Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
(١٥) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الصَّلَاةِ قَصْداً، وَالْخُطْبَةِ قَصْداً، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٠٥)
تخليدهم في النار، أو في تفسيق خواص هذه الأمة، أو عَكَسَ ذلك، فزعم أن
المعاصي لا تضر أهلها، وأنه لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد.
وأصعب من ذلك ما أُحدث من الكلام في أفعال الله تعالى في قضائه
وقدره، فكَذّب بذلك من كَذَّب، وزَعَم أنه نزه الله بذلك عن الظلم.
وأصعب من ذلك ما حَدَث من الكلام في ذات الله وصفاته، مما سكت
عنه النبي ◌َِّ، والصحابة والتابعون لهم بإحسان، فقومٌ نَفَوا كثيراً مما وَرَد في
الكتاب والسنة من ذلك، وزَعَموا أنهم فعلوا تنزيهاً لله عما تقتضي العقول
تنزيهه عنه، وزعموا أن لازم ذلك مستحيلٌ على الله رَك. وقومٌ لم يكتفوا
بإثباته، حتى أثبتوا ما يُظَنّ أنه لازم له بالنسبة إلى المخلوقين، وهذه اللوازم
نفياً وإثباتاً دَرَجَ صدرُ الأمة على السكوت عنها .
ومما حَدَث في الأمة بعد عصر الصحابة والتابعين الكلامُ في الحلال
والحرام بمجرد الرأي، ورَدُّ كثير مما وردت به السنة في ذلك؛ لمخالفته
الرأي، والأقيسة العقلية.
ومما حَدَث بعد ذلك الكلام في الحقيقة بالذَّوْق والكشف، وزَعْمُ أن
الحقيقة تنافي الشريعة، وأن المعرفة وحدها تكفي مع المحبة، وأنه لا حاجة
إلى الأعمال، وأنها حجاب، أو أن الشريعة إنما يَحتاج إليها العوامُّ، وربما
انضم إلى ذلك الكلام في الذات والصفات بما يُعلَمُ قطعاً مخالفته للكتاب
والسنة، وإجماع سلف الأمة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
(١)
انتھی(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا البحث الذي حقّقه الإمام ابن
رجب تَُّ في كتابه النفيس ((جامع العلوم والحكم)) بحثٌ نفيسٌ، وتحقيقٌ
أنيس، فعليك بمطالعته، وتدبّره، حتى ينجلي لك الفرق بين البدعة الشرعية
المذمومة بكل أشكالها وألوانها التي عناها النبيّ و18َّ بقوله: ((فكل بدعة
ضلالة))، وبين البدعة اللغويّة التي يُستحسَن بعض أفرادها، وهي التي تستند إلى
أصل من الكتاب والسنة، أو إجماع الأمة.
(١) ((جامع العلوم والحكم)) ٩٧/٢ - ١٠٢.

٢٨٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
قال شيخ الإسلام ابن تيميّة تَخْذَتُهُ: البدعة كلُّ ما فُعل ابتداء من غير مثال
سابق، وأما البدعة الشرعيّة فما لم يدلّ عليه دليل شرعيّ - إلى أن قال -: ثم
ذلك العمل الذي دلّ عليه الكتاب والسنّة ليس بدعةً في الشريعة، وإن سُمّي في
اللغة، فلفظ البدعة في اللغة أعمّ من لفظ البدعة في الشريعة، وقد عُلم أن قول
النبيّ ◌َّهِ: ((كلُّ بدعة ضلالة)) لم يُرد به كلّ عمل مبتدأ، فإن دين الإسلام، بل
كلّ دين جاء به الرسل فهو عملٌ مبتدأ، وإنما أراد ما ابتُدئ من الأعمال التي
لم يشرعها النبيّ وَطِّ. انتهى(١).
والحاصل أن المراد بقوله ◌َمليون: ((كل بدعة ضلالة)) هي البدعة الشرعيّة،
لا اللغويّة.
ومن أقوى الأدلة على التفريق بين البدعة الشرعيّة واللغويّة ما أخرجه
الشيخان في (صحيحيهما))، من حديث عائشة خيرًا، مرفوعاً: ((من أحدث في
أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردّ»، ففي قوله وَله: ((ما ليس منه)) إشارةٌ واضحةٌ
إلى أن من المحدثات ما يكون من الشرع، وهو ما له أصل يستند إليه من
الأدلة الشرعيّة.
وقد غلا بعض الناس في هذا الباب، حيث تمسّك بقوله ◌َّ و: ((فكل
بدعة ضلالة)) فاعتقد أن كلّ ما أُحدث فهو من البدع الضلالة، وهذا غلوّ،
وجفاء، وتفريط في عدم الجمع بين أطراف النصوص في هذا الباب، وتدبّرها،
وتفهّمها حقّ تدبّر وتفهّم، كما فعل هؤلاء المحقّقون الذين تقدمت أقوالهم،
فإياك، ثم إياك أن تكون من هذا الصنف، أو تقلّد منهم أحداً، اللهم أرنا
الحقّ حقّاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، آمين، آمين،
آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): أنه قد تبيّن بما سبق من أقوال أهل العلم في تعريف
البدعة أنها هي التي تُفْعَل بقصد القربة، وهذا أصل أصيلٌ يفرّقُ به بين الفعل
الذي يكون بدعةً، والفعل الذي يكون معصيةً فقط، وإن كانت البدعة
معصيةً لله على إلا أنها تفوق المعصية في الإثم والحكم.
(١) راجع: ((الصراط المستقيم)) ٥٨٩/٢ - ٥٩٠.

٢٨٣
(١٥) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الصَّلَاةِ قَصْداً، وَالْخُطْبَةِ قَصْداً، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٠٥)
فالمعصية في أصل وقوعها من حيث العمل والاعتقاد تختلف عن البدعة
من جهة ما يقترن بكلّ منهما، فالعاصي لا يعتقد أنه بمعصيته يُرضي الله،
بخلاف المبتدع، فإنه يعتقد في عمله المحدث القربةَ إلى الله تعالى، وهذا هو
وجه المفارقة.
ووجه آخر هو ما تؤول إليه البدعة من مفاسد حاليّة ومآليّة في الدنيا
والآخرة، وذلك باعتقاد المشروعيّة أو الجواز فيما ليس له أصل، وما يترتّب
على هذا الاعتقاد من شيوع وانتشار، حتى ينشأ عليها الصغير، ويموت عليها
الكبير، بخلاف المعصية، أو المخالفة.
وهذا هو معنى ما قاله سفيان الثوريّ تَخُّْهُ: البدعة أحبّ إلى إبليس من
المعصية، فإن المعصية يُتّاب منها، والبدعة لا يُتاب منها(١).
والسبب في عدم توبة المبتدع أنه يرجو بعمله، أو قوله، أو اعتقاده
المحدث القرب من الله، فلا ينفكّ من ملازمة هذا العمل.
وبسبب كون البدع أشرّ من المعاصي، وأهلها أضرّ من أهل الذنوب أمر
النبيّ وَّل بقتال الخوارج، ونهى عن قتال الولاة الظلمة(٢).
ومما جاء عن السلف في اعتبار أن البدعة أشدّ ضرراً من المعاصي ما
رواه ابن وضّاح بسنده عن أبي بكر بن عيّاش، قال: كان عندنا فتّى يقاتل،
ويشرب، وذَكَر أشياءَ من الفسق، ثم إنه تقرّأ فدخل في التشيّع، فسمعت
حبيب بن أبي ثابت، وهو يقول: لأنت يوم كنتَ تقاتل وتفعل وتفعل خيرٌ منك
اليوم.
وقَصْدُ القربة يراد به إلحاق حكم شرعيّ بعمل محدَث؛ کالندب
والاستحباب والإيجاب، أو الكراهة والتحريم، قال شيخ الإسلام كثّتُهُ: فمن
ندب إلى شيء يتقرّب به إلى الله، أو أوجبه بقوله، أو فعله، من غير أن
يشرعه الله فقد شرع ما لم يأذن به الله(٣) .
وقصد القربة يتوجّه إلى العمل الذي لا يتصوّر فيه غير إرادة القربة
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) ٢٦/٧.
(٣) ((مجموع الفتاوى)) ١٩٥/٣.
(٢) انظر: ((مجموع الفتاوى)) ٢٨٤/٧.

٢٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
كالعبادات المحضة، وهي حق خالصٌ لله ◌ُعَلَه، فلا بدّ من مطابقة فعل العبد
لأمر الشرع(١).
فالعبادة التي هي حق الله تعالى لا يُتصوّر فيها غير إرادة القربة،
فالإحداث فيها يسمّى ابتداعاً، سواء قصد القربة، أو افتُرض أنه لم يقصدها،
فلو أحيا ليلة النصف من شعبان بعبادة مخصوصة؛ كالصلاة والذكر فهو مبتدع،
حتى مع افتراض عدم قصده للقربة.
ويتوجّه قصد القربة أيضاً إلى العمل الذي يَحمِل أوجهاً متعدّدة، مثل
الأمور الدنيويّة، فيُنظر إلى الفعل باعتبار الوجه الغالب عليه، أو باعتبار وجه
القربة إذا اتّحدت أوجه الفعل الواحد، فمن لبس ثوباً بلون معيّن، ولم يُرد
بذلك القربة فلا يوصف هذا العمل بالبدعة؛ لأنه مباح، إلا إذا لحقته أمور
منهيّ عنها؛ كالإسبال والاشتهار، فإنه يكون معصيةً. أما إذا أراد بذلك الثوب
المعيّن القربة فإنه يكون بدعة، كما يفعله بعض الصوفيّة من اشتراط لون معيّن
لمريدهم.
والحاصل أن كلّ فعل، أو ترك قُصد به القربة، مما ليس له أصل في
الشرع فهو بدعة.
فخرج بذلك ما فُعل أو تُرك لا بقصد القربة، فإنه يكون معصيةً، أو
مخالفة، أو عفواً، ولا يُطلق عليه بدعة.
مثال ما فُعل لا بقصد القربة، ويكون معصيةً جميع المنهيات الشرعية؛
كالنظر إلى النساء، وسماع الغناء، فإذا كان هذا الفعل بقصد القربة فهو بدعة.
ومثال ما تُرك لا بقصد القربة ترك المأمور به شرعاً، كترك النكاح للقادر
عليه، وكترك الدعوة إلى الله ممن وجبت عليه، فإذا كان هذا الترك بقصد القربة
فهو بدعة .
ومثال ما فُعل لا بقصد القربة ويكون عفواً حلقُ الرأس في غير نسُك،
فإن فُعل بقصد القربة فهو بدعة.
(١) انظر: ((الموافقات)) للشاطبيّ ٣٠٨/٢.

٢٨٥
(١٥) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الصَّلَاةِ قَصْداً، وَالْخُطْبَةِ قَصْداً، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٠٥)
ومثال ما تُرك لا بقصد القربة، ويكون عفواً الامتناع عن أكل اللحم
للتطبّب ونحوه، فإن كان الترك تدیّناً فهو بدع.
وللاستزادة في هذا الموضوع راجع: ((اقتضاء الصراط المستقيم))،
و(مجموع الفتاوى)) لابن تيميّة ◌َُّ(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في تقسيم البدعة إلى حقيقيّة، وإضافيّة:
قال أبو إسحاق الشاطبيّ تَّهُ: البدعة الحقيقيّة هي التي لم يدلّ عليها
دليلٌ شرعيّ، لا من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا استدلال معتبر عند
أهل العلم، لا في الجملة، ولا في التفصيل، ولذلك سمّيت بدعةً؛ لأنها شيء
مُخترع على غير مثال سابق.
والبدعة الإضافيّة هي التي لها شائبتان:
[إحداهما]: لها من الأدلّة مُتَعلّقٌ، فلا تكون من تلك الجهات بدعة.
[والأخرى]: ليس لها مُتعلَّقٌ إلا مثل ما للبدعة الحقيقيّة؛ أي: إنها بالنسبة
إلى إحدى الجهتين سنة؛ لأنها مستندة إلى دليل، وبالنسبة إلى الجهة الأخرى
بدعة؛ لأنها مستندة إلى شبهة لا إلى دليل، أو غير مستندة إلى شيء.
والفرق بينهما من جهة المعنى: أن الدليل عليها من جهة الأصل قائم،
ومن جهة الكيفيّات، أو الأحوال، أو التفاصيل لم يقُم عليها، مع أنها محتاجة
إليه؛ لأن الغالب وقوعها في التعبّديّات، لا في العاديات المحضة.
قال: قد يكون أصل العمل مشروعاً، ولكنه يصير جارياً مجرى البدعة
من باب الذرائع، وبيانه أن العمل يكون مندوباً إليه مثلاً، فيَعمَل العامل في
خاصّة نفسه على وضعه الأول من الندبيّة، فلو اقتصر العامل على هذا المقدار
لم يكن به بأس، ويجري مجراه إذا دام عليه في خاصيّته غير مظهر له دائماً،
(١) ((اقتضاء الصراط المستقيم)) ٣٢٦/١ - ٣٢٧ و٦٣٠/٢ و٦٣٣ و ٦٣٧، ((مجموع
الفتاوى)) ٣١٧/٢١ - ٣١٩ و٣٤٦/١٨، ((درء التعارض)) ٢٤٤/١. وراجع: ((حقيقة
البدعة وأحكامها)) تأليف سعيد بن ناصر الغامدي ٢٩١/١ - ٢٩٦.

٢٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
بل إذا أظهره لم يظهره على حكم الملتزمات من السنن الرواتب والفرائض
اللوازم، فهذا صحيحٌ لا إشكال فيه، وأصله ندب رسول الله وَله لإخفاء
النوافل، والعمل بها في البيوت، وقوله وَ له: «فإن أفضل صلاة المرء في بيته
إلا المكتوبة))، متّفقٌ عليه، فاقتصر في الإظهار على المكتوبات كما ترى، وإن
كان ذلك في مسجده ◌َلير، أو في المسجد الحرام، أو في مسجد بيت
المقدس، حتى قالوا: إن النافلة في البيت أفضل منها في أحد هذه المساجد
الثلاثة بما اقتضاه ظاهر هذا الحديث، وجرى مجرى الفرائض في الإظهار
بعض السنن؛ كالعيدين، والخسوف، والاستسقاء، وشبه ذلك، فبقي ما سوى
ذلك حكمه الإخفاء، فإذا اجتمع في النافلة أن تُلْزَم التزام السنة الرواتب إما
دائماً، وإما في أوقات محدودة، وعلى وجه محدود، وأقيمت في الجماعة في
المساجد التي تقام فيها الفرائض، أو المواضع التي تقام فيها السنن الرواتب،
فذلك ابتداع.
والدليل عليه أنه لم يأت عن رسول الله وَ له، ولا عن أصحابه، ولا
عن التابعين لهم بإحسان فعلُ هذا المجموع هكذا مجموعاً، وإن أتى مطلقاً،
من غير تلك التقييدات، فالتقييد في المطلقات التي لم يثبت بدليل الشرع
تقييدها رأي في التشريع، فكيف إذا عارضه الدليل، وهو الأمر بإخفاء النوافل
مثلاً؟ .
ووجه دخول الابتداع هنا أن كلّ ما واظب عليه رسول الله وَ له من
النوافل وأظهره في الجماعات فهو سنة، فالعمل بالنافلة التي ليست بسنّة على
طريق العمل بالسنّة إخراج للنافلة عن مكانها المخصوص بها شرعاً، ثم يلزم
من ذلك اعتقاد العوامّ فيها، ومن لا علم عنده أنها سنّة، وهذا فساد عظيم؛
لأن اعتقاد ما ليس بسنة، والعمل بها على حدّ العمل بالسنّة نحوٌ من تبديل
الشريعة، كما لو اعتقد في الفرض أنه ليس بفرض، أو فيما ليس بفرض أنه
فرضٌ، ثم عمل على وفق اعتقاده، فإنه فاسدٌ، فهب العملُ في الأصل
صحيحاً، فإخراجه عن بابه اعتقاداً وعملاً من باب إفساد الأحكام الشرعيّة،
ومن هنا ظهر عذر السلف الصالح في تركهم سنناً لئلا يعتقد الجاهل أنها من
الفرائض.

٢٨٧
(١٥) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الصَّلَاةِ قَصْداً، وَالْخُطْبَةِ قَصْداً، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٠٥)
فهذه أمورٌ جائزة، أو مندوب إليها، ولكنهم كرهوا فعلها خوفاً من
البدعة؛ لأن اتخاذها سنةً إنما هو بأن يواظب الناس عليها مظهرين لها، وهذا
شأن السنة، وإذا جرت مجرى السنن صارت من البدع بلا شكّ.
قال الجامع عفا الله تعالى: هذا الذي قاله الشاطبيّ فيه نظرٌ لا يخفى؛
لأنه إن أراد أن ترك السنة مخافة أن يعتقد الجاهل أنها من الفرائض فهذا مما
لا معنى له؛ لأن السنة لا تُترك لمثل هذا الخوف، بل الواجب أن يُبيّن للجاهل
ما هو الفرض، وما هي السنة، ولا أظنّه يُثبت النقل بذلك عن أحد من السلف
أنهم تركوا السنن لأجل هذا الخوف.
وإن أراد بتركها ترك فعل بصفة خاصّة، لم تثبت في السنة، فهذا أمر
مسلمٌ، ولكن سياق كلامه يأبى هذا التأويل.
وبالجملة فلا تترك السنة على الوجه الذي ثبتت به لأجل مثل هذا
الخوف، بل ينبه الجاهل، ويبيّن له ذلك. والله تعالى أعلم.
قال: ومن البِدَع الإضافيّة التي تَقْرُب من الحقيقيّة أن يكون أصل العبادة
مشروعاً إلا أنها تخرج عن أصل مشروعيّتها بغير دليل توهماً أنها باقية على
أصلها تحت مقتضى الدليل، وذلك بأن يقيّد إطلاقها بالرأي، أو يُطلق تقييدها،
وبالجملة فتخرج عن حدّها الذي حُدّ لها.
ومثال ذلك أن يقال: إن الصوم في الجملة مندوب إليه لم يخصّه الشارع
بوقت دون وقت، ولا حد فيه زماناً دون زمان، ما عدا ما نهى عن صيامه على
الخصوص كالعيدين، أو ندب إليه على الخصوص كعرفة وعاشوراء بقول، فإذا
خصّ منه يوماً من الجمعة بعينه، أو أياماً من الشهر بأعيانها، لا من جهة ما
عيّنه الشارع، فلا شكّ أنه رأي محض بغير دليل، ضاهى به تخصيص الشارع
أياماً بأعيانها دون غيرها، فصار التخصيص من المكلّف بدعةً، إذ هي تشريع
بغير مستند .
ومن ذلك تخصيص الأيام الفاضلة بأنواع من العبادات التي لم تُشرع لها
تخصيصاً، كتخصيص اليوم الفلانيّ بكذا وكذا من الركعات، أو بصدقة كذا
وكذا، أو الليلة الفلانيّة بقيام كذا وكذا ركعةً، أو بختم القرآن فيها، أو ما أشبه

٢٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
ذلك، فإن ذلك التخصيص والعمل به إذا لم يكن بحكم الوفاق، أو بقصد
يَقصِد مثله أهل العقل والفراغ والنشاط، كان تشريعاً زائداً، وهذا كله إن فرضنا
أصل العبادة مشروعاً، فإن كان أصلها غير مشروع فهي بدعة حقيقية مركبة.
انتهى كلام الشاطبيّ كَُّهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيسٌ، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في ذكر بعض ما جاء عن السلف في ذمّ البدعة:
ذكر الإمام الطبري تَخُّْ في كتاب ((آداب النفوس)): حدثنا محمد بن
عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أبان، أن
رجلاً قال لابن مسعود: ما الصراط المستقيم؟ قال: تَرَكَنا محمدٍ وَّ في
أدناه، وطرفه في الجنة، وعن يمينه جوادٌ، وعن يساره جواد، وثَمّ رجال
يدعون من مَرَّ بهم، فمن أخذ في تلك الجوادّ انتهت به إلى النار، ومن أخذ
على الصراط انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى
مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٥٣] الآية.
وقال عبد الله بن مسعود ربه: تعلموا العلم قبل أن يُقبَض، وقبضه أن
يذهب أهله، ألا وإياكم والتنطع والتعمق والبدع، وعليكم بالعتيق. أخرجه
الدارمي.
وقال مجاهد في قوله: ﴿وَلَا تَنَّبِعُواْ السُبُلَ﴾ قال: البدع. قال ابن
شهاب: وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ بِشِيَمًا﴾ الآية [الأنعام:
١٥٩]، فالْهَرَب الْهَرَبَ، والنجاة النجاةَ، والتمسك بالطريق المستقيم، والسنن
القويم، الذي سلكه السلف الصالح، وفيه المتجر الرابح. وعن أبي هريرة:
قال: قال رسول الله ويلشير: ((ما أمرتكم به فخذوه، وما نهيتكم عنه فانتهوا)).
متّفق عليه.
وروى ابن ماجه وغيره عن العرباض بن سارية نظبه قال: وعظنا
(١) راجع: ((مختصر الاعتصام)) ص٧١ - ٧٨.

٢٨٩
(١٥) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الصَّلَاةِ قَصْداً، وَالْخُطْبَةِ قَصْداً، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٠٥)
رسول الله 8* موعظة ذَرَفَت منها العيون، ووَجِلَت منها القلوب، فقلنا: يا
رسول الله إن هذه الموعظة مودع فما تعهد إلينا؟ فقال:
((قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك،
من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء
الراشدين المهديين، عَضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم والأمور المحدثات، فإن
كل بدعة ضلالة، وعليكم بالطاعة، وإن عبداً حبشياً، فإنما المؤمن كالْجَمَل
الأَنِفِ حيثما قيد انقاد)). وأخرجه الترمذي بمعناه، وصححه.
ورَوى أبو داود قال: حدثنا ابن كثير قال: أخبرنا سفيان، قال: كتب
رجلٌ إلى عمر بن عبد العزيز، يسأله عن القدر، فكتب إليه: ((أما بعد: فإني
أوصيك بتقوى الله، والاقتصاد في أمره، واتباع سنة رسول الله وَلقول، وترك ما
أحدث الْمُحْدِثون بعدَ ما جرت به سنته، وكُفُوا مُؤنته، فعليك بلزوم الجماعة،
فإنها لك - بإذن الله - عِصْمَة، ثم اعلم أنه لم يبتدع الناس بدعةً إلا قد مضى
قبلها ما هو دليلٌ عليها، أو عبرةٌ فيها، فإن السنة إنما سَنَّها من قد علم ما في
خلافها من الخطإ والزَّلَلِ، والْحُمْق والتعمّق، فارضَ لنفسك ما رَضِي به القوم
لأنفسهم، فإنهم على علم وَقَفُوا، ويبصر نافذ كَقُّوا، وإنهم على كشف الأمور
كانوا أقوى، وبفضل ما كانوا فيه أَوْلَى، فإن كان الهدى ما أنتم عليه، فقد
سبقتموهم إليه، ولئن قلتم: إنما حَدَثَ بعدَهم، فما أحدثه إلا مَن اتّبع غير
سبيلهم، ورَغِبَ بنفسه عنهم، فإنهم هم السابقون، قد تكلموا فيه بما يَكفِي،
ووَصَفُوا ما يَشفِي، فما دونهم من مَقْصَر، وما فوقهم من مَحْسَر، وقد قَصَّر قوم
دونهم فجَفَوا، وطَمَحَ عنهم أقوام فَغَلَوْا، وإنهم مع ذلك لَعَلَى هُدَى مستقيم،
كتبت تسأل عن الإقرار بالقدر، فعلى الخبير - بإذن الله - وقعتَ، ما أعلم ما
أحدث الناس من مُحدَثة، ولا ابتدعوا من بدعة، هي أبين أثراً، ولا أثبت
أمراً، من الإقرار بالقدر، لقد كان ذكره في الجاهلية الْجُهَلاء، يتكلمون به في
كلامهم، وفي شِعْرهم، يُعَزُّون به أنفسهم على ما فاتهم، ثم لم يَزِده الإسلام
بعدُ إلا شِدَّةً، ولقد ذكره رسول الله بَّر في غير حديث ولا حديثين، وقد سمعه

٢٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
منه المسلمون، فتكلموا به في حياته، وبعد وفاته، يقيناً وتسليماً لربهم،
وتضعيفاً لأنفسهم أن يكون شيء لم يُحِط به علمه، ولم يُحصِه كتابه، ولم
يَمضِ فيه قَدَرُه، وإنه مع ذلك لفي محكم كتابه، منه اقتبسوه، ومنه تعلموه،
ولئن قلتم: لِمَ أنزل الله آية كذا؟ لم قال كذا؟ لقد قرءوا منه مما قرأتم،
وعَلِمُوا من تأويله ما جهلتم، وقالوا بعد ذلك كله بكتاب وقدر، وكُتِبت
الشقاوة، وما يُقدَّر يكن، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا نملك
لأنفسنا ضراً ولا نفعاً، ثم رَغِبوا بعد ذلك ورهبوا))(١).
وقال سهل بن عبد الله التستريّ: عليكم بالاقتداء بالأثر والسنة، فإني
أخاف أنه سيأتي عن قليلٍ زمانٌ إذا ذَكَر إنسانٌ النبيَّ وَّهِ والاقتداء به في جميع
أحواله ذَمُّوه، ونَفَرُوا عنه، وتبرءوا منه، وأَذَلّوه، وأهانوه، قال سهل: إنما
ظهرت البدعة على أيدي أهل السنة؛ لأنهم ظاهروهم، وقاولوهم، فظهرت
أقاويلهم، وفَشَت في العامة، فسمعه من لم يكن يسمعه (٢)، فلو تركوهم، ولم
يكلموهم لَمَات كل واحد منهم على ما في صدره، ولم يَظهَر منه شيء، وحمله
معه إلى قبره. وقال سهل: لا يُحدِث أحدكم بدعةً حتی یُحدث له إبليس
عبادةً، فيتعبد بها، ثم يُحدث له بدعة، فإذا نطق بالبدعة، ودعا الناس إليها نُزِع
منه تلك الخدمة. قال سهل: لا أعلم حديثاً جاء في المبتدعة أشدّ من هذا
الحديث: ((حجب الله الجنة عن صاحب البدعة))(٣)، قال: فاليهودي والنصراني
أرجى منهم. قال سهل: من أراد أن يُكرِم دينه، فلا يدخل على السلطان، ولا
يَخلُوَنَّ بالنسوان، ولا يخاصمنّ أهل الأهواء. وقال أيضا: اتّبِعوا ولا تبتدعوا،
فقد كُفيتم. وفي ((مسند الدارمي)) أن أبا موسى الأشعري جاء إلى عبد الله بن
مسعود، فقال: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفاً شيئاً أنكرته، ولم
أر - والحمد لله - إلا خيراً، قال: فما هو؟ قال: إن عشت فستراه، قال: رأيت
(١) صحيح، أخرجه أبو داود في ((سننه)) ٢٠٢/٤ - ٢٠٣ رقم ٤٦١٢.
(٢) هكذا النسخة، ولعلّ الأولى: فسمعها من لم يكن يسمعها، والله تعالى أعلم.
(٣) حديث صحيح، أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) بلفظ: ((إن الله حجب التوبة عن كلّ
صاحب بدعة حتى يَدَع بدعته)).

٢٩١
(١٥) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الصَّلَاةِ قَصْداً، وَالْخُطْبَةِ قَصْداً، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٠٥)
في المسجد قوماً حِلَقاً حِلَقاً جلوساً ينتظرون الصلاة، وفي كل حَلْقة رجل،
وفي أيديهم حصىً، فيقول لهم: كبروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول: هللوا
مائة، فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة، قال: فماذا قلت
لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئاً انتظارَ رأيك، وانتظارَ أمرك، قال: أفلا أمرتهم
أن يَعُدُّوا سيئاتهم، وضَمِنتَ لهم ألا يضيع من حسناتهم، ثم مَضَى ومضينا
معه، حتى أتى حلقة من تلك الحِلَق، فوقف عليهم، فقال: ما هذا الذي أراكم
تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن حصىّ نَعُدّ به التكبير والتهليل والتسبيح،
قال: فَعُدُّوا سيئاتكم، وأنا ضامن لكم ألا يضيع من حسناتكم شيء، ویحکم یا
أمة محمد، ما أسرع هلكتكم، أوَ مُفْتَتَحِي بابٍ ضلالة؟ قالوا: والله يا أبا
عبد الرحمن ما أردنا إلا خيراً، فقال: وكم من مريد للخير لن يصيبه. وعن
عمر بن عبد العزيز، وسأله رجل عن شيء من أهل الأهواء والبدع، فقال:
عليك بدين الأعراب، والغلام في الْكُتّاب، والْهَ عمّا سوى ذلك. وقال
الأوزاعي: قال إبليس لأوليائه: من أيّ شيء تأتون بني آدم؟ فقالوا: من كل
شيء، قال: فهل تأتونهم من قِبَل الاستغفار، قالوا: هيهات ذلك شيء قُرِن
بالتوحيد، قال: لأَبُثَّنّ فيهم شيئاً لا يستغفرون الله منه، قال: فَبَثَّ فيهم
الأهواء. وقال مجاهد: ولا أدري أَيُّ النعمتين علي أعظم؟: أن هداني
للإسلام، أو عافاني من هذه الأهواء. وقال الشعبيّ: إنما سُمُّوا أصحاب
الأهواء؛ لأنهم يَهْؤُون في النار. كله عن الدارمي.
وسئل سهل بن عبد الله عن الصلاة خلف المعتزلة، والنكاح منهم
وتزويجهم، فقال: لا ولا كرامة، هم كُفّار كيف يؤمن مَن يقول: القرآن
مخلوق، ولا جنة مخلوقة، ولا نار مخلوقة، ولا لله صراط ولا شفاعة، ولا
أحد من المؤمنين يدخل النار، ولا يخرج من النار من مذنبي أمة محمد واله،
ولا عذاب القبر، ولا منكر ولا نكير، ولا رؤية لربنا في الآخرة، ولا زيادة،
وأن علم الله مخلوق، ولا يرون السلطان ولا جمعة، ويُكَفِّرون من يؤمن بهذا.
وقال الفضيل بن عياض: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله، وأخرج نور
الإسلام من قلبه.

٢٩٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
وقال سفيان الثوري: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية
يُتاب منها، والبدعة لا يتاب منها. وقال ابن عباس: النظر إلى الرجل من أهل
السنة يدعو إلى السنة، ويَنْهَى عن البدعة عبادةٌ. وقال أبو العالية: عليكم بالأمر
الأَوَّل الذي كانوا عليه قبل أن يتفرقوا، قال عاصم الأحول: فحدثتُ به
الحسن، فقال: قد نصحك والله وصدقك.
وقد قال بعض العلماء العارفين في قوله وقلو: ((تفرقت بنو إسرائيل عن
ثنتين وسبعين فرقة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ... )) الحديث:
هذه الفرقة التي زادت في فرقة أمة محمد با قر هم قوم يُعادون العلماء،
ويُبغضون الفقهاء، ولم يكن ذلك قط في الأمم السالفة. وقد رَوَى رافع بن
خديج أنه سمع رسول الله وَ لثر يقول: ((يكون في أمتي قوم يَكفُرون بالله
وبالقرآن، وهم لا يشعرون، كما كفرت اليهود والنصارى))، قال: فقلت -
جُعِلتُ فداك يا رسول الله -: كيف ذاك؟ قال: یُقِرُّون ببعض، ويكفرون ببعض،
قال: قلت - جُعلتُ فداك يا رسول الله -: وكيف يقولون؟ قال: ((يجعلون إبليس
عَدلاً لله في خلقه وقوته ورزقه، ويقولون: الخير من الله، والشر من إبليس)) -
قال -: ((فيكفرون بالله، ثم يقرءون على ذلك كتابَ الله، فيكفرون بالقرآن بعد
الإيمان والمعرفة))، قال: ((فما تَلقَى منهم من العداوة والبغضاء والجدال،
أولئك زنادقة هذه الأمة ... )) وذكر الحديث. وقد نهى الله ◌ُعَلَ عن مجالسة
أهل البِدَع والأهواء، وأن من جالسهم حكمه حكمهم، فقال رَّ: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ
الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَِنَا﴾ الآية [الأنعام: ٦٨]، ثم بَيّن في ((سورة النساء))، وهي
مدنية عقوبةَ مَن فَعَل ذلك، وخالف ما أمر الله به فقال: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى
اُلْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْنُمْ ءَايَتِ اَللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَ نَفْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى
حَدِيثٍ غَيْرِوَةٌ إِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمَّ﴾ الآية [النساء: ١٤٠]، فألحق من جالسهم بهم، وقد
ذهب إلى هذا جماعة من أئمة هذه الأمة، وحكم بموجب هذه الآيات، في
مجالس أهل البِدَع على المعاشرة والمخالطة، منهم: أحمد بن حنبل،
والأوزاعي، وابن المبارك، فإنهم قالوا في رجل شأنه مجالسة أهل البدع،
قالوا: يُنهَى عن مجالستهم، فإن انتهى وإلا أُلحق بهم، يعنون في الحكم.
وقد حمل عمر بن عبد العزيز الحدّ على مجالس شَرَبةِ الخمر، وتلا: ﴿إِنَّكُ

٢٩٣
(١٥) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الصَّلَاةِ قَصْداً، وَالْخُطْبَةِ قَصْداً، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٠٦)
إِذَا مِثْلُهُمْ﴾، قيل له: فإنه يقول: إني أجالسهم لأباينهم، وأرُدّ عليهم، قال:
يُنهَى عن مجالستهم، فإن لم ينته أُلحق بهم. انتهى(١)، والله تعالى أعلم
بالصواب.
[تنبيه]: من أسباب ظهور البدع: اتباع الهوى، وقلّة العلم بالأدلة
الشرعية، واتباع الآباء والمشايخ، واتباع المذاهب والطائفة، وأخذ أهل
السلطة بها، أو سكوتهم عنها، وكون المبتدع من ذوي الفصاحة والبيان،
واحتفاء المبتدعة ببعضهم، وتعاونهم فيما بينهم(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلَتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٠٠٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنِي
سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ
عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ نَّهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، يَحْمَدُ اللهَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ، ثُمَّ
يَقُولُ عَلَى إِثْرٍ ذَلِكَ، وَقَدْ عَلَا صَوْتُهُ، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الكِسّيّ - بمهملة - أبو محمد، قيل: اسمه
عبد الحميد، وبذلك جزم ابن حبان وغير واحد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٤٩)
(خت م ت) تقدم في ((الإيمان)) ٧/ ١٣١.
٢ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الَقَطَوَانيّ(٣) أبو الْهَيْئَم الْبَجَليّ مولاهم الكوفيّ،
صدوقٌ يتشيَّع، وله أفراد، من كبار [١٠] (ت٢١٣) وقيل: بعدها (خ م كد ت
س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٧/٦٥.
(١) راجع: ((الجامع لأحكام القرآن)) ١٣٨/٧ - ١٤٢.
(٢) انظر: تفاصيل هذه الأسباب في كتاب ((حقيقة البدعة وأحكامها)) تأليف سعيد بن
ناصر الغامديّ ١٧٣/١ - ١٨٣.
(٣) بفتح القاف والطاء.

٢٩٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، وأبو أيوب المدنيّ،
ثقةٌ [٨] (١٧٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٠/١٤.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ نَِّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، يَحْمَدُ اللهَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ ...
إلخ) قال النوويّ تَخُّْ: فيه دليل للشافعيّ نَظُّ أنه يجب حمد الله تعالى في
الخطبة، ويتعين لفظه، ولا يقوم غيره مقامه. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما ادّعاه النوويّ من الحديث دليلٌ على وجوب
ما ذكره فيه نظرٌ لا يخفى، فإن الحديث إنما يدلّ على استحبابه، لا على
الوجوب؛ لأنه مجرّد فعل، وإن استدلّ بقوله وَلّ: ((صلّوا كما رأيتموني
أصلي))، فهو استدلال غير مقبول؛ لأن الشافعيّ تَّلهُ نفسه يرى بعض ما فعله
في خطبته مستحبّاً، فتفطّن.
والحاصل أن الأرجح عدم وجوب ما ذُكر، وقد تقدّم تحقيق ذلك، وبالله
تعالى التوفيق.
وقوله: (عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ) بكسر الهمزة، وسكون المثلّثة، أو بفتحهما، قال
الفيّوميّ تَخُّْهُ: وجئتُ في أَثَره بفتحتين، وإِثْرِهِ بكسر الهمزة، والسكون؛ أي:
تبعته عن قُرب. انتهى(٢).
وَقوله: (ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ) فاعل ((ساق)) ضمير سليمان بن بلال،
يعني: أن سليمان بن بلال ساق الحديث المتقدّم بمثل ما ساقه عبد الوهّاب بن
عبد المجيد.
[تنبيه]: رواية سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد هذه ساقها
البيهقيّ كَّتُهُ في ((السنن الكبرى)) (٢١٣/٣) فقال:
(٥٥٨٩) أخبرنا عليّ بن أحمد بن عبدان، أنبأ أحمد بن عبيد الصفّار،
ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا ابن أبي أُويس، والفرويّ قالا: ثنا
سليمان بن بلال، عن جعفر، يعني: ابن محمد، عن أبيه، عن جابر بن
عبد الله، أنه سمعه يقول: خطبة رسول الله وَلّ يوم الجمعة، يحمد الله، ويثني
(١) ((شرح النوويّ)) ١٥٦/٦.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤/١.

٢٩٥
(١٥) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الصَّلَاةِ قَصْداً، وَالْخُطْبَةِ قَصْداً، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٠٧)
عليه، ثم يقول على أثر ذلك، وقد علا صوته، واشتدّ غضبه، واحْمَرَّت
وجنتاه، كأنه منذر جيش، يقول: صَبَّحكم، أو مَسّاكم، ثم يقول: ((بُعِثتُ أنا
والساعة كهاتين))، وأشار بإصبعه الوسطى والتي تلي الإبهام، ثم يقول: ((إن
أفضل الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد، وشرّ الأمور محدثاتها،
وكل بدعة ضلاله، مَن تَرَك مالاً فلأهله، ومن ترك ديْناً، أو ضَيَاعاً، فإليّ،
وعليّ)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٠٠٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ سُفْيَانَ،
عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ يَخْطُبُ النَّاسَ،
يَحْمَدُ اللهَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: ((مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ
يُضْلِلْ فَلَ هَادِيَ لَهُ، وَخَيْرُ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ»، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ
الثَّقَفِيِّ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ
حافظٌ فقيهٌ عابدٌ إمامٌ حجةٌ، من رؤوس الطبقة [٧] (ت١٦١) وله أربع وستون
سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ الثَّقَفِيِّ) فاعل ((ساق)) ضمير
سفيان، يعني: أن سفيان الثوريّ ساق الحديث المتقدّم بمثل ما ساقه
عبد الوهّاب الثقفيّ.
[تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن جعفر هذه ساقها الإمام أحمد نَّتُهُ في
((مسنده))، فقال :
(١٤٥٦٦) حدّثنا وكيع، عن سفيان، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر،

٢٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
قال: كان رسول الله وَلا يقوم، فيخطب، فيحمد الله، ويثني عليه بما هو أهله،
ويقول: ((من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، إن خير الحديث
كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد وَله، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة
بدعة))، وكان إذا ذكر الساعة احمرّت وجنتاه، وعلا صوته، واشتدّ غضبه، كأنه
منذر جيش، صبَّحكم مسّاكم، ((من ترك مالاً فللورثة، ومن ترك ضَياعاً أو ديْناً
فعليّ، وإليّ، وأنا ولي المؤمنين)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٠٠٨] (٨٦٨) - (وَحَدَّثَنَا(١) إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى،
كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى، وَهُوَ أَبُو هَمَّام،
حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ ضِمَادَاً
قَدِمَ مَكّةَ، وَكَانَ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، وَكَانَ يَرْقِي مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ، فَسَمِعَ سُفَّهَاءَ مِنْ أَهْلِ
مَكَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّداً مَجْنُونٌ، فَقَالَ: لَوْ أَنِّي رَأَيْتُ هَذَا الرَّجُلَ، لَعَلَّ اللهَ
يَشْفِيهِ عَلَى يَدَيَّ، قَالَ: فَلَقِيَهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَرْقِي مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ(٢)،
وَإِنَّ اللهَ يَشْفِي عَلَى بَدِي مَنْ شَاءَ، فَهَلْ لَكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((إِنَّ الْحَمْدَ لهِ،
نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ
لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ»، قَالَ:
فَقَالَ: أَعِدْ عَلَيَّ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ، فَأَعَادَهُنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ نَّهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ:
فَقَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ، وَقَوْلَ السَّحَرَةِ، وَقَوْلَ الشُّعَرَاءِ، فَمَا سَمِعْتُ مِثْلَ
كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ، وَلَقَدْ بَلَغْنَ نَاعُوسَ الْبَحْرِ (٣)، قَالَ: فَقَالَ: هَاتٍ يَدََّ أُبَابِعْكَ عَلَى
الْإِسْلَامِ، قَالَ: فَبَايَعَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((وَعَلَى قَوْمِكَ؟)) قَالَ: وَعَلَى قَوْمِي،
(١) وفي نسخة: ((حدّثنا).
(٢) وفي نسخة: ((يرقي هذه الريح)).
(٣) وفي نسخة: ((قاموس البحر))، وفي أخرى: ((قاعوس البحر))، وفي أخرى: ((تاعوس
البحر)).

٢٩٧
(١٥) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الصَّلاَةِ قَصْداً، وَالْخُطْبَةِ قَصْداً، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٠٨)
قَالَ: فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ وَِّ سَرِيَّةً، فَمَرُوا بِقَوْمِهِ، فَقَالَ صَاحِبُ السَّرِيَّةِ لِلْجَيْشِ:
هَلْ أَصَبْتُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ شَيْئاً؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَصَبْتُ مِنْهُمْ مِظْهَرَةً، فَقَالَ:
رُقُوهَا، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمُ ضِمَادٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) ذُكر في الباب.
٣ - (عَبْدُ الْأَعْلَى، وَهُوَ أَبُو هَمَّام) هو: عبد الأعلى بن عبد الأعلى
البصريّ السامي - بالمهملة - أبو محمد،ً وكان يغضب إذا قيل له: أبو هَمّام،
ثقةٌ [٨] (ت١٨٩) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٧/٥.
٤ - (دَاوُدُ) بن أبي هند الْقُشَيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد
البصريّ، ثقةٌ متقنٌّ كان يهم بأَخَرَة [٥] (ت١٤٠) وقيل: قبلها (خت م ٤) تقدم
في ((الإيمان)) ٢٢١/٢٧.
٥ - (عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ) القرشيّ، ويقال: الثقفيّ مولاهم، أبو سعيد
البصريّ، ثقةٌ [٥].
رَوَى عن أنس، وورّاد كاتب المغيرة، وأبي زرعة بن عمرو بن جرير،
وسعيد بن جبير، وحميد بن عبد الرحمن الْحِمْيريّ، وأبي العالية، والشعبيّ.
وروى عنه أيوب، ويونس بن عبيد، وابن عون، وداود، وجرير بن
حازم، والحباب بن المختار القطعيّ، وسعيد الجريريّ.
قال الدُّوريّ، عن ابن معين: مشهور، وقال ابن الجنيد، عن ابن معين:
شيخٌ بصريّ، وقال ابن سعد، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال العجليّ: عمرو بن سعيد
ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا
الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (٨٦٨) و(١٦٢٨) و(١٨٧٢) و(٢١٥٩)
و(٢٣١٦).
٦ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] قُتِل بين يدي
الحجاج سنة خمس وتسعين، ولم يُكَمِّل الخمسين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٩/٥٧.

٢٩٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
٧ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله بن عبّاس بن عبد المطلب بن هاشم بن
عبد مناف، الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ه، مات سنة ثمان وستين بالطائف (ع)
تقدم في ((الإيمان)» ١٢٤/٦.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َّلُهُ، وله فيه شيخان قرن
بينهما؛ لاتحاد كيفيّة أخذه منهما، وهو السماع من لفظهما مع غيره، فلما
اختلفا في ذلك فرّق بينهما، فقال: قال ابن المثنّى: حدّثني عبد الأعلى إلخ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه إسحاق، فما أخرج
له ابن ماجه، وداود فقد علّق له البخاريّ، وعمرو بن سعيد، فما أخرج له
البخاريّ في ((الصحيح)).
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى إسحاق، فمروزيّ، وسعيد،
فكوفيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو ابن عمّ رسول الله وَله،
وُلِد قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له رسول الله وَلجر بالفهم في القرآن، فكان
يُسَمّى البحر والحبر؛ لسعة علمه، وقال عُمر بن الخطّاب وظُه: لو أدرك ابن
عباس أسناننا ما عاشره منّا أحدٌ، وهو أحد المكثرين من الصحابة .
وأحد
العبادلة الأربعة، من فقهاء الصحابة ﴿ه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﴿َا (أَنَّ ضِمَاداً) - بكسر الضاد المعجمة، وتخفيف
الميم، آخره دالٌ مهملة -: ابن ثعلبة الأزديّ، من أَزْدَ شَنُوءَةَ، روى مُسَدَّد في
((مسنده) فقال: ((وكان ضِمَاد صديقاً للنبيّ ◌َّ، وكان يتطبَّب، فخرج يطلب
العلم، ثم جاء وقد بُعِث النبيّ وَّ))، فذكر الحديث، قال البغويّ: لا أعلم
لضماد غيره، ووقع في ((الصحابة)) لابن حبان: ضِمَاد الأزديّ كان صديقاً
للنبيّ ◌َّ، وكذا قال ابن منده: إنه يقال فيه: ضمادٌ - أي بالدال ــ وضمام - أي

٢٩٩
(١٥) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الصَّلَاةِ قَصْداً، وَالْخُطْبَةِ قَصْداً، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٠٨)
بالميم - أفاده في ((الإصابة))(١) .
(قَدِمَ) بكسر الدال (مَكَّةَ، وَكَانَ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ) - بفتح الهمزة، وسكون
الزاي، وفتح الشين المعجمة، وضمّ النون -: اسم قبيلة مشهورة، وهو أزد بن
الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن کَھلان بن سبأ، أفاده في ((اللباب» (٢).
(وَكَانَ يَرْقِي) بفتح أوله، وكسر ثالثه، يقال: رَقَيْتُهُ أَرْقِيه رَقْياً، من باب رَمَى:
إذا عَوَّذته بالله، والاسمُ الرُّقْيَا على فُعْلَى، والمرّةُ الرُّقيةُ، والجمع رُقَّى، مثلُ
مُدْيَةٍ ومُدَى(٣). (مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ) بكسر الراء المراد به هنا الجنون، ومسّ
الجنّ، وفي غير ((صحيح مسلم)): يَرقي من الأرواح؛ أي: الجنّ، سُمُّوا
بذلك؛ لأنهم لا يُبصرهم الناس، فهم كالروح، والريح(٤)، (فَسَمِعَ سُفَهَاءَ)
بالضمّ: جمع سَفِيه، يقال: سَفِهَ سَفَهاً، من باب تَعِبَ، وسَفُهَ بالضمّ سَفَاهَةً،
فهو سفيه، والأُنثى سَفِيهةٌ، والسَّفَهُ: نقصٌ في العقل، وأصله الخِفّة(٥). (مِنْ
أَهْلِ مَكَّةَ بَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّداً) وَِّ (مَجْنُونٌ، فَقَالَ) ضماد (لَوْ أَنِّي رَأَيْتُ هَذَا
الرَّجُلَ، لَعَلَّ اللهَ يَشْفِيهِ) بفتح أوله، يقال: شَفَى الله المريض يَشْفيه، من باب
رَمَى شِفَاءً: عافاه(٦). (عَلَى يَدَتَّ) أي: بسبب معالجتي له بيديّ (قَالَ) الراوي
(فَلَقِيَهُ) أي: لقي ضِمادٌ النبيّ وَِّ (فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَرْقِي مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ)
وفي نسخة: ((في هذه الريح)) (وَإِنَّ اللهَ يَشْفِي عَلَى يَدِي مَنْ شَاءَ، فَهَلْ لَكَ؟)
جارّ ومجرور خبر لمحذوف؛ أي: فهل لك رغبة في أن أعالجك؟ (فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَ﴿ِ: ((إِنَّ الْحَمْدَ للهِ) بكسر همزة ((إنّ)؛ لوقوعها مقول القول؛ أي:
الثناء الجميل (نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ) أي: في جميع الأمور (مَنْ يَهْدِهِ اللهُ) بإثبات
ضمير النصب؛ أي: من يوفّقه الله تعالى لاتّباع طريق الحقّ (فَلَا مُضِلَّ لَهُ) فلا
أحد يقدر على إضلاله، من شيطان، أو نفس، أو غيرهما (وَمَنْ يُضْلِلْ) أي:
من يضلله الله تعالى (فَلَا هَادِيَ لَهُ) أي: فلا أحد يهديه إلى الحقّ، لا من جهة
(١) راجع: ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٤٨٦/٣.
(٢) راجع: ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣٤/١.
(٣) راجع: ((المصباح)) ٢٣٦/١.
(٥) راجع: ((المصباح)) ٢٧٩/١ - ٢٨٠.
(٤) ((شرح النوويّ)) ٦/ ١٥٧.
(٦) ((المصباح)) ٣١٩/١.

٣٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
العقل، ولا من جهة النقل، ولا من جهة أحد من الخلق (وَأَشْهَدُ) أي: أعلم،
وأتيقّن، وأعترف (أَنْ) بفتح الهمزة مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن
محذوف، وأصله أنه، وخبره الجملة بعدها، كما قال في ((الخلاصة)):
وَإِنْ تُخَفَّفْ ((أَنَّ) فَاسْمُهَا اسْتَكَنْ وَالْخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلَةً مِنْ بَعْدِ (أَنْ))
(لَا إِلَهَ) أي: لا معبود بحقّ (إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ) منصوب على الحال بتقدير
تفكيره؛ أي: منفرداً، كما قال في ((الخلاصة)):
وَالْحَالُ إِنْ عُرِّفَ لَفْظَاً فَاعْتَقِدْ تَنْكِيرَهُ مَعْنَى كَـ(وَحْدَكَ اجْتَهِدْ))
وقوله: (لَا شَرِيكَ لَهُ) جملة حاليّة (وَأَنَّ مُحَمَّداً) وفي رواية النسائيّ:
((وأشهد أن محمداً)) (عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) تقدّم معنى الشهادتين مستوفَّى في أبواب
الأذان، فراجعه تستفد.
(أَمَّا بَعْدُ)) أي: بعد ما ذُكر من الحمد، وما بعده (قَالَ) الراوي (فَقَّالَ)
ضمادٌ (أَعِدْ) بقطع الهمزة، أمر من الإعادة؛ أي: كرّر (عَلَيَّ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءٍ)
مبنيّ على الكسر، في محلّ جرّ بدل من ((كلماتك)) (فَأَعَادَهُنَّ) أي: الكلمات
(عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَلِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أي: ليفهمها حقّ الفهم، وكان من هديه وَّ
أنه إذا تكلّم بكلمة أعادها ثلاثاً؛ لذلك، فقد أخرج البخاريّ في ((صحيحه)) عن
أنس رَظُه، أنه وسي﴿ كان إذا تكلّم بكلمة أعادها ثلاثاً؛ حتى تُفْهَم عنه، وإذا أتى
على قوم فسلّم عليهم، سلَّم عليهم ثلاثاً.
(قَالَ) الراوي (فَقَالَ) ضماد (لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْکَھَنَةِ) بفتحات: جمع
كاهن، ويُجمع أيضاً على كُهّانٍ، وهو اسم فاعل من كَهَنَ له، كمَنَعَ، ونَصَرَ،
وكَرُمَ كَهَانَةً بالفتح، وتكهّن تكهُّناً: إذا قَضَى له بالغيب، وحرفته الْكِهَانَةُ
بالكسر، أفاده في ((القاموس))(١). (وَقَوْلَ السَّحَرَةِ) بفتحات أيضاً: جمع ساحر،
من سَحَر يسحرُ، من باب منع، والسِّحْر - بكسر فسكون - كلُّ ما لطُفَ مأخذه،
ودَقَّ، أفاده في ((القاموس)) (٢)، وقال في ((المصباح)) نقلاً عن ابن فارس:
السِّخْرُ هو إخراج الباطل في صورة الحقّ، ويقال: هو الخديعة، وسَحَرَه
(١) ((القاموس المحيط)) ٤/ ٢٦٤.
(٢) ((القاموس)) ٤٥/٢.