Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
(٢) - بَابُ بَيَانِ مَا يُقَالُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ - حديث رقم (٢١٢٦)
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، فَإِنَّهُ مَنْ كَانَ آخِرُ كَلِمَتِهِ لا إِلَهَ
إِلا اللهُ عِنْدَ الْمَوْتِ دَخَلَ الْجَنَّةَ يَوْماً مِنَ الدَّهْرِ، وَإِنْ أَصَابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَا أَصَابَهُ.
انتھی»(١)، وهو حديث صحيح.
وأخرجه أيضاً البزّار في ((مسنده)) بسند صحيح بنحوه.
والحاصل أن الحديث صحيح، كما هو صنيع المصنّف رَّتُهُ، فتبصّر،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢١٢٥/١] (٩١٧)، و(ابن ماجه) في ((الجنائز))
(١٤٤٤)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٣٧/٣)، و(ابن الجارود) في
((المنتقى)) (٥١٣)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٣٠٠٤)، و(أبو نعيم) في
((مستخرجه)) (٢٠٥٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٨٣/٣)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبٌ﴾ .
(٢) - (بَابُ بَيَانِ مَا يُقَالُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّلُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢١٢٦] (٩١٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، جَمِيعاً
عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ
سَعِيدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ، عَنِ ابْنِ سَفِينَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((مَا مِنْ مُسْلِم تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللهُ:
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّ إِلَيْهِ رَبِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]، اللَّهِّمَّ أُجُرْنِي(٢) فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي
خَيْراً مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللهُ لَهُ خَيْراً مِنْهَا))، قَالَتْ: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ: أَُّ
الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟ أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَِّ، ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا،
(١) ((صحيح ابن حبان)) ٧/ ٢٧٢.
(٢) وفي نسخة: ((اللهم آجرني)).

١٤٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
فَأَخْلَفَ اللهُ لِي رَسُولَ اللهِ وَِّ، قَالَتْ: أَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ نَِّ حَاطِبَ بْنَ أَبِي
بَلْتَعَةَ يَخْطُبُنِي لَهُ، فَقُلْتُ: إِنَّ لِي بِنْتاً، وَأَنَا غَيُورٌ، فَقَالَ: ((أَمَّا ابْنَتُهَا، فَتَدْعُوِ اللهَ أَنْ
يُغْنِيَهَا عَنْهَا، وَأَدْعُو اللهَ أَنْ يَذْهَبَ بِالْغَيْرَةِ)).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت٢٣٤) (عخ
م د عس) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢.
٢ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: علي بن حُجر السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من
صغار [٩] (ت٢٤٤) (ز م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرقيّ، أبو إسحاق
القارىء المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١٠/٢.
٥ - (سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ) بن قيس الأنصاريّ، أخو يحيى، صدوقٌ سيئ
الحفظ [٤] (ت١٤١) (خت م ٤) تقدم في ((صلاة المسافرين)) ١٧٧٥/٢٦.
٦ - (عُمَرُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ) المدنيّ مولى أبي أيوب الأنصاريّ، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن كعب بن مالك، وابن عمر، وسفينة، ونافع مولى أبي قتادة،
وابن سفينة، ومحمد وعمارة ابني عَمْرو بن حَزْمِ، وعُبَيد سَنُوطا .
وروى عنه يحيى وسعد ابنا سعيد الأنصاريّ، وابن عون.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، له أحاديث، وقال ابن
المدينيّ، والعجليّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ في
((مسند مالك))، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٩١٨)
وأعاده بعده، و(١٧٥١): ((من قتل قتيلاً له عليه بيّنة ... )) الحديث.
٧ - (ابْنُ سَفِينَةَ) هو: عُمر بن سفينة مولى أم سلمة، صدوقٌ [٣].
رَوَى عن أبيه، وعنه ابنه بُرَية، واسمه إبراهيم بن عمر، وعمر بن كثير بن
أفلح.
قال البخاريّ: إسناده مجهول، وقال أبو زرعة: عمر صدوقٌ، وقال أبو

١٤٣
(٢) - بَابُ بَيَانِ مَا يُقَالُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ - حديث رقم (٢١٢٦)
حاتم: شيخٌ، وقال ابن عديّ: له أحاديث أفراد لا تُروى إلا من طريق بُرَيه عن
أبيه، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: يُخطىء، وذكره العقيليّ في
((الضعفاء)).
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وله في هذا الكتاب هذا
الحديث فقط، وأعاده بعده، وله عند الترمذيّ حديثٌ في أكل الْحُبَارَى.
[تنبيه]: قال صاحب ((التنبيه)): قوله: ((عن ابن سفينة)) هو عمر، كما في
((الأربعين البلدانيّات)) لعبد القادر الرُّهاويّ، و((مختصر اللالكائيّ لرجال مسلم))،
قاله ابن الْبُلقينيّ في كلامه على خصائص ((الروضة)). انتهى (١).
٨ - (أُمُّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أميّة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن
المغيرة بن مخزوم المخزوميّة، أم المؤمنين، تزوّجها النبيّ وَل﴿ بعد أبي سلمة
سنة أربع، أو ثلاث، وعاشت بعد ذلك ستين سنةً، وماتت ◌َّا (٦٢) على
الأصح (ع) تقدمت في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٧٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ
قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيوخه.
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، ورواية
الأولين من رواية الأقران.
شرح الحديث:
(عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أُميّة ◌ِ﴿َّا (أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّـ
يَقُولُ: ((مَا) نافية (مِنْ) زائدة (مُسْلِم) اسم ((ما)) الحجازيّة، أو هي تميميّة،
فيكون مبتدأ (تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ) أي: أيّ مصيبة كانت، فالتنوین للتنکیر، وروى ابن
السنّيّ عن النبيّ وَّ: ((كلّ شيء ساء المؤمن، فهو مصيبة))(٢). (فَيَقُولُ مَا
(١) (تنبيه المعلم)) ص١٧٢.
(٢) حديث ضعيف، رواه ابن السنّ في ((عمل اليوم والليلة)).

١٤٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
أَمَرَهُ اللهُ) أي: به، ففيه حذف العائد، وقوله: ﴿﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾ [البقرة:
١٥٦]) بدل من ((ما أمره الله)).
والمراد بالأمر هنا الندب بالترغيب فيه، وترتيب الأجر عليه، فإنه بمنزلة
الأمر، وإلا فلا أمر في الآية.
وقال الأبيّ تَخُّْهُ: يَحْتَمِل الأمرُ أنه بوحي في غير القرآن، ويَحْتَمل أن
الأمر مفهوم من الثناء على قائل ذلك؛ لأن المدح على الفعل يستلزم الأمر به.
وقال الباجيّ كَُّهُ: لم يُرِد لفظ الأمر بهذا القول؛ لأنه إنما ورد القرآن
بتبشير من قاله، والثناء عليه، ويَحْتَمِل أن يشير إلى غير القرآن، فيُخبرِ وَّ عن
أمر الباري لنا بذلك، ولذا وصله بقوله: ((اللهم أُجُرْنِي ... إلخ)).
وقال الطيبيّ كَّلُ: فإن قلت: أين الأمر في الآية؟، قلت: لَمّا أمره
بالبشارة، وأطلقها ليعمّ كلَّ مبشَر به، وأخرجه مخرج الخطاب؛ ليعمّ كلَّ أحد
نبّه على تفخيم الأمر، وتعظيم شأن هذا القول، فنبّه بذلك على كون القول
مطلوباً، وليس الأمر إلا طلب الفعل، وأما التلفّظ بذلك مع الجَزَع فقبيح،
وسخط للقضاء.
وقال القاري ◌َُّ: والأقرب أن كلّ ما مدح الله تعالى في كتابه من
خصلة يتضمّن الأمر بها، كما أن المذمومة فيه تقتضي النهي عنها. انتهى (١).
وقال القرطبيّ تَخْذَلُهُ: قوله: ((فيقول ما أمر الله)) هذا تنبيه على قوله تعالى:
﴿وَبَشِّرِ الصَّبِينَ﴾ الآية [البقرة: ١٥٥] مع أنه ليس فيها أمر بذلك، وإنما تضمّنت
مدح من قاله، فيكون ذلك القول مندوباً، والمندوب مأمور به؛ أي: مطلوب
ومُقتضِّى، وإن سُوِّغ تركه، وقال أبو المعالي: لم يختلف الأصوليون أن
المندوب مقتضّى ومطلوبٌ، وإنما اختلفوا هل يُسمّى مأموراً به؟، قال
القرطبيّ: وهذا الحديث يدلّ على أنه يسمى بذلك. انتهى (٢).
(﴿إِنَّا﴾) أي: إن ذواتنا، وجميع ما يُنسب إلينا (﴿لِلَّهِ﴾) ملكاً وخلقاً
(﴿﴿وَإِنَّ إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾) أي: في الآخرة، قال القرطبيّ نَُّهُ: ((إنا لله ... إلخ))
كلمة اعتراف بالملك لمستحقّه، وتسليم له فيما يُجريه في ملكه، وتهوينٌ
(١) ((المرعاة)) ٣٠٩/٥ - ٣١٠.
(٢) ((المفهم)) ٢/ ٥٧٠.

١٤٥
(٢) - بَابُ بَيَانِ مَا يُقَالُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ - حديث رقم (٢١٢٦)
للمصيبات بتوقّع ما هو أعظم منها، وهو الثواب المرتّب عليها، وتذكير المرجع
والمآل الذي حكم به ذو العزّة والجلال. انتهى(١).
وقوله: (اللَّهُمَّ) من جُملة ما أمر الله تعالى به (اجُرْنِي) بوصل الهمزة،
وضم الجيم، وفي نسخة: ((آجرني)) بالمدّ، وكسر الجيم، وقال القاضي
عياض تَّتُهُ: ((اجُرني)) بالقصر والمدّ، حكاهما صاحب ((الأفعال))(٢)، وقال
الأصمعيّ، وأكثر أهل اللغة: هو مقصور لا يُمَدّ، ومعنى أَجَرَهُ اللهُ: أعطاه
أجره وجزاء صبره، وهَمِّه في مصيبته. انتهى (٣).
وقال ابن الأثير تَخْذُهُ: آجَرهُ يُؤْجِره: إذا أثابه، وأعطاه الأجر والثواب،
وكذلك أَجَرَه يَأْجِرُه، والأمر منهما آجِرْني، وَأُجُرني. انتهى (٤).
وقال الفيّوميّ تَخْذَفُ: أَجَرَهُ اللهُ أَجْراً، من باب قتل، ومن باب ضرب لغة
بني كعب، وآجره بالمدّ لغة ثالثة: إذا أثابه. انتهى(٥).
وقوله: (فِي مُصِيبَتِي) متعلّق بـ((أجرني))، قال القاري كَذَتُهُ: والظاهر أن
((في)) بمعنى الباء سببيّة.
(وَأَخْلِفْ لِي خَيْراً مِنْهَا) أي: اجعل لي خَلَفاً مما فات عني في هذه
المصيبة خيراً من الفائت فيها، ففي الكلام تجوّز وتقدير (٦).
قال النوويّ تَخْلَثُ: هو بقطع الهمزة، وكسر اللام، قال أهل اللغة: يقال
لمن ذهب له مالٌ، أو ولدٌ، أو قريبٌ، أو شيءٌ يُتَوَقَّع حصولُ مثله: أخلف الله
عليك؛ أي: رَدّ عليك مثله، فإن ذهب ما لا يُتَوقَّع مثله بأن ذهب والدٌ، أو
عمّ، أو أخٌ لمن لا جَدَّ له، ولا والد له، قيل: خَلَفَ الله عليك، بغير ألف؛
أي: كان الله خلیفةً منه علیك. انتهى(٧).
(١) ((المفهم)» ٢/ ٥٧٠.
(٢) هو: عليّ بن جعفر السعديّ المعروف بابن القطاع، توفي سنة (٥١٥هـ).
(٣) ((شرح النوويّ)) ٢٢٠/٦.
(٤) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٢٥/١.
(٥) ((المصباح المنير)) ٥/١.
(٧) ((شرح مسلم)» ٢٢٠/٦.
(٦) ((المرعاة)) ٣١٠/٥.

١٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
وقال ابن الأثير تَقْذَلُهُ: يقال: خَلَفَ اللهُ لك خَلَفاً بخير، وأخلف عليك
خيراً؛ أي: أبدلك بما ذَهَب منك، وعَوَّضك عنه، وقيل: إذا ذهب للرجل ما
يَخْلُفُه، من مثل المال والولد، قيل: أخلف الله لك وعليك، وإذا ذهب له ما
لا يخلُفُه غالباً كالأب والأم، قيل: خَلَف الله عليك، وقد يقال: خلف الله
عليك إذا مات لك ميت؛ أي: كان الله خليفة عليك، وأخلف الله عليك أي:
أبدلك. انتهى(١).
(إِلَّا أَخْلَفَ اللهُ لَهُ خَيْراً مِنْهَا))) أي: عوّضه الله تعالى خيراً من تلك
المصيبة (قَالَتْ) أم سلمة ◌ِّها: (فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ) تعني زوجها عبد الله بن
عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عُمَر بن مخزوم المخزوميّ المكيّ، أمه بَرّة
بنت عبد المطلب، وكان أخا النبيّ وَلّ من الرضاعة، وهاجر الهجرتين، وشَهِد
بدراً، وتُوُقِّي بالمدينة في حياة النبيّ ◌َّهِ مَرْجِعه من بدر، فتزوج النبيّ ◌َِّل
بزوجته أم سلمة، رَوَى عن النبيّ وَّر في الاسترجاع عند المصيبة، وعنه أم
سلمة.
وذكر ابن سعد أنه شهد بدراً وأُحُداً، وجرح بأحد، ثم بعثه النبيّ وَّر إلى
بني أسد على رأس خمسة وثلاثين شهراً من الهجرة، ثم قدم المدينة، فانتقض
الجرح، فمات لثلاث مَضَين من جمادى الآخرة، وبنحوه ذكره يعقوب بن
سفيان، وابن أبي خيثمة، والْبَرْقيّ، وأبو جعفر الطبريّ، والحاكم، وأبو نعيم،
وجماعة.
وقال العسكريّ: مات على عهد النبيّ وَ ﴿ في السنة الرابعة، ونقله
البغويّ عن أبي بكر بن زنجويه، وهو مقتضى قول ابن سعد، وقال عبد البر:
تُوُفّي في جمادى الآخرة سنة ثلاث، وهو يوافق الأول.
أخرج له الترمذيّ، والنسائيّ في ((اليوم والليلة))، وابن ماجه، وليس له
عند مسلم إلا ذكرٌ فقط.
(قُلْتُ) أي: في نفسي، أو باللسان استغراباً لوجود مثل ذلك (أَيُّ
الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟) وفي الرواية الآتية: ((قلت: من خير من أبي
(١) ((النهاية في غريب الأثر)) ٦٦/٢.

١٤٧
(٢) - بَابُ بَيَانِ مَا يُقَالُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ - حديث رقم (٢١٢٦)
سلمة، صاحب رسول الله (وَلليه؟))، والاستفهام للإنكار؛ أي: لا أحد من
المسلمين خيرٌ منه، وهذا في تقديرها .
وقال الطيبيّ تَخّْلُهُ: هذا تعجّب من تنزيل قوله وَله: ((إلا أخلف الله له
خيراً منها)) على مصيبتها؛ استعظاماً لأبي سلمة. انتهى. يعني في زعمها.
وقولها: (أَوَّلُ بَيْتٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ﴿) استئناف بيانيّ، فكأن سائلاً
سألها، وما سبب استغرابك أن يوجد خير من أبي سلمة؟، فأجابت بأنه أول
أهل بيت (هَاجَرَ) إلى المدينة من أصحاب رسول الله وَلّ، قال أبو نعيم: كان
أول من هاجر إلى المدينة، زاد ابن منده: وإلى الحبشة، وذكره موسى بن عُقبة
وغيره من أصحاب المغازي فيمن هاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، وفيمن
شَهِدَ بدراً، وأخرج البغويّ بسند صحيح إلى قبيصة بن ذؤيب أن النبيّ وَلي أتى
أبا سلمة يعوده، وهو ابن عمّته، وأول من هاجر بظعينته إلى أرض الحبشة، ثم
إلى المدينة (١).
وقال الأبيّ: تعجّبت أم سلمة؛ لاعتقادها أنه لا خير من أبي سلمة، ولم
تطمع أن يتزوّجها رسول الله ويلي، فهو خارج من هذا العموم، وتعني بقولها:
((من خيرٌ من أبي سلمة)) بالنسبة إليها، فلا يكون خيراً من أبي بكر؛ لأن الخير
في ذاته قد لا يكون خيراً لها، ويَحْتَمِل أن تَعْني أنه خير مطلقاً، والإجماع على
أفضليّة أبي بكر إنما على من تأخّرت وفاته عن رسول الله وَّر، وهل هو أفضل
ممن تقدّمت وفاته؟ فيه خلافٌ، فلعلّها أخذت بأحد القولين، وقولها: أولُ بيت
هاجر يدلّ على أنها أرادت أنه أفضل مطلقاً بالنسبة إليها. انتهى.
قال صاحب ((المرعاة)): والظاهر أن الخيريّة بالنسبة إليها، وباعتبار
نفسها، والله تعالى أعلم. انتهى (٢)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ.
(ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا) أي: كلمة الاسترجاع والدعاء المذكور بعدها (فَأَخْلَفَ اللهُ
لِي رَسُولَ اللهِ وَ﴿) أي: بأن جعلني زوجته، وكان عِوَضَ خير لي من زوجي
أبي سلمة
(١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ١٣١/٤ - ١٣٢.
(٢) ((المرعاة)) ٣١٠/٥ - ٣١١.

١٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
(قَالَتْ: أَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِهِ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ) - بفتح الموخَّدة،
وسكون اللام، بعدها مثناة، ثم مهملة مفتوحات - ابن عمرو بن عُمير بن
سلمة بن صعب بن سهل اللَّخْميّ، حليف بني أسد بن عبد العزى، يقال: إنه
حالف الزبير، وقيل: كان مولى عبيد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن
أسد، فكاتبه فأدَّى مكاتبته، اتفقوا على شهوده بدراً، وثبت ذلك في
((الصحيحين)) من حديث عليّ في قصة كتابة حاطب إلى أهل مكة يخبرهم بتجهيز
رسول الله وَ﴿ إليهم، فنزلت فيه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِى وَعَدُوَّكُمْ﴾ الآية
[الممتحنة: ١]، فقال عمر: دَعْني أضرب عنقه، فقال: إنه شهد بدراً، واعتذر
حاطب بأنه لم يكن له في مكة عشيرة تدفع عن أهله، فقَبِل عذره.
ورَوَى مسلم وغيره من طريق أبي الزبير، عن جابر، أن عبداً لحاطب بن
أبي بَلْتعة جاء يشكو حاطباً، فقال: يا رسول الله ليدخلنّ حاطب النارَ، فقال:
((لا ، فإنه شَهِدَ بدراً، والحديبية)).
قال المدائنيّ: مات حاطب في سنة ثلاثين في خلافة عثمان، وله خمس
وستون سنةً، وكذا رواه الطبرانيّ، عن يحيى بن بُكَير (١)، وليس له في الكتب
الستّة إلا ذكرٌ فقط.
(يَخْطُبُنِي) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، يقال: خَطَب المرأةَ إلى القوم، من
باب نصر: إذا طلب أن يتزوّج منها، واختطبها، والاسم الْخِظْبةُ بالكسر(٢).
(لَهُ) أي: لنفسه
ووقع في رواية لأحمد، والنسائيّ أن الذي أرسله النبيّ وَّو لخطبتها هو
عمر بن الخطّاب ، فيحتمل أن يكون أرسله أولاً، ثم أرسل بعده حاطباً،
أو بالعكس، والله تعالى أعلم.
[فإن قلت]: يعارض هذا ما أخرجه الإمام أحمد في ((مسنده)) بسند
صحيح من طريق عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب، عن أم سلمة، قالت:
أتاني أبو سلمة يوماً من عند رسول الله وَ له، فقال: لقد سمعت من رسول الله ومكله
(١) (الإصابة في تمييز الصحابة)) ٤/٢ - ٥.
(٢) ((المصباح المنير)) ١٧٣/١.

١٤٩
(٢) - بَابُ بَيَانِ مَا يُقَالُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ - حديث رقم (٢١٢٦)
قولاً، فسُرِرت به، قال: ((لا تصيب أحداً من المسلمين مصيبةٌ، فيسترجع عند
مصيبته، ثم يقول: اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيراً منها، إلا فعل
ذلك به))، قالت أم سلمة: فحفظت ذلك منه، فلما تُوفي أبو سلمة استرجعت،
وقلت: ((اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلفني خيراً منه))، ثم رجعت إلى نفسي
قلت: من أين لي خير من أبي سلمة؟ فلما انقضت عدّتي، استأذن علي
رسول الله وَ*، وأنا أدبغ إهاباً لي، فغسلت يدي من القَرَظ، وأَذِنت له،
فوضعت له وِسَادةَ أَدَم حَشْوها لِيفٌ، فقعد عليها، فخطبني إلى نفسي، فلما فرغ
من مقالته، قلت: يا رسول الله ما بي أن لا تكون بك الرغبة فيّ، ولكني امرأة
فيّ غَيْرةٌ شديدةٌ، فأخاف أن ترى مني شيئاً يعذبني الله به، وأنا امرأة دخلت في
السنّ، وأنا ذات عيال، فقال: ((أما ما ذكرت من الْغَيْرة، فسوف يذهبها الله رَك
منك، وأما ما ذكرت من السنّ، فقد أصابني مثل الذي أصابك، وأما ما ذكرت
من العيال، فإنما عيالك عيالي))، قالت: فقد سلمت لرسول الله صل﴾، فتزوجها
رسول الله ، فقالت أم سلمة: فقد أبدلني الله بأبي سلمة خيراً منه،
رسولَ الله وَ﴾. انتهى.
فهذا الحديث يخالف حديث مسلم من وجهين:
[أحدهما]: أن الحديث سمعته أم سلمة من زوجها أبي سلمة.
[والثاني]: أن الذي خطبها هو النبيّ وَ ◌ّه بنفسه، ولم يُرسل غيره.
[قلت]: يجاب عن الأول بحمله على أنها سمعته أولاً من زوجها، ثم
سمعته بعد ذلك منه ◌َ﴿ مباشرةً، ومثل هذا في الأحاديث کثیر.
ويُجاب عن الثاني بأن يقال: إنه أرسل أولاً غيره، ثم تقدّم إليها بنفسه
للتأكيد، فأعادت عليه ما قالت للرسول من الأعذار الثلاثة، فأجابها عن كلّها
بما يزيل عذرها، والله تعالى أعلم.
(فَقُلْتُ) أي: معتذرةً إلى النبيّ وََّ خوفاً من عدم قيامها بحقوقه (إِنَّ لِي
بِْتاً) هي زينب بنت أبي سلمة؛ أي: وهي تضرّ بحسن المعاشرة الزوجيّة.
[تنبيه]: قال ابن الأثير تَخْتُ: أم سلمة ◌ًِّا لها ابنتان من أبي سلمة بن
عبد الأسد المخزوميّ ◌َظُله: إحداهما: دُرّة، والأخرى: زينب. انتهى.
(وَأَنَا غَيُورٌ) أي: كثيرة الغيرة، وهي تؤدّي إلى عدم الوفاء بحقوق

١٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
الزوجيّة، و((الغيرة)): كراهة الشخص اشتراك غيره فيما هو حقّه، أفاده
الكفويّ(١)؛ تعني: أنها ذات غَيْرة شديدة لا تتمكن معها من الاجتماع مع سائر
أزواجه ێ.
وقال النوويّ تَخْلُ: يقال: امرأة غَيْرَى، وغَيُورٌ، ورجلٌ غَيُورٌ وغَيْران،
وقد جاء فَعُول في صفات المؤنّث كثيراً، وإن كان أصلها للمذكّر؛ كقولهم:
امرأةٌ عَرُوسٌ، وعَرُوبٌ، وضَحُوٌ لكثيرة الضحك، وعَقَبَةٌ كَؤُودٌ، وأرضٌ
صَعُودٌ، وهَبُوظٌ، وحَدُورٌ، وأشباهها. انتهى(٢).
وقال الفيّوميّ كَّتُهُ: غار الرجل على امرأته، والمرأة على زوجها يَغَارُ،
من باب تَعِبَ غَيْراً، وغَيْرةً بالفتح، وغَاراً، قال ابن السِّكِّيت: ولا يقال: غِيراً
وغِيرةً بالكسر، فالرجل غَيُورٌ وغَيْرَانُ، والمرأة غَيُورٌ أيضاً، وغَيْرَى، وجمع
غَيُور غَيْرٌ، مثلُ رَسُول ورُسُل، وجمع غَيْران وغَيْرَى غَيَارَى بالضمّ والفتح.
(٣)
انتھی
(فَقَالَ) وَ ((أَمَّا ابْنَتُهَا، فَنَدْعُو اللّهَ أَنْ يُغْنِيَهَا عَنْهَا) أي: بأن تجد من
يكفلها من قراباتها، وزاد في رواية عند الإمام أحمد من وجه آخر: ((وكان
رسول الله 18 يأتيها، فإذا جاء أخذت زينب فوضعتها في حجرها لترضعها،
وكان رسول الله وَ﴿ حيياً كريماً يستحيي، فرجع، ففعل ذلك مراراً، ففَطِنَ
عمار بن ياسر لما تصنع، فأقبل ذات يوم وجاء عمار، وكان أخاها لأمها،
فدخل عليها، فانتشطها (٤) من حَجْرها، وقال: دَعِي هذه المقبوحة المشقوحة(٥)
التي آذيت بها رسول الله وَ ه، قال: وجاء رسول الله وَله، فدخل، فجعل يُقَلِّب
بصره في البيت، ويقول: ((أين زناب؟ ما فعلت زناب؟))، قالت: جاء عمار،
فذهب بها، قال: فبنى بأهله.
وأخرجه من وجه آخر أيضاً، من رواية عبد العزيز ابن بنت أم سلمة، عن
أم سلمة، أن أبا سلمة لَمّا توفي عنها، وانقضت عدتها، خطبها رسول الله وَله،
(١) ((الكلّيّات)) لأبي البقاء الكفويّ ص٦٧١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢٢١/٦.
(٣) ((المصباح المنير)) ٤٥٨/٢.
(٤) أي: أخذها.
(٥) بمعنى المقبوحة.

١٥١
(٢) - بَابُ بَيَانِ مَا يُقَالُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ - حديث رقم (٢١٢٦)
فقالت: يا رسول الله: إن فِيّ ثلاث خصال: أنا امرأة كبيرة، فقال
رسول الله قال: ((أنا أكبر منك))، قالت: وأنا امرأة غيور، قال: ((أدعو الله مات،
فيذهب عنك غيرتك))، قالت: يا رسول الله، وأنا امرأة مُصْبِية، قال: ((هم
إلى الله، وإلى رسوله))، قال: فتزوجها رسول الله وَليته، قال: فأتاها، فوجدها
ترضع، فانصرف، ثم أتاها فوجدها ترضع، فانصرف، قال: فبلغ ذلك عمار بن
ياسر، فأتاها، فقال: حُلْتِ بين رسول الله بِّه وبين حاجته، هَلُمّ الصبيةَ، قال:
فأخذها، فاسترضع لها، فأتاها رسول الله بَ ل﴿، فقال: ((أين زناب؟))؛ يعني:
زينب، قالت: يا رسول الله أخذها عمار، فدخل بها، وقال: ((إن بك على
أهلك كرامةً»، قال: فأقام عندها إلى العشيّ، ثم قال: ((إن شئت سبَّعت لك،
وإن سبعت لك سبعت لسائر نسائي، وإن شئت قسمت لك))، قالت: لا، بل
اقسم لي. انتھی.
(وَأَدْعُو اللّهَ أَنْ يَذْهَبَ) بفتح أوله وثالثه (بِالْغَيْرَةِ)) بتفتح الغين؛ أي:
يزيلها عنك، يقال: أذهب الله الشيءَ، وذَهب به، كقوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ
بِشُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أم سلمة ﴿ّ هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢١٢٦/٢ و٢١٢٧ و٢١٢٨] (٩١٨)، و(أحمد)
في ((مسنده)) (٣٠٩ و٣٢١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٠٥٦ و٢٠٥٧
و٢٠٥٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): استحباب قول هذا الذكر عند المصيبة، فيقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّ
إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيراً منها.
٢ - (ومنها): بيان فضيلة هذا الذكر، حيث يُخلف الله تعالى لمن قاله
خيراً مما أصيب منه.

١٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
٣ - (ومنها): بيان فضل أم سلمة، وزوجها ◌ًا، حيث إنهما أول أهل
بيت هاجر إلى الله ورسوله، قال في ((الإصابة)): وكانت أم سلمة موصوفة
بالجمال البارع، والعقل البالغ، والرأي الصائب، وإشارتها على النبيّ مَ ط * يوم
الحديبية(١) تدلّ على وفور عقلها، وصواب رأيها. انتهى(٢).
٤ - (ومنها): ما قاله النوويّ كََّقُ: فيه دليلٌ للمذهب المختار في
الأصول، أن المندوب مأمور به؛ لأنه وسلـ مأمور به، مع أن الآية الكريمة
تقتضي ندبه، وإجماعُ المسلمين منعقد عليه. انتهى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢١٢٧] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ
سَعْدٍ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ سَفِينَةَ،
يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ وَهَ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ:
(مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنََّ إِلَيْهِ رَِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]، اللَّهُمَّ
أُجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْراً مِنْهَا، إِلَّا أَجَرَهُ اللهُ فِي مُصِيبَتِهِ، وَأَخْلَفَ لَهُ
خَيْراً مِنْهَا))، قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ، قُلْتُ كَمَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ وَتِ،
فَأَخْلَفَ اللهُ لِي خَيْراً مِنْهُ رَسُولَ اللهِ وَلِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم قبل باب.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (إِلَّا أَجَرَهُ اللهُ فِي مُصِيبَتِهِ) هو بقصر الهمزة، ومدّها، والقصر
(١) يعني به: قولها للنبيَّ﴿ لما شقّ على الصحابة أمره بالتحلّل، قالت له: ادع
حالقك، فليحلقك، فإنهم يتابعونك، ففعل، فكادوا يقتتلون.
(٢) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٢٢٤/٨.

١٥٣
(٢) - بَابُ بَيَانِ مَا يُقَالُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ - حديث رقم (٢١٢٨)
أفصح وأشهر كما سبق(١).
والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في
الحاديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢١٢٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا
سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ - يَعْنِي ابْنَ كَثِيرٍ - عَنِ ابْنِ سَفِينَةً مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ،
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ نَّهِ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ لَّهِ يَقُولُ بِمِثْلِ حَدِيثٍ
أَبِي أُسَامَةَ، وَزَادَ: قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُنِّيَ أَبُو سَلَمَةَ، قُلْتُ: مَنْ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ،
صَاحِبٍ رَسُولِ اللهِ وَِّ، ثُمَّ عَزَمَ اللهُ لِي، فَقُلْتُهَا، قَالَتْ: فَتَزَوَّجْتُ رَسُولَ اللهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أبوه) عبد الله بن نمير، تقدّم قبل باب أيضاً.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَزَادَ: قَالَتْ ... إلخ) فاعل ((زاد)) ضمير عبد الله بن نمير.
وقولها: (ثُمَّ عَزَمَ اللهُ لِي) أي: قضى الله، وقدّر لي أن أقولها، فقلتها،
وقد تقدّم في أوائل ((شرح المقدّمة)) عند قول مسلم دَّثُ: ((أن لو عُزم لي عليه))
البحث هل يجوز إطلاق العزم على الله أم لا؟، ورجحت أنه لم يرد في جوازه
ولا في منعه شيء، بل ظاهر ما ثبت عن أم سلمة ◌ِّ هنا يدلّ للجواز؛ لأنها
من أهل اللسان، وأهل الفضل والعلم، وقد شاهدت التنزيل، وعاشت معه وَالآ،
فهي فقيهة لا يخفى عليها المحذور من هذا الباب، فتأمل، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية عبد الله بن نُمير، عن سعد بن سعيد هذه ساقها الإمام
أحمد تَخّلُ في ((مسنده)) فقال:
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٢١/٦.

١٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
(٢٦٠٩٥) حدّثنا ابن نمير، قال: حدّثنا سعد بن سعيد، قال: أخبرني
عُمَر بن كثير، عن ابن سفينة مولى أم سلمة، عن أم سلمة زوج النبيّ وَلـ
قالت: سمعت رسول الله وَ﴿ يقول: ((ما من عبد تصيبه مصيبةٌ، فيقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ
وَإِنَّا إِلَيْهِ رَبِعُونَ﴾، اللهم أَجُرْني في مصيبتي، وأخلفني خيراً منها، إلا أجره الله
في مصيبته، وخلف له خيراً منها))، قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت: من خير
من أبي سلمة، صاحب رسول الله وَلٍ؟ قالت: ثم عَزَمَ الله وَك لي، فقلتها:
((اللهم اجُرني في مصيبتي، واخلف لي خيراً منها))، قالت: فتزوجت
رسول الله وَيهر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٣) - (بَابُ بَيَانِ مَا يُقَالُ عِنْدَ الْمَرِيضِ أَوْ الْمَيْتِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تََّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢١٢٩] (٩١٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((إِذَا حَضَرْتُمُ الْمَرِيضَ، أَوِ الْمَيِّتَ، فَقُولُوا خَيْراً، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ
يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ))، قَالَتْ: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ، أَتَيْتُ النَّبِيَّ وَِّ، فَقُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سَلَمَةَ قَدْ مَاتَ، قَالَ: قُولِي: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلَهُ، وَأَعْقِبْنِي مِنْهُ
عُقْبَى حَسَنَةً))، قَالَتْ: فَقُلْتُ: فَأَعْقَبَتِي اللّهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ لِي مِنْهُ مُحَمَّدَاً وٍَّ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل بابين.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قريباً.
٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم قريباً أيضاً.
٤ - (شَقِيقُ) بن سلمة الأسديّ، أبو وائل الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢]
(ت٨٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧.

١٥٥
(٣) - بَابُ بَيَانِ مَا يُقَالُ عِنْدَ الْمَرِيضِ أَوْ الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٢٩)
والباقيان تقدّما في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف نََّثُ، وله فيه شيخان قرن
بينهما؛ لما سبق غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج
له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين سوى الصحابيّة، فمدنيّة.
٤ - (ومنها): أن شيخه أبا كريب أحد من اتّفق الجماعة بالرواية عنه بلا
واسطة.
٥ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) ﴿َّا أنها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِذَا حَضَرْتُمُ
الْمَرِيضَ، أَوِ الْمَيِّتَ) هكذا رواية المصنّف كَذَتُهُ بـ((أو))، والظاهر أنها للشكّ من
الراوي، ويَحْتَمِل أن تكون للتنويع، ووقع في رواية أبي داود، والنسائيّ،
والبيهقيّ، بلفظ: ((إِذَا حَضَرْتُمُ الميت)) (فَقُولُوا خَيْراً) قال السنديّ كَُّهُ: أي
ادعوا له بالخير، لا بالشرّ، أو ادعوا بالخير مطلقاً، لا بالويل، ونحوه، والأمر
فيه للندب، ويَحْتَمِل أن المراد: فلا تقولوا شرّاً، فالمقصود النهي عن الشرّ
بطريق الكناية، لا الأمر بالخير. انتهى.
وقال المظهر: أي ادعوا للمريض بالشفاء، وقولوا: اللَّهم اشفه، وللميت
بالرحمة والمغفرة، وقولوا: اللَّهم اغفر له، وارحمه. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في قول السنديّ: والأمر فيه للندب محلّ
توقّف؛ إذ يَحتاج إلى صارف له عن الوجوب؛ لأن الأمر للوجوب إلا
لصارف، فليُتأمّل.
وأما الاحتمال الذي ذكره أخيراً فُبعده أظهر من أن يخفى.
ثم هذا الدعاء أعمّ من أن يكون لنفسه، وللميت، ففي الرواية الآتية من
طريق قَبِيصة بن ذُؤيب، عن أم سلمة، قالت: دخل رسول الله وَّ، على أبي

١٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
سلمة، وقد شَقَّ بصرُهُ، فأغمضه، ثم قال: ((إن الروح إذا قبض، تبعه البصر))،
فضَجَّ ناس من أهله، فقال: ((لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة
يؤمنون على ما تقولون))، ثم قال: ((اللَّهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في
المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله، يا رب العالمين،
وافسح له في قبره، ونوّر له فيه))، فتبيّن أن الدعاء عند الميت يشمل الدعاء له،
وللشخص نفسه، فلا يدعو إلا بخير، والله تعالى أعلم.
(فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ) الفاء للتعليل؛ أي: لأن الملائكة ... إلخ، والمراد
بالملائكة، ملك الموت، وأعوانه، أو عموم الملائكة الذين يحضرون الميت،
وهذا أولى، لما أخرجه النسائيّ من حديث أبي هريرة ◌ُه مرفوعاً: ((إذا حُضِر
المؤمنُ أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء .... وإذا احتضر الكافر أتته ملائكة
العذاب بِمِسْحٍ ... )) الحديث(١).
(يُؤَمِّنُونَ) بالتشديد، من التأمين؛ أي: يقولون: آمين (عَلَى مَا تَقُولُونَ)))
أي: من الدعاء بخير، أو شرّ، ودعاء الملائكة مستجاب، فلا يجوز للشخص
أن يدعو بما فيه مضرّة له، أو لغيره.
قال القرطبيّ كَّهُ: قوله: ((إذا حَضَرتم الميت، فقولوا خيراً)) أمر تأديب،
وتعليم بما يقال عند الميت، وإخبارٌ بتأمين الملائكة على دعاءِ مَن هناك، ومن
هذا استحبّ علماؤنا أن يحضر الميت الصالحون، وأهل الخير حالة موته
(١) هو ما أخرجه النسائيّ (١٨٣٣) بسند صحيح، عن أبي هريرة، أن النبيّ وَّ قال:
((إذا حُضِر المؤمن أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجي راضية
مرضيّاً عنك إلى رَوْح الله وريحان، ورب غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح
المسك، حتى إنه ليناوله بعضهم بعضاً، حتى يأتون به باب السماء، فيقولون: ما
أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض، فيأتون به أرواح المؤمنين، فلهم أشدّ
فرحاً به من أحدكم بغائبه يَقْدَم عليه، فيسألونه ماذا فَعَل فلان؟ ماذا فعل فلان؟
فيقولون: دَعُوه فإنه كان في غم الدنيا، فإذا قال: أما أتاكم؟ قالوا: ذُهب به إلى
أمه الهاوية، وإن الكافر إذا احتُضِر أتته ملائكة العذاب بِمِسْح، فيقولون: اخرجي
ساخطة مسخوطاً عليك إلى عذاب الله 38، فتخرج كأنتن ريح جيفة، حتى يأتون به
باب الأرض، فيقولون: ما أنتن هذه الريح، حتى يأتون به أرواح الكفار)). انتهى.

١٥٧
(٣) - بَابُ بَيَانِ مَا يُقَالُ عِنْدَ الْمَرِيضِ أَوْ الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٢٩)
ليذكّروه، ويدعوا له، ولمن يخلفه، ويقولوا خيراً، فيجتمع دعاؤهم، وتأمين
الملائكة، فينتفع الميت، ومن يُصاب به، ومن يَخلُفه. انتهى.
(قَالَتْ) أم سلمة ◌ِوَّا (فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ) أي: زوجها قبل النبيّ ◌َِّ،
تقدّمت ترجمته في الحديث الماضي (أَتَيْتُ النَّبِيَّ نَّهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ
أَبَا سَلَمَةَ قَدْ مَاتَ، قَالَ: قُولِي: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلَهُ) وفي رواية النسائيّ: ((فَلَمَّا
مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ أَقُولُ: قَالَ: ((قُولِي: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا
وَلَهُ)) (وَأَعْقِبْنِي) بقطع الهمزة، من الإعقاب؛ أي: عَوِّضني، وأَعِطِنِي بدله، قال
الشاعر [البسيط]:
وَمَنْ أَطَاعَ فَأَعْقِبْهُ بِطَاعَتِهِ كَمَا أَطَاعَكَ وَادْلُلْهُ عَلَى الرَّشَدِ
(مِنْه) أي: بدله، فـ ((من)) بمعنى ((بدل))، كما قال في «الخلاصة)):
لِلِنْتِهَا ((حَتَّى)) وَلَامٌ وَ(إِلَى)) وَ((مِنَ)) وَبَاءٌ يُفْهِمَانِ بَدَلَا
(عُقْبَى حَسَنَةً))) - بضم العين المهملة، وسكون القاف ـ بوزن بُشْرى: أي
بدلاً صالحاً (قَالَتْ) أم سلمة ◌َؤُها: (فَقُلْتُ) أي: ما أمرني النبيّ وَّـ من الدعاء
المذكور (فَأَعْقَبَنِي اللهُ) أي: أعطاني الله رَ عوضاً منه (مَنْ) بفتح الميم
موصولة مفعول ((أعقبني))، وصلتها جملة قوله: (هُوَ خَيْرٌ لِي مِنْهُ) وقولها :
(مُحَمَّداً وَلِ) منصوب على البدليّة من ((مَنْ)).
والمعنى: أن الله تعالى عوّضها خيراً من أبي سلمة ظُه وذلك هو
النبيّ وَّر، حيث تزوّجها بعد موته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أم سلمة نا هذا من أفراد المصنّف ◌َّلهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢١٢٩/٣] (٩١٩)، و(أبو داود) في ((الصلاة))
(٣١١٥)، و(الترمذيّ) في ((الصلاة)) (٩٧٧)، و(ابن ماجه) (١٤٤٧)،
و(النسائيّ) (١٨٢٥) و((الكبرى)) (١٩٥١)، وفي ((عمل اليوم والليلة)) (١٠٦٩)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٩١/٦ و٣٠٦ و٣٢٢)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده))

١٥٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
(١٥٣٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٠٥٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الأمر لمن حضر المريض أن لا يدعو إلا بخير؛ لأن
الملائكة يؤمّنون على دعائه، فإذا دعا بغير خير كان وَبَالاً عليه.
٢ - (ومنها): بيان حضور الملائكة عند المريض، وتأمينهم على دعاء
الداعين في ذلك المكان.
٣ - (ومنها): بيان استجابة دعاء الملائكة، وأنها لا تردّ.
٤ - (ومنها): أن من مات له زوج، أو زوجة، أو نحوهما ينبغي له أن
يسترجع، ويدعو بقوله: اللَّهم اغفر لي وله، وأعقبني منه عُقْبَى حسنة، فإن الله
تعالى سيعوّضه خيراً منه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ .
(٤) - (بَابٌ فِي بَيَانِ إِغْمَاضِ الْمَيْتِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢١٣٠] (٩٢٠) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو،
حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ
ذُؤَيْبٍ، عَنْ أُمَّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِنَّهِ عَلَى أَبِي سَلَمَّةَ، وَقَدْ شَقَّ
بَصَرُهُ، فَأَغْمَضَهُ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ))، فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ،
فَقَالَ: ((لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ)،
ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُقْهُ فِي عَقِهِ
فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ
ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٤) وله (٧٤) سنةً (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.

١٥٩
(٤) - بَابٌ فِي بَيَانِ إِغْمَاضِ الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٣٠)
٢ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرِو) بن الْمُهَلَّب بن عمرو الأزديّ الْمَعْنيّ، أبو عمرو
البغداديّ، ويُعرَف بابن الكرمانيّ، ثقةٌ، من صغار [٩] (ت٢١٤) على
الصحيح، وله (٨٦) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٥١١/٩٥.
٣ - (أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ) إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن
خارجة الكوفيّ، ثمّ الْمِصِّيصيّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [٨] (ت١٨٥) أو بعدها
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ٨٨/٦.
٤ - (خَالِدٌ الْحَذَّاءُ) ابن مِهْرَان، أبو الْمَنَازل البصريّ، ثقةٌ حافظٌ يرسل
[٥] (ت١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٠/ ١٤٤.
٥ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو الْجَرْميّ البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ
كثير الإرسال، يقال: فيه نصب يسير [٣] (ت١٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٧/ ١٧٣.
٦ - (قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ) بن حَلْحَلة الْخُزاعيّ، أبو سعيد، ويقال: أبو
إسحاق المدنيّ، نزيل دمشق، وُلِد عام الفتح [٢].
رَوَى عن عمر بن الخطاب، ويقال: مرسل، وعن بلال، وعثمان بن
عفان، وحذيفة، وعبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، وعبادة بن الصامت،
وعمرو بن العاص، ومحمد بن مسلمة، وتميم الداريّ، وأبي الدرداء،
والمغيرة بن شعبة، وأبي هريرة، وعائشة، وأم سلمة، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه إسحاق، والزهريّ، ورجاء بن حيوة، وعثمان بن
إسحاق بن خَرَشة، وعبد الله بن موهب، وعبد الله بن أبي مريم مولى بني
ساعدة، ومكحول، وأبو قلابة الجرميّ، وآخرون.
قال ابن سعد: كان على خاتم عبد الملك، وكان آثر الناس عنده، وكان
البريد إليه، وكان ثقةً مأموناً، كثير الحديث، وقال ابن لَهِيعة، عن ابن شهاب:
كان من علماء هذه الأمة، وذكره أبو الزناد في الفقهاء، وقال محمد بن راشد،
عن مكحول: ما رأيت أحداً أعلم منه، وقال مغيرة، عن الشعبيّ: كان أعلم
الناس بقضاء زيد بن ثابت، وقال الغلابيّ، عن ابن معين: أَتِيَ به رسول الله وَالفيوم
ليدعو له بالبركة، وقال الهيثم، عن عبد الله بن عياش: ذهبت عينه يوم الحرّة.
وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، وقال ابن عبد البر في ((الاستيعاب)): وُلد

١٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
في أول سنة من الهجرة، وكان له فقه وعلم، وقال ابن قانع: يقال: له رؤية،
وقال أبو موسى المدينيّ في ((الذيل)): أورده العسكريّ في الصحابة، وقال جعفر:
لا يصح سماعه؛ لأنه وُلد يوم الفتح، ورَوَى عن النبيّ ◌َّ أحاديث مراسيل.
وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: كان من فقهاء أهل المدينة
وصالحيهم، مات بالشام سنة (٨٦)، وقيل: سنة (٩٦)، وقال خليفة وغير
واحد: مات سنة ست وثمانين، وقال ابن سعد: مات سنة ست، أو سبع،
وقال ابن معين: مات سنة (٧) وقيل: مات سنة (٨)، وقيل: مات سنة (٨٩)
في خلافة عبد الملك بن مروان.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٩٢٠)
وحديث (١٤٠٨): ((لا تُنْكَح العمة على بنت الأخ ... )) الحديث، وأعاده
بعده .
و(أمُّ سلمة)) ﴿﴿ُّ ذُكرت قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َّلُهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض: خالد،
عن أبي قلابة، عن قبيصة.
شرح الحديث :
(عَنْ أُمَّ سَلَمَةَ) ﴿َّ أنها (قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ وَِّ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ)
زوجها (وَقَدْ شَقَّ) بفتح الشين، مبنيّاً للفاعل، ورفع (بَصَرُهُ) على الفاعليّة، قال
النوويّ كَّثُهُ: هكذا ضبطناه، وهو المشهور، وضبطه بعضهم ((بَصَرَهُ)) بالنصب،
وهو صحيح أيضاً، والشين مفتوحة بلا خلاف، قال القاضي: قال صاحب
(الأفعال)): يقال: شَقَّ بَصَرُ الْميتِ، وشَقَّ الميتُ بَصَرَهُ، ومعناه شَخَصَ، كما
في الرواية الأخرى، وقال ابن السِّكِّيت في ((الإصلاح))، والجوهريّ حكايةً عن
ابن السَّكِّيت: يقال: شَقَّ بَصَرُ الميت، ولا تقل: شُقَّ الميتُ بصرَهُ، وهو الذي