فالملاطفة فيه أولى إن نفعت.
٥ - (ومنها): جواز اليمين لتأكيد الخبر، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٦٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرِ
(ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ (ح)
وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي
ابْنَ مُسْلِم - كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدٍ
الْعَزِيزِ: وَّمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللهِنَّ مِنَ الْعِيِّ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرِ) تقدّم قريباً .
٢ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمر بن السرح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٠)
(م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِح) بن حُدير الحضرميّ، أبو عمرو، أو أبو
عبد الرحمن الحمصيّ، قاضي الأندلس، صدوقٌ له أوهام [٧] (١٥٨) (م ٤)
تقدم في ((الطهارة)) ٦/ ٥٥٩.

٢٧٧
(١٠) - بَابُ تَحْرِيمِ النَِّاحَةِ - حديث رقم (٢١٦٢)
٥ - (أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) النُّكريّ البغداديّ، ثقةٌ حافظ [١٠]
(ت٢٤٦) (م د ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٧.
٦ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبريّ مولاهم،
أبو سهل التّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٢.
٧ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِم) الْقَسْمليّ، أبو زيد المروزيّ، ثم البصريّ،
ثقةٌ عابدٌ، ربّما وَهِمَ [٧] (ت١٦٧َّ) (خ م « ت س) تقدم في ((المساجد
ومواضع الصلاة)) ١١٨٣/٢.
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقوله: (مِنَ الْعِيِّ) قال النوويّ تَخَُّ: هكذا هو معظم نسخ بلادنا هنا
((الْعِيّ)) بكسر العين المهملة؛ أي: التعب، وهو بمعنى العناء السابق في الرواية
الأولى، قال القاضي عياض: ووقع عند بعضهم: ((الغَيّ)) بالمعجمة، وهو
تصحيف، قال: ووقع عند أكثرهم ((العناء)) بالمد، وهو الذي نسبه إلى الأكثرين
خلاف سياق مسلم؛ لأن مسلماً روى الأول ((العناء))، ثم روى الرواية الثانية،
وقال إنها بنحو الأولى، إلا في هذا اللفظ، فيتعين أن يكون خلافه. انتهى.
[تنبيه]: أما رواية عبد الله بن نمير، عن يحيى بن سعيد هذه، فساقها
الإمام أحمد تخلّثهُ في ((مسنده))، فقال:
(٢٣٧٩٢) - حدّثنا ابن نمير، حدّثنا يحيى، عن عمرة، عن عائشة،
قالت: لَمّا جاء نعي جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن
رواحة، جلس رسول الله وَ﴿ يُعْرَف في وجهه الحزن، قالت عائشة: وأنا أَطَّلِع
من شقّ الباب، فأتاه رجل، فقال: يا رسول الله، إن نساء جعفر، فذكر من
بكائهن، فأمره رسول الله وَ ﴿ أن ينهاهنّ، فذهب الرجل، ثم جاء، فقال: قد
نهيتهنّ، وإنهن لم يطعنه، حتى كان في الثالثة، فزعمت أن رسول الله وَ له قال:
((احثوا في وجوههنّ التراب))، فقالت عائشة: قلت: أرغم الله بأنفك، والله ما
أنت بفاعل ما قال لك، ولا تركت رسول الله داخله.
وأما رواية معاوية بن صالح، عن يحيى بن سعيد، فساقها النسائيّ نَّلُهُ،
فقال :
(١٨٤٧) أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا عبد الله بن وهب،

٢٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
قال: قال معاوية بن صالح: وحدّثني يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة،
قالت: لَمّا أتى نعي زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن
رواحة، جلس رسول الله ◌َّه يُعرَف فيه الحزن، وأنا أنظر من صِير الباب،
فجاءه رجل، فقال: إن نساء جعفر يبكين، فقال رسول الله وَتليفون: ((انطلق،
فانههنّ))، فانطلق، ثم جاء، فقال: قد نهيتهن، فأبين أن ينتهين، فقال: ((انطلق
فانههنّ))، فانطلق، ثم جاء، فقال: قد نهيتهن فأبين أن ينتهين، قال: ((فانطلق
فاحث في أفواههن التراب))، فقالت عائشة: فقلت: أرغم الله أنف الأبعد،
إنك والله ما تركت رسول الله صل﴾، وما أنت بفاعل. انتهى.
وأما رواية عبد العزيز بن مسلم، عن يحيى، فلم أر من ساقها، فليُنظر،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَثُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٦٣] (٩٣٦) - (حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا
أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ مَعَ الْبَيْعَةِ أَلَّ
نَنُوحَ، فَمَا وَفَتْ مِنَّا امْرَأَةٌ إِلَّ خَمْسٌ: أُّ سُلَيْم، وَأُّ الْعَلَاءِ، وَابْنَةُ أَبِي سَبْرَةَ امْرَأَةٌ
مُعَاذٍ، أَوِ ابْنَةُ أَبِي سَيْرَةَ، وَامْرَأَةُ مُعَاذٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (حَمَّادُ) بنَ زيد تقدّم في الباب الماضي أيضاً.
٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السختياني، تقدّم في الباب الماضي أيضاً.
٤ - (مُحَمَّدٌ) بن سيرين الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ حجة [٣] (ت١١٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٨.
٥ - (أُمُّ عَطِيَّةَ) نُسيبة بالتصغير، ويقال: بالفتح بنت كعب، ويقال: بنت
الحارث الأنصاريّ الصحابيّة المشهورة، سكنت البصرة (ع) تقدمت في ((صلاة
العیدین)) ٢٠٥٤/٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ.

٢٧٩
(١٠) - بَابُ تَحْرِيمِ النِّيَاحَةِ - حديث رقم (٢١٦٣)
٢ - (ومنها): أن رواته رواة الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ مُحَمَّدٍ) وقع من طريق عارم، عن حماد، عن أيوب، عن حفصة،
بدل محمد، أخرجه الطبرانيّ، قال الحافظ: وله أصل عن حفصة من طريق
عبد الوارث، عن أيوب، عنها، رواه البخاريّ في ((الأحكام)) من ((صحیحه))،
فكأن حماداً سمعه من أيوب، عن كل منهما. انتهى (١).
ويأتي للمصنّف في الرواية التالية من طريق هشام بن حسّان، عن حفصة،
عن أم عطيّة ◌ُّا.
(عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نُسيبة بالتصغير، وقيل: بالتكبير بنت كعب، أو بنت
الحارث ◌َّا (قَالَتْ: أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ مَعَ الْبَيْعَةِ) أي: مع مبايعته لنا على
الإسلام وغيره (أَلَّا تَنُوحَ) أي: بأن لا ننوح، فـ((أن)) المصدرية الناصبة للمضارع،
أدغمت في لام ((لا)) النافية، والمعنى: أي لا نرفع أصواتنا بتعداد شمائل
الميت، ومحاسن أفعاله، يقال: ناحت المرأة زوجها، وعليه: إذا بكت عليه،
وعدّدت محاسنه (فَمَا وَفَتْ) أي: بترك النوح، وهو بتخفيف الفاء، من الوفاء
ثلاثيّاً، ويَحْتَمل أن يكون بتشديدها، من التوفية، ويقال أيضاً: أوفى بالهمز، قال
الفيّومِيّ نَُّ: وَفَيتُ بالعهد والوعد أَفِي بِه وَفَاءً، والفاعل وَفِيٌّ، والجمع أوفياءُ،
مثلُ صديق وأصدقاء، وأوفيتُ به إيفاءً، وقد جمعهما الشاعر، فقال:
أَمَّا ابْنُ طَوْقٍ فَقَدْ أَوْفَى بِذِمَّتِهِ كَمَا وَفَى بِقِلَاصِ النَّجْمِ حَادِيهَا
وقال أبو زيد: أوفى نذره: أحسن الإيفاء، فجعل الرباعيّ يتعدّى بنفسه،
وقال الفارابيّ أيضاً: أوفيته حقّه، ووَفْيته إياه بالتثقيل، وأوفى بما قال، ووَفَّى
(٢)
بمعنى. انتهى (٢).
(١) ((الفتح)) ٦٨/٤.
(٢) ((المصباح المنير)) ٦٦٧/٢.

٢٨٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
(مِنَّا) أي: من النسوة اللاتي أخذ عليهنّ العهد بعد النوح (امْرَأَةٌ إِلَّا
خَمْسٌ: أُمُّ سُلَيْم) بنت ملحان والدة أنس بن مالك ضيًّا، تقدّمت ترجمتها في
((الحيض)) (٧١٦/٧). (وَأُمُّ الْعَلَاءِ) الأنصارية، قال أبو عمر بن عبد البرّ رَّهُ:
هي من المبايعات، حديثها عند أهل المدينة، ونسبها غيره، فقال: بنت
الحارث بن ثابت بن حارثة بن ثعلبة بن الْجُلاس بن أمية بن خُدْرة بن عوف بن
الحارث بن الخزرج، يقال إنها والدة خارجة بن زيد بن ثابت الراوي حديثها
الشيخان، من رواية الزهريّ، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أم العلاء
الأنصارية، قالت: طار لنا عثمان بن مظعون في السكنى لما افترقت الأنصار،
فذكر الحديث(١) في قتل عثمان بن مظعون، وفيه أنها رأت لعثمان عيناً جاريةً،
فذكرت ذلك للنبيّ وَل98، فقال: ((ذلك عمله))، وفي الحديث قولها: شهادتي
عليك أبا السائب لقد أكرمك الله.
(وَابْنَةُ أَبِي سَبْرَةَ) بفتح المهملة، وسكون الموحدة (امْرَأَةُ مُعَاذٍ، أَوِ ابْنَةُ أَبِي
سَبْرَةَ، وَامْرَأَةُ مُعَاذٍ) شكٍّ من أحد رواته، هل ابنة أبي سبرة هي امرأة معاذ، أو
غيرها؟ وكذلك وقع الشكّ أيضاً عند البخاريّ من رواية حفصة، عن أم عطية.
قال الحافظ تَخّْتُهُ: والذي يظهر لي أن الرواية بواو العطف أصحّ؛ لأن
امرأة معاذ، وهو ابن جبل هي أم عمرو بنت خلاد بن عمرو السَّلَميّة، ذكرها
ابن سعد، فعلى هذا فابنة أبي سبرة غيرها، ووقع في ((الدلائل)) لأبي موسى،
من طريق حفصة، عن أم عطية: ((وأمُّ معاذ)) بدل قوله: ((وامرأة معاذ)) وكذا في
رواية عارم، لكن لفظه: ((أو أم معاذ بنت أبي سبرة))
(١) قال الإمام البخاريّ كَّلُ في ((صحيحه)): عن الزهريّ، عن خارجة بن زيد بن
ثابت، عن أم العلاء، وهي امرأة من نسائهم، بايعت رسول الله وَ لقول قالت: طار لنا
عثمان بن مظعون في السكنى، حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين،
فاشتكى، فمرَّضناه حتى توفي، ثم جعلناه في أثوابه، فدخل علينا رسول الله وَالت،
فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله، قال: ((وما
يدريك؟)) قلت: لا أدري والله، قال: ((أما هو فقد جاءه اليقين، إني لأرجو له
الخير من الله، والله ما أدري، وأنا رسول الله، ما يفعل بي ولا بكم))، قالت أم
العلاء: فوالله لا أزكي أحداً بعده، قالت: ورأيت لعثمان في النوم عيناً تجري،
فجئت رسول الله و184َ، فذكرت ذلك له، فقال: ((ذاك عمله يجري له)).