Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
(١٥) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الصَّلَاةِ قَصْداً، وَالْخُطْبَةِ قَصْداً، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٠٥)
زيادة الوسطى على المسبّحة. انتهى(١).
(وَيَقُولُ) وَّهِ ((أَمَّا بَعْدُ) ((أما)) كلمةٌ تَفْصِل ما بعدها عما قبلها، وهي
حرفٌ متضمّنٌ للشرط، ولذلك تدخل الفاء في جوابها، وقدّرها النحويّون
بـ(مهما يكن من شيء))، وإلى هذا أشار في ((الخلاصة)) بقوله:
(أَمَّا)) كَ((مَهْمَا يَكُ مِنْ شَيْءٍ)) وَفَا لِتِلْوِ تِلْوِهَا وُجُوباً أُلِفَا
لَمْ يَكُ قَوْلٌ مَعَهَا قَدْ نُبِذَا
وَحَذْفُ ذِي الْفَا فَلَّ فِي نَثْرٍ إِذَا
و (بَعْدُ)) ظرف زمانيّ قُطِع عن الإضافة مع كونها مرادةً، فُبُني على الضمّ،
وخصّ بالضمّ؛ لأنه حركة ليست في حال إعرابه، والعامل فيه ما تضمّنه ((أما))
من معنى الشرط(٢).
وقال الطيبيّ كَُّ: قوله: ((أما بعدُ)) هاتان الكلمتان يقال لهما: فصل
الخطاب، وأكثر استعمالهما بعد تقدّم قصّة، أو حمد الله تعالى، والصلاة
والسلام على النبيّ وَله، والأصل أن يقال: أما بعد حمد الله تعالى، و(بَعْدُ))
إذا أُضيف إلى شيء، ولم يتقدّم عليه حرف جرّ، فهو منصوب على الظرف،
وإذا قُطِع عنه المضاف إليه يُبنَى على الضمّ، والمفهوم أنه ◌َّ قال ذلك في
أثناء خطبته ووعظه، وأنشد التوربشتيّ لسحبان (من الطويل]:
لَقَدْ عَلِمَ الْحَيُّ الْيَمَانُونَ أَنَّنِي إِذَا قُلْتُ ((أَمَّا بَعْدُ)) أَنِّي خَطِيبُهَا
والفاء لازمة لما بعد ((أمّا)) من الكلام؛ لما فيها من معنى الشرط.
قال: ((أما)) وُضِعَ للتفضيل، فلا بُدّ من التعدّد، روى صاحب ((المرشد))
عن أبي حاتم أنه لا يكاد يوجد في التنزيل ((أما)) وما بعدها إلا وتثنَّى، أو
تثلّث، كقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ﴾، ﴿وَمَّا الْغُلَهُ﴾، ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ﴾، وعامله
مقدّر؛ أي: مهما يكن من شيء بعد تلك القصّة فإن خير الحديث كتاب الله،
فالذي يتضمّن القرينة السابقة قول الراوي في الحديث: ((إذا خطب احمرّت
عيناه، وعلا صوته، واشتدّ غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبّحكم
ومسّاكم، ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرِن بين إصبعيه السبّابة
(١) (شرح السنديّ على النسائيّ)) ١٨٩/٣.
(٢) راجع: ((المفهم)) ٢/ ٥٠٧.

٢٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
والوسطى، ويقول: أما بعد ... )) الحديث. انتهى كلام الطيبيّ ◌َخْذّتُهُ(١).
وقد استوفيت البحث في ((أما بعد)) في ((شرح المقدمة)) عند قوله: ((أما
بعد))، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ) وَّه قال
النوويّ كَّلهُ: هو بضم الهاء، وفتح الدال فيهما، وبفتح الهاء، وإسكان الدال
أيضاً، ضبطناه بالوجهين، وكذا ذكره جماعة بالوجهين، وقال القاضي
عياض تَُّهُ: رويناه في مسلم بالضمّ، وفي غيره بالفتح، وبالفتح ذكره
الهرويّ، وفسّره الهرويّ على رواية الفتح بالطريق؛ أي: أحسنُ الطرق طريقُ
محمد ◌َله، يقال: فلانٌ حسن الهدي؛ أي: الطريقة، والمذهبِ، ((اهتدوا
بهدي عَمّار)).
وأما على رواية الضمّ، فمعناه الدلالة، والإرشاد.
قال العلماء: لفظ الهدى له معنيان :
[أحدهما]: بمعنى الدلالة والإرشاد، وهو الذي يضاف إلى الرسل،
والقرآن، والعباد، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:
٥٢]، ﴿إِنَّ هَذَا اُلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، و﴿هُدَّى لِلْمُتَّقِينَ﴾
[البقرة: ٢]، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ﴾ [فصلت: ١٧]، أي: بيّنًا لهم
الطريق، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣]، ﴿وَهَدَيْنَهُ
[البلد: ١٠].
النَّجْدَیْنِ
[والثاني]: بمعنى اللطف، والتوفيق، والعصمة، والتأييد، وهو الذي
تفرّد الله تعالى به، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى
مَن يَشَآءُ﴾ الآية [القصص: ٥٦]. وقالت القدرية: حيث جاء الهدى، فهو للبيان،
بناءً على أصلهم الفاسد في إنكار القدر، وردّ عليهم أصحابنا وغيرهم من أهل
الحقّ، مثبتي القدر لله تعالى بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السَّلَمِ وَيَهْدِى مَن
[يونس: ٢٥]، ففرّق بين الدعاء والهداية. انتهى كلام
يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيم
النوويّ ◌َقْذُ(٢).
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٦٠٤/٢.
(٢) ((شرح النووي)) ١٥٤/٦.

٢٦٣
(١٥) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الصَّلَاةِ قَصْداً، وَالْخُطْبَةِ قَصْداً، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٠٥)
وقال الطيبيّ ◌َُّهُ: و((الهدي)): السيرة، يقال: هُدي هَدْي زيد: إذا سار
سيرته، من تهادت المرأة في مشيها: إذا تبخترت، ولا يكاد يُطلق إلا على
طريقة حسنة، وسنّة مرضيّة، ولذلك حسُن إضافة الخير إليه، والشرّ إلى
الأمور، واللام في ((الهدي)) للاستغراق؛ لأن أفعل التفضيل لا يضاف إلا إلى
متعدّد، وهو داخل فيه، ولأنه لو لم تكن للاستغراق لم تُفد المعنى المقصود،
وهو تفضيل دينه وسنّته على سائر الأديان والسنن. انتهى (١).
(وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا) مبتدأ وخبره، والجملة عطف على جملة ((إن
الحديث ... إلخ))، ويجوز نصب ((شرَّ) عطفاً على اسم ((إنّ))، و(محدثاتها))
عطف على خبرها، فيكون من عطف المعمولين على المعمولين، وبالرفع عطفاً
على محلّ ((إنّ) واسمها(٢).
قال في ((الفتح)): ((المحدثات)) بفتح الدال جمع محدثة، والمراد بها ما
أُحدث، وليس له أصل في الشرع، ويُسمّى في عرف الشرع ((بدعةً))، وما كان
له أصل يدلّ عليه الشرع، فليس ببدعة، فالبدعة في عرف الشرع مذمومة،
بخلاف اللغة، فإن كلّ شيءٍ أُحدث على غير مثال يُسَمَّى بدعةً، سواء كان
محموداً، أو مذموماً، وكذا القول في المحدَثة، وفي الأمر المحدّث الذي ورد
في حديث عائشة هنا مرفوعاً: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو
(٣)
رد)). انتهى
وقال القرطبيّ تَخْلُهُ: يعني: المحدثات التي ليس لها في الشريعة أصل
يشهد لها بالصحّة والجواز، وهي المسمّاة بالبِدَع، ولذلك حُكم عليها بأنّ كلّ
بدعة ضلالة، وحقيقة البدعة: ما ابتدئ، وافْتُتحَ من غير أصل شرعيّ، وهي
التي قال فيها وَّر: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردّ)) متّفقٌ عليه.
انتھی (٤).
وقال السنديّ نَّهُ: المراد: المحدثات في الدين، وعلى هذا فقوله:
(١) ((الكاشف)) ٦٠٤/٢.
(٢) راجع: ((الكاشف)) ٦٠٤/٢.
(٣) ((الفتح)) ٢٦٦/١٣ - ٢٦٧، طبعة دار الريان.
(٤) ((المفهم)) ٥٠٨/٢.

٢٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
((وكلّ بدعة ضلالة)) على عمومه. انتهى (١).
(وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ))) هذه الجملة معطوفة على محذوف كما بُيِّن في رواية
أخرى؛ تقديره: فكلُّ محدثة بدعة، وكلُّ بدعة ضلالة، وعند النسائيّ بإسناد
صحيح من حديث جابر ته مرفوعاً: ((إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن
الهدي هدي محمد بَّه، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلُّ محدثة بدعة، وكلُّ بدعة
ضلالة، وكلّ ضلالة في النار)).
قال النوويّ ◌َُّهُ: قوله: ((وكلُّ بدعة ضلالة)) هذا عامّ مخصوص،
والمراد: غالب الْبِدَع، قال أهل اللغة: هي كلُّ شيء عُمِل على غير مثال
سابق. قال العلماء: البدعة خمسة أقسام: واجبة، ومندوبة، ومُحَرَّمة،
ومكروهة، ومباحة، فمن الواجبة نظم أدلة المتكلمين للردّ على الملاحدة
والمبتدعين، وشبه ذلك، ومن المندوبة تصنيف كتب العلم، وبناء المدارس
والربط، وغير ذلك، ومن المباح التبسط في ألوان الأطعمة، وغير ذلك،
والحرام والمكروه ظاهران.
فإذا عُرِف ما ذكرته عُلِم أن الحديث من العام المخصوص، وكذا ما
أشبهه من الأحاديث الواردة، ويؤيد ما قلناه قول عمر بن الخطاب نظريته في
التراويح: نعمت البدعة، ولا يَمنَع من كون الحديث عاماً مخصوصاً قوله: ((كل
بدعة)) مؤكداً بـ((كل)) بل يدخله التخصيص مع ذلك، كقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ
شَىْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥]. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى: قول النوويّ: ((هذا عامّ مخصوص)) فيه نظرٌ لا
يخفى؛ إذ ليس كذلك، بل الصواب أنه على عمومه، فإن كلّ بدعة شرعيّة
ضلالة من دون استثناء شيء منها، وأما ما ظنّه أنه مخصوص من العموم، فإنما
هو في البدع اللغويّة، فإن البدعة قسمان:
[إحداهما]: شرعيّة، وهي التي أُحدثت بعد كمال الدين، وليس لها أصل
في الكتاب، والسنة، والإجماع، فهذه ضلالة دون استثناء.
[والثانية]: لغويةٌ وهي أعمّ من الشرعيّة، إذ هي تشمَلُ كلَّ ما أُحدث بعد
(١) ((شرح السنديّ)) ١٨٩/٣.
(٢) ((شرح مسلم)) ١٥٥/٦.

٢٦٥
(١٥) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الصَّلَاةِ قَصْداً، وَالْخُطْبَةِ قَصْداً، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٠٥)
النبيّ وَّ سواء كان له أصل في الشرع أم لا، فكلُّ ما أورده النوويّ من
الأمثلة، وظنّ أنه مخصوص من عموم هذا الحديث، فإنه من اللغويّة، لا من
الشرعية .
والحاصل أن البدع التي ليس لها مُسْتَنَدٌ من الأدلة الشرعية، فإنها بدعة
شرعية ضلالة، وأن البدع التي لها أصل من الأدلة الشرعيّة، فهي من البدع
اللغويّة، وليست من الضلالة في شيء، ويدلّ على هذا التقسيم الحديثُ المتّفق
عليه: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردّ))، فقوله وَله: ((ما ليس
منه)) يدلّ على أن من المحدث ما هو من الشرع، وهو الذي تدلّ عليه الأدلة
الشرعيّة، ومن ذلك قول عمر رظُله: ((نعمت البدعة))، فإنه أراد به كونها بدعة
لغويّة، وذلك لأن قيام رمضان رغب فيه النبيّ وَّ، بل صلى بعض الليالي
بأصحابه، ثم اعتذر إليهم بخشية أن يُفرَض عليهم، فلا يقومون به، فلما
تُوفّي بَ له، رأى عمر ظله أن الخشية ارتفعت، فجمعهم على إمام واحد،
واستحسن منه ذلك كثيرٌ من الصحابة رُّه، ومنهم عثمان وعليّ ◌ًَّا، فقد كان
الناس يصلّون جماعة في خلافتهما. وكذلك ما نقل عن الإمام الشافعيّ دَّثُ
وغيره من تقسيم البدع إلى محمودة ومذمومة، فإنما أرادوا البدعة اللغوية، لا
الشرعيّة، فافهم الفرق، ولا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، وملجأ العنيد،
وسيأتي مزيد بسط وإيضاح لهذا في المسائل الآتية - إن شاء الله تعالى - وبالله
تعالى التوفيق.
(ثُمَّ يَقُولُ: ((أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ) قال النوويّ ◌َخْتُ: هو موافقٌ
لقول الله تعالى: ﴿الَِّىُّ أَوْلَى ◌ِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]؛ أي: أحقّ،
قال أصحابنا - يعني: الشافعيّة -: لو كان النبيّ وَّ مضطرّاً إلى طعام غيره،
وهو مضطرّ إليه لنفسه كان للنبيّ وَلّ أخذه من مالكه المضطرّ، ووجب على
مالكه بذله له وَلَّ، قالوا: ولكن هذا - وإن كان جائزاً - فما وقع. انتهى.
(مَنْ تَرََكَ مَالاً فَلِأَهْلِهِ) أي: فهو ميراثٌ لأهله (وَمَنْ تَرَكَ دَيْئاً أَوْ ضَيَاعاً،
فَعَلَيَّ وَإِلَيَّ))) أي: فعليّ وفاء دينه، وإلَيّ كفالة عياله، فالأول راجع إلى الدَّين،
والثاني راجع إلى الضياع.
قال النوويّ كَُّ: هذا تفسير لقوله: ((أنا أولى بكل مؤمن من نفسه))،

٢٦٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
قال أهل اللغة: (الضَّيَاع)) - بفتح الضاد -: العيال، قال ابن قتيبة: أصله مصدر
ضاع يَضيع ضَيَاعاً، والمراد: من ترك أطفالاً وعيالاً ذوي ضَياعٍ، فأوقع
المصدر موضع الاسم. انتهى.
وقال القرطبيّ: الضَّيَاع: العيال، قاله النضر بن شُميل. وقال ابن قتيبة:
هو مصدر ضَاعَ يَضيع ضَيَاعاً، ومثله: مضى يمضي مَضَاءً، وقَضَى يَقْضِي
قَضَاءً: أراد من ترك عيالاً، أو أطفالاً، فجاء بالمصدر موضع الاسم، كما
تقول: ترك فقراً: أي: فقراء. و((الضِّيَاع)) بالكسر: جمع ضائع، مثل جائع
وجياع، وضيعة الرجل أيضاً ما يكون منه معاشه، من صناعة، أو غلّة، قاله
الأزهريّ، وقال شَمِر: ويدخل فيه التجارة، والحِرفة، يقال: ما ضيعتك؟
فتقول: كذا. انتهى(١).
قال النوويّ دَخُّْ: قال أصحابنا: وكان النبي ◌َّ لا يُصلي على من مات
وعليه دَين، لم يَخلُف به وفاء؛ لئلا يتساهل الناس في الاستدانة، ويُهمِلوا
الوفاء، فزجرهم عن ذلك بترك الصلاة عليهم، فلما فتح الله على المسلمين
مبادئ الفتوح قال وَلجي: ((من ترك ديناً فعليّ))؛ أي: قضاؤه، فكان يقضيه.
واختَلَف أصحابنا: هل كان النبي ◌َّهُ يَجِب عليه قضاء ذلك الدين، أم
كان يقضيه تَكَرُّماً؟ والأصح عندهم أنه كان واجباً عليه وَله .
واختلفوا هل هذه من الخصائص أم لا؟، فقال بعضهم: هو من
خصائص رسول الله وَفر، وقيل: لا، بل يلزم الإمام أن يقضي من بيت المال
دَين من مات، وعليه دين إذا لم يَخلُف وفاءً، وكان في بيت المال سعة، ولم
يكن هناك أهم منه. انتهى كلام النوويّ(٢).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ كَّثُ: قوله: ((أنا أولى بكل مؤمن من نفسه))؛
أي: أقرب له من نفسه، أو أحقّ به منها، ثم فسّر وجهه بقوله: ((من ترك مالاً
فلأهله، ومن ترك ديناً، أو ضَيَاعاً فإليّ، وعليّ)).
وبيانه أنه إذا ترك ديناً، أو ضَيَاعاً، ولم يَقدِر على أن يُخَلِّصَ نفسه منه؛
إذا لم يترك شيئاً يَسُدُّ به ذلك، ثم يُخلّصه النبيّ وَّر بقيامه به عنه، أو سدّ ضَيْعته
(١) ((المفهم)) ٥٠٩/٢.
(٢) ((شرح مسلم)) ٦/ ١٥٥.

٢٦٧
(١٥) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الصَّلَاةِ قَصْداً، وَالْخُطْبَةِ قَصْداً، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٠٥)
كان أولى به من نفسه؛ إذ قد فعل معه ما لم يَفعَل هو بنفسه، والله تعالى
أعلم.
وأما رواية من رواه: ((أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم)) في غير ((صحيح
مسلم))، فيَحْتَمِل أن يُحمَل على ذلك، ويَحْتَمِل أن يكون معناه: أنا أولى
بالمؤمنين من بعضهم لبعض، كما قال تعالى: ﴿أَنِ اُقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء:
٦٦] أي: ليقتل بعضكم بعضاً في أَشهر أقوال المفسّرين.
قال: وهذا الكلام إنما قاله النبيّ وَّ﴿ حين رَفَعَ ما كان قرّر من امتناعه
من الصلاة على من مات وعليه دينٌ لم يترك له وفاءً، كما قاله أبو هريرة برڅبه :
كان النبيّ وَّ﴿ يُؤتى بالميت عليه الدين، فَيَسْأل: ((هل ترِك لدينه وفاءً؟)) فإن
قيل: إنه ترك وفاءً صلّى عليه، وإن قالوا: لا، قال: ((صلَّوا على صاحبكم))،
قال: فلما فتح الله عليه الفتوحَ قال: ((أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من تُوفّي
فترك ديناً، فعليّ، ومن ترك مالاً فلورثته)). متّفقٌ عليه.
قال القاضي: وهذا مما يلزم الأئمة من الفرض في مال الله تعالى
للذرّيّة، وأهل الحاجة، والقيام بهم، وقضاء ديون محتاجيهم. انتهى (١)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله رضيًّا هذا من أفراد
المصنّف نَخَذْتُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠٠٥/١٥ و٢٠٠٦ و٢٠٠٧] (٨٦٧)، و(أبو
داود) في ((كتاب الخراج والإمارة والفيء)) (٢٩٥٤)، و(النسائيّ) في ((الجمعة))
(١٥٧٨) و((الكبرى)) (١٧٨٦)، و(ابن ماجه) في ((المقدّمة)) (٤٥) و((كتاب
الأحكام)» (٢٤٠٧)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٧٨٥)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (١٠)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٩٥١ و١٩٥٢ و١٩٥٣)،
(١) ((المفهم)) ٥٠٨/٢ - ٥١٠.

٢٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
و(أحمد) في ((مسنده)) (٣١٠/٣ و٣٣٨ و٣٧١)، و(أبو يعلى في ((مسنده))
(٢١١١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢١٤/٣)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة))
(٤٢٩٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة الخطبة.
٢ - (ومنها): بيان وجوب اجتناب البدع، وسيأتي البحث عن البدعة
مستوفّى في المسائل الآتية - إن شاء الله تعالى -.
٣ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ ◌َ ﴾ من شدّة الاهتمام في التحذير عن
المعاصي، والحثّ على الطاعات، ومن أجل شدّة الاهتمام بذلك ينشأ غضبه،
بحيث تحمرّ عيناه، ويتغيّر حاله، فكأن من سمع خطبته في تلك الحال يتصوّره
كأنه منذر جيش جرّار، قد دنا اجتياحه لقومه، وهم في غفلتهم ساهون، وفي
مستلذّاتهم لاهون، وذلك نتيجة حرصه على هداية أمته، ورحمته ورأفته بهم،
فكان كما وصفه الله رَك بقوله: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُوكُ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزُ
عَلَيْهِ مَا عَنِثُمْ حَرِيصُ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (٧٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
٤ - (ومنها): أنه ينبغي للخطيب أن يفخِّم أمر الخطبة، فيرفع صوته،
ويُجْزِل كلامه؛ حتى يكون مطابقاً للفصل الذي يتكلّم فيه، من ترغيب، أو
ترهيب.
٥ - (ومنها): بيان قرب الساعة، فإن بعثته وَالله إحدى علاماتها .
٦ - (ومنها): مشروعيّة ضرب المثل للإيضاح.
٧ - (ومنها): استحبابُ قولِ: ((أما بعدُ)) في خُطَب الوعظ، والجمعة،
والعيد، وغيرها، وكذا في خُطَب الكتب المصنفة، وقد عقد الإمام البخاريّ تَظُّهُ
باباً في استحبابه، وذكر فيه جملةً من الأحاديث، واختَلَف العلماء في أول من
تكلم به، فقيل: داود علّ*، وقيل: يعرب بن قحطان، وقيل: قُسّ بن ساعدة.
وقال بعض المفسرين، أو كثير منهم: إنه فصل الخطاب الذي أوتيه داود ظلَّلا،
وقال المحققون: فصلُ الخطاب الفصل بين الحقّ والباطل(١)، وقد استوفيت
(١) ((شرح مسلم للنوويّ)) ١٥٦/٦.

(١٥) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الصَّلَاةِ قَصْداً، وَالْخُطْبَةِ قَصْداً، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٠٥)
٢٦٩
البحث في هذا في ((شرح المقدّمة))، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
٨ - (ومنها): كون كلام الله ◌ُعَلَ خير الكلام، كما قال ◌َالَ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ
أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ الآية [الزمر: ٢٣].
٩ - (ومنها): أن هدي النبيّ وَّهُ خير الهدي، وأكمله، وأحسنه وأفضله.
١٠ - (ومنها): أن البِدَعَ التي لا أصل لها من الكتاب والسنة شرُّ الأمور،
وأنها هي الضلالة بعينها، فيجب اجتنابها، والحذر منها، والبعد عن أهلها،
حتى لا يقع العاقل في مهواتها، فيكون مأواه نار جهنم وبئس المصير.
١١ - (ومنها): كون النبيّ ◌َ ل﴿ أولى بكلّ مؤمن من نفسه، كما قال الله
تعالى: ﴿النَّبِىُّ أَوْلَى بِلْمُؤْمِينَ مِنْ أَنفُسِهِمَّ﴾ الآية [الأحزاب: ٦].
١٢ - (ومنها): أن من مات وعليه دينٌ، ولم يترك وفاءً، أو ترك عيالاً لا
كافل لهم، فعلى الإمام أن يتولّى ذلك من بيت المال، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فيما نُقل عن أهل العلم فيما يتعلّق بالبدعة:
قال الإمام الْهُمام شيخ الإسلام ابن تيميّة تَّتُهُ: البدعة في الدين هي ما
لم يشرعه الله ورسوله، وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب، ولا استحباب، فأما ما
أمر به أمر إيجاب، أو استحباب، وعُلم الأمر بالأدلة الشرعية، فهو من الدين
الذي شرعه الله، وإن تنازع أولو الأمر في بعض ذلك، وسواءٌ كان هذا مفعولاً
على النبيّ وَّ﴾، أو لم يكن، فما فُعل بعده بأمره ــ من قتال المرتدّين،
والخوارج المارقين، وفارس والروم والترك، وإخراج اليهود والنصارى من
جزيرة العرب، وغير ذلك - فهو سنته (١).
وقال أيضاً: البدعة ما خالفت الكتاب، والسنّة، أو إجماع سلف الأمة
من الاعتقادات، والعبادات، كأقوال الخوارج، والروافض، والقدريّة،
والجهميّة، وكالذين يتعبّدون بالرقْصِ، والغناء في المساجد، والذين يتعبّدون
بحلق اللحى، وأكل الحشيشة، وأنواع ذلك من البدع التي يتعبّد بها طوائف من
المخالفين للكتاب والسنّة(٢).
(١) ((مجموع الفتاوى)) ١٠٧/٤ - ١٠٨.
(٢) ((مجموع الفتاوى)) ١٩٥/٣.

٢٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
وقال أيضاً: فمن ندب إلى شيء يُتقرّب به إلى الله، أو أوجبه بقوله، أو
فعله من غير أن يشرعه الله، فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله(١).
وقال أيضاً: السنّة هي ما قام الدليل الشرعيّ عليه بأنه طاعة لله تعالى
ورسوله ◌َ ﴿، سواء فعله رسول الله وَ ل، أو فُعل في زمانه، أو لم يفعله، ولم
يُفعل في زمانه؛ لعدم المقتضي حينئذ لفعله، أو وجود المانع منه.
فإذا ثبت أنه أمر به، أو استحبّه فهو سنّة، كما أمر بإجلاء اليهود
والنصارى من جزيرة العرب، وكما جمع الصحابةُ القرآن في المصحف، وكما
داوموا على قيام رمضان في المسجد جماعةً، وقد قال وَّ: ((لا تكتبوا عني
غير القرآن، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه))، فشرَع كتابة القرآن، وأما كتابة
الحديث فنهى عنه أولاً، وذلك منسوخٌ عند جمهور العلماء بإذنه لعبد الله بن
عمرو أن يكتب عنه ما سمعه في الغضب والرضا، وبإذنه لأبي شاهٍ أن تُكتب له
خطبته عام الفتح، وبما كتبه لعمرو بن حزم من الكتاب الكبير الذي كتبه له لَمّا
استعمله على نجران، وبغير ذلك.
والمقصود هنا أن كتابة القرآن مشروعةٌ، لكن لم يجمعه في مصحف
واحد؛ لأن نزوله لم يكن تمّ، وكانت الآية قد تُنسخ بعد نزولها، فلوجود
الزيادة والنقص لم يمكن جمعه في مصحف واحد حتى مات ويهالخير، وكذا قيام
رمضان، قد قال وَ لّ: ((إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام
ليلة))، وقام في أول الشهر بهم ليلتين، وقام في آخر الشهر ليالي، وكان الناس
يُصلّون على عهده بَّر في المسجد فرادى وجماعات، لكن لم يُداوم بهم على
الجماعة؛ خشية أن تُفرض عليهم، وقد أُمن ذلك بموته. وقد قال وَّ في
الحديث الذي رواه أهل السنن، وصححه الترمذيّ وغيره: ((عليكم بسنتي، وسنة
الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسّكوا بها، وعضّوا عليها بالنواجذ،
وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كلّ بدعة ضلالة))، فما سنّه الخلفاء الراشدون
ليس بدعةً شرعيّةً يُنهى عنها، وإن كان يُسمّى في اللغة بدعة؛ لكونه ابتُدئ، كما
قال عمر ظه: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل. انتهى(٢).
(١) ((المصدر السابق)) ١٩٥/٣.
(٢) ((مجموع الفتاوى)) ٣١٧/٢١ - ٣١٩.

٢٧١
(١٥) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الصَّلَاةِ قَصْداً، وَالْخُطْبَةِ قَصْداً، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٠٥)
وقال العلامة أبو إسحاق الشاطبيّ(١) تَخْذَقُ: أصل مادّة ((بدع)) للاختراع
على غير مثال سابق، ومنه قول الله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة:
١١٧، الأنعام: ١٠١]: أي: مخترعهما من غير مثال سابق متقدّم، وقوله تعالى:
﴿قُلْ مَا كُتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩]؛ أي: ما كنت أول من جاء بالرسالة
من الله إلى العباد، بل تقدّمني كثير من الرسل، ويقال: ابتدع فلان بدعة،
يعني: ابتدأ طريقة لم يسبقه إليها سابق. وهذا أمر بديع، يقال في الشيء
المستحسن الذي لا مثال له في الحسن، فكأنه لم يتقدّمه ما هو مثله وما لا
يُشبهه .
ومن هذا المعنى سمّيت البدعة بدعة، فاستخراجها للسلوك عليها هو
الابتداع وهيئتها هي البدعة، وقد يُسمّى العمل المعمول على ذلك الوجه بدعة.
فمن هذا المعنى سمي العمل الذي لا دليل عليه في الشرع بدعة، وهو
إطلاق أخصّ منه في اللغة.
قال: ثبت في علم الأصول أن الأحكام المتعلّقة بأفعال العباد، وأقوالهم
ثلاثة: حكم يقتضيه معنى الأمر، كان للإيجاب، أو الندب، وحكم يقتضيه
معنى النهي، كان للكراهة، أو التحريم، وحكم يقتضيه معنى التخيير، وهو
الإباحة.
فأفعال العباد وأقوالهم لا تعدو هذه الأقسام الثلاثة: مطلوب فعله،
ومطلوب تركه، ومأذون في فعله وتركه، والمطلوب تركه لم يُطلَب تركه إلا
لكونه مخالفاً للقسمين الأخيرين، لكنه على ضربين:
(أحدهما): أن يُطلَب تركه، ويُنهى عنه؛ لكونه مخالفة خاصّة مع مجرّد
النظر عن غير ذلك، وهو إن كان محرّماً سمّي فعله معصية وإثماً وسمي فاعله
عاصياً وآئماً، وإلا لم يسمّ بذلك، ودخل في حكم العفو حسبما هو مبيّن في
غير هذا الموضع، ولا يُسمّى بحسب الفعل جائزاً ولا مباحاً؛ لأن الجمع بين
الجواز والنهي جمع بين متنافيين.
(١) هو: العلامة الأصوليّ أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد الغرناطيّ الشاطبيّ
صاحب المصنفات النافعة كـ((الاعتصام)) و((الموافقات)) المتوفى سنة (٧٩٠هـ).

٢٧٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
(والثاني): أن يطلب تركه، ويُنهى عنه لكونه مخالفةً لظاهر التشريع من جهة
ضرب الحدود، وتعيين الكيفيّات، والتزم الهيئات المعينة، أو الأزمنة المعينة مع
الدوام، ونحو ذلك، وهذا هو الابتداع والبدعة، ويُسمّى فاعله مبتدعاً.
فالبدعة إذن عبارة عن ((طريقة في الدين مخترعة تُضاهي الشرعيّة يقصد
بالسلوك عليها المبالغة في التعبّد الله سبحانه)).
وهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة، وإنما يخصّها
بالعبادات، وأما على رأي من أدخل الأعمال العادية في معنى البدعة، فيقول:
((البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها ما
يقصد بالطريقة الشرعية)).
ولا بدّ من بيان ألفاظ هذا الحدّ:
فـ((الطريقة، والطريق))، والسبيل والسنن هي بمعنى واحد، وهو ما رُسِم
للسلوك عليه، وإنما قُيّدت بـ((الدين))؛ لأنها فيه تُختَرِع، وإليه يُضيفها صاحبها،
وأيضاً فلو كانت طريقة مخترعة في الدنيا على الخصوص لم تسمّ بدعة
كإحداث الصنائع والبلدان التي لا عهد بها فيما تقدّم.
ولما كانت الطرائق في الدين تنقسم - فمنها: ما له أصلٌ في الشريعة،
ومنها: ما ليس له أصلٌ فيها - خُصّ منها ما هو المقصود بالحدّ، وهو القسم
المخترع؛ أي: طريقة ابتُدِعَت على غير مثال تقدّمها من الشارع، إذ البدعة إنما
خاصّتها أنها خارجة عما رسمه الشارع. وبهذا القيد انفصلت عن كلّ ما ظهر
لبادي الرأي أنه مخترع مما هو متعلّق بالدين، كعلم النحو والتصريف،
ومفردات اللغة، وأصول الفقه، وأصول الدين، وسائر العلوم الخادمة للشريعة،
فإنها وإن لم توجد في الزمان الأول فأصولها موجودة في الشرع:
إذ الأمر بإعراب القرآن منقول، وعلوم اللسان هادية للصواب في الكتاب
والسنّة، فحقيقتها إذاً أنها فقه التعبّد بالألفاظ الشرعيّة الدالّة على معانيها، كيف
تؤخذ وتؤدّى؟، وأصول الفقه إنما معناها استقراء كلّات الأدلّة حتى تكون عند
المجتهد نُصب عين، وعند الطالب سهلة الملتمس، وكذلك أصول الدين، إنما
حاصله تقرير لأدلّة القرآن والسنة، أو ما ينشأ عنها في التوحيد، وما يتعلّق به،
كما كان الفقه تقريراً لأدلتها في الفروع العباديّة.

(١٥) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الصَّلَاةِ قَصْدَاً، وَالْخُطْبَةِ قَصْداً، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٠٥)
٢٧٣
[فإن قيل]: فإن تضمينها على ذلك الوجه مخترع.
[فالجواب]: أن له أصلاً في الشرع، ففي الحديث ما يدلّ عليه، ولو
سُلّم أنه ليس في ذلك دليلٌ على الخصوص، فالشرع بجملته يدلّ على اعتباره،
وهو مستمدّ من قاعدة المصالح المرسلة.
فعلى القول بإثباتها أصلاً شرعيّاً لا إشكال في أن كلّ علم خادم للشريعة
داخل تحت أدلّته التي ليست بمأخوذة من جزئيّ واحد، فليست ببدعة ألبتة.
وعلى القول بنفيها لا بدّ أن تكون تلك العلوم مبتدعات، وإذا دخلت في
علم البدع كانت قبيحة؛ لأن كلّ بدعة ضلالة من غير إشكال.
ويلزم من ذلك أن يكون كَتْبُ المصحف، وجمع القرآن قبيحاً، وهو
باطل بالإجماع، فليس إذاً بدعةً.
ويلزم أن يكون دليلٌ شرعيٌّ، وليس إلا هذا النوع من الاستدلال، وهو
المأخوذ من جملة الشريعة، وإذا ثبت جزئيّ في المصالح المرسلة ثبت مطلق
المصالح المرسلة.
فعلى هذا لا ينبغي أن يُسمّى علم النحو أو غيره من علوم اللسان، أو
علم الأصول، أو ما أشبه ذلك من العلوم الخادمة للشريعة بدعةً أصلاً، ومن
سمّاه بدعةً، فإما على المجاز، كما سَمَّى عمر بن الخطّاب نظُه قيام الناس في
رمضان بدعةً، وإما جهلاً بمواقع السنّة والبدعة، فلا يكون قول من قال ذلك
معتدّاً به، ولا معتمداً عليه.
وقوله في الحدّ: ((تضاهي الشرعيّة)) يعني: أنها تشابه الطريقة الشرعيّة من
غير أن تكون في الحقيقة كذلك، بل هي مضادّة لها من أوجه:
(منها): وضع الحدود؛ كالناذر للصيام قائماً لا يقعد، ضاحياً لا يَستظلّ،
والاختصاص في الانقطاع للعبادة، والاقتصار من المأكل والملبس على صنف
واحد دون صنف، من غير علّة.
(ومنها): التزام الكيفيّات والهيئات المعيّنة؛ كالذكر بهيئة الاجتماع على
صوت واحد، واتخاذ يوم ولادة النبيّ بَيرِ عيداً، وما أشبه ذلك.
(ومنها): التزام العبادات المعيّنة في أوقات معيّنة، لم يوجد لها ذلك
التعيين في الشريعة؛ كالتزام صيام يوم النصف من شعبان، وقيام ليلته.

٢٧٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
وثَمَّ أوجهٌ تُضاهي بها البدعةُ الأمورَ المشروعةَ، فلو كانت لا تضاهي
الأمور المشروعة لم تكن بدعةً؛ لأنها تصير من باب الأفعال العادية.
وأيضاً فإن صاحب البدعة إنما يَخترعها ليضاهي بها السنّة حتى يكون
مُلبّساً بها على غيره، أو تكون هي مما تلتبس عليه بالسنة؛ إذ الإنسان لا يقصد
الاستتباع بأمر لا يُشابه المشروع؛ لأنه إذ ذاك لا يستجلب به في ذلك الابتداع
نفعاً، ولا يدفع به ضرراً، ولا يُجيبه غيره إليه.
ولذلك تجد المبتدع ينتصر لبدعته بأمور تخيّل التشريع، ولو بدعوى
الاقتداء بفلان المعروف منصبه في أهل الخير.
فأنت ترى العرب الجاهليّة في تغيير ملّة إبراهيم عليّ* كيف تأوّلوا فيما
أحدثوه احتجاجاً منهم، كقولهم في أصل الإشراك: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِيُنَا إِلَى
اَللَّهِ زُلْفَى﴾ الآية [الزمر: ٣]، وكترك الْحُمْس الوقوف بعرفةَ؛ لقولهم: لا نخرُج
من الحرم اعتداداً بحرمته، وطواف من طاف بالبيت عُرياناً قائلين: لا نطوف
بثياب عصينا الله فيها، وما أشبه ذلك مما وجّهوه ليُصَيِّروه بالتوجيه كالمشروع.
فما ظنك بمن عَدّ، أو عُدّ نفسه من خواصّ أهل الملّة؟ فهم أحرى
بذلك، وهم المخطئون، وظنّهم الإصابة، وإذا تبيّن هذا ظهر أن مضاهاة الأمور
الشرعيّة ضروريّة الأخذ في أجزاء الحدّ. وقوله: ((يُقصد بالسلوك عليها المبالغة
في التعبّد لله تعالى)) هو تمام معنى البدعة، إذ هو المقصود بتشريعها .
وذلك أن أصل الدخول فيها يحثّ على الانقطاع إلى العبادة والترغيب
في ذلك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ أُلْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّ لِيَعْبُدُونِ
٥٦
[الذاريات: ٥٦]. فكأن المبتدع رأى أن المقصود هذا المعنى، ولم يتبيّن له أن
ما وضعه الشارع فيه من القوانين والحدود كافٍ، فرأى من نفسه أنه لا بدّ لما
أُطلق الأمر فيه من قوانين منضبطة، وأحوال مرتبطة، مع ما يداخل النفوس من
حبّ الظهور أو عدم مظنته، فدخلت في هذا الضبط شائبة البدعة.
وأيضاً فإن النفوس قد تَمَلُّ وتسأم من الدوام على العبادات المرتّبة، فإذا
جُدّد لها أمر لا تَعْهَده حصل لها نشاط آخر لا يكون لها مع البقاء على الأمر
الأول، ولذلك قالوا: لكلّ جديد لذّة، بحكم هذا المعنى، كمن قال: كما

٢٧٥
(١٥) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الصَّلَاةِ قَصْداً، وَالْخُطْبَةِ قَصْداً، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٠٥)
تُحْدَثُ للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور، فكذلك تُحدَث لهم مرغِّبات
في الخير بقدر ما حَدَثَ لهم من الفتور.
وفي حديث معاذ بن جبل : ((فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا
يتّبعوني وقد قرأت القرآن، ما هم بِمُتَّبِعِيّ حتى أُحدث لهم غيره، فإياكم وما
ابتدع، فإن ما ابتُدع ضلالة))(١).
وقد تبيّن بهذا القيد أن البدع لا تدخل في العادات، فكلُّ ما اختُرع من
الطرق في الدين مما يُضاهي المشروع، ولم يُقصد به التعبّد، فقد خرج عن
هذه التسمية؛ كالمغارم الْمُلْزِمة على الأموال وغيرها نسبة مخصوصةً وقَدْر
مخصوص مما يُشبه فرض الزكاة، ولم يكن إليها ضرورة، وكذلك اتخاذ
المناخل، وغسل اليد بالأشنان، وما أشبه ذلك من الأمور التي لم تكن قبلُ،
فإنها لا تُسمّى بدَعاً على إحدى الطريقتين.
وأما الحدّ على الطريقة الأخرى(٢)، فقد تبيّن معناه إلا قوله: ((يُقصد بها
ما يُقصد بالطريقة الشرعيّة)).
ومعناه أن الشريعة إنما جاءت لمصالح العباد في عاجلتهم وآجلتهم
لتأتيهم في الدارين على أكمل وجوهها، فهو الذي يقصده المبتدع ببدعته؛ لأن
(١) هو ما أخرجه أبو داود (٣٩٩٥) بإسناد صحيح، عن يزيد بن عَمِيرة وكان من
أصحاب معاذ بن جبل ظوبه قال: كان لا يجلس مجلساً للذكر حين يجلس إلا
قال: الله حكم قسط، هَلَك المرتابون، فقال معاذ بن جبل يوماً: إن من ورائكم
فتناً يَكثُر فيها المال، ويُفتَح فيها القرآن، حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل
والمرأة، والصغير والكبير، والعبد والحر، فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا
يَتَّبِعُوني، وقد قرأت القرآن، ما هم بِمُتَّعِيَّ حتی أَبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابْتُدِع،
فإن ما ابتُلِع ضلالة، وأُحَذُّركم زَيْغَة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة
على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق، قال: قلت لمعاذ: ما يُدريني
- رحمك الله - أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأن المنافق قد يقول كلمة
الحق؟ قال: بلى اجتَنِب من كلام الحكيم الْمُشتَهِرات التي يقال لها: ما هذه؟ ولا
يَثْنِيَّك ذلك عنه، فإنه لعله أن يراجع، وتَلَقَّ الحق إذا سمعته، فإن على الحق نوراً.
(٢) وهي طريقة من يُدخل العادات في معنى البدع.

٢٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
البدعة إما أن تتعلّق بالعادات، أو العبادات، فإن تعلّقت بالعبادات فإنما أراد
بها أن يأتي تعبّده على أبلغ ما يكون في زعمه ليفوز بأتمّ المراتب في الآخرة
في ظنّه، وإن تعلّقت بالعادات فكذلك؛ لأنه إنما وضعها لتأتي أمور دنياه على
تمام المصلحة فيها .
فمن جعل المناخل في قسم البدع، فظاهر أن التمتّع عنده بلذّة الدقيق
المنخول أتمّ منه بغير المنخول، وكذلك البناءات المشيّدة المختلفة التمتّع بها
أبلغ منه بالحشوش والخرب، ومثله المصادرات في الأموال بالنسبة إلى أولي
الأمر، وقد أباحت الشريعة التوسّع في التصرّفات، فيعُدُّ المبتدع هذا من ذلك.
وقد ظهر بهذا معنى البدعة، وما هي في الشرع - والحمد لله. انتهى كلام
الشاطبّيّ تَخْتُهُ، ولقد أجاد وأفاد(١).
وقال الإمام ابن رجب تَخْثُ عند شرح قوله وَل: ((وإياكم والأمور
المحدثات، فإن كل بدعة ضلالة)): فيه تحذير للأمة من اتباع الأمور المحدثة
المبتدعة، وأكّد ذلك بقوله: ((كلُّ بدعة ضلالة)).
والمراد بالبدعة: ما أُحدِث مما لا أصل له في الشريعة يَدُلُّ عليه، وأما
ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعاً، وإن كان بدعة لغة.
وفي ((صحيح مسلم))(٢) عن جابر عبه أنّ النبي ◌َّ كان يقول في خطبته:
((إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد وَّلو، وشر الأمور
محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)). وأخرجه الترمذي وابن ماجه(٣) من حديث
كثير بن عبد الله المزني، وفيه ضعف، عن أبيه، عن جده، عن النبي وَّ قال:
((من ابتدع بدعة ضلالة، لا يرضاها الله ولا رسوله، كان عليه مثل آثام من عمل
بها، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً».
وأخرج الإمام أحمد من رواية غُضَيف بن الحارث الثُّمَالي، قال: بعث
إليّ عبد الملك بن مروان، فقال: إنا قد جمعنا الناس على أمرين: رفع الأيدي
على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد صلاة الصبح والعصر، فقال: أما إنهما
(١) ((الاعتصام)) ٤٩/١ - ٥٧.
(٢) ((صحيح مسلم)) رقم (٨٦٧).
(٣) أخرجه الترمذيّ ٤٥/٥ رقم ٢٦٧٧، وابن ماجه رقم ٢٠٩.

٢٧٧
(١٥) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الصَّلَاةِ قَصْداً، وَالْخُطْبَةِ قَصْداً، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٠٥)
أمثلُ بدعتكم عندي، ولست بمجيبكم إلى شيء منها؛ لأن النبي ◌َّ قال: ((ما
أحدث قومٌ بدعةً إلا رُفِع مثلها من السنة))، فتمسك بسنّة خير من إحداث
بدعة(١). وقد رُوي عن ابن عمر بمن قوله نحوُ هذا.
فقوله وَلـ: ((كل بدعة ضلالة)) من جوامع الكلم، لا يخرج عنه شيء،
وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله وَّ: ((مَن أحدث في أمرنا
ما ليس منه فهو رد))(٢).
فكل من أحدث شيئاً، ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين
يَرجِع إليه، فهو بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات، أو الأعمال،
أو الأقوال الظاهرة والباطنة.
وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك في
البدع اللغوية، لا الشرعية.
فمن ذلك قول عمر حظّه لَمّا جَمَع الناسَ في قيام رمضان على إمام واحد
في المسجد، وخرج ورآهم يصلون كذلك، فقال: نعمت البدعة هذه. ورُوِيَ
عنه أنه قال: إن كانت هذه بدعةً فنعمت البدعة. ورُويَ عن أُبَيّ بن كعب
قال له: إن هذا لم يكن، فقال عمر رظُه: قد عَلِمتُ، ولكنه حسن.
ومراده أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له
أصولٌ في الشريعة يَرجِعُ إليها .
فمنها: أن النبي وَلِ﴿ كان يَحُثُّ على قيام رمضان، ويُرَغِّب فيه، وكان
الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعاتٍ متفرقةً ووُحْداناً، وهو نَّهِ صَلَّى
بأصحابه في رمضان ليلةً، ثم امتنع من ذلك مُعَلِّلا بأنه خَشِيَ أن يُكتَب عليهم،
فَيَعجَزُوا عن القيام به، وهذا قد أُمِن بعده وَلِيٍ(٣).
(١) أخرجه أحمد ١٠٥/٤، والبزار رقم ١٣١، وذكره الهيثميّ في ((مجمع الزوائد)) ١/
١٩٣ وقال: رواه أحمد والبزّار، وفيه أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم، وهو منكر
الحديث.
(٢) متّفقٌ عليه.
(٣) أخرجه البخاريّ ٧٧٩/٤ رقم ٢٠١٢ من حديث عائشة

٢٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
ورُوِي عنه وَّ أنه كان يقوم بأصحابه ليالي الأفراد في العشر الأواخر(١).
ومنها: أنه * أمر باتباع سنة خلفائه الراشدين، وهذا قد صار من سنة
خلفائه الراشدين، فإن الناس اجتمعوا عليه في زمن عمر، وعثمان، وعليّ (
ومن ذلك أذان الجمعة الأول زاده عثمان رظبه لحاجة الناس إليه، وأقرّه
عليّ، واستمر عمل المسلمين عليه.
ورُوِيَ عن ابن عمر بأنه قال: هو بدعة، قال ابن رجب: ولعله أراد ما
أراد أبوه في قيام شهر رمضان.
ومن ذلك جَمْعُ المصحف في كتاب واحد، توقف فيه زید بن ثابت
مَعنْه ،
وقال لأبي بكر وعمر رضيّ: كيف تفعلان ما لم يفعله النبي ◌ََّ؟ ثم عَلِمَ أنه
مصلحة، فوافق على جَمْعه(٢)، وقد كان النبي ◌َّهِ يأمر بكتابة الوحي، ولا فرق
بين أن يُكتَب مُفَرقاً أو مجموعاً، بل جَمْعُهُ صار أصلح.
وكذلك جَمْعُ عثمان رَُّبه الأمة على مصحف واحد، وإعدامه لِمَا خالفه؛
خشيةً تفرق الأمة، وقد استحسنه عليّ، وأكثر الصحابة ﴿ه، وكان ذلك عينَ
المصلحة.
وكذلك قتال مَن مَنَعَ الزكاةَ توقف فيه عمر وغيره، حتى بَيَّن له أبو بكر
أصله الذي يَرجع إليه من الشريعة، فوافقه الناس على ذلك.
ومن ذلك القَصَصُ، وقد سبق قول غُضَيف بن الحارث: إنه بدعة، وقال
الحسن: إنه بدعة، ونعمت البدعة، كم من دَعْوة مستجابةٍ، وحاجةٍ مَقْضِيّةٍ،
وأخٍ مُستفاد.
وإنما عَنَى هؤلاء بقولهم: إنه بدعةٌ الهيئةَ الاجتماعيةَ عليه في وقت
معين، فإن النبي ◌َّ لم يكن له وقت معين يَقُصُّ على أصحابه فيه، غير خُطَبه
الراتبة في الْجُمَع والأعياد، وإنما كان يُذَكِّرهم أحياناً أو عند حدوث أمر يحتاج
إلى التذكير عنده، ثم إن الصحابة ﴿ه اجتمعوا على تعيين وقت له، كما سبق
عن ابن مسعود څہ أنه کان یُذَگِّر أصحابه کل یوم خميس.
(١) صحيح، أخرجه أبو داود رقم ١٣٧٥، والترمذيّ ٨٠٦، والنسائيّ ١٦٠٥.
(٢) أخرجه البخاريّ في ((كتاب فضائل القرآن)) رقم ٤٩٨٦.

٢٧٩
(١٥) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الصَّلَاةِ قَصْداً، وَالْخُطْبَةِ قَصْداً، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٠٥)
وفي ((صحيح البخاري)) عن ابن عباس بأنه قال: حَدِّثِ الناسَ في كل
جمعة مرة، فإن أبيتَ فمرتين، فإن أكثرت فثلاثاً، ولا تُمِلَّ الناسَ.
وفي ((المسند)) عن عائشة ﴿ُنا أنها وَصَّتْ قاصَّ أهل المدينة بمثل
ذلك(١).
ورُوِي عنها أنها قالت لسعيد بن عمير: حَدِّث الناسَ يوماً، ودع الناس
يوماً. ورُوي عن عمر بن عبد العزيز أنه أمر القاصّ أن يقص كل ثلاثة أيام
مرة. ورُوي عنه أنه قال: رَوِّح الناسَ، ولا تُثْقِل عليهم، ودَعِ الفَصَصَ يوم
السبت ويوم الثلاثاء.
وقد رَوَى الحافظ أبو نعيم بإسناده عن إبراهيم بن الْجُنيد قال: سمعت
الشافعي يقول: البدعة بدعتان: بدعة محمودة، وبدعة مذمومة، فما وافق السنة
فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم، واحتج بقول عمر نظُّله: نعمت
البدعة هي.
ومراد الشافعي ◌َُّ ما ذكرناه من قبلُ أن البدعة المذمومة ما ليس لها
أصلٌ في الشريعة تَرجِع إليه، وهي البدعة في إطلاق الشرع، وأما البدعة
(١) هو ما أخرجه في ((المسند)) ٢١٧/٦ ونصّه:
٢٤٦٣٦ - حدثنا إسماعيل، قال: حدثنا داود، عن الشعبي قال: قالت عائشة لابن
أبي السائب، قاصِّ أهل المدينة: ثلاثاً لَتُبَايِعُنِّي عليهن، أو لأُناجِزَنَّك، فقال: ما
هنّ؟ بل أنا أبايعك يا أم المؤمنين، قالت: اجتنب السجع من الدعاء، فإن
رسول الله ﴿ وأصحابه كانوا لا يفعلون ذلك، وقال إسماعيل مرة: فقالت: إني
عهدت رسول الله ◌َّ﴿ وأصحابه وهم لا يفعلون ذاك. وقُصَّ على الناس في كل
جمعة مرة، فإن أبيت فثنتين، فإن أبيت فثلاثاً، فلا تُمِلَّ الناسَ، هذا الكتابَ، ولا
أَلْقَيَّنَّك تأتي القوم، وهم في حديث من حديثهم، فتقطع عليهم حديثهم، ولكن
اتركهم فإذا جَرَّءُوك عليه، وأمروك به فحدثهم. وهذا إسناد صحيح، وإسماعيل هو
ابن عليّة، وداود هو ابن أبي هند، ويقال: إن الشعبيّ لم يسمع من عائشة هيّا.
انظر ترجمته في: ((تهذيب التهذيب)) ٢٦٥/٢. إلا أن إرساله لا يضرّ؛ لأنه لا يرسل
إلا صحيحاً، قال العجليّ: مرسل الشعبيّ صحيح، لا يكاد يرسل إلا صحيحاً.
انظر: ((شرح علل ابن رجب)) ص ١٨١ تحقيق صبحي السامرائي.

٢٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
المحمودة فما وافق السنة يعني: ما كان لها أصل من السنة تَرجِع إليه، وإنما
هي بدعة لغة لا شرعاً؛ لموافقتها السنة. وقد رُوي عن الشافعي كلام آخر يُفَسِّر
هذا، وأنه قال: المحدثات ضربان: ما أُحدث مما يخالف كتاباً، أو سنةً، أو
أثراً، أو إجماعاً، فهذه البدعة الضلالة، وما أُحدث فيه من الخير، لا خِلاف
فيه لواحد من هذا، فهذه مُحْدَثةٌ غير مذمومة.
وكثير من الأمور التي أُحدثت، ولم يكن (١) قد اختَلَف العلماء في أنها
هل هي بدعة حسنة حتى (٢) ترجع إلى السنة أم لا؟.
(فمنها): كتابة الحديث، نَهَى عنه عمر، وطائفة من الصحابة
،
وَرَخَّص فيها الأكثرون، واستدلوا له بأحاديث من السنة.
(ومنها): كتابة تفسير الحديث والقرآن، كَرِهه قوم من العلماء، ورخص
فيه كثير منهم، وكذلك اختلافهم في كتابة الرأي في الحلال والحرام ونحوه،
وفي توسعة الكلام في المعاملات، وأعمال القلوب التي لم تُنقَل عن الصحابة
والتابعين، وكان الإمام أحمد يَكرَه أكثر ذلك.
وفي هذه الأزمان التي بَعُدَ العهد فيها بعلوم السلف يَتَعَيَّن ضبط ما نُقِل
عنهم من ذلك كله؛ ليتميز به ما كان من العلم موجوداً في زمانهم، وما أُحدِث
في ذلك بعدهم، فيُعلمَ بذلك السنة من البدعة.
وقد صَحَّ عن ابن مسعود ◌ُبه أنه قال: إنكم قد أصبحتم اليوم على
الفطرة، وإنكم ستُحدِثون، ويُحدَث لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالعهد
الأول. وابن مسعود به قال هذا في زمن الخلفاء الراشدين.
وروى ابنُ مَهديّ عن مالك قال: لم يكن شيء من هذه الأهواء في عهد
النبي ◌َّ، وأبي بكر وعمر وعثمان، وكان مالك يُشير بالأهواء إلى ما حدث
من التفرق في أصول الديانات، من أمور الخوارج، والروافض، والمرجئة
ونحوهم، ممن تَكَلِّم في تكفير المسلمين، واستباحة دمائهم وأموالهم، أو في
(١) هكذا نسخة ((جامع العلوم والحكم)): ((ولم يكن))، ولعل المعنى: ((ولم يكن
موجوداً))، والله تعالى أعلم.
(٢) هكذا نسخة ((جامع العلوم))، ولعل الأولى: ((حيث))، والله أعلم.