Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
(٨) - بَابُ هِدَايَةِ اللهِ تَعَالَى هَذِهِ الأُمَّةَ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٨٢)
الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، وَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي
فُرِضَ عَلَيْهِمْ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللهُ لَهُ، فَهُمْ لَنَا فِيهِ تَبَعْ، فَالْيَهُودُ غَداً،
وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة، وكلّهم تقدّموا قبل باب.
وقوله: (فَهَدَانَا اللهُ لَهُ) قال الطيبيّ نقلاً عن البيضاويّ: معنى قوله:
((فهدانا الله له)) بعد قوله: ((فُرض عليهم)) أن الله تعالى أمر عباده، وفَرَضَ عليهم
أن يجتمعوا يوم الجمعة، فَيَحْمَدوا خالقهم، ويشكروه بالعبادة، وما عيّنه لهم،
بل أمرهم أن يستخرجوه بأفكارهم، ويُعيّنوه باجتهادهم، فقالت اليهود: هو يوم
السبت؛ لأنه يوم فراغ، وقطع عمل، فإن الله تعالى فرغ من خلق العالم،
فينبغي للخلق أن يُعرِضُوا عن صنائعهم، ويتفرّغوا للعبادة، وزعمت النصارى أن
المراد به يوم الأحد، فإنه يوم بَدْءِ الخلق الموجب للشكر والعبادة، فهدى الله
تعالى هذه الأمة، ووفقهم الإصابة، حتى عيّنوا الجمعة، وقالوا: إن الله تعالى
خلق الإنسان للعبادة، وكان خلقه يوم الجمعة، فكانت العبادة فيه أولى، ولأنه
تعالى أوجد في سائر الأيام ما ينتفع به الإنسان، وفي الجمعة أوجد الإنسان
نفسه، والشكر على نعمة الوجود أهمّ وأحرى، ولَمّا كان مبدأ دور الإنسان،
وأول أيامه يوم الجمعة، كان المتعبّد فيه باعتبار العبادة متبوعاً، والمتعبّد في
اليومين اللذين بعده تابعاً. انتهى(١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، ومسائله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[١٩٨٢] (٨٥٦) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَوَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَا:
حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي مَالِكِ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَنْ
رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ خُذَيْفَةَ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ:٢((أَضَلَّ اللهُ عَنِ الْجُمُعَةِ
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٢٦٢/٤.

١٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، فَكَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ، وَكَانَ لِلنَّصَارَى يَوْمُ الْأَحَدِ، فَجَاءَ اللهُ بِنَا،
فَهَدَانَا اللهُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَجَعَلَ الْجُمُعَةَ، وَالسَّبْتَ، وَالْأَحَدَ، وَكَذَلِكَ هُمْ تَبَعُ لَنَا
يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَحْنُ الْآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَالْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الْمَقْضِيُّ لَهُمْ
قَبْلَ الْخَلَائِقِ))، وَفِي رِوَايَةٍ وَاصِلٍ: ((الْمَقْضِيُّ بَيْنَهُمْ)).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء بن كُريب الهمدانيّ الكوفيّ، مشهور
بكنيته، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (٢٤٧) وهو ابن سبع وثمانين سنة (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١١٧/٤.
٢ - (وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) بن هلال الأسديّ، أبو القاسم، أو أبو
محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٤) (م ٤) تقدم في ((الطهارة)) ٥٨٧/١٢.
٣ - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد بن فُضَيل بن غَزْوَان الضبيّ مولاهم، أبو
عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ عارفٌ رُمِي بالتشيّع [٩] (١٩٥) (ع) تقدم في
«الإيمان)) ٣٥٨/٦٣.
٤ - (أَبُو مَالِكِ الْأَشْجَعِيِّ) سَعْد بن طارق الكوفيّ، ثقةٌ [٤] مات في
حدود (١٤٠) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٠/٥.
٥ - (أَبُو حَازِم) هو: سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] مات على رأس
المائة (ع) تقدم في الإيمان)) ١٤٢/٩.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َهُبه، ذُكر في السند الماضي.
٧ - (رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ) - بكسر الحاء المهملة، وآخره شينٌ معجمة - أبو
مريم الْعَبْسيّ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ مخضرمٌ [٢] مات سنة مائة، وقيل: غير ذلك
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٨ - (حُذَيْفَةُ) بن اليمان واسم اليمان حُسَيل - بمهملتين مصغراً - ويقال:
حِسْل - بكسر، ثم سكون - الْعَبْسيّ - بالموحدة - حليف الأنصار الصحابي
الجليل، من السابقين الأولين، ومات في أول خلافة عليّ ◌َظُه سنة ست
وثلاثين (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٥٧.

١٨٣
(٨) - بَابُ هِدَايَةِ اللهِ تَعَالَى هَذِهِ الأُمَّةَ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٨٢)
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َّتُهُ، وله فيه شيخان قرن
بينهما؛ لاتفاقهما في كيفيّة التحمّل والأداء، فكلاهما أخذا من لفظ ابن فضيل،
فقالا: ((حدّثنا)).
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه واصل، فما
أخرج له البخاريّ. وأبي مالك، فقد علّق له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّين، أبو مالك، عن أبي حازم، ورِبْعيّ.
٥ - (ومنها): أنه مرويّ عن صحابيّن شهيرين، فأما أبو هريرة رُله، فقد مرّ
الكلام عليه قريباً، وأما حُذيفة ربه، فهو الصحابيّ الجليل، ثبت في ((صحيح
مسلم)) عنه أن رسول الله ﴿ أعلمه بما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعة، وأعلمه
بأسماء المنافقين، وأبوه صحابيّ أيضاً استُشْهِد ◌َّه بأحد، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
. (وَعَنْ
(عَنْ أَبِي حَازم) سلمان الأشجعيّ تَثْتُ (عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ)
ربْعِيٍّ بْنِ حِرَاشٍ) معطوف على ((أبي حازم))، فأبو مالك الأشجعيّ تَُّ له
طريقان لهذا الحديث: إحداهما: طريق أبي حازم، عن أبي هريرة
والثانية: طريق رِبْعيّ بن حِرَاش، عن حذيفة په.
(عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان ◌َا (قَالَا) أي: أبو هريرة، وحذيفة
(قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَيهِ: ((أَضَلَّ اللّهُ) رَّت؛ أي: خلق فيهم الضلال، وهو ضدّ الهداية،
وفيه نسبة الإضلال إلى الله تعالى، فالهداية والضلال من الله ◌ُعَلَ، وهذا مذهب
أهل السنة والجماعة، كما نطق به الكتاب في غير ما آية: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ
وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣]، ولبعضهم:
أَضَلَّ مَنْ شَاءَ وَمَنْ شَاءَ هَدَى مَا بِيَدِ الْعَبْدِ ضَلَالٌ وَهُدَى
(عَنِ الْجُمُعَة) أي: عن تعظيمها، وعبادة الله تعالى فيها (مَنْ كَانَ قَبْلَنَا)
المراد به اليهود، والنصارى، بدليل قوله (فَكَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْت) أي: بدلاً
عن الجمعة، وقد تقدّم الكلام على اختيارهم السبت (وَكَانَ للَّصَارَى يَوْمُ

١٨٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
الأَحَد) أي: بدلاً من الجمعة أيضاً (فَجَاءَ اللهُ) رَّ (بنَا) أي: خلقنا، وأوجدنا
بعد هؤلاء (فَهَدَانَا اللهُ لِيَوْمِ الْجُمُعَة) أي: دلّنا على تعظيمه، وعبادته فيه،
ووفَّقَنا لامتثال أمره، فضلاً ونعمةً، فله الحمد والثناء (فَجَعَلَ الْجُمُعَةَ، وَالسَّبْتَ،
وَالأَحَدَ) هذا فيه دلالة أن أوّل الأسبوع الشرعيّ يومُ الجمعة، وقد تقدم ذلك
في شرح الحديث السابق (وَكَذَلِكَ هُمْ تَبَعْ لَنَا يَوْمَ الْقِيَامَة) أي: كما أنهم تبع
في هذه الأيام المذكورة، هم تبع لهذه الأمة يوم القيامة، بحيث يكونون بعدها
في الحساب، والميزان، والقضاء، ودخول الجنة، وغير ذلك مما يقع في ذلك
اليوم .
(نَحْنُ الآخرُونَ) بكسر الخاء المعجمة؛ أي: المتأخرون وجوداً (منْ أَهْل
الدُّنْيَا) الجار والمجرور حال من ((الآخِرون))؛ أي: حال كوننا من جملة أهل
الدنيا .
وقال الطيبيّ تَخَّثُهُ: قوله: ((الآخِرون)) اللام فيه موصولة، و((من أهل
الدنيا)) حال من الضمير الذي في الصلة. انتهى (١).
(وَالأَوَّلُونِ يَوْمَ الْقِيَامَة) أي: المتقدّمون على جميع الأمم في الفضل الذي
يكون هناك، وأهمُّه الإراحة من هول الموقف، كما بيّنه بقوله: (الْمَقْضِيُّ لَهُمْ)
صفة لـ ((الأوّلون))، والضمير في ((لهم)) راجع إلى اللام؛ لأن المعنى: الآخرون
الذين يُقضى لهم قبل الناس؛ ليدخلوا الجنّة قبلهم، كأنه قيل: نحن الآخرون
السابقون، قاله الطيبيّ تَظُّهُ(٢).
(قَبْلَ الْخَلَائِقِ))) متعلق بـ ((المقضيّ))؛ أي: الذين يُقضَى لهم قبل الناس
ليدخلوا الجنّة.
وقوله: (وَفِي رِوَايَةٍ وَاصِلٍ: ((الْمَقْضِيُّ بَيْنَهُمْ))) يعني: أن شيخه أبا كُريب
رواه بلفظ: ((المقضيّ لهم))، وشيخه واصلاً رواه بلفظ: ((المقضيّ بينهم))،
والمعنى متقارب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
(١) ((الكاشف)) ٤/ ١٢٦٣.
(٢) ((الكاشف)) ١٢٦٣/٤.

١٨٥
(٨) - بَابُ هِدَايَةِ اللهِ تَعَالَى هَذِهِ الأُمَّةَ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٨٣)
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
ما هذا من أفراد
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة، وحذيفة
المصنّف تَخَذْتُهُ .
(المسألة الثانية: في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩٨٢/٨ و١٩٨٣] (٨٥٦)، و(النسائيّ) في
(الجمعة)) (١٣٦٨) و((الكبرى)) (١٦٥٢)، و(ابن ماجه) في ((إقامة الصلاة))
(١٠٨٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٥٤٠ و٢٥٤١)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (١٩٢٨)، وفوائده تقدمت قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[١٩٨٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ
طَارِقٍ، حَدَّثَنِي رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَّيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((هُدِينَا
إِلَى الْجُمُعَةِ، وَأَضَلَّ اللهُ عَنْهَا مَنْ كَانَ قَبْلَنَا))، فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ فُضَيْلٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هو: يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ، أبو
سعيد الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت٣ أو ١٨٤) وله ثلاث وستون سنةً
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢١/٥.
والباقون ذُكروا في السند الماضي، و((سعد بن طارق)) هو: أبو مالك
الأشجعي المذكور في السند السابق.
وقوله: (هُدِينَا إِلَى الْجُمُعَةِ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: هدانا الله تعالى
إلى تعظيم الجمعة.
وقوله: (فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ فُضَيْلٍ) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمير ابن أبي
زائدة .
[تنبيه]: رواية يحيى بن أبي زائدة، عن سعد بن طارق هذه لم أجد من
ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِللهِ عَلَيْهِ تَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .

١٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
(٩) - (بَابُ فَضْلِ التَّهْجِيرِ إِلَى الْجُمُعَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٩٨٤] (٨٥٠(١)) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ(٢)، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ
الْعَامِرِيُّ، قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ الهِ الْأَغَرُّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ
الْمَسْجِدِ مَلَائِكَةٌ، يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ، فَالْأَوَّلَ، فَإِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ طَوَوُا الصُّحُفَ،
وَجَاءُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ، وَمَثَلُ الْمُهَجِّرِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي الْبَدَنَةَ(٣)، ثُمَّ كَالَّذِي
يُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الْكَبْشَ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الدَّجَاجَةَ، ثُمَّ كَالَّذِي
يُهْدِي الْبَيْضَةَ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السَّرْح، تقدّم قبل بابين.
٢ - (حَرْمَلَةُ) بن يحيى، تقدّم قبل باب.
٣ - (عَمْرُو بْنُ سَوَّادِ الْعَامِرِيُّ) بتشديد الواو، تقدّم قريباً.
٤ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله، تقدّم قبل باب.
٥ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضاً قبل باب.
٦ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الإمام الشهير، تقدّم أيضاً قبل باب.
٧ - (أَبُو عَبْدِ اللهِ الْأَغَرُّ) سلمان الأغرّ، أبو عبد الله المدنيّ، مولى جُهَينة،
أصله من أصبهان، ثقةٌ، من كبار [٣] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣١٩/٥٣.
٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) هُله، ذُكِر قبل حديث.
(١) هذا ترقيم محمد فؤاد، وفيه أن رقم معاد سبق قبل هذا، فتنبّه.
(٣) وفي نسخة: ((يُهدي بدنة)).
(٢) وفي نسخة: ((وحرملة بن يحيى)).

١٨٧
(٩) - بَابُ فَضْلِ التَّهْجِيرِ إِلَى الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٨٤)
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَّتُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخيه، فالأول ما
أخرج له البخاريّ والترمذيّ، والثاني تفرّد به هو والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ونصفه الثاني مسلسلٌ
بالمدنیین .
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة نظُبه رأس
المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ، أنه قال: (أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللهِ) سلمان (الْأَرُّ،
أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ)َ رَتُه (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ)
يَحْتَمِل أن تكون ((كان)) ناقصة، واسمها محذوف، و(يوم)) منصوب على أنه
خبرها؛ أي: إذا كان الوقت يومَ الجمعة، أو ((يومُ)) مرفوع على أنه اسمها،
وخبرها محذوف؛ أي: حاضراً، ويَحْتَمِل أن تكون تامّة، و(يومُ)) فاعلها؛ أي:
إذا جاء يومُ الجمعة.
(كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَائِكَةٌ) وفي رواية البخاريّ:
((وقَفَت الملائكة))، والنسائيّ: ((قَعَدت الملائكة))، وفي رواية ابن خزيمة: ((على
كل باب من أبواب المسجد ملكان، يكتبان الأول، فالأول)).
والمراد بالملائكة هنا غير الحفظة، وظيفتهم كتابة حاضري الجمعة
خاصّة، فقد أخرج أبو نعيم في ((الحلية)) من حديث ابن عمر ظها مرفوعاً: ((إذا
كان يوم الجمعة بعث الله ملائكةً بصحف من نور، وأقلام من نور ... ))
الحديث، قال الحافظ: وهو دالّ على أن الملائكة المذكورين غير الحفظة.
انتھی .
والمعنى: أنهم يستمرّون من طلوع الفجر، وهو أول اليوم الشرعيّ، أو
من طلوع الشمس، وهو أول النهار العرفيّ، أو من ارتفاع النهار، أو من حين
الزوال، قال القاري: وهو أقرب، ورجّحه الشاه وليّ الدهلويّ في ((المسوى

١٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
شرح الموطأ)) (١٥/١) وإليه مال الشوكانيّ، وبه قالت المالكية، وهو وجه
للشافعية، والأول ظاهرُ كلام الشافعيّ، وصححه النوويّ، والرافعيّ،
وغيرهما، والثاني أيضاً وجه للشافعية، واختار الثالثَ ابنُ رُشد في ((بداية
المجتهد)»، وقد تقدّم تمام البحث فيه قريباً، وبالله تعالى التوفيق.
(يَكْثُبُونَ الْأَوَّلَ، فَالْأَوَّلَ) وفي رواية النسائيّ: ((فَكَتَبُوا مَنْ جَاءَ إلَى
الْجُمُعَة))، وفي رواية له: ((يكتبون الناس على منازلهم، الأول، فالأول)).
قال الطيبيّ كَّلُهُ: قوله: ((الأول فالأول)) أي: الداخل الأول، والفاء
فيه، و(ثُمّ)) في قوله: ((ثمّ كالذي يُهدي بقرةً)) كلتاهما لترتيب النزول من الأعلى
إلى الأدنى، ولكن في الثانية تراخ، ليست في الأولى، وفيه إشكالٌ؛ لأن الثانية
مسبَّبةٌ عن الأولى، والجواب أنّ الفاء آذنت بالتعاقب الذي ينتهي إلى أعداد
كثيرة، وليس كذلك (ثُمّ))، ومن ثَمَّ جيء بها متعدّدةً. انتهى(١).
(فَإِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ) وفي رواية البخاريّ: ((فَإِذَا خَرَجَ الإمَامُ))، ولا تنافي
بين الروايتين؛ لأنه يُحمَل على أنهم بخروج الإمام يحضرون إلى المنبر من غير
طيّ، فإذا جلس الإمام على المنبر طووا الصحف، أو يقال: ابتداء طيّهم
الصحف عند ابتداء خروج الإمام، وانتهاؤه بجلوسه على المنبر، وهو أول
سماعهم الذكر، والله تعالى أعلم.
والمراد بخروج الإمام خروجه من مكانه؛ ليصعد المنبر، أو المراد
بالخروج ظهوره بصعوده المنبر، وجلوسه عليه، والله تعالى أعلم.
(طَوَوُا الصُّحُفَ) أي: طوت الملائكة الصحف التي كانوا يكتبون فيها
درجات السابقين على من يليهم في الفضيلة، وفي حديث ابن عمر ◌ًا بيان
صفة تلك الصحف، بأنها صحف من نور، وأقلام من نور.
والمراد من طيّ الصحف طيّ صحف الفضائل المتعلّقة بالمبادرة إلى
الجمعة، دون غيرها من سماع الخطبة، وإدراك الصلاة، والذكر، والدعاء،
والخشوع، ونحو ذلك، فإنه يكتبه الحافظان قطعاً .
ووقع في آخر الحديث عند ابن ماجه: ((فمن جاء بعد ذلك، فإنما يجيء
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٢٧٤/٤.

١٨٩
(٩) - بَابُ فَضْلِ التَّهْجِيرِ إِلَى الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٨٤)
لحقّ الصلاة))، يعني: فله أجر الصلاة، وليس له شيء من الزيادة في الأجر.
(وَجَاءُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ) أي: خطبة الإمام.
(وَمَثَلُ الْمُهَجِّرٍ) - بضم الميم، وتشديد الجيم - اسم فاعل، من التهجير،
قيل: المراد به المبادرة إلى الجمعة بعد الصبح، وقيل: المراد الذي يأتي في
الهاجرة؛ أي: عند شدّة الحرّ، قُربَ نصف النهار، فيكون دليلاً للمالكية في
قولهم: إن الساعات من حين الزوال، وإن الذهاب إلى الجمعة بعد الزوال، لا
قبله؛ لأن التهجير هو السير في الهاجرة؛ أي: نصف النهار.
قال الحافظ: وأجيب بأن المراد بالتهجير هنا التبكير، كما تقدّم نقله عن
الخليل في ((المواقيت)).
وقال القرطبيّ: الحقّ أن التهجير هنا من الهاجرة، وهو السير في وقت
الحَرّ، وهو صالح لما قبل الزوال وبعده، فلا حُجّة فيه لمالك.
وقال الطيبيّ تَّثُ: الواو في قوله: ((ومَثَلُ المهجِّر)) عَطَفَت الجملة على
الجملة الأولى، وفوّضت الترتيب إلى الذهن؛ لأنها وقعت موقع الفاء
التفصيليّة، والواو هنا أوقع من الفاء؛ لأنها توهم العطف على الأول والثاني،
والحال أنه عطف على ((يكتبون)).
وقال التوربشتيّ: مَنْ ذهب في معناه إلى التبكير، فإنه أصاب، وسلك
طريقاً حسناً من طريق الاتساع، وذلك أنه جعل الوقت الذي يرتفع فيه النهار،
ويأخذ الحرّ في الازدياد من الهاجرة، تغليباً، بخلاف ما بعد الزوال، فإن الحرّ
يأخذ في الانحطاط، وهذا كما يُسمّى النصف الأوّل من النهار غَدْوةً، والآخر
عَشيّةً. انتهى(١).
وقال ابن منظور - بعد أن أورد حديث الباب، وحديث: ((لو يَعلمُ الناسُ
ما في التهجير لاستبقوا إليه)) - ما نصه: قال الأزهريّ: يذهب كثير من الناس
إلى أن التهجير في هذه الأحاديث من الْمُهاجَرَة وقتَ الزوال، قال: وهو غلطٌ،
والصواب فيه ما روى أبو داود المصاحفيّ، عن النضر بن شُمَيل، أنه قال:
(١) ((الكاشف)) ٤/ ١٢٧٤ - ١٢٧٥.

١٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
التهجير إلى الجمعة وغيرها التبكير والمبادرة إلى كلّ شيء، قال: وسمعت
الخليل يقول ذلك، قاله في تفسير هذا الحديث، قال الأزهريّ: وهذا صحيح،
وهي لغة أهل الحجاز، ومن جاورهم من قيس، قال لبيد:
رَاحَ الْقَطِينُ بِهَجْرٍ بَعْدَ مَا ابْتَكَرُوا
فقرن الْهَجْر بالابتكار، والرواح عندهم: الذهاب والمضيّ، يقال: راح
القوم؛ أي: خَقُّوا، ومَرُّوا، أيّ وقت كان، وقوله ◌َّ: ((لو يَعلمُ الناس ما في
التهجير لاستبقوا إليه))، أراد التبكير إلى الصلوات، وهو المضيّ إليها في أول
أوقاتها. قال الأزهري: وسائر العرب يقولون: هَجَّرَ الرجلُ: إذا خرج
بالهاجرة، وهي نصف النهار، ويقال: أتيته بالْهَجِير، وبالهَجْر.
وأنشد الأزهريّ عن ابن الأعرابيّ في ((نوادره))، قول الشاعر:
يُهَجِّرُونَ بِهَجِيرِ الْفَجْرِ
قال الأزهري: أي: يبكّرون بوقت الفجر. انتهى ما ذكره ابن منظور
باختصار(١).
(كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي الْبَدَنَةَ) وفي بعض النسخ: ((يُهدي بدنةً»، وفي رواية
النسائيّ: (كَالْمُهْدي بدنةً))؛ أي: كالشخص الذي يُهدي بدنةً، من أهدى
الرباعيّ، يقال: أهديت للرجل كذا بالألف: بَعَثْتُ به إليه إكراماً، فهو هديّة
بالتثقيل، لا غير، وأهديت الهَدْيَ إلى الحرم: سُقْتُهُ، والجارّ والمجرور خبر
قوله: ((مثلُ المهجّر)).
و((البَدَنَةُ)) بفتحتين: جمعها بَدَنات، مثل قَصَبَة وقَصَبَات، وبُدُن أيضاً
بضمتين، وتسكن داله تخفيفاً .
والمعنى: أنه كالمتصدّق بها متقرّباً إلى الله تعالى، وقيل: المراد أن
للمبادر في أول ساعة نظيرُ ما لصاحب البدنة من الثواب، ممن شُرع له
القربانُ؛ لأن القربان لم يُشرَع لهذه الأمة على الكيفية التي كانت للأمم
السالفة، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفّى في شرح حديث أبي هريرة
رضىعنه
الماضي برقم [١٩٦٤] (٨٥٠).
(١) ((لسان العرب)) ٢٥٤/٥ - ٢٥٥.

١٩١
(٩) - بَابُ فَضْلِ التَّهْجِيرِ إِلَى الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٨٤)
(ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً) يشمل الذكر والأنثى، والتاء فيه للوحدة، لا
للتأنيث، كما تقدم في ((البدنة)) وسميت بقرة لأنها تبقر الأرض؛ أي: تشقها
بالحراثة، والبَقْرُ الشق.
وفيه دليل على أن البَدَنَة لا تشمل البقرة؛ لتقابلها بها، وإليه ذهب
الشافعيّ، وقال أبو حنيفة: البدنة تُطلق على البقر أيضاً، وإنما أُريد هنا البعير
خاصّةً لقرينة المقابلة، وهذا لا ينفي عموم الإطلاق.
(ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الْكَبْشَ) بفتح، فسكون: هو الْحَمَلُ(١) إذا أثنى، أو إذا
خرجت رَبَاعيته، جمعه أَكْبُشٌ، وكِبَاشٌ، وأَكْبَاشٌ، قاله في ((القاموس))(٢)،
وتقدّم وصفه بلفظ: ((كبشاً أَقْرَنَ))؛ أي: له قرنٌ؛ ووصفه له؛ لأنه أكمل،
وأحسن صورةً، ولأن قرنه يُنتفع به(٣) .
(ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الدَّجَاجَةَ) تقدّم أنها مثلّثة الدّال، والفتح أفصحها،
سميت بذلك لإقبالها وإدبارها .
(ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي الْبَيْضَةَ») بفتح، فسكون واحدة البيض، بفتح، فسكون
أيضاً، وتقدّم تمام البحث فيها .
والمراد هنا بيض الدجاج.
ثم إنه استُشكل التعبير في الدجاجة، والبيضة بقوله: ((ثم كالذي يُهدي))؛
لأن الهدي لا يكون منهما، وقد تقدّم الجواب عنه مستوفَى في شرح حديث
أبي هريرة به الماضي، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رصُّبه هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩٨٤/٩ و١٩٨٥ و١٩٨٦] (٨٥٠)، و(البخاريّ)
(١) ((الْحَمَلُ)) بفتحتين ولد الضائنة في السنة الأولى، والجمع: حُمْلان، قاله في
((المصباح)) ١٥٢/١.
(٢) ((القاموس المحيط)) ٢٨٥/٢.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٦/ ١٣٧.

١٩٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
في ((الجمعة)) (٩٢٩)، و(النسائيّ) في ((الجمعة)) (١٣٨٥) و((الكبرى)) (١٦٩٣)،
و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٩٣٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٦٣/٢ و٢٦٤
و٢٨٠ و٥٠٥)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٥٥١ و١٥٥٢)، و(ابن خزيمة) في
((صحيحه)) (١٧٦٨)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٩٢٩ و١٩٣٠ و١٩٣١)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل التبكير إلى الجمعة.
٢ - (ومنها): أن مراتب الناس في الفضيلة في الجمعة وغيرها بحسب
أعمالهم، وهو من باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَكُمْ﴾ الآية
[الحجرات: ١٣].
وأخرج ابن ماجه بسنده عن علقمة، قال: خرجت مع عبد الله إلى
الجمعة، فوجد ثلاثة قد سبقوه، فقال: رابع أربعة، وما رابع أربعة ببعيد، إني
سمعت رسول الله والله يقول: ((إن الناس يجلسون من الله يوم القيامة على قدر
رواحهم إلى الجمعة، الأوّل، والثاني، والثالث، ثم قال: رابع أربعة، وما
رابع أربعة ببعيد))(١).
٣ - (ومنها): أن القليل من الصدقة غير مُحَقّر في الشرع.
٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن الأفضل في الهدي والأضحية الإبل،
ثم البقر، ثم الغنم، لكونه ◌َ﴿ قَدَّم الإبل، وجعل البقر في الدرجة الثانية،
والغنم في الدرجة الثالثة، وهذا مجمع عليه في الهدي، وقال به في الأضحية
أيضاً أبو حنيفة، والشافعيّ، والجمهور، وقال مالك: الأفضل في الأضحيّة
الغنم، ثم البقر، ثم الإبل، ومنهم من قدّم الإبل على البقر، حكاه القاضي
عياض، قالوا: والمقصود في الأضاحي طيب اللحم، وفي الهدايا كثرة اللحم.
واحتجوا بأمور:
١٩٧﴾ [الصافات: ١٠٧]، وكان
أحدها: قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَهُ بِذِيْجِ عَظِيمٍ
(١) أخرجه ابن ماجه في ((سننه)) برقم (١٠٩٤) بإسناد رجاله ثقات، غير عبد المجيد بن
عبد العزيز، فقد تُكُلّم فيه، وحسَّن البوصيريّ إسناده في ((الزوائد)).

١٩٣
(٩) - بَابُ فَضْلِ التَّهْجِيرِ إِلَى الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٨٤)
كبشاً، قال بعضهم: لو علم الله حيواناً أفضل من الكبش لفدى به إسماعيل،
وورد في حديث رواه البزّار، وابن عبد البرّ عن أبي هريرة ◌َظُه، عن النبيّ وَ ◌ّه
عن جبريل منظّ في أثناء حديث: ((اعلم يا محمد أن الجذع من الضأن خير من
السيد(١) من المعز، ومن البقر، والإبل، ولو علم الله ذبحاً خيراً منه لفَدَى به
إبراهيم ابنَهُ))، قال ابن عبد البرّ: وهذا الحديث لا أعلم له إسناداً غير هذا،
انفرد به الحُنينيّ(٢)، وليس ممن يُحتجّ به.
ثانيها: أنه و * ضحّى بكبشين، فلو كان الإبل والبقر أفضل لما عدل
عنهما إلى الغنم.
ثالثها: أنه (وَ ل﴿ قال: ((خير الأضحية الكبش الأقرن)). رواه أبو داود،
بإسناد صحيح.
وابن ماجه من حديث عبادة بن الصامت
والجواب عن الأول من وجهين:
الأول: أنه لا يلزم من كون الكبش عظيماً أن لا يكون غيره من الأنعام
وغيرها أعظم منه.
الثاني: لو سُلّم ذلك فهذا خاصّ بذلك الكبش؛ لأنه ذُكر عن ابن
عباس ﴿مَا أنه رَعَى في الجنة أربعين خريفاً، وأنه قرّبه ابن آدم، فتُقُبّل منه،
ورُفع إلى الجنة(٣)، فلذلك قيل فيه: عظيم.
والجواب عن الثاني أنه لا يلزم من تضحيته وقّله ترجيح الغنم؛ لأمرين:
أحدهما: أنه قد ثبت في الصحيح أنه ول﴿ل ضحّى عن نسائه بالبقر، فلو
دلّت تضحيته بالغنم على أفضليتها لدلّت تضحيته بالبقر على أفضليتها،
ويتعارض الخبران.
ثانيهما: أنه ثبت في الصحيح أنه ول# أهدى غنماً، فلو دلت تضحيته
(١) هكذا في ((التمهيد)) (٣٠/٢٢) بلفظ: ((السيّد))، والذي في ((ميزان الاعتدال)) (١/
١٧٩) بلفظ: ((المسنّة))، والظاهر أنه الصواب، والله تعالى أعلم.
(٢) هو إسحاق بن إبراهيم الْحُنَينيّ بالحاء المهملة، مصغّراً، أبو يعقوب المدنيّ، نزيل
طَرَسوي، ضعيف من التاسعة، مات سنة (٢١٦)، قاله في ((التقريب)).
(٣) الله أعلم بصحّته، فلم يذكر له سند حتى يُنظر فيه.

١٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
بالغنم على أفضليتها في الأضحيّة لدلّ إهداؤه لها على أفضليتها في الهدايا،
وليس كذلك بالاتفاق، كما تقدّم.
وقول القاضي عياض: إن النبيّ ◌َ ل﴿ إنما ضحّى بالضأن، وما كان ليترك
الأفضل، كما لم يتركه في الهدايا، فيه نظر، لما قدّمناه أنه ضحّى بغير الضأن،
وأنه تَرَكَ الأفضلَ في حقنا في الهدايا، فأهدى الغنم، وكان ◌َّ إذا فعل العبادة
المفضولة، كانت في حقِّه فاضلة، لكونه يُبيّن بذلك شرعيتها .
وقد تُحملُ تضحيته وَ له بالكبشين على أنه لم يجد في ذلك الوقت إلا
الغنم، أو أنه فعله لبيان الجواز، والله أعلم.
والجواب عن الثالث، وهو أقوى ما استدلّوا به أنه محمول على تفضيل
الكبش على مُساويه من الإبل والبقر، فإن البدنة والبقرة كلّ منهما يُجزئ عن
سبعة، فيكون المراد تفضيلَ الكبش على سُبُع بدنة، وسُبع بقرة، أو تفضيل سَبْع
من الغنم على البدنة والبقرة، لتتفق الأحاديث، فإن ظاهر الحديث الذي نحن
في شرحه موافق للجمهور.
قال الحافظ العراقيّ كَّلُهُ: وقد يُجاب بأن المراد خير الأضحية بالغنم
الكبشُ، قال: وفيه تعسّف. انتهى.
واحتجّ الجمهور أيضاً بقياس الضحايا على الهدايا، وأيضاً فقيل في قوله
تعالى: ﴿فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] أن المراد شاة، وذلك يدلّ على
نقصان مرتبتها عن غيرها من النَّعَم، وأيضاً فإن النبيّ وَّ سُئل عن أفضل
الرقاب، فقال: ((أغلاها ثمناً، وأنفسها عند أهلها))، ولا شكّ في أن الإبل
والبقر أنفس عند الناس، وأغلى ثمناً من الغنم. ذكره وليّ الدين كَُّهُ.
٥ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن مَن التزم هدياً يكفيه أن يخرج ناقة،
أو بقرة، أو شاة؛ لأنه ◌َه أطلق لفظ الهدي على الثلاثة، وقد اتفق العلماء
على ذلك في الإبل، والبقر، واتفق الشافعية في الغنم أيضاً، وعن مالك أنه
أجاز الشاة مرّة، ومرّة لم يُجزها، والله تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): أنه قد يُستدلّ بعمومه على استحباب التبكير للخطيب أيضاً،
لكن ينافيه قوله في آخره: ((فإذا خرج الإمام طوت الملائكة الصحف))، فدلّ
على أنه لا يخرج إلا بعد انقضاء وقت التبكير المستحبّ في حقّ غيره.

١٩٥
(٩) - بَابُ فَضْلِ التَّهْجِيرِ إِلَى الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٨٥)
قال الماورديّ ◌َُّ من الشافعية: يُختار للإمام أن يأتي الجمعة في الوقت
الذي تُقام فيه الصلاةُ، ولا يبكّر، اتباعاً لفعل النبيّ وَلّ، واقتداء بالخلفاء
الراشدين، قال: ويدخل المسجد من أقرب أبوابه إلى المنبر. انتهى.
٧ - (ومنها): أنه أطلق في هذه الرواية أن المهجّر إلى الجمعة كالمهدي
بدنة، وقَيَّد في رواية أخرى، فقال: ((من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم
راح ... )) الحديث، فاقتضى هذا أن التهجير إلى الجمعة إنما يكون كإهداء
البدنة، وكذا ما بعدها بشرط تقدّم الاغتسال عليه في ذلك اليوم، والقاعدة
حمل المطلق على المقيّد. قاله وليّ الدين ◌َّتُهُ.
٨ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن الجمعة تصحّ قبل الزوال، وقد تقدّم
تمام البحث فيه في المسألة الرابعة من مسائل شرح حديث أبي هريرة
مضرعنه
المتقدّم، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٨٥] ( .. ) - (حَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، عَنْ سُفْيَانَ،
عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ نَّهِ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بكير، تقدّم في الباب
الماضي .
٣ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم أيضاً في الباب الماضي.
٤ - (سَعِيدُ) بن المسيِّب، تقدّم قريباً.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) يعني: أن سفيان بن عيينة حدّث عن الزهريّ بمثل ما
حدّث به يونس بن يزيد الأيليّ عنه في روايته السابقة.
(١) وفي نسخة: ((حدّثنا)).

١٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن الزهريّ هذه ساقها أبو نعيم ◌َُّ في
((مستخرجه)) (٤٤٦/٢) فقال:
(١٩٢٩) حدّثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا بشر بن موسى، ثنا
الحميديّ (ح) وثنا فاروق الخطابيّ، ثنا أبو مسلم، ثنا القعنبيّ، والرماديّ،
قالوا: ثنا سفيان بن عيينة، سمعت الزهريّ، وحفظته منه، عن سعيد بن
المسيِّب، أنه أخبره عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَليقول: ((إذا كان يوم
الجمعة كان على كل باب من المسجد ملائكة، يكتبون الناس على منازلهم،
الأول، فالأول، فإذا خرج الإمام طُوِيت الصحفُ، واستمعوا إلى الخطبة،
والمهجِّر إلى الجمعة كالمهدي بدنةً، ثم الذي يليه كالمهدي بقرةً، ثم الذي يليه
كالمهدي كبشاً، حتى ذكر الدجاجة والبيضة)).
ثم قال: رواه مسلم عن يحيى بن يحيى، وعمرو الناقد. انتهى. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٩٨٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((عَلَى كُلِّ
بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَكِ، يَكْتُبُ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، مَثَّلَ الْجَزُورَ، ثُمَّ نَزَّلَهُمْ، حَتَّى
صَغَّرَ إِلَى مَثَلِ الْبَيْضَةِ، فَإِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ طُوِيَتِ الصُّحُفُ، وَحَضَرُوا الذِّكْرَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن محمد بن عبد الله بن عبد القاريّ -
بتشديد التحتانية - المدنيّ، نزيل الإسكندرية، حَلِيف بني زُهْرة، ثقةٌ [٨]
(ت١٨١) (خ م د ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٥/٣٥.
٣ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح، تقدّم قريباً.
٤ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السّمّان، تقدّم قريباً أيضاً.
و«أبو هريرة)) خُ ذُكر قبله.

١٩٧
(١٠) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ مَنِ اسْتَمَعَ، وَأَنْصَتَ إِلَى الْخُطْبَةِ - حديث رقم (١٩٨٧)
وقوله: (مَثَّلَ الْجَزُورَ) قال النوويّ تَخْلُهُ: هكذا ضبطناه: الأول ((مَثَّلَ))
بتشديد الثاء، وفتح المیم.
و((الْجَزُورُ)) قال الفيّومِيّ ◌َخْذَفُهُ: ((الْجَزُور)) من الإبل خاصّةً يقع على الذكر
والأنثى، والجمع جُزُر مثلُ رسول ورُسُل، ويجمع أيضاً على جُزُرات، ثم على
جزائر، ولفظ الْجَزُور أُنثى، يقال: رَعَت الْجَزور، قاله ابن الأنباريّ، وزاد
الصغانيّ: وقيل: الْجَزُور: الناقة التي تُنْحَر، وجَزَرتُ الجزورَ وغيرها، من باب
قَتَل: نَحَرْتها، والفاعل: جَزّار، والْحِرْفةُ: الْجِزَارة بالكسر، والْمَجْزَر: موضع
الْجَزْر، مثل جَعْفَر، وربما دخلته الهاء، فقيل: مَجْزَرةٌ. انتهى(١).
وقوله: (ثُمَّ نَزَّلَهُمْ) بتشديد الزاي، مبنيّاً للفاعل؛ أي: ذَكّر النبيّ وَلـ
منازلهم في السبق والفضيلة.
وقوله: (حَتَّى صَغَّرَ) بتشديد الغين المعجمة، مبنيّاً للفاعل أيضاً .
وقوله: (إِلَى مَثَلِ الْبَيْضَةِ) بفتح الميم، والثاء المخففة.
وقوله: (وَحَضَرُوا الذِّكْرَ) وفي نسخة: ((وحضروا للذكر))؛ أي: لسماع
الخطبة .
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١٠) - (بَابُ بَيَانِ فَضْلِ مَنِ اسْتَمَعَ، وَأَنْصَتَ إِلَى الْخُطْبَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٩٨٧] (٨٥٧) - (حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَام، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ،
حَدَّثَنَا رَوْحُ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرِّيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ قَالَ: ((مَّنِ
اغْتَسَلَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةً، فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ، حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ
(١) ((المصباح المنير)) ١/ ٩٨.

١٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
يُصَلِّي مَعَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى، وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَام) الْعَيْشِيُّ، أبو بكر البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت٢٣١)
(خ م س) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧.
٢ - (يَزِيدُ بْنَ زُرَيْع) أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (١٨٢) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ٣٢/٧].
٣ - (رَوْحُ) بن القاسم التميميّ الْعَنْبَريّ، أبو غَيَاث البصريّ، ثقةٌ حافظٌ
[٦] (ت١٤١) (خ م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َّتُهُ.
٢ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، ونصفه الثاني
بالمدنیین .
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه، وفيه أبو هريرة رضىالله أحفظ
من روى الحديث في دهره.
شرح الحديث:
(عَنِ النَّبِيِّ وََّ) أنه (قَالَ: ((مَنِ اغْتَسَلَ) ((من))
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)
ـنه
شرطيّة، والفعل مبنيّ للفاعل، جوابها: ((غُفِرَ له ... إلخ).
والمراد أنه اغتسل للجمعة؛ لحديث: ((إذا أتى أحدكم الجمعة،
فليغتسل))، متّفقٌ عليه، أو مطلقاً، وفيه دلالة على أنه لا بدّ في إحرازه لما ذُكر
من الأجر من الاغتسال، إلا أن في الرواية الآتية بيان أن غسل الجمعة سنّة،
وليس بواجب، وقيل: ليس فيها نفي الغسل، وقد ذُكر الغسل في هذه الرواية،
فيَحْتَمِل أن يكون ذكر الوضوء في الرواية التالية لمن تقدّم غسله على الذهاب،
فاحتاج إلى إعادة الوضوء(١).
(١) راجع: ((المرعاة)) ٤٥٨/٤.

١٩٩
(١٠) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ مَنِ اسْتَمَعَ، وَأَنْصَتَ إِلَى الْخُطْبَةِ - حديث رقم (١٩٨٧)
(ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ) أي: الموضع الذي تقام فيه صلاة الجمعة، كما يدلّ
عليه قوله: (فَصَلَّى) أي: من مطلق النوافل (مَا قُدِّرَ لَهُ) بتشديد الدال، مبنيّاً
للمفعول، وفيه دليلٌ على مشروعيّة الصلاة قبل الجمعة، وأنه لا حدّ لها، وليس
لها سنّة قبلية بعدد معيّن، كما يزعمه بعض الناس، وسيأتي تمام البحث في هذا
في آخر أبواب الجمعة، عند شرح حديث: ((إذا صلّيتم بعد الجمعة، فصلّوا
أربعاً)) - إن شاء الله تعالى - (ثُمَّ أَنْصَتَ) أي: سكت مستمعاً، يقال: أنصت
الرجل للقارئ: إذا استمع له، يتعدّى بالحرف، وقد يُحذف الحرف، فيقال:
أنصت القارئ، ويقال أيضاً: نصت له ثلاثيّاً، من باب ضرب(١).
وقال النوويّ كَُّ: قوله وَله: ((ثم أنصت))، هكذا هو في أكثر النسخ
المحقَّقة المعتمدة ببلادنا، وكذا نقله القاضي عياض عن الجمهور، ووقع في
بعض الأصول المعتمدة ببلادنا: ((انتصت))، وكذا نقله القاضي عن الباجيّ،
وآخرون: ((انتصت)) بزيادة تاء مثناة فوقُ، قال: وهو وَهَمٌ.
قال النوويّ: قلت: ليس هو وَهَماً، بل هي لغة صحيحة، قال الأزهريّ
في ((شرح ألفاظ المختصر)): يقال: أنصت، ونَصَتَ، وانتصت، ثلاث لغات.
(٢)
انتھی
(حَتَّى يَفْرُغَ) بضمّ الراء، ويجوز فتحها، يقال: فَرَغ من الشّغْلِ فُرُوغاً،
من باب قَعَدَ، وفَرِغَ يَفْرَغُ، من باب تَعِبَ لغة لبني تميم، والاسم الفَرَاغِ، قاله
في ((المصباح))(٣). (مِنْ خُطْبَتِهِ) قال النوويّ تَُّهُ: هكذا هو في الأصول من
غير ذكر الإمام، وعاد الضمير إليه؛ للعلم به، وإن لم يكن مذكوراً. انتهى (٤).
(ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ) بالرفع عطفاً على ((ثم أنصت)) (غُفِرَ لَهُ) بالبناء للمفعول (مَا بَيْنَهُ)
أي: ذنوب ما بينه (وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى) أي: الماضية، لا المستقبلة؛ لما
رواه النسائيّ من حديث سلمان تظله مرفوعاً: ((ما من رجل يتطهّر يوم
الجمعة ... )) الحديث، وفيه: ((إلا كان كفّارةً لما قبله من الجمعة))، وفي رواية
(١) راجع: ((المصباح المنير)) ٦٠٧/٢.
(٣) ((المصباح المنير)) ٤٧٠/٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٤٦/٦ - ١٤٧.
(٤) ((شرح النووي)) ٦/ ١٤٧.

٢٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
ابن خزيمة: ((غفر له ما بينه وبين الجمعة التي قبلها))(١). (وَفَضْلُ ثَلَاثَةٍ أَيَّام)))
أي: من الأيام التي تأتي بعد يوم الجمعة.
وقوله: ((فَضْلُ)) مرفوعٌ عطفاً بالواو بمعنى (مع)) على ((ما)) في قوله: ((ما
بينه))؛ أي: بين يوم الجمعة الذي فعل فيه ما ذُكِرَ مع زيادة ثلاثة أيّام على
السبعة؛ أي: وغُفِرت له ذنوب ثلاثة أيام مع السبعة؛ لتكون الحسنة بعشر
أمثالها .
ويجوز جرّ ((فضل)) عطفاً على ((الجمعة))، ونصبه على المفعول معه.
وقال النوويّ كَُّ: وقوله وَله: ((وفضل ثلاثة أيام))، وكذا قوله الآتي:
((وزيادة ثلاثة أيام)) هو بنصب ((فضل))، و((زيادة)) على الظرف.
قال الجامع عفا الله عنه: كون النصب على الظرف محلّ تأمّل، بل
الظاهر أن النصب على المفعول معه، إلا أن يريد بالظرف معنى المفعول معه،
وهو غريبٌ، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم.
قال: قال العلماء: معنى المغفرة له ما بين الجمعتين، وثلاثة أيام أن
الحسنة بعشر أمثالها، وصار يوم الجمعة الذي فَعَلَ فيه هذه الأفعال الجميلة في
معنى الحسنة التي تُجْعَل بعشر أمثالها، قال بعض أصحابنا: والمراد بما بين
الجمعتين من صلاة الجمعة وخطبتها إلى مثل الوقت من الجمعة الثانية، حتى
تكون سبعة أيام بلا زيادة ولا نقصان، ويضم إليها ثلاثة فتصير عشرة.
انتھی (٢).
[فإن قلت]: أخرج البخاريّ في ((صحيحه)) عن سلمان الفارسيّ
رضيعنه ،
قال: قال النبيّ وَله: ((لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع، من
طهر، ويَدَّهن من دهنه، أو يَمَسّ من طيب بيته، ثم يخرج، فلا يفرق بين
اثنين، ثم يصلي ما كُتب له، ثم يُنصت إذا تكلم الإمام، إلا غُفر له ما بينه
(١) لكن وقع في رواية الإمام أحمد بلفظ: ((والجمعة المقبلة))، وبعض ألفاظه:
((والجمعة التي بعدها))، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٦/ ١٤٧.