Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ (١) - بَابُ بَيَانِ كَيْفِيّةِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٨٩) ٥ - (ومنها): المبادرة بالصلاة، وسائر ما ذُكر عند الكسوف. ٦ - (ومنها): أن لصلاة الكسوف هيئة تخصّها، من التطويل الزائد على العادة في القيام وغيره، ومن زيادة ركوع في كلّ ركعة. ٧ - (ومنها): اهتمام الصحابة ﴿ه بنقل أفعال النبيّ وَّ، ليُقتَدَى به فيها . ٨ - (ومنها): الزجر عن كثرة الضحك، والحثُّ على كثرة البكاء، والتحقق بما سيصير إليه المرء من الموت، والفناء، والاعتبار بآيات الله وَالتّ . قال في ((الإعلام)): ولا شكّ أن كثرة الضحك، وقلّة البكاء مذمومان شرعاً، فإنهما يدلّان على قسوة القلب، وكثرة البطر. ومن الضحك ما هو محمود، وهو ما إذا اقترن به مقصود شرعيّ، من تعجّب بنعم الله تعالى، أو فرح للمسلمين، أو تجلّد على الكافرين والمنافقين، ونحو ذلك. ومن البكاء ما هو مذموم؛ كالبكاء لإظهار الجزع، أو للرياء، أو لإضعاف المسلمين، أو تحزّناً على المنافقين، أو ما شاكل ذلك، فأما ما كان منه من خشية الله تعالى والخوف منه، فهو شعار عباده المؤمنين، وهو جلاء للقلوب، وتطهير للذنوب، وتقريب من علام الغيوب، وقد يغلب على الفاجر البكاء، كما ورد في بعض الأحاديث مرفوعاً وموقوفاً: ((إذا كمل فجور العبد ملك عينيه، فإذا أراد أن يبكي بكى)) (١). ٩ - (ومنها): ترجيح التخويف في الخطبة على التوسّع في الترخيص؛ لما في ذكر الرُّخَص من ملاءمة النفوس لما جُبلت عليه من الشهوة، والطبيبُ الحاذق يقابل العلّة بما يُضادّها، لا بما يزيدها، قاله في ((الفتح))(٢). وقال في ((الإعلام»: قوله: (لو تعلمون ... إلخ)) فيه دليلٌ على علّة مقتضى الخوف، وترجيح الخوف في الموعظة على الإشاعة بالرخص؛ لما في ذلك من التسبّب إلى تسامح النفوس لما مُجُبِلت عليه، من الإخلاد إلى (١) حديث منكر، راجع: ((السلسلة الضعيفة)) للشيخ الألبانيّ كَفُ ١٣٥/٤. (٢) ((الفتح)) ٤٠٨/٣. ٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الكسوف الشهوات، وذلك مرضها الخطر، والطبيب الحاذق يقابل العلّة بضدّها، لا بما يزيدها، فإن العلل الْمُزْمِنة إن لم يبادر إليها بقطع مادّة الداء بالدواء النافع القاطع لها، وإلا استحكمت العلّة. انتهى (١). وقد يقع البكاء على أمر نفسانيّ، فيوهم أنه من خشية الله تعالى، فليُتْفَطّن لذلك؛ ليُقْطَع، ويُجتَنَب(٢) . ١٠ - (ومنها): أنه يؤخذ من قوله: ((يا أمة محمد)) أن الواعظ ينبغي له حالَ وعظه أن لا يأتي بكلام فيه تفخيم لنفسه، بل يبالغ في التواضع؛ لأنه أقرب إلى انتفاع من يسمعه. ١١ - (ومنها): أن فيه الردّ على من زعم أن للكواكب تأثيراً في الأرض؛ لانتفاء ذلك عن الشمس والقمر، فكيف بما دونهما . ١٢ - (ومنها): أن من حكمة وقوع الكسوف تبيينَ أنموذج ما سيقع في القيامة، وصورة عقاب من لم يُذنب، والتنبيه على سلوك طريق الخوف مع الرجاء؛ لوقوع الكسوف بالكوكب، ثم كشف ذلك عنه، ليكون المؤمن من ربّه على خوف ورجاء. ١٣ - (ومنها): أن فيه إشارة إلى تقبيح رأي من يعبد الشمس، أو القمر. ١٤ - (ومنها): أن بعضهم حَمَل الأمر في قوله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَهُنَّ﴾ الآية [فصلت: ٣٧] على صلاة الكسوف؛ لأنه الوقت الذي يناسب الإعراض عن عبادتهما؛ لما يظهر فيهما من التغير والنقص المنزّه عنه المعبود ◌َالَ، قاله في ((الفتح)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حمل الأمر في الآية المذكورة على صلاة الكسوف غیر واضح، فتأمله. ١٥ - (ومنها): استحباب الصدقة عند رؤية الكسوف، وكذلك يستحبّ عند كلّ المخاوف؛ لاستدفاع البلاء والمحاذر(٣). ١٦ - (ومنها): استحباب الدعاء والتوجّه إلى الله تعالى، واللجوء إليه عند (١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٣٠٨/٤. (٢) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٣٠٩/٤. (٣) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٣٠٣/٤. ٢٣ (١) - بَابُ بَيَانِ كَيْفِيّةٍ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٨٩) المخاوف والشدائد، وقد أمر الله تعالى بالدعاء في كتابه في غير موضع، كما أمر بالصلاة وغيرها من العبادات، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ الآية [البقرة: ١٨٦]، وقال تعالى: ﴿أَدْعُونِّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآية [غافر: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ﴾ الآية [الأعراف: ٥٥]، وغير ذلك من الآيات. ولا شكّ أن الدعاء في الرجاء مطلوبٌ؛ لكونه سبباً لدفع البلاء والشدائد، فقد ثبت عنه وَّير: ((تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدّة)) رواه أحمد، والترمذيّ (١). وعن أبي هريرة ظ به مرفوعاً: ((من سرّه أن يستجيب الله له دعاءه عند الشدائد والكرب، فليُكثر من الدعاء في الرخاء))، رواه الترمذيّ(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في صلاة الكسوف: قال النوويّ كَّلُهُ: (واعلم) أن صلاة الكسوف رُويت على أوجه كثيرة، ذكر مسلم منها جملةً، وأبو داود أخرى، وغيرهما أخرى، وأجمع العلماء على أنها سنة، ومذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وجمهور العلماء أنه يُسنّ فعلها جماعة، وقال العراقيون: فرادى، وحجة الجمهور الأحاديث الصحيحة في مسلم وغيره. واختلفوا في صفتها، فالمشهور في مذهب الشافعي أنها ركعتان في كل ركعة قيامان، وقراءتان، وركوعان، وأما السجود فسجدتان كغيرهما، وسواء تمادى الكسوف، أم لا، وبهذا قال مالك، والليث، وأحمد، وأبو ثور، وجمهور علماء الحجاز، وغيرهم. وقال الكوفيون: هما ركعتان كسائر النوافل؛ عملاً بظاهر حديث جابر بن سمرة، وأبي بكرة ﴿ه: أن النبيّ وَلّ صلى ركعتين. وحجة الجمهور حديث عائشة، من رواية عروة، وعمرة، وحديث جابر، (١) أخرجه أحمد، والترمذيّ، وهو حديث حسن. (٢) حديث حسنٌ. ٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الكسوف ، أنها ركعتان في كل ركعة ركوعان، وابن عباس، وابن عمرو بن العاص وسجدتان . قال ابن عبد البرّ: وهذا أصح ما في هذا الباب، قال: وباقي الروايات المخالفة معللة ضعيفة. وحملوا حديث ابن سمرة بأنه مطلقٌ، وهذه الأحاديث تُبيّن المراد به. وذكر مسلم في رواية عن عائشة، وعن ابن عباس، وعن جابر ركعتين، في كل ركعة ثلاث ركعات، ومن رواية ابن عباس، وعليّ ركعتين في كل ركعة أربع ركعات، قال الحفّاظ: الروايات الأُوَل أصحّ، ورواتها أحفظ وأضبط. وفي رواية لأبي داود من رواية أبيّ بن كعب ركعتين في كلّ ركعة خمس ركعات، وقد قال بكل نوع بعض الصحابة. وقال جماعة من أصحابنا الفقهاء المحدثين، وجماعة من غيرهم: هذا الاختلاف في الروايات بحسب اختلاف حال الكسوف، ففي بعض الأوقات تأخر انجلاء الكسوف، فزاد عدد الركوع، وفي بعضها أسرع الانجلاء، فاقتصر، وفي بعضها توسط بين الإسراع والتأخر، فتوسط في عدده. واعترض الأولون على هذا بأن تأخر الانجلاء لا يُعلَم في أول الحال، ولا في الركعة الأولى، وقد اتفقت الروايات على أن عدد الركوع في الركعتين سواء، وهذا يدلّ على أنه مقصود في نفسه منويّ من أول الحال. وقال جماعة من العلماء، منهم إسحاق ابن راهويه، وابن جرير، وابن المنذر: جرت صلاة الكسوف في أوقات، واختلافُ صفاتها محمول على بيان جواز جميع ذلك، فتجوز صلاتها على كل واحد من الأنواع الثابتة، وهذا قويّ، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ◌َذُّهُ(١). وقال في ((الفتح)) عند شرح حديث عائشة ﴿ثقا هذا: واستُدِلّ به على أن لصلاة الكسوف هيئة تخصها من التطويل الزائد على العادة في القيام وغيره، ومن زيادة ركوع في كل ركعة. وقد وافق عائشةَ على رواية ذلك عبدُ الله بن عباس، وعبدُ الله بن عمرو، (١) ((شرح النوويّ)) ١٩٨/٦ - ١٩٩. ٢٥ (١) - بَابُ بَيَانِ كَيْفِيّةٍ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٨٩) متفق عليهما، ومثله عن أسماء بنت أبي بكر، وعن جابر عند مسلم، وعن عليّ عند أحمد، وعن أبي هريرة عند النسائي، وعن ابن عمر عند البزار، وعن أم سفيان عند الطبراني، وفي رواياتهم زيادة، رواها الحفّاظ الثقات، فالأخذ بها أولى من إلغائها، وبذلك قال جمهور أهل العلم من أهل الفتيا. وقد وردت الزيادات في ذلك من طرق أخرى، فعند مسلم من وجه آخر عن عائشة، وآخر عن جابر أن في كل ركعة ثلاث ركوعات، وعنده من وجه آخر عن ابن عباس أن في كل ركعة أربع ركوعات، ولأبي داود من حديث أُبيّ بن كعب، والبزار من حديث عليّ أن في كل ركعة خمس ركوعات، ولا يخلو إسناد منها عن علة، وقد أوضح ذلك البيهقيّ، وابن عبد البرّ. ونقل صاحب ((الهدي)) عن الشافعيّ، وأحمد، والبخاريّ أنهم كانوا يعدون الزيادة على الركوعين في كل ركعة غلطاً من بعض الرواة، فإن أكثر طرق الحديث يمكن ردّ بعضها إلى بعض، ويجمعها أن ذلك كان يوم مات إبراهيم ظبه، وإذا اتحدت القصة تعيّن الأخذ بالراجح. وجمع بعضهم بين الأحاديث بتعدد الواقعة، وأن الكسوف وقع مراراً، فيكون كلّ من هذه الأوجه جائزاً، وإلى ذلك نحا إسحاق، لكن لم تثبت عنده الزيادة على أربع ركوعات. وقال ابن خزيمة، وابن المنذر، والخطابيّ، وغيرهم من الشافعية: يجوز العمل بجميع ما ثبت من ذلك، وهو من الاختلاف المباح، وقوّاه النوويّ في شرح مسلم. وأبدى بعضهم أن حكمة الزيادة في الركوع، والنقص كان بحسب سرعة الانجلاء وبطئه، فحين وقع الانجلاء في أول ركوع اقتصر على مثل النافلة، وحين أبطأ زاد ركوعاً، وحين زاد في الإبطاء زاد ثالثاً، وهكذا إلى غاية ما ورد في ذلك. وتعقبه النووي وغيره بأن إبطاء الانجلاء وعدمه لا يُعلم في أول الحال، ولا في الركعة الأولى، وقد اتفقت الروايات على أن عدد الركوع في الركعتين سواء، وهذا يدلّ على أنه مقصود في نفسه مَنْويّ من أول الحال. وأجيب باحتمال أن يكون الاعتماد على الركعة الأولى، وأما الثانية، ٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الكسوف فهي تبع لها، فمهما اتفق وقوعه في الأولى بسبب بطء الانجلاء يقع مثله في الثانية ليساوي بينهما، ومن ثَمَّ قال أصبغ: إذا وقع الانجلاء في أثنائها يصلي الثانية كالعادة. وعلى هذا فيدخل المصلي فيها على نية مطلق الصلاة، ويزيد في الركوع بحسب الكسوف، ولا مانع من ذلك. وأجاب بعض الحنفية عن زيادة الركوع بحمله على رفع الرأس لرؤية الشمس، هل انجلت، أم لا؟ فإذا لم يرها انجلت رجع إلى ركوعه، ففعل ذلك مرة، أو مراراً، فظنّ بعض من رآه يفعل ذلك ركوعاً زائداً . وتُعُقّب بالأحاديث الصحيحة في أنه أطال القيام بين الركوعين، ولو كان الرفع لرؤية الشمس فقط لم يحتج إلى تطويل، ولا سيما الأخبار الصريحة بأنه ذكر ذلك الاعتدال، ثم شرع في القراءة، فكلّ ذلك يردّ هذا الحمل، ولو كان كما زعم هذا القائل لكان فيه إخراج لفعل الرسول و 98 عن العبادة المشروعة، أو لزم منه إثبات هيئة في الصلاة، لا عَهدَ بها، وهو ما فرّ منه. انتهى(١). وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة كَثّلُهُ في ((منهاج السنّة)): حديث صلاة الكسوف بثلاث ركوعات وأكثر في مسلم من المواضع المنتقدة بلا ريب. انتهى. وقال في ((التوسّل والوسيلة)): لا يبلغ تصحيح مسلم تصحيح البخاريّ، بل كتاب البخاريّ أجلّ ما صُنّف في هذا الباب، والبخاريّ من أعرف خلق الله بالحديث وعلله مع فقهه فيه، قال: ولهذا كان جمهور ما أنكر على البخاريّ مما صحّحه يكون قوله فيه راجحاً على قول من نازعه، بخلاف مسلم، فإنه نوزع في عدّة أحاديث، مما خَرَّجها، وكان الصواب فيها مع من نازعه، كما روى في حديث الكسوف أن النبيّ وَ ل ـ صلى بثلاث ركوعات، وبأربع ركوعات، كما روى أنه صلى بركوعين، والصواب أنه لم يصلّ إلا بركوعين، وأنه لم يصلّ الكسوف إلا مرّةً واحدةً يوم مات إبراهيم ظُه، وقد بيّن ذلك الشافعيّ، وهو قول البخاريّ، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، والأحاديث التي فيها الثلاث، والأربع فيها أنه صلاها يوم مات إبراهيم، (١) ((الفتح)) ٤٠٨/٣ - ٤٠٩. ٢٧ (١) - بَابُ بَيَانِ كَيْفِيّةٍ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٨٩) ومعلوم أنه لم يمت في يومي كسوف، ولا كان له إبراهيمان، ومن نقل أنه مات عاشر الشهر، فقد كذب. انتهى كلام ابن تيميّة تَقْذَهُ(١). وقال الشوكانيّ تَّفُ في ((السيل الجرّار)): ((إذا تقرّر لك أن القصّة واحدة عرفت أنه لا يصحّ ها هنا أن يقال كما قيل في صلاة الخوف: إنه يأخذ بأيّ الصفات شاء، بل الذي ينبغي ها هنا أن يأخذ بأصحّ ما ورد، وهو ركوعان في كلّ ركعة؛ لما في الجمع بين هذه الروايات من التكلّف البالغ)). انتھی. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق من بيان أقوال أهل العلم، وأدلتهم أن ما ذهب إليه الجمهور من أن صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة قيامان، وقراءتان، وركوعان، هو الراجح؛ لكثرة الأحاديث الصحيحة الواردة بذلك، والأحاديث التي تدلّ على خلاف ذلك كلّها منتقدة، لا تصلح المعارضة هذه الأحاديث الصحيحة، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في صلاة الكسوف في أوقات الكراهة على أقوال: [الأول]: لا صلاة فيها، بل يذكرون الله، ويدعون، هذا مذهب الحسن البصري، والزهريّ، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة بن خالد، وعمرو بن شعيب، وابن أبي مليكة، وإسماعيل بن أمية، وأيوب بن موسى، وقتادة، وأبي بكر بن عمرو بن حزم، وقال مالك: لا يُصَلِّي إلا في حين صلاة، وقال الثوري: لا يُصلى في الكسوف في غير وقت صلاة، وقال يعقوب: إذا انكسفت الشمس بعد العصر، فليس بساعة صلاة التطوع، ولكن الدعاء، والتضرع حتى تنجلي. [والثاني]: متى انكسفت الشمس، نصفَ النهار، أو بعد العصر، أو قبل ذلك صلى الإمام بالناس صلاة الكسوف؛ لأن رسول الله وضله أمر بالصلاة (١) راجع: ((المرعاة على المشكاة)) ١٢٨/٤. ٢٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الكسوف لكسوف الشمس، فلا وقت يحرم فيه صلاة أمر بها رسول الله وَّية، وهذا قول الشافعي ومن تبعه، وبه قال أبو ثور. [والثالث]: إن انكسفت الشمس بعد العصر، فإنهم يُصلون كذلك ما لم تَدْنُ للغروب، وكذلك بعد الفجر ما لم يطلع حاجب الشمس إلى أن يكون قید رمح، أو رمحين؛ لأنهما وقتان تُصلى فيهما الفوائت، والمكتوبات، وهذا قول إسحاق ابن راهويه. [والرابع]: يصلى للكسوف إلا في الأوقات الثلاثة التي نهي عن الصلاة فيها، وهي وقت طلوع الشمس، ووقت غروبها، ووقت الزوال. وبه قال ابن المنذر. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الشافعي نَّثُهُ، ومن تبعه أنها تصلى وقت ما حصل الانكساف من ليل أو نهار هو الأرجح؛ لظاهر قوله ويبلغه: ((فإذا رأيتموهما فصلوا))، فقد أمر بالصلاة في أيّ وقت رأينا الانكساف، ولم يخص وقتاً دون وقت، وقد سبق في أبواب الأوقات ترجيح القول بأن ذوات الأسباب تجوز في أوقات الكراهة. ويُرَجَّح هذا أيضاً - كما قال في ((الفتح)) -: بأن المقصود إيقاع هذه العبادة قبل الانجلاء، وقد اتفقوا على أنها لا تُقضى بعد الانجلاء، فلو انحصرت في وقت لأمكن الانجلاء قبله، فيفوت المقصود. قال الحافظ تَخُّ: ولم أقف في شيء من الطرق مع كثرتها على أنه وَلّـ صلاها إلَّا ضُحَى، لكن ذلك وقع اتفاقاً، ولا يدلّ على منع ما عداه، واتفقت الطرق على أنه بادر إليها. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في صلاة الكسوف للقمر: قال الإمام ابن المنذر تَّلهُ: اختلفوا في الصلاة عند كسوف القمر، فرأت طائفة أن يُصَلَّى عند كسوف القمر، رَوَينا ذلك عن ابن عباس أنه فعل ذلك، وبه قال عطاء، والحسن البصريّ، وإبراهيم النخعيّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي. ٢٩ (١) - بَابُ بَيَانِ كَيْفِيّةِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٨٩) قال ابن المنذر: والأخبار دالّة على هذا القول؛ لأنه سُوِّي بينهما، وأُمِر بالصلاة عند كسوفهما، بُيِّنَ ذلك في الأخبار الثابتة عن نبيّ الله وَلَّه. ثم استدلّ بحديث أبي مسعود به الآتي مرفوعاً: ((إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد، ولكنهما آيتان من آيات الله رم، فإذا رأيتموهما، فصلّوا))، متّفقٌ عليه، وبحديث ابن مسعود ظبه الذي أخرجه النسائيّ، وابن خزيمة في ((صحيحه))، وفي سنده ضعف، وفيه: ((فإذا رأيتم ذلك، فاحمدوا الله، وكبروا، وسبّحوا، وصلوا حتى ينجلي أيهما انكسف ... )). قال: وفي هذا من البيان ما لا يُشكل على من سمعه أن يصلى لكسوف القمر. قال: والذي ذكرته قول جلّ أهل العلم، غير مالك، فإن ابن نافع حَكَّى عنه أنه قال: ليس لكسوف القمر صلاة معروفة محدودة، ولا أرى بأساً أن يصلي القوم فُرادى، كل رجل منهم لنفسه ركعتين ركعتين، مثل صلاة النافلة. وحَكَى ابن القاسم عنه أنه قال: وليس في صلاة خسوف القمر سنة، ولا صلاة كصلاة كسوف الشمس. قال ابن المنذر: وهذه غفلة منه، والسنة دالّة على القول الأول. انتهى كلام ابن المنذر ◌َُّ ببعض تصرف(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي رجحه ابن المنذر تٌثُ من استحباب الصلاة لخسوف القمر هو الراجح عندي؛ لظهور أدلته، فقد أورد مسلم في هذا الباب حديث عائشة، وجابر، وأبي مسعود، وابن عبّاس، وأبي ، وكلّها فيها الأمر موسى الأشعريّ، وعبد الله بن عمر، والمغيرة بن شعبة وظ بالصلاة، والدعاء. وأخرج ابن حبّان في ((صحيحه)) من حديث أبي بكرة ظُاله بلفظ: ((فإذا رأيتم شيئاً من ذلك ... ))، وعنده من حديث عبد الله بن عمرو ضًا: ((فإذا انكسف أحدهما، فافزعوا إلى المساجد)). (١) ((الأوسط)) ٣١٠/٥ - ٣١٢. ٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الكسوف والحاصل أن هذه النصوص صريحة في استحباب الصلاة جماعة في خسوف القمر، كما يستحبّ ذلك في كسوف الشمس، فما ذهب إليه الجمهور هو الحقّ، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في استحباب الخطبة للکسوف : قال في ((الفتح)): اختلف في الخطبة فيه، فاستحبّها الشافعيّ، وإسحاق، وأكثر أصحاب الحديث، قال ابن قدامة: لم يبلغنا عن أحمد ذلك، وقال صاحب ((الهداية)) من الحنفيّة: ليس في الكسوف خطبة؛ لأنه لم يُنقل. وتُعُقّب بأن الأحاديث ثبتت فيه، وهي ذات كثرة، والمشهور عند المالكيّة أن لا خطبة لها، مع أن مالكاً رَوَى الحديث، وفيه ذكر الخطبة. وأجاب بعضهم بأنه و ﴿ لم يقصد لها خطبةً بخصوصها، وإنما أراد أن يبيّن لهم الردّ على من يعتقد أن الكسوف لموت بعض الناس. وتعقّب بما في الأحاديث الصحيحة من التصريح بالخطبة، وحكاية شرائطها (١) من الحمد، والثناء، والموعظة، وغير ذلك، مما تضمّنته الأحاديث، فلم يقتصر على الإعلام بسبب الكسوف، والأصل مشروعية الاتباع، والخصائص لا تثبت إلا بدليل. وقد استضعف ابن دقيق العيد التأويل المذكور، وقال: إن الخطبة لا تنحصر مقاصدها في شيء معيّن، بعد الإتيان بما هو المطلوب منها، من الحمد، والثناء، والموعظة، وجميعُ ما ذكر من سبب الكسوف، وغيره هو مقاصد خطبة الكسوف، فينبغي التأسي بالنبيّ وَّر، فيذكر الإمام ذلك في خطبة الكسوف. نعم نازع ابن قدامة في كون خطبة الكسوف كخطبتي الجمعة والعيدين، إذ ليس في الأحاديث المذكورة ما يقتضي ذلك، وإلى ذلك نحا ابن المنيّر في (١) في كون هذه الأشياء شرطاً في صحّة الخطبة نظر لا يخفى، وإن قال به الشافعيّ، والراجح أنها من مستحبّات الخطبة، كما سبق بيان ذلك مستوفى في ((كتاب الجمعة))، فتبصّر. ٣١ (١) - بَابُ بَيَانِ كَيْفِيّةِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٩٠) ((حاشيته))، وردّ على من أنكر أصل الخطبة؛ لثبوت ذلك صريحاً في الأحاديث، وذكر أن بعض أصحابهم احتجّ على ترك الخطبة بأنه لم يُنقل في الحديث أنه صعد المنبر، ثم زيّفه بأن المنبر ليس شرطاً، ثم لا يلزم من أنه لم يُذكر أنه لم يقع. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله ابن قدامة، ونحا إليه ابن المنيّر - رحمهما الله تعالى - هو الصواب عندي، فيستحبّ للإمام أن يخطب خطبة واحدة، كما خطب النبيّ وَلّ، وأما كونها خطبتين كالجمعة والعيدين فليس عليه دليل، فلا ينبغي أن يفعله، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٠٩٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ(٢) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ: ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ مِنْ آيَاتِ اللهِ»(٣)، وَزَادَ أَيْضاً: ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ))). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ تقدّم قبل بابين. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةً) محمد بن خازم، تقدّم في الباب الماضي. و(هشام)) ذُكر قبله. وقوله: (وَزَادَ) الفاعل ضمير أبي معاوية. [تنبيه]: رواية أبي معاوية، عن هشام هذه لم أر من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) ((الفتح)) ٢٣٢/٣ - ٢٣٣. (٣) ((فإن الشمس والقمر آيتان من آيات الله)). (٢) وفي نسخة: ((وحدثنا)). ٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الكسوف وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٩١] ( ... ) - (حَدَّثَنِي (١) حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ◌َلِ قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ وَِّ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَهِ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقَامَ، وَكَبَّرَ (٢)، وَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ، فَاقْتَرَأَ رَسُولُ اللهِ وَِّ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ كَبَّرَ، فَرَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: (سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ))، ثُمَّ قَامَ، فَاقْتَرَّأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، هِيَ أَدْنَى مِنَ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى، ثُمَّ كَبَّرَ، فَرَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً، هُوَ أَدْنَى مِنَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: ((سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»، ثُمَّ سَجَدَ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو الطَّاهِرِ: ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَى اسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ، ثُمَّ قَامَ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَأَثْنَى عَلَى اللّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانٍ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتٍ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا(٣)، فَاقْزَعُوا لِلصَّلَاةِ))، وَقَالَ أَيْضاً: ((فَصَلُّوا حَتَّى يُفَرِّجَ اللهُ عَنْكُمْ)) (٤)، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلّ: ((رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُمْ، حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُنِي أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفاً مِنَ الْجَنَّةِ، حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أُقَدِّمُ))، وقَالَ الْمُرَادِيُّ: ((أَتَقَدَّمُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضاً، حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ، وَرَأَيْتُ فِيهَا ابْنَ لُحَيِّ(٥)، وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ))، وَانْتَهَى حَدِيثُ أَبِي الطَّاهِرِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ((فَاقْزَعُوا لِلصَّلَاةِ»، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ). (١) وفي نسخة: ((وحدّثني)). (٣) وفي نسخة: ((فإذا رأيتموهما)). (٥) وفي نسخة: ((عمرو بن لُحَيّ)). (٢) وفي نسخة: ((فكبّر)). (٤) وفي نسخة: ((حتى يُفَرَّجَ عنكم)). ٣٢ (١) - بَابُ بَيَانِ كَيْفِيّةِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٩١) رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صدوقٌ [١١] (ت٢٤٣) (م س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣. ٢ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السَّرْح، تقدّم قبل باب. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ) الْجَمليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٤٨) (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣٩/٣٤. ٤ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله، تقدّم قبل باب. ٥ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت١٥٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣. ٦ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، أبو بكر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ حافظٌ إمام، من رؤوس [٤] (ت١٢٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٤٨. والباقیان ذُكرا قبله. وقولها: (خَسَفَتِ الشَّمْسُ) تقدّم أن الصواب جواز إطلاق الخسوف بالخاء، والكسوف بالكاف على الشمس والقمر كليهما . وقولها: (فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﴿ إِلَى الْمَسْجِدِ) فيه أن السنّة في صلاة الكسوف أن تصلى في المسجد، لا في الصحراء كالاستسقاء. وقولها: (وَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ) ببناء الفعل للفاعل، و(الناسُ)) مرفوع على الفاعليّة، ويَحْتَمل أن يكون فاعل ((صفّ)) ضمير النبيّ وَّ، و((الناسَ)) منصوب على المفعوليّة؛ لأن ((صفّ)) مما يلزم ويتعدّى، يقال: صففتُ القومَ، فصفّوا هم، قاله في ((المصباح)) (١) . قال النوويّ كَّلُهُ: فيه إثبات صلاة الكسوف، وفيه استحباب فعلها في المسجد الذي تُصَلَّى فيه الجمعة، قال أصحابنا: وإنما لم يخرج إلى المصلَّى؛ الخوف فواتها بالانجلاء، فالسنة المبادرة بها، وفيه استحبابها جماعةً، وتجوز (١) ((المصباح المنير)) ٣٤٣/١. ٣٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الكسوف فُرادى، وتُشْرَع للمرأة، والعبد، والمسافر، وسائر من تصح صلاته. انتهى (١). وقولها: (فَاقْتَرَأَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ) مبالغة في قرأ. وقولها: (قراءةً طَوِيلةً) في رواية النسائيّ: ((قالت عائشة: فحسبت قرأ سورة البقرة)) . وقولها: (فَقَالَ: ((سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ)) قال النوويّ تَخْلُ: فيه دليل على استحباب الجمع بين هذين اللفظين، وهو مذهب الشافعيّ ومن وافقه، وسبقت المسألة في صفة سائر الصلاة، وهو مستحبّ عندنا للإمام والمأموم والمنفرد، يستحب لكل أحد الجمع بينهما، وفي هذا الحديث دليل على استحباب الجمع بينهما في كل رفع من الركوع في الكسوف، سواء الركوع الأول والثاني. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن المذهب الصحيح أن الإمام يجمع بين التسميع والتحميد؛ لهذا الحديث الصريح فيه، ومثله المنفرد، وأما المأموم فإنه يحمد، ولا يُسمّع؛ لعدم دليل صريح في ذلك، وقد تقدّم تحقيق البحث في هذا مستوفّى في محلّه، ولله الحمد. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو الطَّاهِرِ: ثُمَّ سَجَدَ) أراد بيان اختلاف شيوخه، فأبو الطاهر لم يذكر في روايته قوله: ((ثم سجد»، وإنما قال بعد قوله: «ثم قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد)): ((ثم فعل في الركعة الأخرى ... إلخ)). وقولها: (حَتَّى اسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ) المراد بالركعات هنا الركوع، لا الركعة المعهودة؛ لأنه يتر ما صلى في الكسوف إلا ركعتين. وقوله: (فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا) أي: الآية، وفي نسخة: ((فإذا رأيتموهما))؛ أي: رأيتم خسوف كلّ منهما . وقوله: (فَاقْزَعُوا لِلصَّلَاةِ) معناه: بادروا بالصلاة، وأسرعوا إليها حتى يزول عنكم هذا العارض الذي يُخاف كونه مقدّمة عذاب. قال ابن دقيق العيد تَخّْثُ: في قوله: ((فافزعوا)) إشارة إلى المبادرة إلى ما (١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٢/٦. (٢) ((شرح النوويّ)) ٢٠٢/٦. ٣٥ (١) - بَابُ بَيَانِ كَيْفِيّةٍ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٩١) أَمَر به، وتنبيهٌ على الالتجاء إلى الله تعالى عند المخاوف بالدعاء والاستغفار، وإشارة إلى أن الذنوب سبب للبلايا والعقوبات العاجلة أيضاً، وأن الاستغفار والتوبة سببان للمحو، يُرجَى بهما زوال المخاوف. انتهى (١). وقوله: (حَتَّى يُفَرِّجَ اللهُ عَنْكُمْ) وفي نسخة: ((حتى يُفرج عنكم))، فيكون بالبناء للمفعول، من التفريج، ويَحْتَمِلُ أن يكون من الفَرْج ثلاثيّاً، يقال: فَرَّجَ الله الغمّ بالتشديد: كَشَفَه، والاسم الْفَرَج بفتحتين، وفَرَجَهُ فَرْجاً، من باب ضَرَب لغةٌ، وقد جمع الشاعر اللغتين، فقال [من البسيط]: يَا فَارِجَ الْكَرْبِ مَسْدُولاً عَسَاكِرُهُ كَمَا يُفَرِّجُ غَمَّ الظُّلْمَةِ الْفَلَقُ(٢) وقوله: (رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا) قال الكرمانيّ تَظْتُهُ: المقام يَحْتَمِل المصدر، والزمان، والمكان. قال القرطبيّ كَُّهُ: هذه الرؤية رؤية عيان حقيقة، لا رؤية علم، بدليل أنه رأى في الجنّة والنار أقواماً بأعيانهم، ونعيماً وقِطْفاً من عِنَبِ، وتناوله، وغير ذلك، ولا إحالة في إبقاء هذه الأمور على ظواهرها، لا سيّما على مذهب أهل السنّة في أن الجنّة والنار قد خُلقتا، ووُجدتا، كما دلّ عليه الكتاب والسنّة، وذلك أنه راجع إلى أن الله تعالى خَلَق لنبيّه وَ له إدراكاً خاصّاً به أدرك به الجنّة والنار على حقيقتهما، كما قد خلق له إدراكاً لبيت المقدس، فطَفِقَ يُخبرهم عن آياته، وهو ينظر إليه، ويجوز أن يقال: إن الله تعالى مثّل له الجنّة والنار، وصوّرهما له في عُرْض الحائط، كما تتمثّل صور المرئيّات في المرآة، ويَعْتَضِد هذا بما رواه البخاريّ من حديث أنس به في غير حديث الكسوف، قال ◌َّه: ((لقد رأيت الآن منذ صلّيتُ لكم الصلاة الجنّة والنار متمثّلتين في قبلة هذا الجدار))، وفي لفظ آخر: ((عُرِضت عليّ الجنّة والنار آنفاً في عُرض هذا الحائط، وأنا أصليّ))، وقال فيه: ((إني صُوّرت لي الجنّة والنار، فرأيتهما دون هذا الحائط))، ولا يُستبعد هذا من حيث إن الانطباع في المرآة إنما هو في الأجسام الصقيلة؛ لأنا نقول: إن ذلك شرط عاديّ لا عقليّ، ويجوز أن تنخرق (١) (إحكام الأحكام)) ٢٠٣/٣ بنسخة الحاشية. (٢) ((المصباح المنير)) ٤٦٦/٢. ٣٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الكسوف العادة، وخصوصاً في مدّة النبوّة، ولو سُلّم أن تلك الشروط عقليّة، فيجوز أن تكون تلك الأمور موجودة في جسم الحائط، ولا يُدرك ذلك إلا النبيّ وَّد. انتهى كلام القرطبيّ كَّفه(١). قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن رؤيته ﴿ التي ذكرت في هذا الحديث محمولة على حقيقتها، وأما كيفيّتها فليس في النصوص ما يدلّ على تعيينها، فلا ينبغي الخوض فيها بالتخمين، بل يوكل علمها إلى العليم الخبير، والله تعالى أعلم. وقوله: (كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُمْ) بالبناء للمفعول، قال السيوطيّ تَظَُّهُ: هذه الرواية أوضح من رواية: ((ما من شيء، لم أكن أُريته، إلا رأيته في مقامي هذا))، حتى قال الكرماني: فيه دلالة على أنه رأى ذاته تعالى المقدّسة في ذلك المقام، بناء على عموم الشيء له تعالى، لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبُرُ شَهَلَةٌ قُلِ الله﴾ الآية [الأنعام: ١٩]، والعقل لا يمنعه، لكن بيّنت هذه الرواية أن كل شيء مخصوص بالموعود، كفِتَنِ الدنيا، وفتوحها، والجنّة والنار. قال السنديّ تَخْتُ: لكن قد يقال: هو تعالى داخل في الموعود؛ لأن الناس يرونه تعالى في الجنة، فليتأمل. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله السيوطيّ تَُّ هو الأولى، يؤيده ما سيأتي عند المصنّف من حديث جابر ربه بلفظ: ((إنه عُرِضَ عليّ كل شيء تولَجُونه ... ))، والله تعالى أعلم. وقوله: (أَنْ آخُذَ قِطْفاً مِنَ الْجَنَّةِ) - بكسر القاف، وسكون الطاء المهملة -: قِطْفُ الثمرة ما يُقطف منها؛ أي: يُقطع، ويُجتنى، وهو هنا؛ أي: عُنقُودٌ من العِنَب، كما جاء مفسّراً في حديث ابن عباس ﴿هًا الآتي: ((إني رأيت الجنة، فتناولت منها عنقوداً، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا)). وقوله: (حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أُقَدِّمُ) أي: أخذت، وشرعت أمشي أمامي، فـ(أُقدّم)) مضارع قَدَّم اللازم، بمعنى تقدّم. (١) ((المفهم)) ٥٥٣/٢ - ٥٥٤. (٢) ((شرح السندي على النسائيّ)) ١٣١/٣ - ١٣٢. ٣٧ (١) - بَابُ بَيَانِ كَيْفِيّةٍ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٩١) وقال النوويّ كَثْلُهُ: قوله: ((أقدم) ضبطناه بضم الهمزة، وفتح القاف، وكسر الدال المشدَّدة، ومعناه: أُقَدِّم نفسي، أو رجلي، وكذا صَرَّح القاضي عياض بضبطه، وضبطه جماعة: ((أَقْدُم)) بفتح الهمزة، وإسكان القاف، وضم الدال، وهو من الإقدام(١)، وكلاهما صحیح. انتهى(٢). وقوله: (وقَالَ الْمُرَادِيُّ: أَتَقَدَّمُ) بيان لاختلاف شيوخه في هذا اللفظ، يعني: أن شيخه محمد بن سلمة المراديّ قال في روايته: ((أتقدّم)) بدل قول حرملة وأبي طاهر: «أُقدِّم)). وقوله: (وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ) فيه أنها مخلوقة موجودة، وهو مذهب أهل السنة. وقوله: (يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضاً) من باب ضرب يضرب؛ أي: يكسره، ويزاحمه، كما يفعل البحر من شدّة الأمواج، يعني: أنها لشدة تلهبها واضطرابها، تشبه أمواج البحر التي يَحِطِم بعضها بعضاً. وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((يحطم بعضها بعضاً)) أي: يكسر بعضها على بعض، كما يفعل البحر، والحطم الكسر، ويَحْتَمِل أن يريد بذلك أن بعضها يأكل بعضاً، وبذلك سُمّيت جهنّم الْحُطَمَة، والرجل الْحُطَمة: الأَكُول. انتهى(٣). وقوله: (حِينَ رأيتموني تأخرت) فيه التأخر عن مواضع العذاب والهلاك. وقوله: (وَرَأَيْتُ فِيهَا ابْنَ لُحَيٍّ) وفي نسخة: ((عمرو بن لُحَيّ)) - بضم اللام، وفتح الحاء المهملة، وتشديد الياء - هو عمرو بنِ لُحيّ بن قَمِعَة بن خِنْدِف، أبو خزاعة، وفيه دليل على أن بعض الناس معذّب في نفس جهنم اليوم - عافانا الله، وسائر المسلمين -. وقوله: (وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ) أي: شَرَعَ لقريش أن يتركوا النُّوق، ويُعفُوها من الحمل والركوب، ونحو ذلك للأصنام، كما سيأتي بيانه قريباً. وجملة ((هو الذي ... إلخ)) تعليل لمحذوف، كما بُيِّنَ في الروايات (١) هكذا وقع في شرح النوويّ، والظاهر أن الصواب بضمّ الهمزة، وإسكان القاف، وكسر الدال، فتأمله. (٢) ((شرح النوويّ)) ٦/ ٢٠٣. (٣) ((المفهم)) ٢/ ٥٥٤. ٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الكسوف الأخرى، فسيأتي للمصنّف في ((صفة الجنة والنار)) من حديث أبي هريرة . بلفظ: ((رأيت عمرو بن عامر الخزاعيّ، يجرّ قصبه في النار، وكان أول من سيب السوائب)). أي: إنما رآه يجرّ قُصْبه - بضم، فسكون - أي: أمعاءه في النار؛ لأنه الذي غيّر دين إبراهيم، وإسماعيل، فسيّب السوائب. وذكر ابن إسحاق في ((السيرة الكبرى)) عن محمد بن إبراهيم التيميّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عظبه قال: (سمعت رسول الله وَلو يقول لأكثم بن الجون: ((رأيتُ عمرو بن لُحيّ، يجرّ قُصبه في النار؛ لأنه أوّل من غيّر دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وسيّب السائبة، وبَحَرَ البحيرة، ووصَلَ الوصيلة، وحَمَی الحامي)). وروى الطبرانيّ من حديث ابن عباس ﴿ رفعه: ((أول من غيّر دين إبراهيم عمرو بن لُحيّ بن قَمَعَة بن خِنْدِف، أبو خُزاعة)). وذكر الفاكهيّ من طريق عكرمة نحوه مرسلاً، وفيه: فقال المقداد: يا رسول الله مَن عمرو بن لُحيّ؟ قال: ((أبو هؤلاء الحيّ من خُزاعة)). وذكر ابن إسحاق أيضاً أن سبب عبادة عمرو بن لُحَيّ الأصنام أنه خرج إلى الشام، وبها يومئذ العماليق، وهم يعبدون الأصنام، فاستوهبهم واحداً منها، وجاء به إلى مكة، فنصبه إلى الكعبة، وهو هُبَل. وكان قبل ذلك في زمن جُرْهُم قد فَجَرَ رجل، يقال له: إساف بامرأة، يقال لها: نائلة في الكعبة، فمسخهما الله جلّ وعلا حجرين، فأخذهما عمرو بن لحيّ، فنصبهما حول الكعبة، فصار من يطوف يتمسّح بهما، يبدأ بإساف، ويختم بنائلة. وذكر محمد بن حبيب، عن ابن الكلبيّ أن سبب ذلك أن عمرو بن لحيّ كان له تابع من الجنّ، يقال له: أبو ثمامة، فأتاه ليلة، فقال: أَجِبْ أبا ثمامة، فقال: لبيك من تهامة، فقال: ادخل بلا ملامة، فقال: ايت سِيفَ جُدّة، تجد آلهةً مُعدّة، فخذها، ولا تهب، وادع إلى عبادتها تُجَبْ، قال: فتوجه إلى جدّة، فوجد الأصنام التي كانت تُعبد في زمن نوح وإدريس، وهي وَدّ، وسُواع، ويَغوث، ويعوق، ونسر، فحملها إلى مكة، ودعا إلى عبادتها، فانتشرت بسبب ذلك عبادة الأصنام في العرب. ٣٩ (١) - بَابُ بَيَانِ كَيْفِيّةِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٩١) [تنبيه]: أخرج الشيخان عن سعيد بن المسيب، أنه قال: ((البحيرة)) التي يُمنَعِ دَرّها للطواغيت، فلا يَحلُبُها أحد من الناس، و(السائبة)) كانوا يُسيّبونها لآلهتهم، فلا يُحمَل عليها شيء، و((الوصيلة)): الناقة تُبكّر في أول نتاج الإبل بأنثى، ثم تثنّ بعدُ بأنثى، وكانوا يسيّبونها لطواغيتهم أَن وَصَلت إحداهما بالأخرى، ليس بينهما ذكر، و((الحام)): فَحلُ الإبل، يَضْرِب الضِّرَابَ المعدود، فإذا قضى ضِرَابه، وَدَعُوه للطواغيت، وأَعْفَوه من الحمل، فلم يُحمَل عليه شيء، وسَمَّوه الحامي. انتھی. وقال القرطيّ تَظُّ: وقد اختلف في تفسير هذه الأشياء، فالسائبة: الناقة إذا تابعت بين عَشر إناث، ليس بينهنّ ذكر سُيّبت، فلم يُركب ظهرها، ولم يُجزّ وَبَرها، ولم يَشرَب لبنها إلا ضيف، فما نتجت بعد من أنثى شُقّت أذنها، ثم خُلّي سبيلها مع أمها على حكمها، وهي البَحِيرة بنت السائبة، وسُمّيت بذلك لأنها بُحرت أذنها؛ أي: شُقَّت شقّاً واسعاً، وهذا قول ابن إسحاق، وقال غيره: السائبة: هي التي يَنذُرها الرجل؛ أي: يُسيّبها إن برئ من مرضه، أو أصاب أمراً يطلبه، فإذا كان ذلك أسابها، فسابت، لا يُنتفع بها . قال ابن إسحاق: والوصيلة: الشاة إذا أَتْأَمَت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطُن ليس بينهن ذَكر، قالوا: وَصَلَتْ، فكان ما ولدت بعد ذلك للذكور منهم دون الإناث، إلا أن يموت شيء منها، فيشترك فيه ذكورهم وإناثهم. وقال كثير من أهل اللغة: إن الشاة كانت إذا ولدت أنثى، فهي لهم، وإذا ولدت ذكراً ذبحوه لآلهتهم، وإذا ولدت ذكراً وأنثى لم يذبحوا الذكر، وقالوا: وصلت أخاها، فيسيّبون أخاها، ولا ينتفعون به. والحامي: الفحل إذا رُكب ولد ولده، وقيل: إذا نُتج من صلبه عشرة أبطن، قالوا: حَمَى ظهره، فلا يُركب، ولا يُنتفع به، ولا يُمنع من ماء، ولا كلا. انتهى كلام القرطبيّ تَقَدُّهُ(١). وقوله: (وَانْتَهَى حَدِيثُ أَبِي الطَّاهِرِ ... إلخ) أراد به بيان اختلاف شيوخه أيضاً، فبيّن أن هذا السياق بطوله لشيخيه حرملة، ومحمد بن سلمة المراديّ، (١) ((المفهم)) ٥٥٥/٢. ٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الكسوف وأما أبو الطاهر، فوقف عند قوله: ((فافزعوا للصلاة))، ولم يذكر ما بعده. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث مُتَّفقٌ عليه، وقد تقدم تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٠٩٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم، قَالَ: قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ أَبُو عَمْرٍوٍ وَغَيْرُهُ: سَمِعْتُ ابْنَ شِهَابِ الزُّهْرِيَّ، يُخْبِرُ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَبَعَثَ مُنَادِياً: ((الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ))(١)، فَاجْتَمَعُوا، وَتَقَدَّمَ، فَكَبَّرَ، وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فِي رَكْعَتَيْنٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ) أبو جعفر الجمّال، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٩) أو في التي قبلها (خ م د) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٢/٢٦. ٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ، لكنه كثير التدليس والتسوية [٨]ً (ت٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٨/١٠. ٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ أَبُو عَمْرِو) عبد الرحمن بن عمرو الفقيه، ثقةٌ فاضلٌ إمام [٧] (ت١٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَغَيْرُهُ) قال صاحب التنبيه: لا أعرفه (٢). وقوله: (فَبَعَثَ مُنَادِياً) قال صاحب ((التنبيه)): لا أعرفه، ولعلّه بلال(٣). (١) وفي نسخة: بـ ((الصلاةُ جامعة)). (٢) (تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم)) ص١٧١. (٣) (تنبيه المعلم)) ص١٧١.