Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ (٣٣) - بَابُ أَمْرِ مَنْ نَعَسَ فِي صَلَاتِهِ، أَوِ اسْتَعْجَمَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ ... إلخ - حديث رقم (١٨٣٥) عن يحيى القطّان، وأما أبو بكر، وأبو كريب، عن أبي أسامة، فروياه بالمعنى، لكن بيّن هنا أن في رواية أبي أسامة زيادةً، وهي قوله: ((وَعِنْدِي امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ))، فإن القطّان رواه بلفظ: ((وعندي امرأة))، فليس فيه: ((من بني أسد))، فتنبه . والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث السابق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَِّ عَلَيْهِ تَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبٌ﴾ . (٣٣) - (بَابُ أَمْرِ مَنْ نَعَسَ فِي صَلَاتِهِ، أَوِ اسْتَعْجَمَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ بِأَنْ يَرْقُدَ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ ذَلِكَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٨٣٥] (٧٨٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرِ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، جَمِيعاً عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ هِشَامَ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّرِ قَالَ: ((إِذَا نَعَسَ أَحَذَّكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَرْقُدْ، حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى، وَهُوَ نَاعِسٌ، لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ، فَيَسُبُّ نَفْسَهُ»). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٠) عن (٩٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠. ٢ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله، إمام دار الهجرة الإمام الفقيه المشهور، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٧٨. والباقون تقدّموا في البابين الماضيين. ٢٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وله فيه أربعة أسانيد فرّق بينها بالتحويل؛ لاختلاف صيغ أدائهم، كما أوضحته غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وأما شيخه أبو كريب، فمن مشايخ الجماعة بلا واسطة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من مالك، ومن عداه كلّهم كوفيّون، سوی ڤُتيبة، فبغلانيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وعائشة ◌ّا من المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير (عَنْ عَائِشَةَ) ضَّا (أَنَّ النَّبِيَّ نَلِ قَالَ: ((إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ) وفي رواية النسائيّ: ((إذا نَعَسَ الرجل))، وهو بفتح النون والعين المهملة، من باب منع، كما في ((القاموس))، وقال في ((المصباح)): نَعَسَ، يَنْعُسُ من باب قَتَلَ، والاسم: النُّعَاس، فهو ناعسٌ، والجمع نُعَّس، مثلُ رَاكِعٍ ورُكَّع، والمرأة ناعسةٌ، والجمع نَوَاعس، وربما قيل: نَعْسَان وَنَعْسَى، حملوه على وسِّنان ووَسْنَى. وأول النوم النعاس وهو أن يحتاج الإنسان إلى النوم، ثم الْوَسَنُ، وهو ثِقَلُ النعاس، ثم التَّرْنيقُ، وهو مخالطة النعاس للعين، ثم الكَرَى، والغَمْض، وهو أن يكون الإنسان بين النائم واليَقْظان، ثم العَفْق، وهو النوم، وأنت تسمع كلام القوم، ثم الهُجُود، والهُجُوع. انتهى. (فِي الصَّلَاةِ) متعلّق بـ((نَعَسَ))، وفي رواية النسائيّ: ((وهو في الصلاة))، وعليه فالجملة حاليّة (فَلْيَرْقُدْ) بضم القاف، يقال: رَقَدَ يَرْقُدُ رَقَداً من باب نصر، ورُقَاداً ورُقُوداً: إذا نام ليلاً كان أو نهاراً، وبعضهم يخصّه بنوم الليل، وقد تقدّم البحث فيه مستوفّی. وفي رواية النسائيّ من طريق أيوب، عن هشام: ((فلينصرف))، والمراد أنه ينصرف بالتسليم بعد إكمالها . ٢٠٣ (٣٣) - بَابُ أَمْرٍ مَنْ نَعَسَ فِي صَلَاتِهِ، أَوِ اسْتَعْجَمَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ ... إلخ - حديث رقم (١٨٣٥) وقال الحافظ تَّتُهُ: وحمله المهلَّب على ظاهره، فقال بقطع الصلاة لغلبة النوم عليه، فدلّ على أنه إذا كان النعاس أقلّ من ذلك عُفِي عنه، قال: وقد أجمعوا على أن النوم القليل لا ينقض الوضوء، وخالف في ذلك الْمُزَنيّ فقال: ينقض قليله وكثيره، فخرق بذلك الإجماع، كذا قال المهلّب، وتبعه ابن بطال، وابن التين، وغيرهما وقد تحاملوا على المزنيّ في هذه الدعوى، فقد نقل ابن المنذر، وغيره عن بعض الصحابة ﴿ه والتابعين المصير إلى أن النوم حدث ينقض قليله وكثيره، وهو قول أبي عبيد، وإسحاق ابن راهويه، قال ابن المنذر: وبه أقول؛ لعموم حديث صفوان بن عسال ظُه؛ يعني: الذي صححه ابن خزيمة، وغيره، ففيه: ((إلا من غائط، أو بول، أو نوم))، فسوّى بينهما في الحكم، والمراد بقليله وكثيره طول زمانه وقصره لا مبادیه. والذين ذهبوا إلى أن النوم مظنة الحدث اختلفوا على أقوال: التفرقة بين قليله وكثيره، وهو قول الزهريّ، ومالك، وبين المضطجع وغيره، وهو قول الثوريّ، وبين المضطجع والمستند وغيرهما، وهو قول أصحاب الرأي، وبينهما والساجد بشرط قصده النوم وبين غيرهم، وهو قول أبي يوسف، وقيل: لا ينقض نوم غير القاعد مطلقاً، وهو قول الشافعي في القديم، وعنه التفصيل بين خارج الصلاة فينقض أو داخلها فلا، وفَصَّل في الجديد بين القاعد المتمكن فلا ينقض وبين غيره فينقض. انتهى(١). وقد تقدّم البحث عن هذه الأقوال مستوفى في ((كتاب الحيض))، مع ترجيح ما ذهب إليه الشافعيُّ في الجديد؛ لقوّة حجته، فراجعه برقم [٨٣٩/٨] (٣٧٦) تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ) غاية للرقاد؛ أي: يرقُد إلى أن يذهب عنه نومه الذي منعه من الصلاة. ثم بيّن سبب أمره بالرقاد، وتركه الصلاة بقوله: (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى، وَهُوَ نَاعِسٌ) جملة في محلّ نصب على الحال (لَعَلَّهُ يَذْهَبُ) أي: يقصد، يقال: ذَهَبَ مَذْهَبَ فُلانٍ: أي: قَصَدَ قَصْدَهُ، قاله في ((المصباح))(٢)، وقوله: (يَسْتَغْفِرُ) (١) ((الفتح)) ٣٧٦/١. (٢) ((المصباح المنير)) ٢١٠/١. ٢٠٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمامے مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، قال القاضي عياض تَظْتُهُ: معنى (يستغفر)) يدعو. انتهى. ويدلّ عليه رواية ابن حبّان في ((صحيحه) (١) من طريق أيوب، عن هشام بلفظ: ((إذا نَعَس الرجل، وهو يصلّي، فلينصرف، لعله يكون يدعو في صلاته، فيدعو على نفسه، وهو لا يدري)) (فَيَسُبَّ نَفْسَهُ) بنصب ((يسُبّ)) على جواب الترجّي، وهو مذهب الكوفيين، ورجحه ابن مالك، حيث قال في ((الخلاصة)): وَالْفِعْلُ بَعْدَ الْفَاءِ فِي الرَّجَا نُصِبْ كَنَصْبٍ مَا إِلَى الثَّمَنِّي يَنْتَسِبْ وعليه قوله تعالى: ﴿لَّعَلِّ أَبْلُغُ الْأَسْبَبَ ® أَسْبَبَ السَّمَوَتِ فَأَطَّلِعَ﴾ الآية [غافر: ٣٦، ٣٧] في قراءة من نصب ﴿أَطَلَعَ﴾، وهو حفص، عن عاصم(٢). ويجوز رفعه؛ أي: فهو يسبُّ نفسه. وقال القرطبيُّ ◌َُّهُ: رويناه برفع الباء من ((يسُبُّ)) ونصبها، فمن رفع فعلى العطف على ((يذهبُ))، ومن نصب فعلى جواب ((لعل))، وكأنه أشربها معنى التمنّي، كما قرأ حفص: ﴿لَّعَلِّ أَبْلُغُ الْأَسْبَبَ ® أَسْبَبَ السَّمَوَتِ فَطَّلِعَ﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧] بنصب العين. انتهى(٣). وفي رواية البخاريّ: ((فإن أحدكم إذا صلّى، وهو ناعسٌ، لا يدري لعلّه يستغفر، فیسبَّ نفسه). قال في ((الفتح)): يَحْتَمِل أن يكون علة النهي خشية أن يوافق ساعة الإجابة، قاله ابن أبي جمرة(٤). وقال في ((العمدة)): فإن قلت: كيف يصح ههنا معنى الترجي؟ قلت: الترجي فيه عائد إلى المصلي، لا إلى المتكلم به؛ أي: لا يدري أمستغفر، أم سابّ مترجياً للاستغفار، فهو بضدّ ذلك، أو استعمل بمعنى التمكن بَيْنَ الاستغفار والسب؛ لأن الترجي بين حصول المرجوّ وعدمه، فمعناه لا يدري: (١) راجع: ((الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان)) ٣٢٠/٦ رقم (٢٥٨٥). (٢) ((شرح ابن عقيل على الخلاصة)) ١٨٢/٢. (٣) («المفهم)) ٤١٦/٢. (٤) ((الفتح)) ٣٧٦/١. (٣٣) - بَابُ أَمْرِ مَنْ نَعَسَ فِي صَلَاتِهِ، أَوِ اسْتَعْجَمَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ ... إلخ - حديث رقم (١٨٣٥) ٢٠٥ أيستغفر، أم يسبّ؟ وهو متمكن منهما على السوية. انتهى(١). [تنبيه]: [فإن قلت]: قد جاء في حديث ابن عباس ◌ًّا في نومه في بيت ميمونة ظّا: ((فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني))، ففيه أنه لم يأمره بالنوم. [قلت]: أجيب عن ذلك بأنه إنما لم يأمره بالنوم؛ لأنه جاء تلك الليلة ليتعلم منه، فتركه، وهو ينعس، ولكن كان ينبّهه بفرك أذنه؛ ليكون أثبت له، أفاده في ((العمدة))(٢). [تنبيه آخر]: قال في ((الفتح)): قال المهلَّب: فيه إشارة إلى العلة الموجبة لقطع الصلاة، فمن صار في مثل هذه الحال، فقد انتقض وضوؤه بالإجماع. كذا قال، وفيه نظرٌ؛ فإن الإشارة إنما هي إلى جواز قطع الصلاة، أو الانصراف إذا سلم منها، وأما النقض فلا يتبين من سياق الحديث؛ لأن جريان ما ذُكِر على اللسان ممكن من الناعس، وهو القائل إن قليل النوم لا ينقض فكيف بالنعاس، وما ادّعاه من الإجماع مُنتقَضٌ، فقد صح عن أبي موسى الأشعريّ، وابن عمر، وسعيد بن المسيب: أن النوم لا ينقض مطلقاً، وفي (صحيح مسلم))، و ((سنن أبي داود)): ((وكان أصحاب النبيّ وَله ينتظرون الصلاة مع النبيّ ◌َّ فينامون، ثم يصلون، ولا يتوضئون))، فحُمِل على أن ذلك كان، وهم قعود. لكن في ((مسند البزار)) بإسناد صحيح في هذا الحديث: ((فيضعون جنوبهم، فمنهم من ينام، ثم يقومون إلى الصلاة)). انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة خِوَّا هذا مُتَّفَقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: (١) ((عمدة القاري)) ٤٢٥/٢. (٣) ((الفتح)) ٣٧٦/١. (٢) راجع: ((عمدة القاري)) ٤٢٥/٢. ٢٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها أخرجه (المصنّف) هنا [١٨٣٥/٣٣] (٧٨٦)، و(البخاريّ) في ((الوضوء)) (٢١٢)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٣١٠)، و(الترمذيّ) في ((الصلاة)) (٣٥٥)، و(النسائيّ) في ((الطهارة)) (١٦٢) و((الكبرى)) (١٥٤)، و(ابن ماجه) في («إقامة الصلاة)) (١٣٧٠)، و(مالك) في ((الموطأ)) (١١٨/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٥٨٣ و٢٥٨٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٢١٩ و٢٢٢٠ و٢٢٢١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٧٨٤ و١٧٨٥)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٤٢٢٢)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٨٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٥٦/٦ و٢٠٢ و٢٠٥ و٢٥٩)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٢١/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٦/٣)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٩٤٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الحث على الخشوع وحضور القلب في العبادة، وذلك لأن الناعس لا يحضر قلبه، والخشوع إنما يكون بحضور القلب. ٢ - (ومنها): الأمر بقطع الصلاة عند غلبة النوم عليه، قال المهلَّب تَظّفُهُ: إنما هذا في صلاة الليل، لأن الفريضة ليست في أوقات النوم، ولا فيها من التطويل ما يوجب ذلك. ورُدّ عليه بأن العبرة بعموم اللفظ، فيُعْمَل به أيضاً في الفرائض إن وقع ما أُمنَ بقاءُ الوقت، أفاده في ((الفتح)) (١). وقال النوويُّ كَّتُهُ: هذا عامّ في صلاة الفرض والنفل في الليل والنهار، وهذا مذهبنا، ومذهب الجمهور، لكن لا يُخرِج فريضةً عن وقتها، قال القاضي عياض: وحمله مالك وجماعةٌ على نفل الليل؛ لأنه محلّ النوم غالباً. انتهى (٢). ٣ - (ومنها): بيان عدم انتقاض الوضوء بالنعاس، حيث إن النبيّ وَّ بِيَّنَ سبب الأمر بالانصراف، وهو الدعاء على نفسه، ولو كان النعاس ناقضاً للوضوء لعلَّل الأمر بالنوم به. ٤ - (ومنها): الأخذ بالاحتياط؛ لأنه عَلَّل بأمر مُحْتَمِلٍ. ٥ - (ومنها): أن فيه جواز الدعاء في الصلاة من غير تعيين بشيء من الأدعية. (١) ((الفتح)) ٣٧٧/١. (٢) ((شرح النوويّ)) ٧٤/٦. ٢٠٧ (٣٣) - بَابُ أَمْرٍ مَنْ نَعَسَ فِي صَلَاتِهِ، أَوِ اسْتَعْجَمَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ ... إلخ - حديث رقم (١٨٣٦) ٦ - (ومنها): ما قاله القرطبيُّ تَخْذّثهُ: الحديث نبّه في آخره على علّة الأمر بالنوم، وهو أنه توقّع منه ما يكون منه من الغلط فيما يقرأ، أو يقول، ولم يجعل علّة ذلك نقض طهارته، فدلّ على أن النوم ليس بحدث على ما تقدّم. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَتُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٨٣٦] (٧٨٧) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنٍَّ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيَّرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إِِّ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ،َ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ اللَّيْلِ، فَاسْتَعْجَمَ الْقُرْآنُ عَلَى لِسَانِهِ، فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ، فَلْيَضْطَجِعْ)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) النيسابوريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بَّنْ همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم قريباً. ٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل الصنعانيّ، أبو عقبة، ثقةٌ [٤] (ت١٣٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)» ٢١٣/٢٦. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ظُه تقدّم في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َّلُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما مرّ نفاً. ٣ - (ومنها): أن قوله: ((فذكر أحاديث ... إلخ)) إشارة إلى أن هذا الحديث من صحيفة همّام بن منبّه المشهورة. ٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ظله رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثاً. (١) ((المفهم)) ٢ /٤١٥ - ٤١٦. ٢٠٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها شرح الحديث: (عَنْ هَمَّام بْنِ مُنَبِّهٍ) أنه (قَالَ: هَذَا) الإشارة إلى ما تضمّنته صحيفته المشهورة من الحديث (مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) رَبه (عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ لَّه فَذَكَرَ) الفاعل ضمير همّام (أَحَادِيثَ، مِنْهَا) أي: من جملة تلك الأحاديث، فالجارّ والمجرور خبر مقدّم وقوله: (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ إِ﴿) مبتدأ مؤخّر؛ محكيّ؛ لقصد لفظه ((إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ اللَّيْلِ) أي: في الليل، فـ((من)) بمعنى (في))، ويَحْتَمِل أن تكون للتبعيض؛ أي: بعض الليل. قال الحافظ وليّ الدين كَخُّْ: قوله: ((إذا قام أحدكم من الليل)) يَحْتَمِل و جھین : [أحدهما]: أن القيام هنا على بابه، والمراد القيام للصلاة، ثم يَحْتَمِل على هذا أن يكون القيام على ظاهره، وإن لم يَشْرَع في الصلاة، ويَحْتَمِل أن يراد به القيام للصلاة مع الدخول فيها، ويدل لذلك قوله في حديث عائشة وأنس ◌َيُّ: ((إذا نَعَسَ أحدكم في الصلاة)). [ثانيهما]: أن يراد بالقيام من الليل نفس صلاة الليل، فإنه يقال لصلاة الليل: قيام الليل. انتهى(١). (فَاسْتَعْجَمَ) بفتح التاء، مبنيّاً للفاعل، وقوله: (الْقُرْآنُ) مرفوع على الفاعليّة (عَلَى لِسَانِهِ) متعلّق بـ((استَعْجَمَ))؛ أي: استغلق القرآن، ولم ينطق به لسانه لغلبة النعاس، كأنه صارت به عجمة؛ لاختلاط حروف الناعس، وعدم بيانها، قال في ((الصحاح)): استَعْجَمَ عليه الكلامُ: استَبْهَمَ، وقال في ((المحكم)): استَعْجَم الرجلُ: سَكَت، واستَعجمت عليه قراءته: انقطعت، فلم يقدر على القراءة من نعاس، وقال في ((المشارق)): استَعجم عليه القرآن: لم يُفصح به لسانه، ثم قال: استعجم القرآن على لسانه: أي ثقلت عليه القراءة، كالأعجميّ، وقال في ((النهاية)): استَعجم القرآن على لسانه: أي أُرْتِجَ عليه(٢) (١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٨٩/٣. (٢) ((أُرتِج عليه) مبنيّاً للمفعول: أُغْلِق عليه. ٢٠٩ (٣٣) - بَابُ أَمْرٍ مَنْ نَعَسَ فِي صَلَاتِهِ، أَوِ اسْتَعْجَمَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ ... إلخ - حديث رقم (١٨٣٦) فلم يقدر أن يقرأ، كأنه صار به عجمة(١). وقوله: (فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ) يَحْتَمِل معناه أوجهاً : [أحدها]: أنه لنعاسه صار لا يفهم ما ينطق به. [والثاني]: أنه لا يدري لشدة نعاسه ما بعد اللفظ الذي نطق به، حتى يأتي به. [والثالث]: أنه لشدة نعاسه لا يقدر على النطق أصلاً، وهذه مراتب أخفها الأول، وأشدها الأخير، قاله وليّ الدين كَُّهُ(٢). (فَلْيَضْطَجِعْ))) أي: فلينم، وهذا الأمر بالاضطجاع في هذه الصورة، هل هو على سبيل الاستحباب، أو الإيجاب؟ قال الحافظ العراقيّ تَخَّتُهُ: ظواهر الأحاديث تقتضي وجوب ذلك، فأما من حيث المعنى، فإن كان النعاس خفيفاً بحيث يعلم المصلي الناعس أنه أتى بواجبات الصلاة، فإن صلاته صحيحة، فلا يجب عليه الخروج منها، وإن كان بحيث لا يعلم ما أتى به من الواجبات فصلاته غير صحيحة، فيجب الخروج منها، ثم إن ذهب عنه النوم بأمر آخر غير الاضطجاع من تبرد بماء، أو غير ذلك فلا شك أنه لا يجب ذلك؛ لأنه وسيلة إلى ذهاب النوم، وقد ذهب، فإذا حصل المقصد سقطت الوسائل، وإن لم يذهب ذلك إلا بالاضطجاع وجب عليه؛ لأنه مقدمة للواجب. وقال القاضي عياض تَخْتُ: إن من اعتراه ذلك في الفريضة، وكان في وقت سعة لزمه أن يفعل مثل ذلك، وينام حتى يتفرغ للصلاة. انتهى، فحمل الأمر في ذلك على الوجوب. انتهى كلام العراقيّ. قال وليّ الدين كَّلُهُ: والظاهر حمل الأمر في ذلك على الاستحباب مطلقاً، وما دام النعاس خفيفاً فلا وجه للوجوب، وإذا اشتد النعاس انقطعت الصلاة؛ لشدته، فلا يحتاج إلى إيجاب القطع؛ لأنه يحصل بغير اختيار المصلي، والله أعلم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: القول بوجوب الاضطجاع، هو الظاهر؛ لظاهر (١) ((طرح التثريب)) ٨٩/٣ - ٩٠. (٢) ((طرح التثريب)) ٩٠/٣. ٢١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها الأمر، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة (المسألة الثانية): في تخريجه: هذا من أفراد المصنّف تَحْذَ لَهُ . أخرجه (المصنّف) هنا [١٨٣٦/٣٣] (٧٨٧)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٣١١)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٢٠/٥)، و(ابن ماجه) في ((إقامة الصلاة)) (١٣٧٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٥٨٥)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٤٢٢١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣١٨/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢/ ٢٩٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣٧٨/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣/ ١٦)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٩٤١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الحضّ على الإقبال على الصلاة بخشوع، وفراغ قلب، ونشاط، وتعقل لما يقرأه، ويدعو به. ٢ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن النعاس لا ينقض الوضوء، فإنه لم يعلل قطع صلاة الناعس ببطلان طهارته، وإنما علله بتوقع الغلط منه، والنعاس دون النوم، وحقيقة النوم استرخاء البدن، وزوال الاستشعار، وخفاء الكلام، وليس ذلك في النعاس، وأما قول صاحب ((المحكم)): إن النعاس النوم، فهو مخالف لكلام أكثر أهل اللغة، وقد صرح الشاعر بأنه دونه في قوله [من الکامل]: وَسْنَانُ أَثْقَلَهُ النُّعَاسُ فَرَنَّقَتْ فِي عَيْنِهِ سِنَةٌ وَلَيْسَ بِنَائِمِ وقد قال صاحب ((المحكم)) بعد ذلك: وقيل: مقاربته، وهذا هو الموافق لكلام غيره، والله أعلم. ٣ - (ومنها): أنه استَدَلَّ به صاحب ((المفهم)) على أن النوم ليس بحدث، من حيث إنه لم يجعل ذلك علة نقض طهارته. وتعقّبه العراقيّ، فقال: وفيه نظر من حيث إنه لا تعرّض في الحديث ٢١١ (٣٣) - بَابُ أَمْرٍ مَنْ نَعَسَ فِي صَلَاتِهِ، أَوِ اسْتَعْجَمَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ ... إلخ - حديث رقم (١٨٣٦) للنوم، وقد يؤدي النعاس إلى النوم، وقد لا يؤدي إليه بأن يستمر المصلي على صفة الناعس حتى يفرغ. انتهى (١). ٤ - (ومنها): أنه إنما أمره بالاضطجاع؛ لأنه الهيئة المحمودة في النوم، والمعهودة غالباً، فلو استلقى، أو نام قاعداً حصل الغرض بذلك. ٥ - (ومنها): أن ظاهر لفظ الحديث اختصاص ذلك بصلاة الليل؛ لأنه قال: ((إذا قام أحدكم من الليل))، لكن المعنى يقتضي أن سائر الصلوات في ذلك سواء، وأنه لا فرق بين الفرض والنفل، والتقييد بالقيام من الليل إنما هو لأن الغالب عليه النعاس في صلاة الليل دون صلاة النهار، وما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له، وقد يقال: إن المعنى يقتضي اختصاص ذلك بصلاة النفل؛ لجواز الخروج من صلاة النفل دون الفرض، حكى القاضي عياض عن مالك، وجماعة من العلماء أنهم حملوا الحديث على صلاة الليل؛ لأن الغالب غلبة النوم إنما هي في الليل، وحكى النووي عن مذهب الشافعيّ، والجمهور أنه عام في صلاة الفرض والنفل في الليل والنهار، قاله وليّ الدين تَّتُهُ. ٦ - (ومنها): قال وليّ الدين كَّلُ: محل هذا الأمر ما إذا لم يكن في فريضة قد ضاق وقتها، فإن ضاق الوقت بأن لم يبق منه زمن يسع صلاة الفرض، فليس له الخروج منها، كذا حمله على ذلك القاضي عياض، وقال: إنه يصلي على ما أمكنه، ويجاهد نفسه، ويدافع النوم جهده، ثم إن تحقق أنه أداها وعقلها أجزأته، وإلا أعادها. قال الحافظ العراقيّ كَُّهُ في ((شرح الترمذي)): وما ذكره هو الذي يمشي على قواعد مذهبنا كما في مسألة ما إذا قُدِّم الطعام، وقد بقي من الوقت ما يسع قدر الصلاة، وفيه وجه حكاه المتولي، أنه يأكل وإن خرج الوقت، وهو قول أهل الظاهر، وقد يفرق بين البابين بأن الصلاة بحضرة الطعام لا تؤدي إلى حالة الناعس الذي لا يدري ما يقول، وأن من أداه النعاس إلى هذه الحالة لا يستمر في صلاة الفرض، ولا يسرع فيها حتى يكون على حالة يدري أنه أتى بواجبات الصلاة، وقد روى ابن عبد البر في ((التمهيد)) بإسناده إلى الضحاك في (١) ((طرح التثريب)) ٩٢/٣. ٢١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣]، قال: سكر النوم، قال ابن عبد البرّ: ولا أعلم أحداً قال ذلك غير الضحاك، قال العراقيّ: إلا أن الآية دلت على أن من لا يعلم ما يقول لا يدخل في الصلاة، فمن أداه غلبة النوم إلى ذلك، فهو منهي عن الدخول فيها، ومن إتمامها بعد الشروع حتى يعلم ما يقول. انتهى(١). ٧ - (ومنها): أنه على تقدير أن يُحمل القيام من الليل على نفس الصلاة، فإذا أمر بإبطال الصلاة بعد الشروع فيها عند طروء النعاس، فعدم الدخول أولى بذلك؛ لأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء. ٨ - (ومنها): أنه على تقدير أن يُحمَل القيام من الليل على القيام للصلاة، وإن لم يشرع في الصلاة ففيه منع الناس من قراءة القرآن، ولو كان في غير صلاة، والمعنى فيه ما يُحذَر من تغييره لكلام الله تعالى، وإن كان في الصلاة قدر زائد، وهو أنه إذا لم يعلم ما قرأ من الواجب لم يؤدّ فرضه(٢). ٩ - (ومنها): أنه عَلَّل الأمر في الرُّقاد في حديث عائشة رضيّا بأنه ((لعله يذهب، يستغفر، فيسب نفسه))، وقال في حديث آخر: ((حتى يعلم ما يقرأ))، والقدر المشترك بين العلتين خشية التخليط فيما يأتي به من القراءة والدعاء، والأمر في القراءة أشدّ؛ لوجوبها، ولعظم المفسدة في تغيير القرآن. [فإن قلت]: كيف يؤاخذ العبد بما لا يقصد النطق به من تغيير نظم القرآن أو دعائه على نفسه، وهو ناعس؟. [أجيب]: من وجهين: أحدهما: أن من عَرَّض نفسه للوقوع في ذلك بعد النهي عنه، فهو متعدّ بالصلاة في هذه الحالة، فجنايته على نفسه، وهذا إذا كان عالماً بالنهي. والوجه الثاني: إنا وإن قلنا: إنه غير آثم؛ لعدم قصده، إلا أن المقصود من الصلاة أداؤها على ما أمر به، وتحصيل الدعاء لنفسه؛ لكونه أقرب ما يكون من ربه، وهو ساجد، فإذا فات المقصود بكونه لم يعلم ما أتى به من (١) ((طرح التثريب)) ٩١/٣. (٢) ((طرح التثريب)) ٩٢/٣. ٢١٣ (٣٤) - بَابُ الْأَمْرِ بِتَعَهُّدِ الْقُرْآنِ، وَكَرَاهَةٍ قَوْلِ: نَسِيتُ آيَةَ كَذَا ... إلخ - حديث رقم (١٨٣٧) الواجبات، ولم يحصل له إجابة ما قصد أن يدعو به لنفسه، فهو منهي عن تكليف نفسه ما لا فائدة فيه، قاله العراقيّ كَذَتُهُ . ١٠ - (ومنها): قد يُدَّعَى أن في حديث أبي هريرة ظُه هذا زيادة على حديث عائشة رضيّا المذكور قبله؛ لأن عدم درايته لما يقول قد يكون لنعاس، وقد يكون لشغل فكر، أو لغير ذلك من الأسباب، لكن الأغلب كونه لنعاس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (٣٤) - (بَابُ الْأَمْرِ بِتَعَهُّدِ الْقُرْآنِ، وَكَرَاهَةٍ قَوْلِ: نَسِيتُ آيَةَ كَذَا، وَجَوَازِ قَوْلِ: أُنْسِيتُهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٣٧] (٧٨٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ سَمِعَ رَجُلاً يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: ((يَرْحَمُهُ اللهُ، لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً، كُنْتُ أَسْقَطْتُهَا مِنْ سُورَةٍ كَذَا وَكَذَا))). رجال هذا الإسناد: ستة : وكلهم ذُكروا قبل حديث، وكذا لطائف الإسناد. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) ◌ِّا (أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ سَمِعَ رَجُلاً يَقْرَأُ مِنْ اللَّيْلِ) أي: سمع صوت رجل يقرأ في الليل، وذكر عبد الغني بن سعيد تَخُّْ في ((المبهمات)) أن الرجل هو عبد الله بن يزيد الأنصاريّ، فروى من طريق عمرة، عن عائشة أن النبيّ وَّة سمع صوت قارئ يقرأ، فقال: ((صوت من هذا؟)) قالوا: عبد الله بن يزيد، قال: ((لقد ذَكَّرني آيَةً - يرحمه الله - كنت أنسيتها)). انتهى. (فَقَالَ) وَّهِ («يَرْحَمُهُ اللهُ) هذا منه وَّه دعاء للرجل على تذكيره له الآية ٢١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها (لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً) قال الحافظ تَُّ: لم أقف على تعيين الآيات المذكورة، وأغرب من زعم أن المراد بذلك إحدى وعشرون آيةً؛ لأن ابن عبد الحكم قال فيمن أَقَرّ أن عليه كذا وكذا درهماً أنه يلزمه أحد وعشرون درهماً، وقال الداوديّ: يكون مقرّاً بدرهمين؛ لأنه أقل ما يقع عليه ذلك، قال: فإن قال: له علي كذا درهماً كان مُقِرّاً بدرهم واحد. انتهى. (كُنْتُ أَسْقَطْتُهَا) وفي لفظ البخاريّ: ((أسقطتهنّ (مِنْ سُورَةٍ كَذَا وَكَذَ))) وفي الرواية التالية: ((كنت أُنسيتها))، وهي مفسِّرة لقوله: ((أسقطتها))، فكأنه قال: أسقطتها نسياناً لا عمداً، وعند الإسماعيليّ: ((كنت نَسِيتها)) بفتح النون، ليس قبلها همزة، قال الإسماعيليّ: النسيان من النبيّ وَ لا لشيء من القرآن یکون علی قسمین: أحدهما: نسيانه الذي يتذكره عن قُرْب، وذلك قائم بالطباع البشرية، وعليه يدل قوله ◌َ ﴿ في حديث ابن مسعود رَظ ◌ُبه في السهو: ((إنما أنا بشر مثلکم، أنسی كما تنسون)). والثاني: أن يرفعه الله عن قلبه على إرادة نسخ تلاوته، وهو المشار إليه بالاستثناء في قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِتُكَ فَلاَ تَنَسَ ﴿ إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦، ٧]، قال: فأما القسم الأول فعارضٌ سريع الزوال؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّا (ج)﴾ [الحجر: ٩]، وأما الثاني فداخل في قوله نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] على قراءة من قرأ بضم أوله من غير همزة. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّنا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨٣٧/٣٤ و١٨٣٨] (٧٨٨)، و(البخاريّ) في (١) راجع: ((الفتح)) ٢٨٤/١١ - ٢٨٥. - - ٢١٥ (٣٤) - بَابُ الْأَمْرِ بِتَعَهُّدِ الْقُرْآنِ، وَكَرَاهَةِ قَوْلِ: نَسِيتُ آيَةً كَذَا ... إلخ - حديث رقم (١٨٣٧) ((الشهادة)) (٢٦٥٥)، و((فضائل القرآن)) (٥٠٣٧ و٥٠٣٨ و٥٠٤٢)، و((الدعوات)) (٦٣٣٥)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٣٣١)، و((الحروف والقراءات)) (٣٩٧٠)، و(النسائيّ) في ((فضائل القرآن)) (٣١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦/ ١٣٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٠٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢/ ٤٥٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣٧٩/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣/ ١٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز رفع الصوت بالقراءة في الليل، وفي المسجد، ولا كراهة فيه إذا لم يؤذ أحداً، ولا تعرّض للرياء والإعجاب، ونحو ذلك. ٢ - (ومنها): بيان استحباب الدعاء لمن أصاب الإنسان من جهته خيراً، وإن لم يقصده ذلك الإنسان. ٣ - (ومنها): بيان أن الاستماع للقراءة سنة. ٤ - (ومنها): بيان جواز قول سورة كذا، كسورة البقرة، ونحوها، ولا التفات إلى من خالف في ذلك، فقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على استعماله . ٥ - (ومنها): جواز قول المرء: أسقطت آية كذا من سورة كذا، إذا وقع ذلك منه، وقد أخرج ابن أبي داود من طريق أبي عبد الرحمن السُّلَميّ قال: لا تقل: أسقطت كذا، بل قل: أغفلت، وهو أدبٌ حسنٌ، وليس واجباً(١). ٦ - (ومنها): أنه دليل على جواز النسيان على النبيّ وَّر فيما قد بلّغه إلى الأمة، وقد تقدم في باب سجود السهو الكلام فيما يجوز من السهو عليه وَالت، وما لا يجوز، قال القاضي عياض كَّتُهُ: جمهور المحققين على جواز النسيان عليه وَ﴿ ابتداءً فيما ليس طريقه البلاغ، واختلفوا فيما طريقه البلاغ والتعليم، ولكن من جَوَّز قال: لا يُقَرّ عليه، بل لا بدّ أن يتذكره، أو يُذَكَّره، واختلفوا هل من شروط ذلك الفور، أم يصح على التراخي قبل وفاته بَّر؟ قال: وأما نسيان ما بَلَّغَه، كما في هذا الحديث فيجوز، قال: وقد سبق بيان سهوه ربَّ في (١) ((الفتح)) ٢٨٦/١١. ٢١٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها الصلاة، قال: وقال بعض الصوفية، ومتابعيهم: لا يجوز السهو عليه وَ ل أصلاً في شيء، وإنما يقع منه صورته ليس إلّا، وهذا تناقض مردودٌ، ولم يقل بهذا أحد ممن يُقْتَدى به إلا الأستاذ أبو المظفر الإسفرايينيّ، فإنه مال إليه، ورجحه وهو ضعيف متناقضٌ، ذكره النوويّ تَقْذُّهُ(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم نسيان القرآن بعد حفظه : قال في ((الفتح)): اختَلَف السلف في نسيان القرآن، فمنهم من جعل ذلك من الكبائر، وأخرج أبو عبيد من طريق الضحاك بن مزاحم موقوفاً قال: ما من أحد تعلم القرآن، ثم نسيه إلا بذنب أحدثه؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا أَصَبَكُم مِّن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، ونسيان القرآن من أعظم المصائب. واحتجوا أيضاً بما أخرجه أبو داود، والترمذيّ من حديث أنس مرفوعاً: ((عُرِضت عليّ ذنوب أمتي، فلم أر ذنباً أعظم من سورة من القرآن، أوتيها رجل، ثم نسيها))، وفي إسناده ضعف. وقد أخرج ابن أبي داود من وجه آخر مرسل نحوه، ولفظه: ((أعظم من حامل القرآن وتاركه)). ومن طريق أبي العالية موقوفاً: ((كنا نَعُدّ من أعظم الذنوب أن يتعلم الرجل القرآن، ثم ينام عنه حتى ينساه))، وإسناده جيّد. ومن طريق ابن سيرين بإسناد صحيح في الذي ينسى القرآن: كانوا یکرهونه، ويقولون فيه قولاً شديداً. ولأبي داود عن سعد بن عبادة مرفوعاً: ((من قرأ القرآن، ثم نسيه، لقي الله وهو أجذم))(٢)، وفي إسناده أيضاً مقال. (١) ((شرح النوويّ)) ٧٦/٦ - ٧٧. (٢) قال في ((الفتح)) (٢٨٦/١١): واختُلِف في معنى ((أجزم)) فقيل: مقطوع اليد، وقيل: مقطوع الحجة، وقيل: مقطوع السبب من الخير، وقيل: خالي اليد من الخير، = ٢١٧ (٣٤) - بَابُ الْأَمْرِ بِتَعَهُّدِ الْقُرْآنِ، وَكَرَاهَةِ قَوْلِ: نَسِيتُ آيَةً كَذَا ... إلخ - حديث رقم (١٨٣٧) وقد قال به من الشافعية أبو المكارم، والرويانيّ، واحتَجّ بأن الإعراض عن التلاوة يتسبب عنه نسيان القرآن، ونسيانه يدل على عدم الاعتناء به، والتهاون بأمره. وقال القرطبيّ: من حفظ القرآن، أو بعضه، فقد عَلَت رتبته بالنسبة إلى من لم يحفظه، فإذا أَخَلّ بهذه الرتبة الدينية حتى تزحزح عنها، ناسب أن يعاقب على ذلك، فإن ترك معاهدة القرآن يُفضي إلى الرجوع إلى الجهل، والرجوع إلى الجهل بعد العلم شدید. وقال إسحاق ابن راهويه: يُكره للرجل أن يمرّ عليه أربعون يوماً لا يقرأ فيها القرآن. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بكون النسيان من الكبائر على إطلاقه غير صحيح؛ لأنه مما لا دليل عليه؛ إذ لا تصح الأحاديث فيه، ففي إسناد حديث أنس المذكور عبدُ المجيد بنُ عبد العزيز بن أبي رَوَّاد، وهو مختلف فيه، والمطلب بن عبد الله بن حنطب، صدوق كثير التدليس والإرسال - كما قال في ((التقريب)) - وقد عنعنه عن أنس. فالحديث ضعيف. وأما حديث سعد بن عبادة ففيه يزيد بن أبي زياد ضعيف، وعيسى بن أبي عيسى قال ابن المديني: مجهول لم يرو عنه غير يزيد بن أبي زياد، وقال ابن عبد البر: لم يسمع من سعد بن عبادة، ولا أدركه(٢). وبالجملة: إن الأحاديث في هذا الباب لا تصح، وعلى تقدير صحتها تُحْمَل على من أعرض عن القرآن عملاً وتلاوة، فيكون معنى الحديث على معنى قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ أَنَتََّكَ ءَايَتُنَا فَسِيْنَا وَكَذَلِكَ اَلْيَوْمَ نُنسَى﴾ [طه: ١٢٦]. وأما الذي يعمل بالقرآن، وهو حافظ له، ثم عرض له مانع يمنعه عن استذكاره، وشغل يشغله عن مراجعته حتى نسيه، فليس داخلاً في الوعيد، = وهي متقاربة، وقيل: يُحْشَر مجذوماً حقيقة، ويؤيده أن في رواية زائدة بن قدامة عند عبد بن حميد: ((أتى الله يوم القيامة، وهو مجذوم)). انتهى. (١) ((الفتح)) ٢٨٥/١١ - ٢٨٦ ((كتاب فضائل القرآن)) رقم (٥٠٤٠ - ٥٠٤٢). (٢) راجع: ((تهذيب التهذيب)) ٢٢٧/٨. ٢١٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها بدليل أنه 18 كان ينسى بعض الآيات، فلو كان نسيانه معصية لما نسي . والحاصل أن نسيان القرآن بعد حفظه بعذر ليس بمعصية، فضلاً عن أن يكون من الكبائر، وأما نسيانه بدون عذر فإنه من الكبائر؛ لأنه يدل على إعراضه عنه، وعدم مبالاته به، فيدخل تحت الوعيد المذكور في الآية المذكورة، هذا ما ظهر لي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٨٣٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَسْتَمِعُ قِرَاءَةَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِّ، فَقَالَ: «رَحِمَهُ اللهُ، لَقَدْ أَذْكَرَنِ آيَةً كُنْتُ أُنْسِيتُهَا))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدَةُ) بن سليمان الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه عبد الرحمن، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٣٩/٦١. ٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم، تقدّم قبل باب. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (أَنْسِيتُهَا) بضمّ أوله، مبنيّاً للمفعول. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٨٣٩] (٧٨٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنٍ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِّهِ قَالَ: ((إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ، كَمَثَلِ الْإِبِلِ الْمُعَقِّلَةِ، إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ))). ٢١٩ (٣٤) - بَابُ الْأَمْرِ بِتَعَهُّدِ الْقُرْآنِ، وَكَرَاهَةِ قَوْلِ: نَسِيتُ آيَةً كَذَا ... إلخ - حديث رقم (١٨٣٩) رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، تقدّم قبل باب. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطاب ◌ًَّا، تقدّم أيضاً قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيات المصنّف كَّتُهُ، وهو (١١٤) من رباعيات الكتاب، وهي أعلى ما وقع له من الأسانيد، كما تقدّم غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالفقهاء الثقات المدنيين، وشيخه، وإن كان نيسابوريّاً، إلا أنه دخل المدينة للأخذ عن مالك، وغيره. ٤ - (ومنها): أنه أصح الأسانيد مطلقاً، على ما نقل عن الإمام البخاري تَُّ، كما قال الحافظ السيوطيّ دَّثُ في ((ألفية الحديث)) عند تعداد أصح الأسانيد: وَزِيدَ مَا لِلشَّافِعِي فَأَحْمَدِهْ فَمَالِكٌ عَنْ نَافِعِ عَنْ سَيِّدِهْ ٥ - (ومنها): أن فيه ابن عمر ها أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وأحد فقهاء الصحابة ه، والله أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) حَا (أَنَّ رَسُولَ اللهِنَِّ قَالَ: ((إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبٍ الْقُرْآنِ) وفي رواية النسائيّ في ((فضائل القرآن)) من ((الكبرى)) من طريق يعقوب بن عبد الرحمن، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله وَ ل قال: ((إنما مثل القرآن كمثل الإبل المعقّلة، إذا عاهدها صاحبها على عُقُلِها أمسكها، وإذا أغفلها ذهبت، إذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإذا لم يقم به نسيه))، والجزء الأخير سيأتي في رواية المصنّف. قال في ((الفتح)): وقوله: ((إنما)) يقتضي الحصر على الراجح، لكنه حصر ٢٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها مخصوص بالنسبة إلى الحفظ والنسيان بالتلاوة والترك. انتهى (١). وقال الحافظ ولي الدين تخطّتُهُ : [إن قلت]: مقتضى الحديث على القول بدلالة ((إنما)) على الحصر أنه لا مثل لصاحب القرآن سوى المثل المذكور في هذا الحديث، مع أنه وَله قد ضرب له أمثالاً أخرى، فمنها: قوله وَ له: ((مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأَتْرُجّة، ريحها طيب، وطعمها طيب)). [قلت]: المراد حصر مَثَله في هذا بالنسبة إلى أمر مخصوص، وهو دوام حفظه بالدرس، ونسيانه بالترك، فهو بالدرس كحافظ البعير بالعقل، وفي نسيانه بالترك، كمضيّع البعير بعدم العقل، وأما بالنسبة إلى أمور أخرى فله أمثلة أخرى، والحصر، وإن كان ظاهره العموم، فهو حصر مخصوص، وله نظائر معروفة، والله أعلم. انتهى كلام ولي الدين كَخْذُهُ(٢). و((الْمَثَلُ)) - بفتحتين، وبكسر، فسكون، وكأمير - الشبُهُ، جمعه: أمثال. والمَثَلُ أيضاً: الصفة، كما في قوله تعالى: ﴿مََّلُ الْجَنَّةِ الّتِى وُعِدَ الْمُنَّقُونَ﴾ [محمد: ١٥]. أفاده في ((القاموس)). والمراد أن مثل صاحب القرآن مع القرآن، كمثل صاحب الإبل ... إلخ. وقال القاضي عياض كَّهُ: ومعنى صاحب القرآن: أي الذي ألِفَه، والمؤالفة: المصاحبة، ومنه: فلان صاحب فلان، وأصحاب الجنة، وأصحاب النار، وأصحاب الحديث، وأصحاب الرأي، وأصحاب الصُّفَّة، وأصحاب إيل وغنم، وصاحب كنز، وصاحب عبادة. وقال في ((الفتح)): وقوله: ألفه؛ أي: ألف تلاوته، وهو أعم من أن يألفها نظراً من المصحف، أو عن ظهر قلب، فإن الذي يداوم على ذلك يذلّ له لسانه، ويسهل عليه قراءته، فإذا هجره ثقلت عليه القراءة، وشقت عليه. انتھی (٣) . (كَمَثَلِ الْإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ) أي: المشدودة بالعِقَال، والتشديد فيه للتكثير، قاله (١) ((الفتح)) ٩٨/١٠. (٣) ((الفتح)) ٩٨/١٠. (٢) ((طرح التثريب)) ١٠٤/٣.