Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
(٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَِّيّ ◌َّهِ وَتَتُّلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٨٠٥)
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو وأبو
داود، ومحمد بن جعفر، فتفرّد به هو والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن جابراً ظله أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠)
حديثاً .
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) رًِّا أنه (قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي سَفَرٍ)
قال صاحب ((التنبيه)): لا أعرفها(١).
[تنبيه]: ظاهر إيراد المصنّف تَذَتُ هذا الحديث خلال أحاديث صلاة
الليل يدلّ على أن قصّة جابر هذه وقعت في الليل، ولكن ليس في الحديث ما
يدلّ على ذلك، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم.
(فَانْتَهَيْنَا) أي: وصلنا (إِلَى مَشْرَعَةٍ) - بفتح الميم، والراء - وهي
والشريعةُ: الطريقُ إلى عبور الماء من حافَةِ نَهْر أو بَحْر وغيره (فَقَالَ) وَ ((أَلَا)
أداة استفتاح وتنبيه (تُشْرِعُ يَا جَابِرُ))) قال النوويُّ تَُّهُ: بضم التاء، ورُوِي
بفتحها، والمشهور في الروايات الضمّ، ولهذا قال بعده: و((أَشَرَعْتُ))، قال
أهل اللغة: شَرَعْتُ في النهر، وأشرعت ناقتي فيه، فقوله: ((ألا تشرع)) معناه:
ألا تُشرع ناقتك، أو نفسك. انتهى(٢).
وقال القاضي عياض كَُّ: قوله: ((ألا تُشرع)) بضمّ التاء رباعيّ، ويُروى
بفتحها، وقوله: ((فأشرعت)): الْمَشْرَعة والشريعة: الطريق إلى ورود الماء من
جافة نهرٍ، أو بحر.
يقول: ألا تأتي لِلْمَشْرَعَة، فتقضي من الماء حاجتك، وتشرب منها بفيك
بغير آلة؟، والمعروف في هذا شَرَعتُ ثلاثيّاً: إذا فعلت ذلك، وأشرع ناقته
يُحْمَل ما جاء رباعيّاً على هذا. انتهى(٣).
وقال ابن الأثير تَخُّهُ: أشرع ناقته: أي: أدخلها في شَرِيعة الماء، يقال:
(١) (تنبيه المعلم)) (ص١٥٦).
(٣) ((إكمال المعلم)) ١٢٨/٣.
(٢) ((شرح مسلم)) ٦/ ٥٣.

٦٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
شَرَعت الدوابّ في الماء تَشْرَع شَرْعاً وشُرُوعاً: إذا دخلت فيه، وشَرّعتها
تشريعاً، وأشرعتها إشراعاً، وشَرَع في الأمر: خاض فيه. انتهى(١).
وقال الفيّوميُّ كَذْتُ: (الْمَشْرَعَةُ) بفتح الميم والراء: شريعةُ الماءِ، قال
الأزهريّ: ولا تُسَمِّيها العرب مَشْرَعَةً حتى يكون الماء عِدّاً لا انقطاع له، كماء
الأنهار، ويكون ظاهراً مَعِيناً، ولا يُسْتَقَى منه برِشَاء، فإن كان من ماء الأمطار
فهو الْكَرَعُ بفتحتين، والناس في هذا الأمر شَرٌَ بفتحتين، وتسكن الراء
للتخفيف؛ أي: سواءٌ، وشَرَعتُ في الأمر أَشْرَعُ شُرُوعاً: أخذتُ فيه، وشَرَعتَ
في الماء شُرُوعاً وشَرْعاً: شَرِبتَ بكفيك، أو دخلت فيه. انتهى.
(قُلْتُ) وفي نسخة: ((فقلتُ)) (بَلَى) تقدّم الكلام عليها غير مرّة (قَالَ: فَزَّلَ
رَسُولُ اللهِ وََّ﴾ أي: عن دابّته (وَأَشْرَعْتُ) وفي نسخة: ((فأشرعتُ)) (قَالَ: ثُمَّ
ذَهَبَ) وَِّ (لِحَاجَتِهِ) أي: ليقضي حاجته من البول ونحوه (وَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءاً)
بفتح الواو؛ أي: ماء يتوضّأ به (قَالَ: فَجَاءَ) وَّهِ من محلّ حاجته (فَتَوَضَّأَ)
بذلك الْوَضُوء الذي وضعه له جابر رَُّه (ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، خَالَفَ
بَيْنَ طَرَفَيْهِ) فيه صحة الصلاة في ثوب واحد، وأنه تُسَنّ المخالفة بين طرفيه
على عاتقيه، وقد سبقت المسألة مستوفاةً في موضعها(٢). (فَقُمْتُ خَلْفَهُ، فَأَخَذَ
بِأُذُنِي، فَجَعَلَنِي عَنْ بَمِينِهِ) هو كحديث ابن عباس ◌َّ، وقد سبق شرحه، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ما هذا من أفراد
المصنّف نَّهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨٠٥/٢٨] (٧٦٦)، و(أحمد) في ((مسنده))
(١) ((النهاية)) ٢ /٤٦٠.
(٢) تقدّم الكلام في هذه المسألة مستوفى في ((كتاب الصلاة)) في الباب (٥٤) حديث
رقم (١١٥١) فراجع: الشرح.

٦٣
(٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَِّيّ ◌َّهِ وَتَتُّلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٨٠٦)
(٣٥١/٣)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (١٧٥٤)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٠٦] (٧٦٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً،
جَمِيعاً عَنْ هُشَيْم، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو حُرَّةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ
سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَّتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ لِيُصَلَّيَ،
افْتَتَحَ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هُشَيْمُ) بن بشير السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ
ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت١٨٣) وقد قارب (٨٠) (ع) تقدم
في ((المقدمة)) ٩/٣.
٢ - (أَبُو حُرَّةَ) - بضمّ الحاء المهملة، وتشديد الراء - واصل بن
عبد الرحمن البصريّ، أخو سعيد، وليس بالرّقَاشيّ، صدوقٌ عابدٌ، كان يدلّس
عن الحسن، من كبار [٧].
رَوَى عن عكرمة بن عبد الله المزنيّ، والحسن، وابن سيرين، ومحمد بن
واسع، ويزيد الرَّقَاشيّ.
ورَوَى عنه حماد بن سلمة، وهشيم، والقطان، وابن مهديّ، ووكيع،
وأبو سعيد مولى بني هاشم، وبشر بن السريّ، ومخلد بن الحسين، وأبو عمرو
الحوضيّ، وأبو قَطَن عمرو بن الهيثم، وغيرهم.
قال أبو قَطَن عن شعبة: أبو حُرّة أصدق الناس، وقال أبو داود: جاء
رجل إلى شعبة يسأله عن حديث، فقال: تسألني وقد مات سيد الناس، يعني
أبا حُرّة، وكان يَختم في ليلتين، وقال عمرو بن عليّ: كان يحيى وعبد الرحمن
يحدثان عنه، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ثقةٌ، وعن يحيى بن معين:
صالحٌ، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ليس بذاك، أخوه سعيد مُقَدَّم عليه،
وقال النسائيّ: ضعيفٌ، وقال مرةً: ليس به بأسٌ، وقال البخاريّ: يتكلمون في
روايته عن الحسن، وقال عبد الله بن أحمد في ((العلل)): حدّثني يحيى بن

٦٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
معين، حدّثني غندر، قال: وُقُّفَ أبو حُرّة على حديث الحسن، فقال: لم
أسمعه من الحسن، قال غندر: فلم يقل في شيء منه أنه سمعه إلا حديثاً
واحداً، وقال النسائيّ في ((الكنى)): أنا عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت
يحيى بن معين، عن أبي حُرّة، فقال: صالحٌ، وحديثه عن الحسن ضعيفٌ
يقولون: لم يسمعها من الحسن، وقال الساجيّ: قال أحمد بن حنبل: قال لي
أبو عُبيدة الحدّاد: لم يَقِف أبو حُرّة على شيء مما سمع من الحسن إلا على
ثلاثة أحاديث، وقال ابن سعد: كان فيه ضعف، وذكره ابن حبان في
((الثقات)).
قال عمرو بن عليّ: مات سنة اثنتين وخمسين ومائة.
روى له المصنّف، وأبو داود في ((القدر))، والنسائيّ، وليس له في هذا
الكتاب إلا هذا الحديث.
٣ - (الْحَسَنُ) بن أبي الحسن يسار البصريّ الأنصاريّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ
فقيهٌ فاضلٌ حجة، يرسل كثيراً، ويدلّس، رأس [٣] (ت١١٠) (ع) تقدّم في
((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٦.
٤ - (سَعْدُ بْنُ هِشَامٍ) بن عامر الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] استُشهد بأرض
الهند (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين)) ١٦٨٨/١٥.
٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ◌َّا، تقدّمت في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣١٥.
والباقيان ذُكرا في الباب.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ◌َّا أنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِذَا قَامَ مِنَ
اللَّيْلِ) تقدّم أن ((من)) بمعنى ((في))، أو هي للتبعيض (لِيُصَلَّيَ) أي: ليتطوّع
بصلاة الليل (اقْتَتَحَ) أي: ابتدأ (صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) وفي رواية الطحاويّ:
((قالت: كان رسول الله وَّ إذا قام من الليل، افتتح صلاته بركعتين خفيفتين،
ثم صلی ثمان ركعات، ثم أوتر)).
قال في ((العون)): والجمع بين روايات عائشة رؤيا المختلفة في حكايتها
لصلاته * أنها ثلاث عشرة تارةً، وأنها إحدى عشرة أخرى، بأنها ضَمّت

٦٥
(٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَِّّ وَّهُ وَتَبَتُّلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٨٠٦)
هاتين الركعتين، فقالت: ثلاث عشرة، ولم تضمهما، فقالت: إحدى عشرة،
ولا منافاة بين هذين الحديثين، وبين قولها في صفة صلاته وَ له: ((صلى أربعاً،
فلا تسأل عن حسنهنّ وطولهنّ))؛ لأن المراد: صلى أربعاً بعد هاتين الركعتين.
انتهى(١).
وقال في ((الاستذكار)): وفي هذا الحديث بيان أن صلاة الليل ركعتان
ركعتان، فإن الركعتين الخفيفتين اللتين يفتتح بهما صلاة الليل لم يَعَتَبِرها ولا
اعتَدّ بها مَن جَعَل صلاته بالليل عشر ركعات، ثم واحدة للوتر. انتهى(٢)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا من أفراد المصنّف تَخْذّتُهُ .
[فإن قلت]: كيف أخرج المصنّف تَظْلُ رواية أبي حرّة عن الحسن، مع
أنهم ضعّفوها، كما سبق في ترجمته آنفاً؟ .
[قلت]: إنما تكلّموا بعدم سماعه أحاديث الحسن إلا حديثاً واحداً، أو
هي ثلاثة أحاديث، وهذا من تلك الثلاثة؛ لأنه صرّح بسماعه منه، فقد أخرجه
عبد الرزّاق في ((مصنّقه)) (٢/ ٧٣) مصرّحاً بالتحديث، فقال:
(٦٦٢٠) حدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو حُرّة،
قال: حدّثنا الحسن، عن سعد بن هشام، عن عائشة، قالت: كان رسول الله وَله
إذا قام من الليل يصلي، افتتح صلاته برکیتین خفيفتين. انتهى.
وأخرجه الطحاويّ أيضاً كذلك في ((شرح معاني الآثار)) (٢٨٠/١) فقال:
حدّثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم،
قال: أنا أبو حُرّة، قال: ثنا الحسن، عن سعد بن هشام، عن عائشة
قالت: ((كان رسول الله وَ﴿ إذا قام من الليل، افتتح صلاته بركعتين خفيفتين،
ثم صلى ثمان ركعات، ثم أوتر)). انتهى.
(١) ((عون المعبود)) ١٤٤/٤.
(٢) ((الاستذكار)) ٢/ ١٠٧.

٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
والحاصل أن رواية أبي حرّة عن الحسن هذه صحيحة بلا شكّ؛ لما
ذُكِر، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨٠٦/٢٨] (٧٦٧)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه))
(٧٣/٢)، و(أحمد) في مسنده)) (٣٠/٦ و٢٠٣)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني
الآثار)) (٢٨٠/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٥/٣)، و(ابن راهويه) في
(مسنده)) (١٠٢٨/٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٢٤٢ و٢٢٤٣)، و(أبو نعيم)
في ((مستخرجه)) (١٧٥٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٨٠٧] (٧٦٨) - (وَحَدَّثَنَا(١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ،
عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ
اللَّيْلِ، فَلَّفْتَتِحْ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ،
من كبار [٩] (ت ٢٠١) وهو ابن (٨٠) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦.
٢ - (هِشَامُ) بن حسّان الأزديّ الْقُرْدوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقة، من
أثبت الناس في ابن سيرين [٦] (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥.
٣ - (مُحَمَّدٌ) بن سيرين، أبو بكر بن أبي عمرة الأنصاريّ مولاهم البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ عابد حجة [٣] (ت١١٠) (ع) تقدّم في شرح المقدّمة ج١ ص٣٠٨.
والباقيان ذُكرا في الباب.
شرح الحديث:
(عَنِ النَِّيِّ وَّ) أنه (قَالَ: ((إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ) أي: إذا
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)
(١) وفي نسخة: ((حدّثنا)).

٦٧
(٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَّبِّ ◌َّهِ وَتَتُلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٨٠٨)
استيقظ أحدكم من النوم في الليل، وأراد التهجّد، وقوله: (مِنَ اللَّيْلِ) أي: في
الليل، أو بعض الليل (فَلْيَفْتَنِحْ) من الافتتاح؛ أي: فليبدأ (صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ
خَفِيفَتَيْنِ))) زاد في رواية أبي داود: ((ثم ليطوّل بعدُ ما شاء)).
والحكمة في تخفيفهما أن يحصل بهما النشاط لما بعدهما من الصلاة،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة نظره هذا من أفراد المصنّف ◌َخّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨٠٧/٢٨] (٧٦٨)، و(أبو داود) في ((الصلاة))
(١٣٢٣)، و(الترمذيّ) في ((الشمائل)) (٢٦٨)، و(أحمد) في ((مسنده» (٢٣٢/٢
و٢٧٨ و٣٩٩)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (١١٥٠)، و(أبو عوانة) في
((مسنده)) (٢٢٤١ و٢٢٤٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٧٥٦)، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٨٠٨] (٧٦٩) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي
الزُّبَيْرِ، عَنْ طَاؤُسِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ كَانَ يَقُولُ إِذَا قَامَ إِلَى
الصَّلَاةِ، مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ: («اللَّهُمَّ لَّكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ،
وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ
وَالْأَرْضِ، وَمَنْ فِيهِنَّ، أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ،
وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حٍَّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ
تَوَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ
وَأَخَّرْتُ، وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ(١)، أَنْتَ إِلَهِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ))).
(١) وفي نسخة: ((وما أخّرت، وما أسررت، وما أعلنت)).

٦٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس، تقدّم قبل بابين.
٢ - (طَاوُسُ) بن كيسان الْحِمْيريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، ثقةٌ
فقيه فاضلٌ [٣] (ت١٠٦) أو بعد ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
- والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن ابن عبّاس ظها أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين
السبعة .
شرح الحديث:
١ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ◌ِّهَا (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ كَانَ يَقُولُ إِذَا قَامَ إِلَى
الصَّلَاةِ، مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ) أي: في وسط الليل، ظاهر السياق يدلّ على أنه وَيه
كان يقوله أولَ ما يقوم إلى الصلاة، وترجم عليه ابن خزيمة تَُّ في ((صحيحه))
بقوله: ((الدليل على أن النبيّ ◌َ﴿ كان يقول هذا التحميد بعد أن يكبر))، ثم
ساقه من طريق قيس بن سعد، عن طاوس، عن ابن عبّاس طيًا، قال: ((كان
رسول الله ◌َ﴿ إذا قام للتهجّد، قال بعدما يكبّر: اللَّهم لك الحمد ... )).
ولأبي داود من هذا الوجه: أنّ رسول الله وَّ كان إذا قام للتهجّد قال
بعدما يقول: ((الله أكبر ... )).
(«اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ) قَدَّمَ الخبرَ للدلالة على التخصيص (أَنْتَ نُورُ
السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) أي: منوّرهما، وبك يَهتدي من فيهما، وقيل: المعنى أنت
المنزّه عن كلّ عيب، يقال: فلان مُنَوَّر؛ أي: مبرّأ من كلّ عيب، ويقال: هو
اسمُ مَدْحِ، تقول: فلان نُورُ البلد؛ أي: مزيّنه، قاله في (الفتح)).
وقال القرطبيُّ تَظّفُ: أي: منوّرهما في قول الحسن، دليله قراءة عليّ
(الله نَوّرَ السموات)) بفتح النون، والواو مشدّدة، وقال ابن عباس ظًّا: هادي

٦٩
(٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَِّيّ ◌َّهِ وَتَبَتُّلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٨٠٨)
أهلهما، وقال مجاهد: مُدبّرهما، وقيل: هو المنزّه في السموات والأرض من كلّ
عيب، من قول العرب: امرأة نَوّارة؛ أي: مبرّأة من كلّ رِيبة. وقيل: اسم مدح،
يقال: فلان نُور البلد، وشمس الزمان، كما قال النابغة [من الطويل]:
إِذَا طَلَعَتْ لَمْ يَبْدُ مِنْهُنَّ كَوْكَبُ
فَإِنَّكَ شَمْسٌ وَالْمُلُودُ گَوَائِبُ
وقال آخر [من الطويل]:
إذَا سَارَ عَبْدُ اللهِ فِي مَرْوَ لَيْلَةً فَقَدْ سَارَ فِيهَا نُورُهَا وَجَمَالُهَا
وقال أبو العالية: مُزَيِّن السموات بالشمس، والقمر، والنجوم، ومزيّن
الأرض بالأنبياء، والأولياء، والعلماء. انتهى.
وقد أجاد الإمام ابن القيّم تَُّ في تفسير قوله رَّ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِّ﴾ الآيات [النور: ٣٥] في كتابه الممتع ((اجتماع الجيوش الإسلاميّة على
غزو المعطّلة والجهميّة)) بما لا تجد تحقيقه في كتاب غيره، فراجعه (١) تستفد
علماً جمّاً، وبالله تعالى التوفيق.
(وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) قَيّام على المبالغة، من قام
بالشيء: إذا هيّأ له ما يحتاج إليه، ويقال: قَيُّوم، وقَيّام، وقَيِّم، وقرأ عمر:
((الله لا إله إلا هو الحيّ القيّام)) [البقرة: ٢٥٥]، وعلقمةُ: القيّم. وقال قتادة: هو
القائم بتدبير خلقه، وقال الحسن: القائم على كلّ نفس بما كسبت، وقال ابن
جُبير: الدائم الوجود، وقال ابن عباس: الذي لا يحول، ولا يزول، قاله في
((المفهم)) .
وفي ((المرعاة)): أي: القائم بأمرٍ وتدبيرِ السماوات والأرض وغيرها،
وفي رواية: ((قيّم))، وفي أخرى: ((قيّوم))، وهي من أبنية المبالغة، وهي من
صفات الله تعالى، ومعناها واحد، وقيل: ((القيّم)): معناه القائم بأمور الخلق،
ومدبّر العالم في جميع أحواله، و((القيّام)): القائم بنفسه بتدبير خلقه المقيم
لغيره، و((القيّوم): من أسماء الله تعالى المعدودة، وهو القائم بنفسه مطلقاً، لا
بغيره، وهو مع ذلك يقوم به كلّ موجود حتى لا يتصوّر وجود شيء، ولا دوام
وجوده إلا به. انتھی.
(١) راجع: ((اجتماع الجيوش الإسلامية)) (ص١٠ - ٢٠).

٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وهذه الجملة تعليل للحمد، فكأنه يقول: إنما حَمَدتك؛ لأنك أنت الذي
تقوم بحفظ المخلوقات، وتُراعيها، وتؤتي كل شيء ما به قوامه، وما به يَنتفع
إلى غير ذلك، وتكرير الحمد المُخَصَّص للاهتمام بشأنه، ولِيُنَاط به كلَّ مرة
معنى آخر.
(وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمَنْ فِيهِنَّ) أي: مصلحهما،
ومصلح مَن فيهما، مأخوذ من الرّبّة، وهي نَبْتُ تَصْلَحُ عليه المواشي، يقال:
ربّ يرُبّ رَبّاً، فهو رابٌ، وَرَبّ، ورَبَّى يُرَبِّي تَرْبية، فهو مُرَبّ، قال النابغة [من
الطويل]:
وَرَبَّ عَلَيْهِ اللهُ أَحَسَنَ صُنْعَهُ
وقال آخر [من الطويل أيضاً]:
إِذَا فَعَلَ الْمَعْرُوفَ زَادَ وَتَمَّمَا
يَرُبُّ الَّذِي يَأْتِي مِنَ الْخَيْرِ أَنَّهُ
والربّ أيضاً السيّد، فيكون معناه أنه سَيِّد من في السموات والأرض،
والربّ المالك: أي: هو مالكهما، ومالك من فيهما، قاله في ((المفهم)).
وقال القاضي عياضٌ رَّتُهُ: قال العلماء: للرب ثلاثُ معانٍ في اللغة:
السيد المطاع، والمالك، والمصلح، لكن إذا كان بمعنى السيّد المطاع، فقد
قال بعضهم: إنه لا يقع إلا على من يَعقل، ولا يصلح هذا التأويل إلا أن
يُجعل ﴿اَلْعَلَمِينَ﴾ في قوله: ﴿رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ على الجنّ والإنس، وإلى هذا
نحا أبو سليمان - يعني الخطابيّ - إذ قال: لا يصحّ أن يقال: سَيِّد الجبال
والشجر، قال القاضي عياض: لا معنى لهذا، والكلّ له مطيع منيب، قال الله
تعالى: ﴿قَالَتَآَ أَنَّيْنَا طَآَبِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]. انتهى كلام القاضي ◌َّتُهُ(١)، وهو
تعقّب حسنٌ، والله تعالى أعلم.
وقد تقدّم في (شرح المقدّمة)) أن بعضهم أوصل معاني الربّ إلى أربعة
عشر معنّى، ونظمها بقوله [من الطويل]:
مُرَبِّ مُرِيدُ الْخَيْرِ وَالْمُولِي لِلنِّعَمْ
قَرِيبٌ مُحِيطٌ مَالِكٌ وَمُدَبِّرٌ
وَمُصْلِحُنَا وَالصَّاحِبُ الثَّابِتُ الْقَدَمْ
وَخَالِقُنَا الْمَعْبُودُ جَابِرُ کَسْرِنَا
(١) ((إكمال المعلم)) ١٣٠/٣ - ١٣١.

٧١
(٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَّبِّ وَّهُ وَتَبَقُلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٨٠٨)
وَجَامِعُنَا وَالسَّيِّدُ احْفَظْ فَهَذِهِ مَعَانٍ أَتَتْ لِلرَّبِّ وَادْعُ لِمَنْ نَظَمْ
وقد استوفيت البحث في هذا هناك، فارجع إليه(١) تزدد علماً، وبالله
تعالى التوفيق.
وقوله: (وَمَنْ فِيهِنَّ) عبّر بـ((من)) تغليباً للعقلاء، لشرفهم، وإلا فهو ربّ
كلّ شيء، وملیکه.
(أَنْتَ الْحَقُّ) أي: المتحقِّق الوجود الثابتُ بلا شكّ، وقال القرطبيُّ تَخْتُ:
أي: واجب الوجود، وأصله من حَقَّ الشيءُ: إذا ثبتَ، ووجبَ، ومنه قوله
تعالى: ﴿أَفَنْ حَقَّ عَيْهِ كَلِمَةُ اٌلْعَذَابِ﴾ الآية [الزمر: ١٩] وقوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ
اُلْقَوْلُ مِنَى﴾ الآية [السجدة: ١٣] أي: ثَبَت، ووجب.
وهذا الوصف لله الج بالحقيقة والخصوصية، لا ينبغي لغيره؛ إذ وجوده
لنفسه، فلم يسبقه عدم، ولا يلحقه عدم، وما عداه ممن يقال عليه هذا الاسم،
مسبوق بعدم، ويجوز عليه لَحَاق العدم، ووجوده من مُوجِده، لا من نفسه،
وباعتبار هذا المعنى كان أصدقَ كلمة قالها الشاعر كلمةُ لبيد [من الطويل]:
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللّهَ بَاطِلُ
وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّ وَجْهَلْ لَهُ الْحُكْرُ وَإِلَيْهِ
تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨]. انتهى. وقال ابن التين: يحتمل أن يكون معناه: أنت
الحقّ بالنسبة إلى من يدّعى فيه أنه إله، أو بمعنى أن من سمّاك إلهاً فقد قال
الحق. انتهى.
(وَوَعْدُكَ الْحَقُّ) أي: الصادق، لا يمكن التخلّف فيه، قال في ((الفتح)):
وعرّفه، ونكّر ما بعده؛ لأن وعده مختصّ بالإنجاز، دون وعد غيره، والتنكير
في البواقي للتعظيم، قاله الطيبيُّ كَّتُهُ .
وقال في ((المرعاة)): والظاهر أن تعريف الخبر فيه، وفي قوله: ((أنت
الحقّ)) ليس للقصر، وإنما هو لإفادة أن الحكم به ظاهرٌ مُسلّمٌ، لا منازع فيه،
كما قال علماء المعاني في قوله: ((ووالداك العبد))، وذلك لأن مرجع هذا
الكلام إلى أنه تعالى موجود، صادق الوعد، وهذا أمرٌ يقوله المؤمن والكافر،
(١) راجع: ((قرّة عين المحتاج)) ٢١٢/١ - ٢١٦.

٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
قال تعالى: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ الآية [لقمان:
٢٥]، ولم يُعرف في ذلك منازعٌ يُعتدّ به، وكأنه لهذا عدل إلى التنكير في البقيّة
حيث وُجد المنازع فيها .
بقي أن المناسب لذلك أن يقال: وقولك الحقّ، كما في رواية مسلم،
فكأن التنكير في رواية البخاريّ للمشاكلة، قاله السنديُّ كَذَّقُ .
وقال الطيبيُّ كَُّ: عَرَّف الخبر فيهما، ونَكَّر في البواقي؛ لأنه لا منكر
خلفاً وسلَفاً أن الله تعالى هو الثابت الدائم الباقي، وما سواه في معرض
الزوال، قال لبيد:
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللّهَ بَاطِلٌ
وكذا وعده مختصّ بالإنجاز دون وعد غيره، إما قصداً وإما عجزاً،
تعالى الله عنهما، والتنكير في البواقي للتفخيم. انتهى.
وقال القاري تَُّهُ: فإن قلت: لِمَ عَرَّف الحقّ في الأُوليين، ونكّر في
البواقي؟.
قلت: المعرّف بلام الجنس والنكرة المسافة بينهما قريبةٌ، بل صرّحوا بأنّ
مؤدّاهما واحدٌ، لا فرق بينهما إلا بأن في المعرفة إشارةً إلى أن الماهيّة التي
دخل عليها اللام معلومة للسامع، وفي النكرة لا إشارة إليها، وإن لم تكن إلا
معلومةً. انتهى(١).
(وَقَوْلُكَ الْحَقُّ) أي: مدلوله ثابت (وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ) هو عبارة عن مآل الخلق
في الدار الآخرة بالنسبة إلى الجزاء على الأعمال، وفيه الإقرار بالبعث بعد
الموت، وقيل: رؤيتك في الدار الآخرة حيث لا مانع، وقيل: لقاء جزاء لأهل
السعادة والشقاوة.
وقيل: معنى ((لقاؤك حقّ)): أي: الموت، وردّه النوويُّ كَُّ .
وعبارته في ((شرحه)): قوله وَّه: ((أنت الحق))، قال العلماء: الحقّ في
أسمائه وُّلَ معناه: المتحقِّق وجودُهُ وكلُّ شيء صحّ وجوده وتحقق فهو حقٌّ،
ومنه الحاقّة: أي: الكائنة حقّاً بغير شك، ومثله قوله ◌َ ر في هذا الحديث:
(١) راجع: ((المرعاة)) ٢٠٠/٤ - ٢٠١.

٧٣
(٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَِّّ ◌َّهُ وَتَبَتُلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٨٠٨)
((ووعدك الحقّ، وقولك الحقّ، ولقاؤك حقّ، والجنة حقّ، والنار حقّ،
والساعة حقّ)) أي: كلَّه متحقِّق لا شك فيه، وقيل: معناه: خبرك حقّ وصدقٌ،
وقيل: أنت صاحب الحقّ، وقيل: مُحِقّ الحقّ، وقيل: الإله الحقّ دون ما
يقوله الملحدون، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ
الْبَطِلُ﴾ [لقمان: ٣٠]، وقيل في قوله: ((ووعدك الحقّ))؛ أي: صدقٌ، ومعنى
(لقاؤك حقّ)) أي: البعث، وقيل: الموت، وهذا القول باطل في هذا الموضع،
وإنما نبهت عليه لئلا يُغْتَرّ به، والصواب البعث، فهو الذي يقتضيه سباق الكلام
وما بعده، وهو الذي يُرَدُّ به على الملحد لا بالموت(١).
(وَالْجَنَّةُ حَقٌّ) هذا وما بعده داخل تحت الوعد، لكن الوعد مصدرٌ، وما
بعده هو الموعود به، ويَحْتَمِل أن يكون من عطف الخاصّ على العامّ، كما أن
ذكر القول بعد الوعد من العامّ بعد الخاصّ (وَالنَّارُ حَقٌّ) فيه إشارة إلى أن الجنة
والنار موجودتان الآن.
زاد في رواية البخاريّ: ((وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ وَّهِ حَقٌّ)) خصّه بالذكر
تعظيماً له(٢)، وعطفه على النبيين إيذاناً بالتغاير بأنه فائق عليهم بأوصاف
مختصّة به، فإن تغاير الوصف ينزّل منزلة تغاير الذات.
(وَالسَّاعَةُ حَقٌّ) أي: يومُ القيامة، آتيةٌ لا ريب فيها، وأصل ((الساعة)) القطعة
من الزمان، لكن لما لم يكن هناك كواكب تُقدَّر بها الأزمان، سمّيت بذلك.
وإطلاق اسم الحقّ على هذه الأمور كلها معناه أنها لا بدّ من كونها،
وأنها مما ينبغي أن يُصَدَّق بها، وتكرارُ الحقّ في تلك المواضع على جهة
التأكيد، والتفخيم، والتعظيم لها. انتهى.
(اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ) أي: استسلمت وانقدت، وخضعت لأمرك، قال
السنديُّ تَخْتُ: الظاهر أن تقديم الجارّ للقصر بالنظر إلى سائر ما عُبد من
دون الله تعالى. انتهى.
(وَبِكَ آمَنْتُ) أي: صدّقت بك، وبكلّ ما أخبرت، وأمرت، ونهيت
(١) ((شرح النووي)) ٥٥/٦.
(٢) اعترض السنديُّ، وقال: مقام الدعاء يأبى ذلك.

٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
(وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ) أي: فَوَّضتُ أمري إليك، لا إلى الأسباب العاديّة، وإن كنتُ
آخذاً بها، فإن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل، وإنما ينافيه الاعتماد عليها
(وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ) أي: أطعت، ورجعت إلى عبادتك؛ أي: أقبلت عليها، وقيل:
معناه: رجعت إليك في تدبيري؛ أي: فوّضت إليك.
وقال في ((المرعاة)): ((وإليك أنبت)): أي: رجعت إليك مقبلاً بقلبي
عليك، قيل: التوبة والإنابة كلاهما بمعنى الرجوع، ومقام الإنابة أعلى وأرفع.
انتھی .
(وَبِكَ خَاصَمْتُ) أي: بما أعطيتني من البراهين والقوّة، وبما لقّنتني من
الْحُجَج خاصمت مَن عاند فيك، وكفر بك، وقمعتُهُ بالحجة والسيف (وَإِلَيْكَ
حَاكَمْتُ) أي: رفعت أمري إليك، والمحاكمة رفع الأمر إلى القاضي.
وقال القرطبيّ: معناه: وإليك فوّضت الحكومة، كما قال الله تعالى:
﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِى مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦].
وقال النوويّ كَّتُهُ: أي: كلُّ من جحد الحقّ حاكمته إليك، وجعلتك
الحَكَم بيني وبينه، لا غيرك، مما كانت تتحاكم إليه الجاهلية، وغيرهم، من
صنم، وكاهن، ونار، وشيطان، وغيرها، فلا أرضى إلا بحكمك، ولا أعتمد
غيره.
وقال في ((الفتح)): قدّم مجموع صلات هذه الأفعال عليها إشعاراً
بالتخصيص، وإفادةً للحصر، وكذا قوله: ((ولك الحمد)). انتهى.
(فَاغْفِرْ لِي) قال ◌َّ ذلك مع كونه مغفوراً له إما على سبيل التواضع،
والهضم لنفسه، وإجلالاً، وتعظيماً لربّه، أو على سبيل التعليم لأمته، لتقتدي به
فيه، كذا قيل، والأولى أنه لمجموع ذلك، وإلا لو كان للتعليم فقط لكفى فيه
أمرهم بأن يقولوا ذلك، أفاده في ((الفتح)).
وقال القرطبيُّ تَخْشُهُ: قد تقدّم الكلام على عصمة الأنبياء والذنوب
المنسوبة إليهم في ((كتاب الطهارة))، فإذا فرّعنا على جواز الصغائر عليهم،
فيكون الاستغفار على بابه وظاهره، وإن أحلنا ذلك عليهم، فيكون استغفاره

٧٥
(٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَّبِّ وَّهِ وَ تَتُّلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٨٠٨)
لَيَسُنّه لأمته، أو على تقدير وقوع ذنوب منه حتى يُلازمَ حالة الافتقار والعبوديّة.
(١)
انتهى(١).
قال النووي: ومعنى سؤاله ◌َ ر المغفرة مع أنه مغفور له أنه يسأل ذلك
تواضعاً وخضوعاً وإشفاقاً وإجلالاً، وليُقْتَدَى به في أصل الدعاء والخضوع،
وحسن التضرع في هذا الدعاء المعيّن، وفي هذا الحديث وغيره مواظبته وَّ في
الليل على الذكر والدعاء، والاعتراف لله تعالى بحقوقه، والإقرار بصدقه ووعده
ووعيده، والبعث والجنة والنار، وغير ذلك. انتهى (٢).
(مَا قَدَّمْتُ) أي: قبل هذا الوقت (وَأَخَّرْتُ) عنه، وفي نسخة: ((وما
أخرّتُ)) (وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ) وفي نسخة: ((وما أسررتُ، وما أعلنت)).
والمعنى: اغفر لي ما أخفيت، وما أظهرت، أو ما حدّثتُ به نفسي، وما
تحرّك به لساني، زاد في رواية عند البخاري: ((وما أنت أعلم به مني))، وهو
من ذكر العام بعد الخاصّ.
زاد في رواية البخاريّ: ((أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ))، قال
المهلّب تَّقُ: أشار بذلك إلى نفسه؛ لأنه المقدَّم في البعث في الآخرة،
والمؤخّر في البعث في الدنيا. انتهى.
وقال القاضي عياض رَّتُهُ: قيل: معناه المنزِّل للأشياء منازلها، يقدّم ما
يشاء، ويؤخّر ما يشاء، ويُعزّ من يشاء، ويُذلّ من يشاء، وجعل عباده بعضهم
فوق بعض درجات.
وقيل: هو بمعنى الأول، والآخر؛ إذ كلّ متقدّم على متقدّم فهو قبله، وكلّ
متأخّر على متأخر فهو بعده، ويكون المقدّم والمؤخّر بمعنى الهادي، والمضلّ،
قدّم من شاء لطاعته، لكرامته، وأخّر من شاء بقضائه، لشقاوته. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المعنى الأول مما ذكر عياض تخلّتُهُ هو
الأظهر عندي، كما لا يخفى، والله تعالى أعلم.
(أَنْتَ إِلَهِي) أي: معبودي بحقّ، ومقصودي الذي وَلِهَ فيك قلبي، وتحيّر
(١) ((المفهم)) ٣٩٩/٢.
(٢) ((شرح النووي)) ٦/ ٥٥ - ٥٦.

٧٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
في عظمتك وجلالك عقلي، وكلّ عن ثنائك لساني، فغاية الوسيلة إليك: ((لا
أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)) (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) أي: لا معبود
بحقّ إلا أنت الواحد الأحد الصمد.
[تنبيه]: ظاهر سياق المصنف رحمه الله تعالى أن قوله: ((ولا حول، ولا
قوّة، إلا بالله)) من رواية سفيان، عن سليمان الأحول، وليس كذلك، فإن
البخاري رحمه الله تعالى قال بعد أن أخرج الحديث من طريق سفيان، عن
سليمان، عَقِبَ قوله: ((لا إله إلا أنت))، أو ((لا إله غيرك)) ما نصّه: قال
سفيان: وزاد عبد الكريم أبو أمية: ((ولا حول، ولا قوة إلا بالله))(١). انتهى.
قال الحافظ تَّقُ: هذا موصول بالإسناد الأول، ووَهِمَ من زعم أنه
معلّق، وقد بيّن ذلك الحميديّ في ((مسنده))، عن سفيان، قال: ((حدثنا سليمان
الأحول خالُ ابن أبي نَجِيح، سمعت طاوساً))، فذكر الحديث، وقال في آخره:
قال سفيان: وزاد عبد الكريم: ((ولا حول، ولا قوّة إلا بك))، ولم يقلها
سليمان.
وأخرجه أبو نُعيم في ((المستخرج)) من طريق إسماعيل القاضي، عن
علي بن عبد الله ابن المدينيّ، شيخ البخاريّ فيه، فقال في آخره: قال
سفيان: وكنت إذا قلت لعبد الكريم: آخر حديث سليمان: ((ولا إله غيرك))
قال: ((ولا حول، ولا قوّة إلا بالله))، قال سفيان: وليس هو في حديث
سليمان. انتهى.
ومقتضى ذلك أن عبد الكريم لم يذكر إسناده في هذه الزيادة، لكنه
على الاحتمال، ولا يلزم من عدم سماع سفيان لها من سليمان أن لا يكون
سليمان حدّث بها، وقد وَهِمَ بعض أصحاب سفيان، فأدرجها في حديث
سليمان، أخرجه الإسماعيليّ، عن الحسن بن سفيان، عن محمد بن عبد الله بن
نُمير، عن سفيان، فذكرها في آخر الخبر بغير تفصيل. انتهى كلام
الحافظ يَخْتُهُ .
(١) قيل معناه: لا حول عن المعصية، ولا قوّة على الطاعة، إلا بتوفيق الله، قاله في
((المصباح)).

٧٧
(٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَّبِيِّ نَّهِ وَتَتُّلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٨٠٨)
قال الجامع عفا الله عنه: عبد الكريم هذا هو: عبد الكريم بن أبي
الْمُخارق - بضمّ الميم، وبالخاء المعجمة - أبو أُميّة المعلّم البصريّ، نزيل
مكة، واسم أبيه: قيس، وقيل: طارق، ضعيفٌ، له في البخاريّ هذه الزيادة
فقط، وقد تقدّم له عند المصنّف ذكرٌ في ((المقدّمة))، وقدّمنا ترجمته هناك [٦/
٦٩] فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﴿ّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨٠٨/٢٨ و١٨٠٩ و١٨١٠] (٧٦٩)،
و(البخاريّ) في ((التهجّد)) (١١٢٠) و((الدعوات)) (٦٣١٧) و((التوحيد)) (٧٣٨٥
و٧٤٤٢ و٧٤٩٩)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٧٧١)، و(الترمذيّ) في
((الدعوات)) (٣٤١٨)، و(النسائيّ) في ((قيام الليل)) (١٦١٩) و((الكبرى)) (١٣١٩)
وفي ((عمل اليوم والليلة)) (٨٦٨)، و(ابن ماجه) في ((إقامة الصلاة)) (١٣٥٥)،
و(مالك) في ((الموظّأ)) (٢١٥/١ و٢١٦)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه))
(٢٥٦٥)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٤٩٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٥٨/١
و٣٦٦)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٤٨/١ و٣٤٩)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه))
(١١٥٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٥٩٧ و٢٥٩٨ و٢٥٩٩)، و(أبو عوانة)
في ((مسنده)) (٢٢٢٩ و٢٢٣٠ و٢٢٣١ و٢٢٣٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه))
(١٧٥٧ و١٧٥٨ و١٧٥٩)، و(ابن السنّي) في ((عمل اليوم والليلة)) (٧٥٨)،
و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٠٩٨٧)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٤٠٤)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤/٣)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٩٥٠)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما تُستفتح به صلاة الليل من الأذكار.
٢ - (ومنها): زيادة معرفة النبيّ وَل بعظمة ربّه ◌ُعَلَ، وعظيم قدرته.

٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
٣ - (ومنها): مواظبته وَله على الذكر، والدعاء، والثناء على ربه رَبَّ،
والاعتراف له بحقوقه، والإقرار بصدق وعده ووعيده.
٤ - (ومنها): استحباب تقديم الثناء على المسألة عند كلّ مطلوب، اقتداءً
بالنبيّ
٥ - (ومنها): ما قاله الكرمانيُّ تَخُّ: هذا الحديث من جوامع الكلم؛ لأن لفظ
((القيّم)) إشارة إلى أن وجود الجواهر وقوامها منه، و((النور)) إشارة إلى أن الأعراض
أيضاً منه، و((الملك)) إشارة إلى أنه حاكم عليها إيجاداً وإعداماً، يفعل ما يشاء، وكلّ
ذلك من نعم الله على عباده، فلهذا قَرَن كلّاً منها بالحمد، وخصّص الحمد به، ثم
قوله: ((أنت الحقّ)) إشارة إلى المبدأ، والقول ونحوه إلى المعاش، والساعة ونحوها
إشارة إلى المعاد، وفيه الإشارة إلى النبوّة، وإلى الجزاء ثواباً وعقاباً، ووجوب
الإيمان، والإسلام، والتوكل، والإنابة، والتضرّع إلى الله، والخضوع له. انتهى،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٠٩] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالُوا:
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج،
كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ، عَنْ طَاوُسٍ،َ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ. أَمَّا
حَدِيثُ ابْنِ جُرَيْجٍ، فَاتَّفَقَ لَفْظُهُ مَعَ حَدِيثِ مَالِكِ، لَمْ يَخْتَلِفًا إِلَّا فِي حَرْفَيْنِ، قَالَ
ابْنُ جُرَيْجِ مَكَانَ ((قَيَّامُ)): ((قَيِّمُ))، وَقَالَ: ((وَمَا أَسْرَرْتُ))، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُبَيْنَةَ،
فَفِيهِ بَعْضُ زِيَادَةٍ، وَيُخَالِفُ مَالِكاً، وَابْنَ جُرَيْج فِي أَحْرُفٍ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: ابن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، ثقةٌ
حافظٌ [١٠] (ت٢٣٢) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤.
٣ - (سُلَيْمَانُ الْأَحْوَلُ) هو: ابن أبي مسلم المكيّ، خال ابن أبي نَجِيح، قيل: اسم
أبيه عبد الله، ثقةٌ ثقةٌ، قاله الإمام أحمد تَظْهُ [٥] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٨/٦٥.
والباقون ذُكروا في الباب.

٧٩
(٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَّبِيِّ ◌َّهَ وَتَبَتُِّهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٨٠٩)
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ) الضمير لسفيان بن عيينة، وابن
جُريج.
[تنبيه]: رواية ابن عيينة، عن سليمان الأحول هذه ساقها البخاريّ في
((كتاب الجمعة)) من ((صحیحه))، فقال:
(١١٢٠) حدّثنا علي بن عبد الله، قال: حدّثنا سفيان، قال: حدّثنا
سليمان بن أبي مسلم، عن طاوس، سمع ابن عباس ﴿ّ قال: كان النبيّ وَلـ
إذا قام من الليل يتهجد، قال: ((اللهم لك الحمد أنت قيم السموات والأرض
ومن فيهنّ، ولك الحمد لك ملك السموات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمد
أنت نور السموات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمد أنت ملك السموات
والأرض، ولك الحمد أنت الحقّ، ووعدك الحقّ، ولقاؤك حقّ، وقولك حقّ،
والجنة حقّ، والنار حقّ، والنبيون حقّ، ومحمد بَّهُ حقّ، والساعة حقّ، اللهم
لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت،
وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدّمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت
المقدِّم، وأنت المؤخِّر، لا إله إلا أنت، أو لا إله غيرك))، قال سفيان: وزاد
عبد الكريم أبو أمية: ((ولا حول ولا قوة إلا بالله)). انتهى.
وأما رواية ابن جريج، فساقها البخاريّ في ((كتاب التوحيد)) من
((صحيحه)) أيضاً، فقال:
(٧٤٩٩) حدّثنا محمود، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني
سليمان الأحول، أن طاوساً أخبره، أنه سمع ابن عباس يقول: كان النبيّ
إذا تهجد من الليل قال: ((اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض، ولك
الحمد أنت قيم السموات والأرض، ولك الحمد أنت رب السموات والأرض،
ومن فيهنّ، أنت الحقّ، ووعدك الحقّ، وقولك الحقّ، ولقاؤك الحقّ، والجنة
حقّ، والنار حقّ، والنبيون حقّ، والساعة حقّ، اللهم لك أسلمت، وبك
آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر
لي ما قدّمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت إلهي، لا إله إلا
أنت)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.

٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨١٠] - ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ، وَهُوَ ابْنُ
مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ الْقَصِيرُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ طَاؤُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،
عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَاللَّفْظُ قَرِيبٌ مِنْ أَلْفَاظِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: سنةٌ:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُوخَ) الأُبُلّيّ، أبو محمد، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من
صغار [٩] (ت٦ أو ٢٣) وله بضع و(٩٠) سنةً (م دس) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٧.
٢ - (مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) الأزديّ الْمِعْوَليّ، أبو يحيى البصريّ، ثقةٌ، من
صغار [٦] (ت١٧٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٧/٤٧.
٣ - (عِمْرَانُ الْقَصِيرُ) هو: عمران بن مسلم الْمِنْقَريّ(١)، أبو بكر البصريّ
القصير، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٦].
رأى أنساً، ورَوَى عن أبي رجاء العطارديّ، والحسن، ومحمد، وأنس بن
سيرين، وعطاء بن أبي رَبَاح، وإبراهيم التيميّ، وعبد الله بن دينار، وقيس بن
سعد المكيّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه مهدي بن ميمون، والثوريّ، والجراح بن مَلِيح والد وكيع،
وخالد بن الحارث، ويحيى القطان، ويحيى بن سليم الطائفيّ، وبشر بن
المفضل، وعبد الله بن رجاء المكيّ، وآخرون.
قال القطان: كان مستقيم الحديث، وإنما ذكرته؛ لأنه يروي أشياء لا
يرويها غيره، وينفرد عنه قوم بتلك الأحاديث، وذكره ابن حبان في ((الثقات))،
وزاد: إلا أن في رواية يحيى بن سليم عنه بعض المناكير، وكذا في رواية
سُويد بن عبد العزيز عنه. انتهى.
وقد فَرَّق البخاريّ بين عمران بن مسلم القصير، فقال: أبو بكر، سمع أبا
رجاء وعطاء، وكناه يحيى بن سعيد، ثم قال: عمران بن مسلم، عن عبد الله بن
دينار منكر الحديث، روى عنه يحيى بن سليم، وكذا تبعه ابن أبي حاتم في
(١) بكسر الميم، وسكون النون.