Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١
(٣٢) - بَابُ بَيَانِ فَضِيلَةِ الْعَمَلِ الدَّائِمِ، وَإِنْ قَلَّ ... إلخ - حديث رقم (١٨٢٨)
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام المشهور، تقدّم قريباً .
٣ - (سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ القاضي،
ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٥] (ت١٢٥) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
شرح الحديث:
(عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرحمن بن عوف (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ) بن
عبد الرحمن بن عوف، وهو عمّه (يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ) ﴿َّا (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهـ
سُئِلَ) قال الحافظ تَّتُ: لم أقف على تعيين السائل عن ذلك(١). (أَبُّ الْعَمَلِ
أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: ((أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ))) قال في ((الفتح)): فيه سؤالٌ، وهو أن
المسئول عنه أحبّ الأعمال، وظاهره السؤال عن ذات العمل، فلم يتطابقا،
ويُمكن أن يقال: إن هذا السؤال وقع بعد قوله في الحديث الماضي في
الصلاة، وفي الحجّ، وفي الوالدين حيث أجاب بالصلاة، ثم بالبرّ ... إلخ،
ثم خَتَمَ ذلك بأن المداومة على عمل من أعمال البرّ، ولو كان مفضولاً أحبّ
إلى الله تعالى من عمل يكون أعظم أجراً، لكن ليس فيه مداومة. انتهى (٢).
وهذا الحديث سيأتي للمصنّف تَظْثُ في ((كتاب صفة القيامة والجنّة))
مطوّلاً، من طريق موسى بن عقبة، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف،
عن عائشة ها أنها كانت تقول: قال رسول الله وَلَهُ: ((سَدِّدوا، وقاربوا،
وأبشروا، فإنه لن يُدْخِل الجنةَ أحداً عمَلُهُ))، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟
قال: ((ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله منه برحمة، واعلموا أن أحب العمل إلى الله
أدومه وإن قلّ))(٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
(١) ((الفتح)) ٣٠٤/١١ ((كتاب الرقاق)) رقم (٦٤٦٥).
(٢) ((الفتح)) ٣٠٤/١١ (كتاب الرقاق)) رقم (٦٤٦٥).
(٣) سيأتي برقم (٢٨١٨).
١٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة خَوّْها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨٢٨/٣٢] (٧٨٢)، و(البخاريّ) في ((الرقاق))
(٦٤٦٤ و٦٤٦٥ و٦٤٦٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٢٥/٦ و١٧٦ و١٨٠
و٢٧٣)، و(عبد بن حُميد) في («مسنده)) (١٥١٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه))
(١٧٧٧)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٨٢٩] (٧٨٣) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ
زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أُمَّ
الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، كَيْفَ كَانَ عَمَلُ رَسُولِ اللهِ وَلِ؟،
هَلْ كَانَ يَخُصُّ شَيْئاً مِنَ الْأَيَّامِ؟ قَالَتْ: لَا، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا
كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَسْتَطِيعُ؟(١)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(ت٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ، أبو يعقوب المروزيّ،
ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ حجة [١٠] (ت٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ
وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٤ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر السلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ [٦]
(ت١٣٢) (ع) تقدم في ((شرح المقدمة)) ج١ ص٢٩٦.
(١) وفي نسخة: ((ما كان يستطيع رسول الله وَليت)).
١٨٣
(٣٢) - بَابُ بَيَانِ فَضِيلَةِ الْعَمَلِ الدَّائِمِ، وَإِنْ قَلَّ ... إلخ - حديث رقم (١٨٢٩)
٥ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ،
يرسل [٥] (٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٢.
٦ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس بن عبد الله النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٢]
مات بعد (٦٠) أو بعد (٧٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٢/٦.
٧ - (عَائِشَةُ) ◌ُّ ذُكرت قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َّتُهُ، وله فيه شيخان قرن
بينهما .
٢ - (ومنها): أن فيه قوله: ((قال زهير: حدّثنا جرير)) وفائدته بيان تصريح
زهير بالتحديث بخلاف إسحاق، فلم يصرّح، ويحتمل أن يكون المراد أن لفظ
الحديث لزهير، وأما إسحاق فرواه بمعناه، وقد تقدّم هذا في ((شرح المقدّمة))
مفصّلاً، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج
له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له ابن ماجه.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخيه أيضاً، كما مرّ آنفاً،
وعائشة هُنا مدنيّة.
٥ - (ومنها): أن هذا الإسناد مما يُعدّ من أصحّ الأسانيد، كما قاله في
((الفتح)).
٦ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، على قول
من يقول: إن منصوراً من صغار التابعين، وفيه رواية الراوي عن خاله، فعلقمة
خال لإبراهيم.
٧ - (ومنها): أن عائشة ◌َّا من المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث :
(عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيس تَخْتُ أنه (قَالَ: سَأَلْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ) ◌ُّ، مقتبس
من قوله {وَالَ: ﴿وَأَزْوَجُهُ أُمَّهَُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، وقوله: (عَائِشَةَ) بالنصب على
البدلّة وقوله: (قَالَ: قُلْتُ) بيان لكيفيّة سؤاله إياها (يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، كَيْفَ كَانَ
١٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
عَمَلُ رَسُولِ اللهِ وَّهِ؟) أي: من الصلاة، والصوم وغيرهما؟ وقوله: (هَلْ كَانَ
يَخُصُّ شَيْئاً مِنَ الأَيَّام؟) بدل من ((كيف كان ... إلخ))؛ يعني: أنه وَّ هل كان
يخصّ بعض الأيام بعبادة مخصوصة لا يفعل مثلها في غيره؟ (قَالَتْ)
عائشة غًّا: (لَا) أي: ما كان يخصّ بعض الأيام بشيء من العبادة
قال في ((الفتح)): وقد استُشكل قولها هذا بما ثبت عنها أن أكثر صيامه
كان في شعبان كما سيأتي تقريره في ((كتاب الصيام))، وبأنه كان يصوم أيام
البيض، كما ثبت في ((السنن)).
وأجيب بأن مرادها تخصيص عبادة معينة في وقت خاص، وإكثاره الصيام
في شعبان إنما كان؛ لأنه كان يعتريه الْوَعْك كثيراً، وكان يكثر السفر في
الغزو، فيفطر بعض الأيام التي كان يريد أن يصومها، فيتفق أن لا يتمكن من
قضاء ذلك إلا في شعبان، فيصير صيامه في شعبان بحسب الصورة أكثر من
صيامه في غيره، وأما أيام البيض فلم يكن يواظب على صيامها في أيام بعينها،
بل كان ربما صام من أول الشهر، وربما صام من وسطه، وربما صام من
آخره، ولهذا قال أنس رظلُّه: ما كنت تشاء أن تراه صائماً من النهار إلا رأيته،
ولا قائماً من الليل إلا رأيته. انتهى(١).
(كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً) - بكسر الدال المهملة، وسكون التحتانية - أي: دائماً،
والدِّيمة في الأصل: المطر المستمرُّ مع سكون، بلا رَعْد ولا بَرْق، ثم استُعْمِل
في غيره، وأصلها الواو، فقُلبت ياءً؛ لانكسار ما قبلها.
(وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ) وفي رواية للبخاريّ في ((كتاب الصوم)): ((يُطيق)) في
الموضعين (مَا) موصولة مفعول ((يستطيع)) (كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ يَسْتَطِيعُ؟) هكذا
في النسخ بحذف العائد، وهو جائزٌ، كما نبّهت عليه قريباً، وفي بعض النسخ:
((ما كان يستطيع رسول الله ( لو))؛ أي: الذي يستطيعه وَله، من العبادة كميّةً
كانت، أو كيفيةً، من خشوع، وخضوع، وإخبات، وإخلاص.
[تنبيه]: أخرج المصنّف تَُّ في ((كتاب الصيام)) ما يعارض حديث
عائشة رضينا هذا من حديث عائشة ينا نفسِها مما يقتضي نفي المداومة، وهو ما
(١) ((الفتح)) ٣٠٥/١١.
١٨٥
(٣٢) - بَابُ بَيَانِ فَضِيلَةِ الْعَمَلِ الدَّائِمِ، وَإِنْ قَلَّ ... إلخ - حديث رقم (١٨٢٩)
أخرجه من طريق أبي سلمة، ومن طريق عبد الله بن شقيق جميعاً، عن
عائشة ◌ّا أنها سئلت عن صيام رسول الله صل﴾، فقالت: ((كان يصوم حتى
نقول: قد صام، ويفطر حتى نقول: قد أفطر))، وأخرج نحوه البخاريّ من
حديث ابن عباس ظًا، ومن حديث أنس مته .
ويمكن الجمع بينهما بأن قولها: ((كان عمله ديمة)) معناه: أن اختلاف
حاله في الإكثار من الصوم، ثم من الفطر كان مُستداماً مستمِرّاً، وبأنه وَلّ كان
يوظف على نفسه العبادة، فربما شغله عن بعضها شاغل، فيقضيها على
التوالي، فيشتبه الحال على من يرى ذلك، فقول عائشة رضيوثًا: ((كان عمله ديمة))
مُنَزَّلٌ على التوظيف، وقولها: ((كان يصوم حتى نقول: قد صام ... إلخ)) مُنَزَّل
على الحال الثاني.
وقيل: معناه أنه كان لا يقصد نفلاً ابتداءً في يوم بعينه فيصومه، بل إذا
صام يوماً بعينه كالخميس مثلاً داوم على صومه(١)، والجمع الأول أوضح،
والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: قال ابن التين كَخَّلُ: استَدَلَّ بعضهم بحديث عائشة هذا على
كراهة تحري صيام يوم من الأسبوع.
وأجاب الزين ابن الْمُنَيِّر بأن السائل في حديث عائشة ◌ّا إنما سأل عن
تخصيص يوم من الأيام من حيث كونها أياماً، وأما ما ورد تخصيصه من الأيام
بالصيام، فإنما خُصِّص لأمر لا يشاركه فيه بقية الأيام، كيوم عرفة، ويوم
عاشوراء، وأيام البيض، وجميع ما عُيِّن لمعنى خاصّ، وإنما سأل عن
تخصیص یوم؛ لكونه مثلاً يوم السبت.
قال الحافظ تَّتُهُ: ويُشْكِل على هذا الجواب صوم الاثنين والخميس،
فقد وردت فيهما أحاديث صحيحة، منها حديث عائشة رضيها، أخرجه أبو داود،
والترمذيّ، والنسائيّ، وصححه ابن حبان من طريق رَبِيعة الْجُرَشيّ عنها،
ولفظه: ((أن النبيّ وَّ كان يتحرى صيام الاثنين والخميس))، وحديث
أسامة وظه: ((رأيت رسول الله وَلا يصوم يوم الاثنين والخميس، فسألته،
(١) راجع: ((الفتح)) ٤/ ٢٧٧ (كتاب الصوم)) رقم (١٩٨٧).
١٨٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
فقال: إن الأعمال تُعْرَض يوم الاثنين والخميس، فأُحِبّ أن يُرْفَع عملي، وأنا
صائم))، أخرجه النسائيّ، وأبو داود، وصححه ابن خزيمة.
ويُجاب عن هذا الإشكال أن يقال: لعلّ المراد بالأيام المسئول عنها
الأيامُ الثلاثةُ من كل شهر، فكأن السائل لَمّا سمع أنه ◌َّ ار كان يصوم ثلاثة
أيّام، ورَغَّب في أنها تكون أيام البيض، سأل عائشة ﴿يا، هل كان يخصها
بالبيض؟ فقالت: لا، كان عمله ديمة، تعني لو جعلها البيض لتعينت، وداوم
عليها؛ لأنه كان يحب أن يكون عمله دائماً، لكن أراد التوسعة بعدم تعينها،
فكان لا يبالي من أيّ الشهر صامها، فقد رَوَى مسلم من حديث عائشة .
أنه ◌ّ كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وما يبالي من أيّ الشهر صام.
(١)
انتهى(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا جمع الحافظ ◌َّتُهُ، وأحسن منه ما جمع
به القرطبيُّ تَخْلُهُ، حيث قال: جواب عائشة فيها هذا بقولها: ((لا)) محمول على
غير الصيام؛ لأنه قد ثبت عنه ◌َ* أنه كان يخصّ الاثنين والخميس بالصيام،
فتعيّن صرف حمله إلى غير ذلك. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي جمع به القرطبيُّ كَلْتُ جمع حسنٌ
جدّاً، وحاصله أن جواب عائشة ﴿يا سؤال علقمة هل كان النبيّ وَّ يخصّ
شيئاً من الأيام؟ بقولها: ((لا، كان عمله ديمة)) محمول على غير الصوم؛
لأنه لو كان يخصّ بعض الأيام بصوم، كيومي الاثنين والخميس.
ثم وجدت ما يوضّح هذا الجمع، فقد أخرج الحديث أبو عوانة في
((مسنده)) من طريق أبي النضر، عن شعبة، ولفظه: ((سألت عائشة عن صلاة
رسول الله ◌َليه؟ فقالت: كانت صلاته ديمة))، فتبيّن بهذا أن السؤال ليس عن
عموم أعماله بَّه، بل كان عن صلاته فقط، فزال الإشكال من أصله - ولله
الحمد - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
(١) راجع: ((الفتح)) ٢٧٧/٤ - ٢٧٨ ((كتاب الصوم)) رقم (١٩٨٧).
(٢) («المفهم)) ٤١٤/٢.
(٣٢) - بَابُ بَيَانِ فَضِيلَةِ الْعَمَلِ الدَّائِمِ، وَإِنْ قَلَّ ... إلخ - حديث رقم (١٨٢٩)
١٨٧
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨٢٩/٣٢ و١٨٣٠] (٧٨٣)، و(البخاريّ) في
((الصوم)) (١٩٨٧) و((الرقاق)) (٦٤٦٦)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٣٧٠)
و(النسائيّ) في ((الرقائق)) من ((الكبرى)) (١)، و(الترمذيّ) في ((الشمائل)) (٣٠٣)،
و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٣٩٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٣/٦ و٥٥ و١٧٤
و١٨٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٢٢ و٣٦٤٧)، و(أبو عوانة) في
((مسنده)) (٣٠٥٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٧٧٨)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٢٩٩/٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل العمل الدائم من قيام الليل وغيره.
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَله من كثرة الاجتهاد في الوفاء بما
التزمه من العبادة، قال القرطبيُّ كَّثُ: هذا يدلّ على شدّة ما كان النبيّ وَّر فيه
من كثرة التكاليف والاجتهاد في الوفاء بها، وذلك أنه وه له كُلّف بتكاليف خاصّةً
به، كما خُصّ به من الواجبات زيادةً على ما ساوى فيه جميع المكلّفين، ثم إنه
قد كُلّف مراعاة مصالح أهل بيته، ومصالح الخلق كلّهم خاصّةً وعامّةً الدينيّة
والدنيويّة، هذا بالنظر إلى ظاهر أمره، وأما بالنظر إلى خواصّ باطنه مما لا
يُدْرَكُ، ولا يمكن وصفه، وغاية العبارة عنه قوله: ((إني أعلمكم بالله، وأشدّكم
له خشيةً))، متّفقٌ عليه، ولذلك كان وسچ ور متواصل الأحزان والعبادات
والمشقّات، ليست له راحة، وقال في لفظ آخر: ((إني أخشاكم لله، وأعلمكم
به وبحدوده))، رواه أحمد، وقد كان يتفطّر قدماه من القيام، ويُجهد نفسه من
الجوع، ويَربِط على بطنه الحجر والحجرين، وكان ينتهي من إجهاد نفسه إلى
(١) كتب في هامش ((تحفة الأشراف)) ٦٤١/١١) أن ((كتاب الرقائق)) غير مطبوع، والله
أعلم.
١٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
أن يَرِقّ عليه وليّه، ويرحمه الناظر إليه. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٨٣٠] (.) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ،
أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((أَحَبُّ
الْأَعْمَالِ إِلَى الهِ تَعَالَى أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ))، قَالَ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ إِذَا عَمِلَتِ الْعَمَلَ(٢)
لَزِمَتْهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمَير، تقدّم قريباً.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير، تقدّم أيضاً قريباً .
٣ - (سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ) بن قيس بن عمرو الأنصاريّ، أخو يحيى، صدوقٌ
سيئ الحفظ [٤] (ت ١٤١) (خت م ٤) تقدم في ((صلاة المسافرين)) ١٧٧٥/٢٦.
٤ - (الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن أبي بكر الصدّيق التيميّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، من
كبار [٣] (ت١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في ((الحيض)) ٦٩٥/٣، وشرح
الحديث تقدّم في الأحاديث السابقة، وكذا بيان مسائله.
وقوله: (قَالَ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ ... إلخ) فاعل ((قال)) ضمير القاسم.
وقوله: (وَكَانَتْ عَائِشَةُ إِذَا عَمِلَتِ الْعَمَلَ لَزِمَتْهُ) وفي نسخة: ((إذا عملت
عملاً لزمته))، وهو بمعنى قولها الماضي: ((وكان آل محمد بََّ إذا عَمِلُوا عملاً
أثبتوه))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل .
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٣١] (٧٨٤) - (وَحَدَّثَنَا (٣) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ (ح)
(١) ((المفهم)) ٢ /٤١٤ - ٤١٥.
(٣) وفي نسخة: ((حدّثنا)).
(٢) وفي نسخة: ((عملت عملاً)).
١٨٩
(٣٢) - بَابُ بَيَانِ فَضِيلَةِ الْعَمَلِ الدَّائِمِ، وَإِنْ قَلَّ ... إلخ - حديث رقم (١٨٣١)
وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ،
قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ الْمَسْجِدَ، وَحَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ سَارِيَتَيْنٍ، فَقَالَ: ((مَا
هَذَا؟))، قَالُوا: لِزَيْنَبَ، تُصَلِّي، فَإِذَا كَسِلَتْ، أَوْ فَتَرَتْ أَمْسَكَتْ بِهِ، فَقَالَ: ((حُلُّوهُ،
لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا كَسِلَ، أَوْ فَتَرَ فَعَدَ))، وَفِي حَدِيثِ زُهَيْرٍ: ((فَلْيَقْعُدْ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ) بن إبراهيم بن مِقِسَم الأسديّ مولاهم، المعروف بابن عليّة،
أبو بِشْر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٨] (ت١٩٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٤ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) الْبُنَانيّ البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت١٣٠) (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٥ - (أَنَسُ) بن مالك بن النضر الأنصاريّ الْخَزْرجيّ الصحابيّ الخادم
الشهير، مات نظ به سنة (٢ أو٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
لطائف هذا الإسناد :
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذَثُهُ، وهو أعلى الأسانيد له،
وهو (١١٥) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن له فيه شيخين، فرّق بينهما بالتحويل؛ لاختلاف كيفيّة
تحمّله عنهما، حيث أخذه عن أبي بكر مع جماعة، وعن زهير وحده، وأيضاً
اختلفا في شيخهما، فأبو بكر قال: حدثنا ابن عُليّة، وزهير قال: حدّثنا
إسماعيل، فتنبّه لهذه الدقائق الإسنادیّة.
٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فما أخرج لهما
الترمذيّ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخيه، فالأول كوفيّ، والثاني
نسائيّ، ثم بغداديّ.
٥ - (ومنها): أن فيه أنساً تظ له أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦)
حديثاً، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، وكان من المعمّرين، وقد
١٩٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
◌ّ عشر سنين، ونال دعوته المباركة، كما تقدّم غير مرّة،
تشرّف بخدمة النبيّ
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
ـه أنه (قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ الْمَسْجِدَ) أي: النبويّ،
(عَنْ أَنَسٍٍ)
ف(أل)) فيه للعهد (وَحَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ سَارِيَتَيْنٍ) هكذا بالتنكير في رواية المصنّف،
وفي رواية البخاريّ: (بين الساريتين)) بالتعريف؛ أي: اللتين في جانب
المسجد، وكأنهما كانتا معهودتين للمخاطب، والجملة في محلّ نصب على
الحال من ((رسول الله وَّ﴾)، وفي رواية النسائيّ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِينَ﴿ه دَخَلَ
الْمَسْجِدَ، فَرَأَى حَبْلاً مَمْدُوداً، بَيْنَ سَارِيَتَيْن)).
(فَقَالَ) وَهِ ((مَا هَذَا؟») وفي رواية البخاريّ: ((ما هذا الحبل؟))؛ أي: ما
فائدة مدّه بين الساريتين؟ (قَالُوا: لِزَيْنَبَ) قال الحافظ تَظُّ في ((الفتح)): جزم
كثير من الشرّاح، تبعاً للخطيب في ((مبهماته)) بأنها بنت جحش، أم
المؤمنين ◌ُّا، ولم أر ذلك في شيء من الطرق صريحاً، ووقع في شرح الشيخ
سراج الدين ابن الملقّن أن ابن أبي شيبة رواه كذلك، لكنّي لم أر في
(مسنده))، و((مصنّفه)) زيادة على قوله: ((قالوا: لزينب))، أخرجه عن إسماعيل ابن
عُليّة، عن عبد العزيز، وكذا أخرجه مسلم عنه، وأبو نُعيم في ((المستخرج)) من
طريقه، وكذلك رواه أحمد في ((مسنده)) عن إسماعيل، وأخرجه أبو داود عن
شيخين له، عن إسماعيل، فقال عن أحدهما: ((زينب))، ولم يَنسُبها، وقال عن
آخر: ((حَمْنَة بنت جحش)»، فهذا قرينة في کون زینب هي بنت جحش.
ورَوَى أحمد من طريق حماد، عن حُميد، عن أنس ◌َّه أنها حمنة بنت
جحش أيضاً، فلعلّ نسبة الحبل إليهما باعتبار أنه ملك لإحداهما، والأخرى
المتعلّقة به، وقد تقدّم في ((كتاب الحيض)) أن بنات جحش كانت كل واحدة
منهنّ تُدعَى زينب، فيما قيل، فعلى هذا فالحبل لحمنة، وأطلق عليها زينب
باعتبار اسمها الآخر.
ووقع في ((صحيح)) ابن خزيمة من طريق شعبة عن عبد العزيز: ((قالوا:
لميمونة بنت الحارث))، وهي رواية شاذّة، وقيل: يَحْتَمِل تعدد القصّة، ووهِمَ
١٩١
(٣٢) - بَابُ بَيَانِ فَضِيلَةِ الْعَمَلِ الدَّائِمِ، وَإِنْ قَلَّ ... إلخ - حديث رقم (١٨٣١)
من فسّرها بجويرية بنت الحارث، فإن لتلك قصة أخرى. انتهى (١).
(تُصَلِّي) أي: صلاة الليل قائمةً (فَإِذَا كَسِلَتْ) بكسر السين، قال في
((القاموس)): الْكَسَلُ محرَّكةً: التثاقُلُ عن الشيء، والفُتُورُ فيه، كَسِلَ كَفَرِحَ، فهو
كَسِلٌ، وکَسْلَانٌ، جمعه كِسَالَى مثلثة الكاف، وکَسَالِي بکسر اللام، وکَسْلَی،
كَقَتْلَى، وهي كَسِلَةٌ، وكَسْلانَةٌ، وكَسُولٌ، ومِكْسَالٌ. انتهى(٢).
وقوله: (أَوْ فَتَرَتْ) ((أو)) هنا للشكّ من الراوي، و((فَتَرَت)) بفتح الفاء،
والتاء الفوقانيّة، يقال: فَتَرَ عن العمل، من باب قعد: انكسرت حِدّته، ولان
بعد شِدّته، ومنه فَتَرَ الحُرُّ: إذا انكسر فترةً، وفُتُوراً، قاله في ((المصباح))(٣).
وقال في (القاموس)): فَتَرَ يفتُر - أي: بضمّ التاء - ويَفْتِرُ - أي بكسرها -
فُتُوراً وفُتَاراً: سَكَنَ بعد حِدّة، ولان بعد شدّة. انتهى (٤)، فأفاد أنه من بابي
قعد، وضرب.
والمعنى هنا: أنها إذا كَسِلت عن القيام للصلاة (أَمْسَكَتْ بِهِ) أي: تعلّقتْ
به، قال في ((اللسان)): مَسَكَ بالشيء، وأمسك به، وتَمَسَّك، وتماسك،
واستمسك، ومَسَّكَ: كله احتَبَسَ، وفي التنزيل: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَبِ﴾
[الأعراف: ١٧٠]، قال خالد بن زُهَير [من الطويل]:
فَكُنْ مَعْقِلاً فِي قَوْمِكَ ابْنَ خُوَيْلِدٍ وَمَسِّكْ بِأَسْبَابٍ أَضَاعَ رُعَاتُهَا
قال في ((التهذيب)) في قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِنَبٍ﴾ بسكون
الميم، وسائر الْقُرّاء يُمَسِّكون بالتشديد، وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تُقْسِكُواْ بِعِصَمِ
اُلْكَوَافِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فإن أبا عمرو، وابن عامر، ويعقوب الحضرميّ،
قرأوا: (وَلَا تمسِّكُوْا) بتشديدها، وخففها الباقون، ومعنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ
يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَبِ﴾: أي: يؤمنون به، ويَحْكُمون بما فيه، وقال الجوهريّ:
أمسكتُ بالشيء، وتمسكت به، واستمسكت به، وامتسكت: كلُّه بمعنى
اعتصمت، وكذلك مَسَّكتُ به تمسيكاً، وقُرِىء: ﴿وَلَا تَمَسَّكُوا بِعِصَمٍ
(١) ((الفتح)) ٤٤/٣ (كتاب التهجّد)) رقم (١١٥٠).
(٢) ((القاموس المحيط)) ٤٤/٤.
(٤) ((القاموس المحيط)) ١٠٧/٢.
(٣) ((المصباح المنير)) ٤٦١/٢.
١٩٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
الكَوَافِ﴾، وفي التنزيل: ﴿فَقَدِ أُسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]. انتهى (١).
وفي رواية البخاريّ: ((تعلّقت به)).
(فَقَالَ) فَِ ((حُلُّوهُ) - بضم الحاء - أمرٌ من حَلَّ العُقْدَةَ يحُلُّها، من باب
قتل: نَقَضَها، وزاد في رواية البخاريّ لفظة ((لا)) قبله، ولفظه: ((لا، حُلُّوه))،
قال في ((الفتح)): يَحْتَمِل النفي؛ أي: لا يكون هذا الحبل، أو لا يُحْمَد،
ويَحْتَمِل النهي؛ أي: لا تفعلوه. انتهى(٢).
(لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ) - بفتح النون -؛ أي: مدّة نشاطه (فَإِذَا كَسِلَ، أَوْ
فَتَرَ قَعَدَ))) بصيغة الماضي، وهو خبر بمعنى الأمر (وَفِي حَدِيثِ زُهَيْرِ: ((فَلْيَقْعُدْ)))
يعني: أن رواية ((قَعَد)) بصيغة الماضي لفظ شيخه أبي بكر، وأما شيخه زُهير،
فرواه بلفظ: ((فليقعد)) بصيغة الأمر، وهذا الأمر يَحْتَمِل أن يكون أمراً بالقعود
عن القيام، فُيُستدلّ به على جواز افتتاح الصلاة قائماً، والقعود في أثنائها، وفيه
اختلاف بين العلماء، والصحيح جوازه، ويَحْتَمِل أن يكون أمراً بالقعود عن
الصلاة؛ أي: بترك ما كان عَزَم عليه من التنفّل، ويمكن أن يستدلّ به على قطع
النافلة بعد الدخول فيها(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال في ((الفتح)): يُستدلّ به على قطع
النافلة، وفيه نظرٌ؛ لأنه يعارضه قوله تعالى: ﴿وَلَ يُطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]،
فالأولى أن يُحْمَل على تخفيف الصلاة، والانتهاء منها بالسلام، فتأمّل، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ه هذا متّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨٣١/٣٢ و١٨٣٢] (٧٨٤)، و(البخاريّ) في
(التهجّد)) (١١٥٠)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٣١٢)، و(النسائيّ) في ((قيام
(١) ((لسان العرب)) ٤٨٧/١٠ - ٤٨٨.
(٣) راجع: ((الفتح)) ٤٤/٢.
(٢) ((الفتح)) ٢/ ٤٤.
١٩٣
(٣٢) - بَابُ بَيَانِ فَضِيلَةِ الْعَمَلِ الدَّائِمِ، وَإِنْ قَلَّ ... إلخ - حديث رقم (١٨٣٢)
الليل)) (١٦٤٣) و((الكبرى)) (١٣٠٦ و١٣٠٦)، و(ابن ماجه) في ((إقامة الصلاة))
(١٢٧١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٠١/٣)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه))
(١١٨٠ و١١٨١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٤٩٢)، و(أبو عوانة) في
((مسنده)) (٢٢٢٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٧٨٠ و١٧٨١)، والله أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الحثّ على الاقتصاد في العبادة، والنهي عن التعمّق فيها .
٢ - (ومنها): الأمر بالإقبال على العبادة بنشاط، وأنه إذا فَتَر فليقعد حتى
یذهب عنه الفتور.
٣ - (ومنها): إزالة المنكر باليد واللسان لمن تمكن من ذلك.
٤ - (ومنها): جواز التنفّل للنساء في المسجد من غير كراهة، فإنها كانت
تصلي النافلة فيه، فلم يُنكِر النبيّ ◌َّ عليها ذلك، وإنما أنكر عليها التكلُّف
لذلك، وجوازه للرجال يكون من باب أولى.
٥ - (ومنها): كراهة التعلّق بالحبل في الصلاة، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٨٣٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاه شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ
عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ مِثْلَهُ(١)).
رجال هذا الإسناد: أربعة :
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُوخَ) أبو محمد الأُبُلّيّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمِي بالقدر، من صغار
[٩] (ت ٦ أو ٢٣٥) وله بضع وتسعون سنةً (م دس) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٧/١٢.
٢ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو عُبيدة
التُّّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧٦/١٨.
والباقيان ذُكرا قبله.
(١) وفي نسخة: ((بمثله)).
١٩٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وقوله: (مِثْلَهُ) وفي نسخة: ((بمثله))؛ أي: بمثل حديث إسماعيل ابن عليّة
الماضي.
[تنبيه]: رواية عبد الوارث، عن عبد العزيز بن صُهيب هذه ساقها
البخاريّ تَخْتُ في ((صحيحه))، فقال:
(١١٥٠) حدّثنا أبو معمر (١)، حدّثنا عبد الوارث، حدّثنا عبد العزيز بن
صُهيب، عن أنس بن مالك نظُبه، قال: دخل النبي وَّر، فإذا حبل ممدود بين
الساريتين، فقال: ((ما هذا الحبل؟» قالوا: هذا حبل لزينب، فإذا فَتَرَت
تَعَلَّقَت، فقال النبيّ وَِّ: ((لا، حُلُّوه، ليصلِّ أحدكم نشاطه، فإذا فَتَرَ فليقعد)).
انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٨٣٣] (٧٨٥) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ
الْمُرَادِّ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي
عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ وَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ الْحَوْلَاءَ بِنْتَ تُوَيْتِ بْنِ
حَبِيبٍ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى مَرَّتْ بِهَا، وَعِنْدَهَا رَسُولُ اللهِ وَّةِ، فَقُلْتُ(٢): هَذِهِ
الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ، وَزَعَمُوا أَنَّهَا لَا تَنَامُ اللَّيْلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((لَا تَنَامُ
اللَّيْلَ! خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَوَاللهِ لَا يَسْأَمُ اللهُ حَتَّى تَسْأَمُوا))).
رجال هذا الإسناد:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجِيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ،
صدوقٌ [١١] (ت٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ) الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
[١١] (ت٢٤٨) (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣٩/٣٤.
(١) هو عبد الله بن عمرو المقعد البصريّ.
(٢) وفي نسخة: ((فقالت)).
١٩٥
(٣٢) - بَابُ بَيَانِ فَضِيلَةِ الْعَمَلِ الدَّائِمِ، وَإِنْ قَلَّ ... إلخ - حديث رقم (١٨٣٣)
٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ
الفقيه، ثقة ثبت عابد [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقةٌ ثبتُ، من
كبار [٧] (ت١٥٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم قبل باب.
٦ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ
فقيةٌ مشهور [٣] (ت٩٤) على الصحيح، تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤٠٧.
٧ - (عَائِشَةُ) ◌َّا تقدّمت في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنِّف ◌َّتُهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخيه، كما أسلفته آنفاً.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني مُسلسَلٌ
بالمدنیین .
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، ورواية الراوي عن خالته.
٥ - (ومنها): أن فيه عائشة ﴿يا من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) من
الحديث، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ
الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ وَّهُ﴾ بنصب ((زوجَ)) على البدليّة (أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ
الْحَوْلَاءَ) بالحاء المهملة، والمدِّ (بِنْتَ تُوَيْتِ) بمثنّاتين مصغّراً (ابْنِ حَبِيبٍ) بفتح
الحاء المهملة، مكبّراً (ابْنِ أَسَدٍ) بفتحتين (ابْنِ عَبْدِ الْعُزَّى) بضم العين
المهملة، وتشديد الزاي، مقصوراً، من رهط خديجة أم المؤمنين ثنا .
قال في ((الإصابة)): الحَوْلاءُ بنت تُوَيت بن حبيب بن أسد بن عبد الْعُزَّى بن
قُصيّ القرشيّة الأسديّة، ذكرها ابن سعد، وقال: أسلمت، وبايعت. انتهى(١).
(١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٩٣/٨ - ٩٤.
١٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وقال في ((العمدة)): كانت الْحَوْلاء امرأة صالحةً، عابدةً، مهاجرةً خَها.
(١)
انتھی(١).
(مَرَّتْ بِهَا) هكذا، في رواية الزهريّ: ((مرّت بها))، وفي رواية هشام بن
عروة، عن أبيه التالية: ((قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ إِّهِ، وَعِنْدِي امْرَأَةٌ))،
فظاهره التغاير، فَيَحْتَمِل أن تكون المارّة امرأة غيرها من بني أسد أيضاً، أو أن
قصتها تعددت، والصواب أن القصة واحدةٌ، ويُبَيِّن ذلك روايةُ محمد بن
إسحاق، عن هشام في هذا الحديث، ولفظه: ((مَرَّت برسول الله صلّ الحولاء
بنت تُويت))، أخرجه محمد بن نصر في ((كتاب قيام الليل)) له، فَيُحْمَلُ على أنها
كانت أوّلاً عند عائشة ﴿ّا، فلما دخل النبيّ وَلَّ على عائشة رضيُها قامت
المرأة، فلما قامت لتخرج مَرَّت به في خلال ذهابها، فسأل عنها، وبهذا تجتمع
الروايات، أفاده في ((الفتح))(٢).
(وَعِنْدَهَا رَسُولُ اللهِ وَ ﴿) جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل
((مرّت)) (فَقُلْتُ) وفي نسخة: ((فقالت))؛ أي: بعد أن سألها النبيّ ◌َّ عنها، ففي
رواية هشام التالية: ((فقال: من هذه؟)) (هَذِهِ الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ، وَزَعَمُوا) تقدّم
أنه يُستعمل للقول المحقّق، وإن كان أكثر استعماله فيما كان باطلاً، أو فيه
ارتياب (أَنَّهَا لَا تَنَامُ اللَّيْلَ) أي: كلّه، وفي رواية للبخاريّ: ((لا تنام بالليل))،
ولأحمد عن يحيى القّان: ((لا تنام تصلّي)) (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ((لَا تَنَامُ
اللَّيْلَ!) هذا قاله النبيّ وَّ إنكاراً عليها، وكراهة فعلها، وتشديدها على نفسها،
يوضّح ذلك ما وقع لمالك في ((الموطأ)) في هذا الحديث، ولفظه: ((وكَرِه ذلك
حتى عُرِفتِ الكراهةُ في وجهه))، قاله النوويُّ كَّتُهُ(٣).
(خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ) وفي رواية هشام: ((قال: عليكم من العمل
ما تُطيقون)) أي: اشتغلوا من الأعمال بما تستطيعون المداومة عليه، فمنطوقه
يقتضي الأمر بالاقتصار على ما يُطاق من العبادة، ومفهومه يقتضي النهي عن
تكلّف ما لا يطاق.
(١) ((عمدة القاري)) ٢٥٦/١.
(٣) (شرح النوويّ)) ٦/ ٧٣.
(٢) راجع: ((الفتح)) ١٢٥/١.
١٩٧
(٣٢) - بَابُ بَيَانِ فَضِيلَةِ الْعَمَلِ الدَّائِمِ، وَإِنْ قَلَّ ... إلخ - حديث رقم (١٨٣٣)
وقال القاضي عياض ◌َخْتُهُ: يَحْتَمِل أن يكون هذا خاصّاً بصلاة الليل،
ويَحْتَمِل أن يكون عامّاً في الأعمال الشرعية. انتهى.
قال الحافظ تَخْذَلُهُ: سبب وروده خاصّ بالصلاة، ولكن اللفظ عامّ، وهو
المعتبر. انتهى، وهو تحقیقٌ حسنٌ.
(فَوَ اللهِ) فيه مشروعيّة الحلف من غير استحلاف، وقد يُستحبّ إذا كان في
تفخيم أمر من أمور الدين، أو حثّ عليه، أو تنفير من محذور (لَا يَسْأَمُ اللهُ
حَتَّى تَسْأَمُوا))) بفتح أوله، وثالثه، مضارع سئم، بفتح فكسر، يقال: سَئِمتُه
أسأمه مهموزاً، من باب تَعِبَ سَأُماً، وسآمةً: بمعنى ضَجِرْتُهُ، ومَلِلْتُهُ، ويُعدَّى
بالحرف أيضاً، فيقال: سَئِمْتُ منه، وفي التنزيل: ﴿لَّا يَسْعَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاءِ
اُلْخَيْرِ﴾ الآية [فصلت: ٤٩]، قاله في ((المصباح))(١).
وقد تقدّم معناه في حديث عائشة ظيّا المذكور أول الباب بلفظ: ((فإن الله
لا يملّ حتى تملّوا))، فإنه بمعناه، وقد استوفيت شرحه هناك، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨٣٣/٣٢ و١٨٣٤] (٧٨٥)، و(البخاريّ) في
((الإيمان)) (٤٣) و((التهجّد)) (١١٥١)، و(الترمذيّ) في ((الشمائل)) (٣١١)،
و(النسائيّ) في ((قيام الليل)) (١٦٤٢) و((الإيمان)) (٥٠٣٧) و((الكبرى)) (١٣٠٧)،
و(ابن ماجه) في ((إقامة الصلاة)) (٤٢٣٨)، و(أحمد) ٤٦/٦ و٥١ و١٩٩ و٢١٢
و٢٣١ و٢٤٧ و٢٦٨)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (١٤٨٥)، و(ابن خزيمة)
في (صحيحه)) (١٢٨٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٥٩ و٢٥٨٦)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (٢٢٢٤ و٢٢٢٥ و٢٢٢٦)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه))
(١٧٨٢ و١٧٨٣)، والله تعالى أعلم.
(١) ((المصباح المنير)) ٣٠٠/١.
١٩٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الحضّ على التخفيف في أعمال النوافل، ويتضمّن الزجر
عن التشدّد والغلوّ فيها، قال القرطبيّ تَخُّْهُ: وسبب ذلك أن التخفيف يكون معه
الدوام والنشاط، فيكثر الثواب؛ لتكرار العمل، وفراغ القلب، بخلاف الشاقّ
منها، فإنه يكون معه التشويش، والانقطاع غالباً. انتهى(١).
٢ - (ومنها): كراهة إحياء الليل كله بالعبادة، خشية الفتور، والملل على
فاعله، فينقطع عن عبادة التزمها، فيكون رجوعاً عما بذل لربّه من نفسه، ونقل
في ((الفتح)) أن الشافعيّ تَخْتُ سئل عن قيام جميع الليل؟ فقال: لا أكرهه إلا
لمن خَشِي أن يضُرّ بصلاة الصبح. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي عزاه إلى الشافعيُّ تَخْثُ من عدم
كراهته قيام جميع الليل لعله لا يصحّ عنه، كما يرشد إليه ما سيأتي عن
النوويّ، وإن صحّ فلا وجه؛ لأنه ◌َّ كرهه، وأنكره على هذه المرأة، فتبصّر،
والله تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): جواز مدح الإنسان بما فيه من أعمال الخير، إذا لم يُخش
عليه الافتتان، وما ورد من النهي يُحمل على خوف الفتنة.
٤ - (ومنها): استحباب الاقتصاد في العبادة، وكراهة التنطّع، والتعمّق
فيها .
٥ - (ومنها): أن الله تعالى يعامل عبده بما يعامله به هو، فإن أدام
الإقبال عليه، أقبل عليه دائماً، وإن أعرض عنه أعرض عنه، جزاء وفاقاً .
٦ - (ومنها): أن أحب الدين إلى الله تعالى، وإلى رسوله صل﴾ ما داوم
عليه صاحبه، وإن كان قليلاً.
٧ - (ومنها): ما قاله النوويُّ كَُّ: في هذا دليلٌ لمذهبنا، ومذهب جماعة،
أو الأكثرين: أن صلاة جميع الليل مكروهة، وعن جماعة من السلف أنه لا
بأس به، وهو رواية عن مالك، إذا لم يَنَم عن الصبح. انتهى.
(١) ((المفهم)) ٤١٣/٢.
(٢) ((الفتح)) ٤٥/٣ ((كتاب التهجّد)) رقم (١١٥١).
١٩٩
(٣٢) - بَابُ بَيَانِ فَضِيلَةِ الْعَمَلِ الدَّائِمِ، وَإِنْ قَلَّ ... إلخ - حديث رقم (١٨٣٤)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الأولون هو الحقّ؛ لصريح حديث
الباب، فقد أنكر النبيّ وَّهم ذلك على هذه المرأة، فقد تقدّم عن ((موظّأ))
مالك تَخْتُهُ في هذا الحديث زيادةُ: ((وكَرِهَ ذلك، حتى عُرِفت الكراهة في
وجهه))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل .
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَخْلَتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٨٣٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا(١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالًا:
حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَاللَّفْظِ لَهُ،
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَام، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ
عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ نَّهِ، وَعِنْدِي امْرََّةٌ، فَقَالَ: ((مَنْ هَذِهِ؟))، فَقُلْتُ: امْرَأَةٌ لَا تَنَامُ،
تُصَلِّي، قَالَ: ((عَلَيْكُمْ مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَوَالهِ لَا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا))، وَكَانَ
أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ، وَفِي حَدِيثٍ أَبِي أُسَامَةَ: أَنَّهَا امْرَأَةٌ مِنْ
بَنِي أَسَدٍ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُوِ أُسَامَةً) حمّاد بن أُسامة، تقدّم في الباب الماضي أيضاً.
٣ - (يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم في الباب الماضي أيضاً.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقولها: (وَعِنْدِي امْرَأَةٌ) جملة في محل نصب على الحال، وتقدّم في
الحديث الماضي أنها الْحَولاء بنت تُویت ◌َُّنا.
وقولها: (فَقُلْتُ: امْرَأَةٌ) وفي رواية البخاريّ: ((قَالَتْ: فُلَانَةُ))، وهذه
اللفظة كناية عن كلّ عَلَم مؤنث، فلا تنصرف، وزاد عبد الرزّاق، عن معمر،
عن هشام في هذا الحديث: ((حسنةُ الهيئة))، قاله في ((الفتح)).
-
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).
٢٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وقولها: (لَا تَنَامُ، تُصَلَّي) وفي رواية للبخاريّ: ((تذكر من صلاتها)). قال
في ((الفتح)): بفتح الفوقانية، والفاعل عائشة، وروي بضم الياء التحتانية على
البناء لما لم يُسمّ فاعله؛ أي: يذكرون أن صلاتها كثيرة. انتهى.
وقوله: (عَلَيْكُمْ مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ) وفي رواية البخاريّ: «قال: مَهْ
عليكم بما تُطيقون))، فَقَوله: ((مَهْ)) قال الجوهريّ: هي كلمة مبنيّة على السكون،
وهي اسم، سُمّي به الفعل، والمعنى اكفُفْ، يقال: مَهْمَهْتُهُ: إذا زجرتَهُ، فإن
وصلتَ نَوَّنْتَ، فقلت: مَهٍ، وقال الداوديّ: أصل هذه الكلمة ((ما هذا؟))،
كالإنكار، فطرحوا بعض اللفظة، فقالوا: مَهْ، فصيّروا الكلمتين كلمة، وهذا
الزجر يَحْتَمِل أن يكون لعائشة ◌َّا، والمراد نهيها عن مدح المرأة بما ذَكَرتْ،
ويَحْتَمِل أن يكون المراد النهي عن ذلك الفعل، وقد أخذ بذلك جماعة من
الأئمة، فقالوا: يكره صلاة جميع الليل، قاله في ((الفتح))(١).
وإنما عبّر بقوله: ((عليكم)) مع أن المخاطب النساء؛ طلباً لتعميم الحكم،
فغلّب الذكور على الإناث، والله تعالى أعلم.
وقولها: (وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ) أي: إلى الله تعالى، أو إلى رسوله وَله
قال في ((الفتح)): في رواية المستملي وحده (إلى الله))، وكذا في رواية عبدة،
عن هشام، عند إسحاق ابن راهويه في ((مسنده))، وكذا عند البخاريّ ومسلم من
طريق أبي سلمة، ولمسلم عن القاسم، كلاهما عن عائشة رضيّا، وقال باقي
الرواة عن هشام: ((وكان أحبّ الدين إليه))؛ أي: إلى رسول الله وَّ، وصرح به
البخاريّ في ((الرقاق)) في رواية مالك، عن هشام، وليس بين الروايتين تخالف،
لأن ما كان أحبّ إلى الله تعالى، كان أحبّ إلى رسوله وَّر. انتهى.
وقولها: (مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ) أي: الذي استمرّ عليه، ولم ينقطع عنه،
وإن كان قليلاً، ففي الرواية السابقة من طريق أبي سلمة، عن عائشة رضيها:
((وإن أحبّ الأعمال إلى الله ما دُووم عليه، وإن قلّ)».
وقوله: (وَفِي حَدِيثٍ أَبِي أُسَامَةَ ... إلخ) تقدّم أن هذا السياق ليحيى
القطّان، حيث قال المصنّف: ((واللفظ له))؛ يعني: أن لفظ المتن لشيخه زهير،
(١) ((الفتح)) ١٢٥/١ - ١٢٦.