Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
(٣١) - بَابُ بَيَانِ أَفْضَلِيّةِ أَدَاءِ النَّوَافِلِ فِي الْبَيْتِ ... إلخ - حديث رقم (١٨٢٤)
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة ظُه أحفظ من
روى الحدیث في دهره.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَظُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((لا) ناهية، ولذا جزم بها
قوله: (تَجْعَلُوا) ولفظ ابن حبّان في ((صحيحه)): ((لا تتخذوا بيوتكم مقابر،
صلّوا فيها، فإن الشيطان ليفرّ من البيت الذي يسمع سورة البقرة تُقرأ فيه))(١).
(بُيُوتَكُمْ) بضمّ الموحّدة وكسرها، قاله القاري تَّهُ(٢)، وهو: جمع بيت
(مَقَابِرَ) أي: خاليةً عن الذكر والطاعة، فتكون كالمقابر، وتكونون كالموتى
فيها، أو معناه: لا تدفِنُوا موتاكم فيها، ويدلّ على المعنى الأول قوله: ((إن
الشيطان يفرّ)) - بكسر الفاء - أي: يخرج ويَشْرُد، والجملة مستأنفةٌ كالتعليل،
(٣)
.
أفاده القاري
وقوله: (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ) قال النوويّ كَثُ: قوله: ((ينفر)) هكذا ضبطه
الجمهور ((يَنْفِر))، ورواه بعض رُواة مسلم: ((يَفِرّ))، وكلاهما صحيح. انتهى (*).
(مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ))) والمعنى: أنه ييأس من إغواء أهله ببركة
هذه السورة، أو لما يرى من جدّهم في الدين، واجتهادهم في طلب اليقين(٥).
وقال القاضي البيضاويّ رَّتُهُ: قوله: ((لا تجعلوا بيوتكم مقابر)) أي:
كالمقابر خاليةً عن الذكر والطاعة، واجعلوا لها نصيباً من القراءة والصلاة، فإن
الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه البقرة؛ أي: ييأس من إغواء أهله
وتسويلهم؛ لما يرى من جدّهم في الدين، ورسوخهم في الإسلام، قال ◌َّ:
((من قرأ البقرة وآل عمران جدّ فينا))(٦). انتهى(٧).
(١) ((الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان)) ٦٢/٣ رقم (٧٨٣).
(٢) ((المرقاة)) ٦٢٥/٤ - ٦٢٦.
(٣) ((المرقاة)) ٤ / ٦٢٦.
(٤) ((شرح النوويّ)) ٦٩/٦.
(٥) ((المرقاة)) ٦٢٦/٤.
(٦) حديث ضعيف، أخرجه ابن عديّ في ((الكامل)) (٢٢٤/٧) بلفظ: ((من قرأ البقرة
وآل عمران عُدَّ فينا)»، وفيه قصّة.
(٧) راجع: ((الكاشف)) ١٦٤٠/٥.

١٦٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وقال الطيبيّ تَخْتُهُ: قوله: ((إن الشيطان ... إلخ)) استئناف كالتعليل
للنهي، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُخَطِبْنِ فِى الَّذِينَ ظَلَمُوْاْ إِنَّهُم مُّغْرَفُونَ﴾ [هود: ٣٧]، فلا
بدّ من بيان وجه المناسبة بين التعليل والمعلّل، وذلك أن معنى التشبيه: لا
تكونوا كالموتى في القبور، عارين عن القراءة والذكر، غير منفِّرين للشيطان،
ونحوُهُ في النهي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُثُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]،
نهاهم عن أن يموتوا على غير الإسلام، والمراد الأمر بثباتهم على الإسلام
بحيث إذا أدركهم الموت أدركهم وهم مسلمون، فكذا هنا المراد أمرهم بقراءة
القرآن، والعمل به، والتحرّي في استنباط معانيه، والكشف عن حقائقه، بحيث
يصير ذا جِدّ وحظٌ وافر من ذلك مراغمةً للشيطان، فقوله: ((لا تجعلوا بيوتكم
مقابر)) كناية عن هذه المعاني. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َُّله هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨٢٤/٣١] (٧٨٠)، و(الترمذيّ) في ((فضائل
القرآن)» (٢٨٧٧)، و(النسائيّ) في ((عمل اليوم والليلة)) (٩٦٥)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٢٨٤/٢ و٣٣٧ و٣٧٨ و٣٨٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧٨٣)،
و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٣٩٠٧ و٣٩٠٨ ٣٩٠٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه))
(١٧٧٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١١٩٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الحثّ على صلاة النوافل في البيوت.
٢ - (ومنها): النهي عن اتّخاذ البيت مهجوراً كالقبر لا يُصلَّى فيه، ولا
يُذكر الله رحت فيه.
٣ - (ومنها): الحثّ على قراءة ((سورة البقرة)) في البيت.
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٦٤٠/٥.

١٦٣
(٣١) - بَابُ بَيَانِ أَفْضَلِيّةِ أَدَاءِ النَّوَافِلِ فِي الْبَيْتِ ... إلخ - حديث رقم (١٨٢٥)
٤ - (ومنها): جواز إطلاق لفظ ((سورة البقرة)) بلا كراهة، وأما كراهة من
كَرِهَ قول: ((سورة البقرة)) ونحوها، وقال: إنما يقال: السورة التي تُذكَّر فيها
البقرة، فرأي باطلٌ، تردّ عليه الأحاديث الصحيحة الكثيرة، وسبقت المسألة،
وسنعيدها قريباً - إن شاء الله تعالى - في أبواب فضائل القرآن.
٥ - (ومنها): بيان فضيلة ((سورة البقرة)) حيث إنها تطرد الشيطان، فلا
يقرب البيت الذي تُقرأ فيه، وسيأتي مزيد بيان لفضلها في أبواب فضائل القرآن
قريباً - إن شاء الله تعالى -.
(ومنها): ما قيل: إنما خصّت ((سورة البقرة)) بهذه الفضيلة؛ لطولها،
وكثرة أسماء الله تعالى، واشتمالها على الأحكام الكثيرة، وبيان الشرائع،
والقِصَص، والمواعظ، والوقائع الغريبة، والمعجزات العجيبة، وذكر خاصّة
أوليائه، والمصطفَيْنَ من عباده، وفضيحة قبائح الشيطان وكيده، وكشف ما
توسّل به إلى التسويل على آدم علَّهُ وذرّيّته.
قال بعض العلماء: هي مشتملة على ألف خبر، وألف أمر، وألف
نهي(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٨٢٥] (٧٨١) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ،
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ
بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: احْتَجَرَ رَسُولُ اللهِ وَلِ حُجَيْرَةً بِخَصَفَةٍ أَوْ
حَصِيرٍ (٢)، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يُصَلِّي فِيهَا، قَالَ: فَتَتَبَّعَ إِلَيْهِ رِجَالٌ، وَجَاءُوا
يُصَلُّونَ بِصَلَائِهِ، قَالَ: ثُمَّ جَاءُوا لَيْلَةً، فَحَضَرُوا، وَأَبْطَأَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَنْهُمْ،
قَالَ: فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ، فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ، وَحَصَبُوا الْبَابَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ مُغْضَباً، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ وََّ: ((مَا زَالَ بِكُمْ صَنِیعُكُمْ، حَتَّى
(١) راجع: ((تفسير ابن كثير)) ٧٠/١.
(٢) وفي نسخة: ((أو حصيرة)).

١٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
ظَنْتُ أَنَّهُ سَيُكْتَبُ عَلَيْكُمْ، فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي
بَيْتِهِ، إِلَّ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) ذُكر في الباب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب
[٩] (ت١٩٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) بن أبي هِنْد الْفَزَاريّ مولاهم، أبو بكر المدنيّ،
صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٦].
رَوَى عن أبيه، وأبي أمامة بن سهل بن حُنيف، وسعيد بن المسيِّب،
وإسماعيل بن أبي حكيم، وبكير بن الأشج، وسالم أبي النضر، وسُمَيّ مولى
أبي بكر بن عبد الرحمن، وغيرهم.
وروى عنه يزيد بن الهاد، ومات قبله، ومالك، وابن المبارك، ويحيى،
وعبد الرحمن، ووكيع، وإسماعيل بن جعفر، وسليمان بن بلال، وعيسى بن
يونس، وغندر، وعبد الرزاق، وغيرهم.
قال أبو طالب عن أحمد: ثقةٌ ثقةٌ، وقال الدُّوريّ عن ابن معين: ثقةٌ،
وقال أبو بكر بن خلاد الباهليّ: سألت يحيى بن سعد عنه، فقال: كان صالحاً
تَعرِفُ وتُنكِر، وقال الآجريّ عن أبي داود: ثقةٌ، روى عنه يحيى ولم يرفعه كما
رفع غيره، وروى عنه مالك كلاماً، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال أبو
حاتم: ضعيف الحديث، وقال العجليّ، ويعقوب بن سفيان: مدنيّ ثقةٌ، وقال
ابن خلفون: وثّقه ابن المدينيّ، وابن الْبَرْقيّ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)»،
وقال: يخطىء.
قال البخاريّ عن مكي بن إبراهيم: سمعت منه سنة (١٤٤)، وقال
أحمد، عن مكي: سمعت منه سنة (١٤٧) وذكر ابن حبان أنه مات فيها، وقال
ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، مات سنة ست أو سبع وأربعين يعني:
ومائة، وكذا أخرجه ابن أبي خيثمة، قال: فيما بلغني.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم

١٦٥
(٣١) - بَابُ بَيَانِ أَفْضَلِيّةِ أَدَاءِ النَّوَافِلِ فِي الْبَيْتِ ... إلخ - حديث رقم (١٨٢٥)
(٧٨١)، وحديث (٩٥٠): ((مستريح ومستراح منه ... ))، و(١٥٠٩): ((من أعتق
رقبة مؤمنةً ... )).
٤ - (سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) التيميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ،
يرسل [٥] (ت١٢٩) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٤/ ٥٥١.
٥ - (بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ) المدنيّ العابد، مولى ابن الحضرميّ، ثقةٌ جليلٌ [٢]
(ت ١٠٠) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٠١/٣١.
٦ - (زَيْدُ بْنُ ثَابِتِ) بن الضحّاك الأنصاريّ النجّاريّ الصحابيّ الشهير، أبو
سعيد، وأبو خارجة، مات رظُله سنة (٥ أو ٤٨) وقيل: بعد (٥٠) (ع) تقدم في
((الحيض)) ٢٢/ ٧٩٣.
لطائف هذا الإسناد.
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف
ـه .
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من عبد الله بن سعيد، والباقيان
بصريان.
٤ - (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة السّة بلا واسطة، وقد تقدّم
بيان هذا غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه ◌ُبه من مشاهير الصحابة و﴿ه، كان كاتب
الوحي للنبيّ ◌َّ، قال مسروق: كان من الراسخين في العلم، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ زَيْدٍ بْنِ ثَابِتٍ) رَبه أنه (قَالَ: احْتَجَرَ رَسُولُ اللهِ وَلَ) بالراء، قال
النوويّ كَّلُ: معنى ((احتجر حُجْرةً)) أي: حَوَّط موضعاً من المسجد بحصير؛
ليستره؛ ليصلي فيه، ولا يمر بين يديه مارٌّ، ولا يتهَوَّش بغيره، ويتوفر خشوعه،
وفراغ قلبه. انتهى.
وفي رواية موسى بن عقبة، عن أبي النضر التالية: ((أن النبيّ وَلّ اتّخذ
حجرةً في المسجد من حصير)).

١٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وفي رواية البخاريّ: ((اتَّخَذَ حُجْرَةً، قال: حسبت أنه قال من حصير في
رمضان ... )).
قال في ((الفتح)): قوله: ((حُجْرةً)) كذا للأكثر بالراء، ولأبي ذرّ عن
الكشميهنيّ بالزاي؛ أي: شيئاً حاجزاً؛ يعني: مانعاً بينه وبين الناس.
(حُجَيْرَةً) بضمّ الحاء المهملة: تصغير حُجْرة، قال في ((المصباح)):
((الحُجْرة)) أي - بضمّ، فسكون -: البيتُ، والجمع حُجَر، وحُجُرَات، مثلُ
غُرَف، وغُرُفات في وجوهها. انتهى.
(بِخَصَفَةٍ) بفتحات، قال ابن الأثير رَّتُهُ: ((الْخَصَفَةُ)) بالتحريك: واحدة
الْخَصَفِ، وهي الْجُلَّةُ التي يُكْنَز فيها التَّمْرُ، وكأنها فَعَلٌ بمعنى مفعول، من
الْخَصْفِ، وهو ضمّ الشيء إلى الشيء؛ لأنه منسوجُ من الْخُوص)). انتهى(١).
وقال في ((القاموس)): ((الْخَصَفَةَ)) محرَّكةً: الْجُلّةُ تُعْمَل من الْخُوص للتمر،
والثوبُ الْغَليظُ جدّاً، والجمع خَصَفٌ وخِصَافٌ، بالكسر(٢).
وقال القرطبيّ رَّتُهُ: الْخَصَفَة: حَصِيرٌ يُخْصَفُ؛ أي: يُخاط من السَّعَفِ،
ومنه قوله تعالى: ﴿يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ اَلْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢]؛ أي: يَخِیطان،
والْخَصَفَة: ما يُخْصَفُ، والْحَصِيرُ: ما يُنْسَجُ، وهو على الشك من الراوي،
وكان هذا العمل منه و 38، وهذا القول في رمضان، وقد تقدّم في حديث
عائشة ها. انتهى(٣).
(أَوْ) للشكّ من الراوي (حَصِيرٍ) وفي نسخة: ((أو حصيرة))، قال
النوويُّ كَّتُهُ: والْخَصَفَةُ والْحَصِير بمعنَى، شَكّ الراوي في المذكورة منهما.
انتھی .
وقال في ((القاموس)): الْحَصِير: الباريّة، وقال في مادّة ((بور)): الباريّة:
الحصير المنسوج. انتهى.
وقال في ((المصباح)): الحصير: الباريّة، وجمعها حُصُرٌ، مثلُ بَرِيد وبُرُد.
انتھی.
(١) ((النهاية)) ٣٧/٢.
(٣) ((المفهم)) ٢/ ٤١٢.
(٢) ((القاموس المحيط)) ١٣٤/٣.

١٦٧
(٣١) - بَابُ بَيَانِ أَفْضَلِيّةِ أَدَاءِ النَّوَافِلِ فِي الْبَيْتِ ... إلخ - حديث رقم (١٨٢٥)
(فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ﴾ أي: من بيته (يُصَلِّي فِيهَا) جملة حاليّة من
الفاعل؛ أي: حال كونه مصلّياً في تلك الْحُجْرة، وكان ذلك في رمضان، كما
سبق بيانه في حديث عائشة پتا .
واستُشْكِلَ صلاته وَّر في المسجد؛ لأنه يلزم منه أن يكون تاركاً للأفضل
الذي أَمَر الناس به، حيث قال: ((صلّوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في
بيته إلا المكتوبة)).
وأجيب عنه بأوجه:
[منها]: أن هذه الصلاة مما استُثنِيَ؛ لأن الأفضل عند الجمهور في صلاة
التراويح المسجد.
[ومنها]: أنه * كان معتكفاً، إذ ذاك، والمعتكف لا يصلي إلا في
المسجد .
[ومنها]: أنه إذا احتجر صار كأنه بيت بخصوصه.
[ومنها]: أن السبب في كون صلاة التطوّع في البيت أفضل عدم شَؤْبه
بالرياء غالباً، والنبيّ وَّ منزّه عن الرياء في بيته، وفي غير بيته.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ويظهر لي وجه آخر، وهو أنّ ذلك لبيان
الجواز، والنبيّ نَّه إذا فعل شيئاً للتشريع يكون أفضل في حقّه، وإن كان في
حقّنا أدون، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) زيد
(فَتَتَبَّعَ إِلَيْهِ رِجَالٌ) قال النوويّ ◌َخْذَلُ: هكذا ضبطناه، وكذا
هو في النسخ، وأصل التتبع الطلبُ، ومعناه هنا: طلبوا موضعه، واجتمعوا
إليه. انتهى. وفي رواية موسى بن عقبة التالية: ((حتى اجتمع إليه ناسٌ)) (وَجَاءُوا
يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، قَالَ: ثُمَّ جَاءُوا لَيْلَةً) أي: غير هذه الليلة، وفي رواية موسى بن
عقبة التالية: ((فصلّى رسول الله ﴿ ﴿ فيها ليالي))؛ أي: من رمضان، وقد بُيّنت
تلك الليالي في حديث عائشة ثنا، المتقدّم، من رواية عروة عنها، ولفظه:
((عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة أخبرته، أن
رسول الله ﴿ خرج من جوف الليل، فصلى في المسجد، فصلى رجال
بصلاته، فأصبح الناس يتحدثون بذلك، فاجتمع أكثر منهم، فخرج رسول الله وَله
في الليلة الثانية فصلوا بصلاته، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل

١٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
المسجد من الليلة الثالثة، فخرج فصلَّوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز
المسجدُ عن أهله، فلم يخرج إليهم رسول الله وَّ، فطفق رجال منهم يقولون:
الصلاة، فلم يخرج إليهم رسول الله وَ﴿ حتى خرج لصلاة الفجر، فلما قضى
الفجر أقبل على الناس، ثم تشهد، فقال: أما بعدُ، فإنه لم يَخْفَ علي شأنكم
الليلة، ولكني خشيت أن تُفْرَض عليكم صلاة الليل، فتعجزوا عنها)).
فتبيّن بهذا أن هذه الليلة التي لم يخرُج فيها إليهم رسول الله وَّ ليست
الليلة الثانية، بل هي الرابعة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(فَحَضَرُوا) إلى المسجد (وَأَبْطَأَ رَسُولُ اللهِ﴿ عَنْهُمْ) أي: تأخّر عن
الخروج إليهم، فقوله: (قَالَ) زيد (فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ) تأكيد لمعنى الإبطاء
(فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ) أي: ليعلم بحضورهم، فیخرُج إليهم، وفي حديث عائشة .
ينيج]
هـ
عند أحمد: ((حتى سمعتُ ناساً منهم يقولون: الصلاة)).
(وَحَصَبُوا الْبَابَ) أي: رَمَوهُ بالحصباء، وهي الحصى الصغار؛ حرصاً
على خروجه إليهم ليصلّي بهم، وتنبيهاً له؛ لظنهم نسيانه، وهذا ظاهر في
كونه ◌َّله دخل بيتاً من بيوت أزواجه بعدما صلى بهم الفريضة، فلم يخرج منه
إلى الحجرة التي كان احتجرها في المسجد بالحصير، فحصبوا باب بيته؛
ليخرج منه إلى حجرة الحصير، فيصلّوا بصلاته من ورائها .
(فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ◌ِّ مُغْضَباً) وكان خروجه وسلّ ذلك لصلاة
الفجر، كما سبق في حديث عائشة ثقا المذكور، لا عند رفع أصواتهم،
وحصبهم بابه، كما يوهمه ظاهر هذا الرواية، فتنبّه. (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ نَّ)
أي: بعد صلاته الصبح، وتشهّده، وقوله: ((أما بعدُ))، كما في حديث
عائشة ﴿ّ المذكور ((مَا زَالَ بِكُمْ صَنِيعُكُمْ) قال في ((الفتح)): كذا للأكثر،
وللكشميهنيّ: ((صُنْعكم)) بضم الصاد، وسكون النون، قال: وليس المراد به
صلاتهم فقط، بل كونهم رفعوا أصواتهم، وسبحوا به؛ ليخرج إليهم، وحصب
بعضهم الباب؛ لظنّهم أنه نائمٌ(١)، وفي حديث عائشة راثنا: ((فلما أصبح قال:
قد رأيت الذي صنعتم)).
(١) ((الفتح)) ٢/ ٢٥٢.

١٦٩
(٣١) - بَابُ بَيَانِ أَفْضَلِيّةٍ أَدَاءِ النَّوَافِلِ فِي الْبَيْتِ ... إلخ - حديث رقم (١٨٢٥)
ـا :
(حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُكْتَبُ عَلَيْكُمْ) أي: قيام الليل، وفي حديث عائشة رشـ
((ولكني خشيتُ أن تُفرض عليكم صلاة الليل، فتعجزوا عنها))، وهذا ظاهر في
أن عدم خروجه إليهم كان لهذه الخشية، لا لكون المسجد امتلأ، وضاق عن
المصلين، قاله في ((الفتح)).
زاد في رواية موسى بن عقبة التالية: ((ولو كُتب عليكم ما قمتم به))؛ أي:
لتركتموه مع القدرة عليه، وفي رواية للبخاري: ((ولكني خشيت أن تفرض
عليكم صلاة الليل، فتَعْجِزوا عنها))؛ أي: تشق عليكم، فتتركونها مع القدرة
عليها، وليس المراد العجز الكلّيّ؛ لأنه يُسقطُ التكليفَ من أصله.
(فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فِي بُيُوتِكُمْ) أي: الزموا أداء النوافل التي لا تستحبّ
فيها الجماعة، والتي لا تختصّ بالمسجد، كركعتي تحيّة المسجد، والأمرُ
للاستحباب، وإنما قيّدنا بالنوافل؛ لأن المكتوبة تؤدَّى في المساجد، لا في
البيوت، كما بيّنه بالاستثناء في قوله: (فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ) هذا عامٌ
في جميع النوافل والسنن، إلا النوافل التي هي من شعار الإسلام، كالعيد،
والكسوف، والاستسقاء، وكذا ما يختصّ بالمسجد، كركعتي تحية المسجد،
كما ذكرناه آنفاً .
قال في ((الفتح)): المراد بالمكتوبة الصلوات الخمس لا ما وجب بعارض
كالمنذورة، والمراد بالمرء جنس الرجال، فلا يرد استثناء النساء؛ لثبوت
قوله {َله: ((لا تمنعوهنّ المساجد، وبيوتهنّ خير لهنّ))، أخرجه مسلم(١).
وقال السنديّ تَخَّلُهُ: قد ورد هذا الحديث في صلاة رمضان في
مسجده *، فإذا كان صلاة رمضان في البيت خيراً منها في مسجده وَليقول،
فكيف غيرها في مسجد آخر؟ نعم كثير من العلماء يرون أن صلاة رمضان في
المسجد أفضل، وهذا يخالف هذا الحديث؛ لأن مورده صلاة رمضان، إلا أن
يقال: صار أفضل حين صار أداؤها في المسجد من شعار الإسلام، والله تعالى
أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في كلامه الأخير نظر لا يخفى، ومتى
(١) ((الفتح)) ٢٥٢/٢.

١٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
صار أداؤها في المسجد شعار الإسلام؟ وقد قال عمر نظريته بعدما جمع الناس
على إمام واحد: ((نعمت البدعة هذه، والتي تنامون عنها أفضل من التي
تقومون))، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله، رواه البخاريُّ كَُّ .
والحاصل أن صلاة رمضان في البيت أفضل في كلّ زمن، على ظاهر
حديث الباب، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(إِلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ))) أي: المفروضة، قال النوويّ تَخْتُهُ: وإنما حثّ
على التنفّل في البيت؛ لكونه أخفى، وأبعد من الرياء، ولتحصل البركة للبيت
به، وتنزل الرحمة فيه، وينفر منه الشيطان، قال في ((الفتح)): وعلى هذا يمكن
أن يخرج بقوله: ((في بيته)) بيت غيره، ولو أَمِنَ فيه من الرياء. انتهى(١)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث زيد بن ثابت
ضُه عنه هذا مُتَّفَقٌّ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨٢٥/٣١ و١٨٢٦] (٧٨١)، و(البخاريّ) في
(الأذان)) (٧٣١) و((الاعتصام)) (٧٢٩٠) و((الأدب)) (٦١١٣)، و(أبو داود) في
(الصلاة)) (١٤٤٧)، و(الترمذيّ) في ((الصلاة)) (٤٥٠)، و(النسائيّ) في ((قيام
الليل)) (١٥٩٨)، و((الكبرى)) (١٢٩٢ و١٢٩١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٨٢/٥
و١٨٣ و١٨٤ و١٨٦ و١٨٧)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (٢٥٠)،
و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٣٧٣)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٢٠٣
و١٢٠٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٤٩١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(٢٢١٠ و٢٢١١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٧٧٣ و١٧٧٤ و١٧٧٥)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٠٩/٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(١) ((الفتح)) ٢٥٢/٢ - ٢٥٣.

١٧١
(٣١) - بَابُ بَيَانِ أَفْضَلِيّةِ أَدَاءِ النَّوَافِلِ فِي الْبَيْتِ ... إلخ - حديث رقم (١٨٢٥)
١ - (منها): الحثّ على الصلاة في البيوت، وبيان فضل ذلك، ووجهه
أنه وَّهِ فَضَّلَ الصلاة في البيت على الصلاة في مسجده، مع أن الصلاة فيه خير
من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام.
٢ - (ومنها): بيان جواز اتّخاذ حجرة ونحوه في المسجد إذا لم يكن فيه
تضييق على المصلين ونحوهم، ولم يتخذه دائماً؛ لأن النبيّ ◌َّ ار كان يحتجرها
بالليل، يصلي فيها، ويُنَحِّيها في النهار ويبسطها كما سيأتي في حديث
عائشة ينا في الباب التالي، ثم ترك ذلك النبيّ وَّه بالليل والنهار، وعاد إلى
الصلاة في البيت.
٣ - (ومنها): مشروعيّة قيام الليل، ولا سيما في رمضان جماعةً؛ لأن
الخشية الّتي علّل بها النبيّ وَّل عدم خروجه إليهم أَمنت بعده وَّ، ولذا جمعهم
عمر بن الخطاب على أبيّ بن كعب ، قاله في ((الفتح)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا لا ينافي أفضلية الصلاة في البيت،
والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): أن الكبير إذا فعل شيئاً، خلافَ ما اعتاده منه أتباعه يَذْكُر
لهم عذره، وحكمه، والحكمة فيه.
٥ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ ◌َّطهر من الزهادة في الدنيا، والاكتفاء بما
قلّ منها، والشفقة على أمته، والرأفة بهم، ومراعاة مصالحهم، فينبغي لولاة
الأمور، وكبار الناس، والمتبوعين في علم وغيره الاقتداء به وَّر في ذلك.
٦ - (ومنها): ترك بعض المصالح لخوف المفسدة، وتقديم أهمّ
المصلحتين .
٧ - (ومنها): جواز الاقتداء بمن لم ينو الإمامة.
٨ - (ومنها): ترك الأذان والإقامة للنوافل إذا صُلّيتْ جماعةً.
٩ - (ومنها): الإنكار على من يتكلّف ما لم يكلّف به، فقد أنكر النبيّ وَيّـ
عليهم صنيعهم هذا حيث تكلّفوا ما لم يأمرهم به من التجمّع في المسجد
لصلاة الليل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.

١٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٨٢٦] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي(١) مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ،
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ سَمِعْتُ أَبَا النَّضْرِ، عَنْ بُسْرِّ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ،
أَنَّ النَّبِيَّ نَ اتَّخَذَ حُجْرَةً فِي الْمَسْجِدِ، مِنْ حَصِيرِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِنَّهِ فِيهَا لَيَالِيَ،
حَتَّى اجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَاسٌ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَزَادَ فِيهِ: ((وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِهِ)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون المعروف بالسمين البغداديّ، مروزيّ
الأصل، صدوقٌ فاضلٌ رَبّما وَهِمَ [١٠] (ت٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في
((الإيمان)) ١/ ١١٢.
٢ - (بَهْزُ) بن أسد الْعمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد
المائتين، أو قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٢/٣.
٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد بن عَجْلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ [٧] (ت١٦٥) وقيل: بعدها (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٣.
٤ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم، ثقةٌ فقيهٌ إمامٌ في
المغازي [٥] (ت١٤١) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٣/٨١.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): ذِكرُ سالم أبي النضر بين موسى بن عقبة، وبسر
في هذا الإسناد هو رواية الأكثرين، عن موسى، وخالفهم ابن جريج، عن موسى،
فلم يذكر أبا النضر في الإسناد، أخرجه النسائيّ في ((الكبرى)) (٢/ ١٢٩١).
قال الحافظ تَخَّتُهُ: ورواية الجماعة أولى، وقد وافقهم مالك في الإسناد،
لكن لم يرفعه في ((الموطأ))، وقد أخرجه من طريقه النسائيّ في ((الكبرى)) أيضاً
(٢/ ١٢٩٢)، ورُوي عنه خارج ((الموطأ)) مرفوعاً. انتهى(٢).
(١) وفي نسخة: ((حدّثني)).
(٢) ((الفتح)) ٢٥٢/٢ ((كتاب الأذان)) رقم (٧٣١).

(٣٢) - بَابُ بَيَانِ فَضِيلَةِ الْعَمَلِ الدَّائِمِ، وَإِنْ قَلَّ ... إلخ - حديث رقم (١٨٢٧)
١٧٣
وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَهُ) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمير موسى بن عُقبة.
[تنبيه]: رواية موسى بن عقبة، عن أبي النضر هذه ساقها الإمام
البخاريُّ تَخْدَثُ في (كتاب الاعتصام)) من ((صحيحه)، فقال:
(٧٢٩٠) حدّثنا إسحاق(١)، أخبرنا عفّان، حدّثنا وهيب، حدّثنا موسى بن
عقبة، سمعت أبا النضر يحدِّث عن بسر بن سعيد، عن زيد بن ثابت، أن
النبيّ وَ ◌َّ اتَّخَذَ حُجْرةً في المسجد من حَصِير، فصلى رسول الله وَّ فيها ليالي،
حتى اجتمع إليه ناس، ثم فقدوا صوته ليلةً، فظنوا أنه قد نام، فجعل بعضهم
يتنحنح؛ ليخرج إليهم، فقال: ((ما زال بكم الذي رأيت من صنيعكم، حتى
خشيت أن يكتب عليكم، ولو كُتب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس في
بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته، إلا الصلاة المكتوبة)). انتهى، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾
.
(٣٢) - (بَابُ بَيَانِ فَضِيلَةِ الْعَمَلِ الدَّائِمِ، وَإِنْ قَلَّ، وَكَرَاهِيَةٍ
التَّعَمُّقِ وَالتَّشَدُّدِ فِي الْعِبَادَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٨٢٧] (٧٨٢) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، يَعْنِي
الثَّقَفِيَّ، حَدَّثَنَا (٢) عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ،
أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ حَصِيرٌ، وَكَانَ يُحَجِّرُهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيُصَلِّي فِيهِ، فَجَعَلَ
النَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، وَيَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ ، فَثَابُوا ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ،
عَلَيْكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ
إِلَى اللهِ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّ))، وَكَانَ أَلُ مُحَمَّدٍ وَلِهِ إِذَا عَمِلُوا عَمَلاً أَنْبَتُوهُ).
(١) هو ابن منصور الكوسج، أفاده في ((الفتح)) ٢٨٣/١٣.
(٢) وفي نسخة: ((أخبرنا)).

١٧٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بن عُبيد، أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ المعروف
بالزَّمِنِ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) ابن عبد المجيد بن الصَّلْت، أبو محمد
البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت١٩٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧/ ١٧٣.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر العمريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) كيسان المقبريّ، أبو سَعْد المدنيّ، ثقةٌ [٣]
مات في حدود (١٢٠) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٠/٣٦.
٥ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ فقيه
[٣] (ت٩٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٣.
٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﴿ُّ، ماتت (٥٧) (ع) تقدّمت في ((شرح
المقدّمة)) ج١ ص٣١٥.
لطائف هذا الإسناد :
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َخَّلهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة، وشيخه أحد التسعة الذين
روى عنهم الأئمة السّة بلا واسطة، وقد مرّ غير مرّة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، من عبيد الله، والأولان بصريّان.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين رَوَى بعضهم عن بعض: ابن
عجلان عبيد الله، عن سعيد، عن أبي سلمة.
٥ - (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهو أبو
سلمة .
٦ - (ومنها): أن فيه عائشة
الحديث، والله تعالى أعلم.
رؤيتها من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) من
شرح الحديث :
(عَنْ عَائِشَةَ) ◌َثُّنَا (أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ لِرَسُولِ اللهِ نَّهِ حَصِيرٌ) - بفتح الحاء،
وكسر الصاد المهملتين - جمعه حُصُر، مثل بَرِيد وبُرُد: هو البساط الصغير من

١٧٥
(٣٢) - بَابُ بَيَانِ فَضِيلَةِ الْعَمَلِ الدَّائِمِ، وَإِنْ قَلَّ ... إلخ - حديث رقم (١٨٢٧)
النبات، وقيل: سَفِيفَة تُصنع من بَرْديّ، وأسَل، ثم تُفْرَش؛ سمي بذلك لأنه يلي
وجه الأرض، وقيل: الحصير المنسوج، سُمِّي حصيراً؛ لأنه حُصِرت طاقاته
بعضُهَا مع بعض، أفاده في ((اللسان)).
(وَكَانَ يُحَجِّرُهُ) بتشديد الجيم، من التحجير؛ أي: يتّخذه كالحُجْرَة؛ لئلا
يمر عليه مارّ، وليتوفر خشوعه (مِنَ اللَّيْلِ) ((من)) بمعنى ((في)»، او هي للتبعيض
(فَيُصَلِّي فِيهِ، فَجَعَلَ النَّاسُ) أي: شرعوا وأخذوا (يُصَلَّونَ بِصَلَاتِهِ) أي: مقتدين
بصلاته وَ﴾ (وَيَبْسُطُهُ) أي: ذلك الحصير (بِالنَّهَارِ) الباء بمعنى ((في))؛ أي:
يجعله بساطاً يجلس عليه في النهار (فَثَابُوا) - بالثاء المثلَّثة، ثم موحدة - أي:
اجتمعوا إليه، وفي رواية البخاري: ((فثاب إليه ناس))، ووقع عند الخطابيُّ:
((آبُوا)) أي: رجعوا، وفي رواية الكشميهني والسرخسي: ((فثاروا)) - بالمثلثة،
والراء - أي: قاموا، قاله في ((الفتح)).
وقوله: (ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي: ليلة من الليالي، وقد تقدّم أنه الليلة الرابعة (فَقَالَ)
هذا معطوف على محذوف تبيّنه الروايات الأخرى؛ أي: فلم يخرج إليهم حتى طلع
الفجر، فخرج إليهم، وصلى بهم الفجر، فلما سلّم قال لهم: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ،
عَلَيْكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ﴾ أي: الزَمُوا من الأعمال ما تستطيعون المداومة
عليه، فـ ((عليكم)) اسم فعل بمعنى ((الزموا))، و((ما)) موصولة مفعول به لـ((عليكم))،
و(تطيقون)) صلته، حُذف منه العائد؛ لكونه فضلةً، كما قال في ((الخلاصة)):
وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي
فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ
بِفِعْلٍ اوْ وَصْفٍ كَامَنْ نَرْجُو يَهَبْ)»
والمعنى: اشتغلوا من الأعمال بما تستطيعون المداومة عليه، فمنطوقه
الأمر بالاقتصار على ما يُطاق من العبادة، ومفهومه يقتضي النهي عن تكلّف ما
لا يطاق، وقال القاضي عياض ◌َُّ: يَحْتَمِلُ أن يكون خاصّاً بصلاة الليل،
ويَحْتَمِل أن يكون عامّاً في الأعمال الشرعيّة. انتهى.
قال الحافظ نَُّ: سبب وروده خاصّ بالصلاة، ولكن اللفظ عامّ، وهو
المعتبر. انتهى(١)، وهو تحقيقٌ حسنٌّ، والله تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ١٢٦/١.

١٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
(فَإِنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا) بفتح الميم في الموضعين، مضارع مَلّ،
يقال: مَلِلْته، ومَلِلتُ منه مَلَلاً، من باب تَعِبَ، وملالةً: سَئِمْتُ، وضَجِرْتُ،
والفاعل مَلُولٌ، ويتعدَّى بالهمزة، فيقال: أمللته الشيءَ، قاله في ((المصباح))(١).
وفي الرواية الآتية: ((لا يسأم حتى تسأموا))، والمعنى واحد.
قال النوويّ كَّلُهُ: قال العلماء: المَلَل، والسآمة بالمعنى المتعارف في
حقنا محال في حق الله تعالى، فيجب تأويل الحديث، قال المحققون: معناه
لا يعاملكم معاملة المالِّ، فيقطع عنكم ثوابه، وجزاءه، وبسط فضله ورحمته
حتى تقطعوا عملكم.
وقيل: معناه لا يملّ إذا مَلِلْتم، قاله ابن قتيبة وغيره، وحكاه الخطابيّ
وغيره، وأنشدوا فيه شعراً، قالوا: ومثاله قولهم في البليغ: فلان لا ينقطع حتى
يقطع خصومه، معناه: لا ينقطع إذا انقطع خصومه، ولو كان معناه: ينقطع إذا
انقطع خصومه، لم يكن له فضل على غيره. انتهى(٢).
وقال السيوطيّ تَخْتُهُ في شرح النسائيّ: الْمَلالُ: استثقال الشيء والنفور
عنه بعد محبته، وهو محال على الله تعالى باتفاق، قال الإسماعيلي، وجماعة
من المحققين: إنما أُطلق هذا على جهة المقابلة اللفظية مجازاً، كما قال
تعالى: ﴿وَجَزَّوُاْ سِيْئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَاً﴾ [الشورى: ٤٠].
وقال القرطبيُّ ◌َخْتُهُ: وجه مجازه أنه تعالى لمّا قطع ثوابه عمن قطع
العمل مَلالاً عبّر عن ذلك بالملال، من باب تسمية الشيء باسم سببه، وقال
الهروي: معناه لا يقطع عنكم فضله حتى تملوا سؤاله، فتزهدوا في الرغبة إليه،
وهذا كله بناء على أن ((حتى)) على بابها في انتهاء الغاية، وما يترتب عليها من
المفهوم.
وجنح بعضهم إلى تأويلها، فقيل: معناه لا يمل الله إذا مَلِلْتم، وهو
مستعمل في كلام العرب، يقولون: لا يفعل كذا حتى يَبْيَضَّ القارُ، أو حتى
يَشِيب الغراب، ومنه قولهم في البليغ: لا ينقطع حتى ينقطع خصومه؛ لأنه لو
انقطع حين ينقطعون لم يكن له عليهم مزية، وهذا المثال أشبه من الذي قبله؛
(١) ((المصباح المنير)) ٥٨٠/٢.
(٢) (شرح النوويّ)) ٧١/٦.

(٣٢) - بَابُ بَيَانِ فَضِيلَةِ الْعَمَلِ الدَّائِمِ، وَإِنْ قَلَّ ... إلخ - حديث رقم (١٨٢٧)
١٧٧
لأن شَيب الغراب ليس ممكناً عادة بخلاف الملال من العابد.
وقال المازريّ كَّلُهُ: قيل: ((حتى)) هنا بمعنى الواو، فيكون التقدير: لا
يملّ، وتملّون، فنَفَى عنه الْمَلال، وأثبته لهم، قال: وقد قيل: ((حتى)) بمعنى
((حين))، والأول أليق، وأحرى على القواعد، وأنه من باب المقابلة اللفظية.
وقال ابن حبان في ((صحيحه)): هذا من ألفاظ التعارف التي لا يتهيأ
للمخاطب أن يعرف القصد مما يخاطب به إلا بها، وهذا رأيه في جميع
المتشابه. انتهى كلام السيوطيّ تَخُّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: ليس في هذا الحديث إثبات الملل لله رجل
صريحاً، بل هو من باب مفهوم المخالفة، وأما صريحه فنفي الملل عنه، فلا
ينبغي أن نثبت به صفة الملل، فالأولى عندي قول بعضهم: إن ((حتى)) هنا
بمعنى الواو، وليست للغاية، فيكون المعنى: إن الله لا يمل، وأنتم تملون، أو
يكون المعنى: لا يمل إذا مللتم.
والمراد به تشجيعهم على المداومة على الأعمال القليلة التي لا تنقطع،
ولا تؤدي إلى الملل، حيث إن الله تعالى لا يلحقه ملل، فلا ينبغي للعبد أن
يمل عن الإقبال عليه، إذ يؤدي مَلَلُهُ إلى إعراض الله عنه، فإن من أعرض
عن الله أعرض الله عنه؛ فقد أخرج الشيخان عن أبي واقد الليثيّ رَظ ◌ُله، عن
النبيّ وَّو، أنه قال: ((ألا أخبركم عن النفر الثلاثة، فأما أحدهم فأوى إلى الله،
فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا، فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض،
فأعرض الله عنه))، متفق عليه.
ثم عطف عَلَى العلّة المذكورة علّةً أخرى، فقال (وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ
إِلَى اللهِ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَلَّ))) ولأن الأحبّ من الأعمال إلى الله رَك ما داوم
علیه صاحبه، وإن كان ذلك العمل قليلاً.
قال النوويّ كَّلُ: هكذا ضبطناه: (دُووِمَ عليه))، وكذا هو في معظم
النسخ ((دُووِم)) بواوين، ووقع في بعضها: ((دُوِم)) بواو واحدة، والصواب
(٢)
الأول. انتهى (٢).
(١) ((زهر الرُّبَى)) ٦٨/٢ - ٦٩.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٦/ ٧١.

١٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وقال ابن العربيّ: معنى المحبة من الله تعالى تعلق الإرادة بالثواب؛ أي:
أكثر الأعمال ثواباً أدومها، وإن قل.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن العربيّ تأويل لمعنى المحبة
بلازمها، وهذا غير صحيح؛ لأنه يؤدي إلى نفي صفة المحبة عن الله تعالى
بمعناها الحقيقيّ اللائق بها، فالصواب إثباتها له، كما أثبتتها النصوص
الصحيحة من الكتاب والسنة على المعنى اللائق به ريال، كسائر صفاته العليّة،
من الرضا، والإرادة، والقدرة، والعلم، وغيرها من غير فرق، ولا يلزم في
ذلك تشبيهه بالمخلوقين؛ إذ صفاته تعالى لا تشبه صفات المخلوقين، كما أن
ذاته تعالى لا تشبه ذواتهم، ولا فرقَ، وإنما يلزم التشبيه لو أثبتناها على المعنى
الذي تفسر به إذا كانت للمخلوق، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فتبصر
بالإنصاف، ولا تتحير بتقليد ذوي الاعتساف، واسلك سبيل السلف، تسلم من
الضلال والتَّلَف.
وقال النوويّ كَّتُهُ: فيه الحثّ على المداومة على العمل، وأن قليله
الدائم خير من كثيرٍ ينقطع، وإنما كان القليل الدائم خيراً من الكثير المنقطع؛
لأن بدوام القليل تدوم الطاعة، والذكر، والمراقبة، والنية، والإخلاص،
والإقبال على الخالق تُعَلَ، ويثمر القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع
أضعافاً كثيرة.
وقال ابن الجوزيُّ: إنما أحب العمل الدائم؛ المعنيين:
أحدهما: أن التارك للعمل بعد الدخول فيه كالمُعرِض بعد الوصول، فهو
متعرض لهذا، ولهذا أورد الوعيد في حق من حفظ آية، ثم نسيها، وإن كان
قبل حفظها لا تتعين عليه.
والثاني: أن مداوم الخير ملازم للخدمة، وليس من لازم الباب في كل
يوم وقتاً مّا كمن لازم يوماً كاملاً ثم انقطع. انتهى (١).
زاد في رواية النسائيّ: ((ثم ترك مصلّاه ذلك، فما عاد له حتى
(١) راجع: ((زَهْر الرُّبَى في شرح المجتبى)) ٦٩/٢ -٧٢.

١٧٩
(٣٢) - بَابُ بَيَانِ فَضِيلَةِ الْعَمَلِ الدَّائِمِ، وَإِنْ قَلَّ ... إلخ - حديث رقم (١٨٢٧)
قبضه وم))؛ يعني: أنه * ترك الصلاة في المكان الذي اتخذ فيه حجرة؛
خوفاً من حرصهم على ذلك أوّلاً، ثم تركهم له عجزاً آخراً .
(وَكَانَ أَلُّ مُحَمَّدٍ نَّهِ إِذَا عَمِلُوا عَمَلاً أَثْبَتُوهُ) أي: لازموه، وداوموا عليه،
والظاهر أن المراد بالآل هنا أهل بيته وَلهر، وخواصه من أزواجه، وقرابته،
ونحوهم، كما تدلّ عليه الرواية الآتية عن القاسم بن محمد، قال: ((وكانت
عائشة إذا عَمِلت العمل لزمته))(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﴿ٌّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨٢٧/٣٢ و١٨٢٨] (٧٨٢)، و(البخاريّ) في
((الأذان)) (٧٣٠) و((اللباس)) (٥٨٦١)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٣٦٨)،
و(النسائيّ) في ((القبلة)) (٧٦٢) و((الكبرى)) (٨٣٨)، و(ابن ماجه) في ((إقامة
الصلاة» (٩٤٢)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٨٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦/
٤٠ و٦١ و٨٤ و٢٤١ و٢٦٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٥٧١)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (٣٠٦٢ و٣٠٦٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٧٧٦
و١٧٧٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز أن يحتجر الإنسان موضعاً في المسجد؛ ليصلي
فیه، لكن إذا لم يضرّ بأحد.
٢ - (ومنها): بيان جواز الاقتداء بمن كان بينه وبين الإمام حاجز، جدارٌ
أو غيره، إذا لم تشتبه عليه انتقالات الإمام، وإلا فلا.
٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَل من الاجتهاد في العبادة، وقيام
الليل.
(١) راجع: ((شرح النوويّ)) ٧٢/٦.

١٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه وَل﴿ من الزهد في الدنيا، والتقلّل منها،
حيث إنه كان يكتفي بحصير واحد يجلس عليه نهاراً، ويتخذه حُجْرة ليلاً.
٥ - (ومنها): بيان جواز النافلة في المسجد، وإن البيت أفضل منه.
٦ - (ومنها): بيان مشروعية الجماعة في النافلة.
٧ - (ومنها): بيان أن العبادة التي يُداوم عليها الإنسان أفضل، وإن قلّت
من العبادة التي لا يداوم عليها، وإن كثُرت.
٨ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة
النبيّ وَحله، للاقتداء به.
من الحرص في تتبع أفعال
٩ - (ومنها): بيان كمال شفقته وَالر، ورأفته بأمته، حيث أرشدهم إلى ما
يُصلِحُهم، وهو التمسك من الأعمال بما يمكنهم الدوام عليه بلا مشقة ولا
ضرر، فتكون النفس أنشط، والقلب منشرحاً، فتتم العبادة، بخلاف من تعاطى
من الأعمال ما يشق عليه، فإنه بصدد أن يتركه أو بعضه، أو يفعله بكلفة،
وبغير انشراح القلب، فيفوته خير عظيم، وقد ذم الله ◌ُعَلَ من اعتاد عبادة، ثم
أفرط فيها، فقال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً أَبْتَدَعُوهَا مَا كَنَبْنَهَا عَلَيْهِمْ إِلَّ أَبْتِغَاءَ رِضْوَنِ
اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] الآية، وقد نَدِمَ عبد الله بن عمرو بن
العاص ◌ًا في آخر حياته لَمّا شقّ عليه القيام بما التزمه من العبادات على تركه
قبول رخصة رسول الله څچلټ .
١٠ - (ومنها): بيان فضل أهل بيت النبيّ وَّر حيث إنهم يعتنون بإثبات
أيّ عمل من أعمال الخير بدؤوا به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٨٢٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ
رَسُولَ اللهِ بََّ سُئِلَ أَبُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: ((أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ))).