Indexed OCR Text

Pages 1-20

الدِّ الحَيُطُ التَارِ
في شرح
صَيُ الإِهِعِ مُسْلُ الَجَارُ
لَجَامِعِه الْفَقِيْرِالمِصَوْلَه الغَابِالْقُدُ
◌َُّدَابرُ الشَّهُ العُلََّ بَلِّ آدَمْ بِرُمُوسَى الإِتَيُّوُبِالوَلْوِيّ
◌ُوَيَدْمِ العِلْم بِمَكّة المُكَّة
عَفَا اللَّه تَعَالى عَنْهُ، وَعَدُ وَالدِبْه آمين
المَجَلّدُ السَّادِسْ عَشْرُ
كَثَابٌ صَلَاة المسَافريتُ وقصّرهَا
رقم الأحاديث (١٧٨٨ - ١٩٥٠)
دارابن الجوزي

التحر المحيط التجاري
في شرح
جَعُ الأَمْعَظِ مُسْلِسُ الحَجَارُ

جِقُوق الطّرِّع محفوظة لِدارابن الجوزيّ
الطَّبَعَة الأولى
جَادَى الأولى ١٤٣١هـ
حقوق الطبع محفوظة ١٤٣١٥ هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب
أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي
نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته
إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.
ـن
دارابن
للنشر والتوزيع
دارابن الجوزي
للنّشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية: الدمام - طريق الملك فهد - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٩٣، ص ب: ٢٩٨٢ -
الرمز البريدي: ٣١٤٦١ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ - الرياض - تلفاكس: ٢١٠٧٢٢٨ - جوال: ٠٥٠٣٨٥٧٩٨٨
الإحساء - ت: ٥٨٨٣١٢٢ - جدة - ت: ٦٣٤١٩٧٣ - ٦٨١٣٧٠٦ - بيروت - هاتف: ٠٣/٨٦٩٦٠٠ -
فاكس: ٠١/٦٤١٨٠١ - القاهرة - ج.م.ع - محمول: ٠١٠٦٨٢٣٧٨٣ - تلفاكس: ٠٢٤٤٣٤٤٩٧٠
البريد الإلكتروني: aljawzi@hotmail.com - www.aljawzi.com

بِشِـ
د

(٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَّبِيِّ نَّهِ وَ تَبَتُّلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٧٨٨)
برالسه الرحمن الرحيم
ليلة الثلاثاء المبارك بعد صلاة المغرب ١٤٢٧/٥/٢٠ هـ أول
الجزء السادس عشر من شرح ((صحيح الإمام مسلم)) المسمّى
((البحر المحيط التجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن
الحجّاجِ)) رحمه الله تعالى.
(٢٨) - (بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَّبِيِّ نَّهِ وَتَبَتُّلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَلُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٧٨٨] (٧٦٣) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمِ بْنِ حَيَّانَ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا
عَبْدُ الرَّحْمَنِ، يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ
كُرَيْبٍ(١)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ لَيْلَةً عِنْدَ خَالَتِي (٢) مَيْمُونَةَ، فَقَامَ النَّبِيُّ ◌َّ
مِنَ اللَّيْلِ، فَأَتَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، فَأَتَّى الْقِرْبَةَ،
فَأَطْلَقَ شِنَاقَهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءاً بَيْنَ الْوُضُوءَيْنِ، وَلَمْ يُكْثِرْ، وَقَدْ أَبْلَغَ، ثُمَّ قَامَ،
فَصَلَّى، فَقُمْتُ، فَتَمَطَّيْتُ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَرَى أَنِّي كُنْتُ أَنْتَبِهُ لَهُ، فَتَوَضَّأْتُ، فَقَامَ، فَصَلَّى،
فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَتَتَامَّتْ صَلَةُ رَسُولِ اللهِوَهِ مِنَ
اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ اضْطَجَعَ، فَنَامَ، حَتَّى نَفَخَ، وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ، فَأَتَاهُ
(١) وفي نسخة: ((عن سلمة، عن كُريب)). (٢) وفي نسخة: ((بِتُّ عند خالتي)).

٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
بِلَالٌ، فَذَنَهُ بِالصَّلَاةِ، فَقَامَ، فَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأُ، وَكَانَ فِي دُعَائِهِ: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي
قَلْبِي نُوراً، وَفِي بَصَرِي نُوراً، وَفِي سَمْعِي نُوراً، وَعَنْ يَمِينِي نُوراً، وَعَنْ يَسَارِي
نُوراً، وَفَوْقِي نُوراً، وَتَحْتِي نُوراً، وَأَمَامِي نُوراً، وَخَلْفِي نُوراً، وَعَظُّمْ لِي نُوراً»، قَالَ
كُرَيْبٌ: وَسَبْعاً فِي التَّابُوتِ، فَلَقِيتُ بَعْضَ وَلَدِ الْعَبَّاسِ، فَحَدَّثَنِي بِهِنَّ، فَذَكَرَ:
عَصَبِي، وَلَحْمِي، وَدَمِي، وَشَعْرِي، وَبَشَرِي، وَذَكَرَ خَصْلَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِم بْنِ حَيَّنَ الْعَبْدِيُّ) أبو عبد الرحمن الطوسيّ،
سكن نيسابور، ثقةٌ، صاحبَ حديث، من صغار [١٠] مات سنة بضع (٢٥٠)
(م) تقدم في ((الإيمان)) ١١٢/٣.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) بن حسّان الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو سعيد
البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ ناقد [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدم في ((شرح المقدّمة)) ج١
ص٣٨٨.
٣ - (سُفْيَانٌ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ
حافظٌ فقيه، إمامٌ عابدٌ حجةٌ، ربّما دلّس، من رؤوس [٧] (ت١٦١) (ع) تقدم
في ((المقدمة)) ١/١.
٤ - (سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ) الْحَضْرميّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤]
ء
(ت١٢٢) أو بعدها (ع) تقدم في ((الحيض)) ٧٠٤/٥.
٥ - (كُرَيْبُ) بن أبي مسلم الهاشميّ مولى ابن عبّاس، أبو رِشْدين
المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت٩٨) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٦٨٨/٢.
٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله البحر الحبر ظًا، مات (٦٧) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٢٤/٦.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َّتُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فمن أفراده.

٧
(٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَّبِّ وَهُ وَتَبَتُّلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٧٨٨)
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن ابن عبّاس ﴿مّ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين
السبعة، والمشهورين بالفتوى، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ◌َّا أنه (قَالَ: بِتُّ) بكسر الباء الموحّدة، وتشديد التاء،
على صيغة المتكلّم، من البيتوتة، يقال: بَاتَ يَبِيتُ وَيَبَاتُ بَيْتَوتَةً (لَيْلَةً عِنْدَ
خَالَتِي مَيْمُونَةَ) بنت الحارث أمّ المؤمنين ◌َؤُنا، تقدّمت ترجمتها في ((الحيض))
١/ ٦٨٧. زاد شريك بن أبي نَمِر، عن كريب في الرواية الآتية: ((فَرَقَبْتُ
رسولَ الله ◌َ﴿ كيف يصلي؟))، زاد أبو عوانة في ((صحيحه)) من هذا الوجه
((بالليل))، وسيأتي للمصنّف من طريق عطاء، عن ابن عباس قال: بعثني العباس
إلى النبيّ وَ ﴿، زاد النسائيّ من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن كُريب: ((في إبل
أعطاه إياها من الصدقة))، ولأبي عوانة من طريق عليّ بن عبد الله بن عباس،
عن أبيه، أن العباس بعثه إلى النبيّ وَّر في حاجة، قال: ((فوجدته جالساً في
المسجد، فلم أستطع أن أكلمه، فلما صلى المغرب، قام فركع حتى أُذِّن بصلاة
العشاء))، ولابن خزيمة من طريق طلحة بن نافع، عنه: ((كان رسول الله وجلاله
وَعَدَ العباسَ ذَوْداً من الإبل، فبعثني إليه بعد العشاء، وكان في بيت ميمونة))،
وهذا يخالف ما قبله، ويُجْمَع بأنه لَمّا لم يكلمه في المسجد أعاده إليه بعد
العشاء إلى بيت ميمونة، ولمحمد بن نصر في ((كتاب قيام الليل)) من طريق
محمد بن الوليد بن نُويفع، عن كريب من الزيادة: ((فقال لي: يا بُنَّيّ بِتِ الليلةَ
عندنا))، وفي رواية حبيب المذكورة: ((فقلت: لا أنام حتى أنظر ما يصنع في
صلاة الليل))، وفي رواية المصنّف الآتية من طريق الضحاك بن عثمان، عن
مخرمة: ((فقلت لميمونة: إذا قام رسول الله (يوليو، فأيقظيني))، وكان عزم في
نفسه على السهر؛ ليطّلع على الكيفية التي أرادها، ثم خَشِي أن يغلبه النوم،
فَوَصَّى ميمونة رَّا أن توقظه، أفاده في ((الفتح))(١).
(١) راجع: ((الفتح)) ٥٥٩/٢ - ٥٦٠ ((كتاب الوتر)) رقم (٩٩٤).

٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج- كتاب صلاة المسافرين وقصرها
(فَقَامَ النَّبِيُّ وَهِ مِنَ اللَّيْلِ) ((من)) بمعنى ((في))، أو هي للتبعيض، كما تقدّم
بيانه (فَأَتَى حَاجَتَهُ) هي البول، كما بيّنها في رواية شعبة، عن سلمة الآتية،
بقوله: ((فقام، فبال)) (ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ نَامَ) قال النوويُّ تَخْتُ: هذا
الغسل للتنظيف، والتنشيط للذِّكْر وغيره (ثُمَّ قَامَ، فَأَتَّى الْقِرْبَةَ) بكسر القاف،
وسكون الراء: ما يُستقى فيه الماء، قاله في ((الصحاح))(١)، وقال في
(القاموس)): الْقِرْبَةُ بالكسر: الْوَظْبُ(٢) من اللبن، وقد تكون للماء، أو هي
المخروزة من جانب واحد، جمعها قِرْبَاتٌ بكسر، فسكون، وقِرِبَاتٌ بكسرتين،
وقِرَبَاتٌ بكسر، ففتح، وقِرَبٌ بكسر، ففتح أيضاً، وكذلك كلُّ ما كان على فِعْلَة
بكسر، فسكون، كفِقْرَة، وسِدْرةٍ، لك أن تفتح العين، وتكسر، وتُسكّن. انتهى
بتصرّف(٣).
(فَأَطْلَقَ شِنَاقَهَا) - بكسر المعجمة، وتخفيف النون، ثم قاف -: هو رِبَاط
القِربة، يَشُدّ عُنُقها، فشُبِّه بما يُشْنَق به، وقيل: هو ما تُعَلَّق به، ورَجّح أبو عبيد
الأول، قاله في ((الفتح)).
وقال النوويُّ كَذَتُهُ: هو الخيط الذي تُربط به في الوَتِد، قاله أبو عبيدة،
وأبو عبيد، وغيرهما، وقيل: الوِگاء. انتھی.
وقال الطيبيُّ تَخَّتُهُ: هو الخيط، أو السِّيرُ الذي تُعلّق به القِرْبة، والخيط
الذي يُشدّ به فمها، يقال: شَنَقَ القِرْبة، وأشنقها: إذا أوكاها، وعلّقها.
(٤)
انتھی (٤).
(ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءاً بَيْنَ الْوُضُوءَيْنِ) أي: بين الإفراط بالإسراف والتفريط
بالتقتير، كما فسّره بقوله: (وَلَمْ يُكْثِرْ) أي: من صبّ الماء، وهو إيماء إلى عدم
الإفراط، (وَقَدْ أَبْلَغَ) أي: أوصل الماء إلى ما يجب إيصاله إليه، وهو إيماء إلى
(١) ((الصحاح)) ١٧٨/١.
(٢) الْوَطْب بفتح، فسكون: سِقَاء اللبن، وهو جِلْدُ الْجَذَع، فما فوقه، جمعه أوطُبٌ،
ووِطَابٌ، وأَوْطابٌ، أفاده في ((القاموس)).
(٣) راجع: ((القاموس المحيط)) ١١٤/٤ - ١١٥ و١٣٧، و((الصحاح)) ١٧٨/١.
(٤) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٤/ ١١٨٢.

٩
(٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَّبِيّ ◌َّهِ وَتَبَتُّلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٧٨٨)
عدم التفريط، وهذا معنى قوله فيما يأتي من الروايات، ففي رواية: ((وتوضّأ،
وأسبغ الوضوء، ولم يُهرق من الماء إلا قليلاً))، وفي رواية: ((فتوضّأ منها،
فأحسن وضوءه))، وفي رواية: ((فتوضّأ وضوءاً خفيفاً))، فكلّها ترجع إلى معنى
واحد، وهو أنه أتى بمندوبات الوضوء، مع التخفيف في استعمال الماء.
وقال الطيبيُّ كَُّهُ: قوله: ((ولم يُكثر، وقد أبلغ)) بيان لقوله: ((بين
الوضوءين))، وهو صفة أخرى (١) ((وضوءاً))، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُواْ لَمْ
[الفرقان: ٢٧]، يعني أنه لم
يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا
يُكثر صبّ الماء، وقد أبلغ الوضوء أماكنه؛ أي: أسبغ الوضوء، وهو الوضوء
الحسن(٢). انتهى (٣).
وقال في ((الفتح)): يَحْتَمِل أن يكون المراد أنه قَلَّل من الماء، مع
التثليث، أو اقتصر على دون الثلاث في الغسل، ووقع في رواية شعبة، عن
سلمة بن كُهيل الآتية بلفظ: ((ثم قام إلى القربة، فأطلق شِنَاقها، ثمّ صَبّ في
الْجَفْنَة، أو القَصْعة، فأكبّه بيده عليها، ثم توضّأ وضوءاً حسناً بين الوضوءين))،
ووقع عند الطبرانيّ من طريق منصور بن المعتمر، عن عليّ بن عبد الله بن
عباس، عن أبيه، في هذه القصة: ((وإلى جانبه مِخْضَبٌ من بِرَامٍ مُطْبَقٍ، عليه
سواك، فاستَنّ به، ثم توضأ)).
(ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى) أي: شرع في الصلاة، وفي رواية محمد بن نصر في
((قيام الليل)): ((ثم أخذ بُرْداً له حَضْرِميّاً، فتوشحه، ثم دخل البيت، فقام يصلي))
(فَقُمْتُ) أي: من مضجعي (فَتَمَطَّيْتُ) أي: تمدّدت (كَرَاهِيَةً) منصوب على
المفعوليّة من أجله؛ أي: لأجل كراهية (أَنْ يَرَى أَنِّي كُنْتُ أَنْتَبِهُ لَهُ) قال
النوويُّ كَُّهُ: هكذا ضبطناه، وهكذا هو في أصول بلادنا ((أنتبه)) بنون، ثم مثّاة
فوقُ، ثم موحّدة، ووقع في رواية للبخاريّ: ((أبقيه)) بموحّدة، ثم قاف،
ومعناه: أرقُبُهُ، وهو معنى: ((أنتبه له)). انتهى. وكأنه خَشِيَ أن يترك بعض
(١) أي على النسخة التي شرح عليها، فإنه وقع فيها: ((لم يكثر ... إلخ)) بلا واو، فتنبّه.
(٢) يعني الآتي في رواية شعبة بلفظ: ((ثم توضّأ وضوءاً حسناً بين الوضوءين)).
(٣) ((الكاشف)) ٤/ ١١٨٢.

١٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
عمله؛ لِمَا جَرَى من عادته وَّيهِ أنه كان يترك بعض العمل؛ خشيةَ أن يُفْرَض
على أمته قاله في ((الفتح)).
(فَتَوَضَّأْتُ) أي: نحو وضوئه بَّ، وفي رواية مخرمة، عن كريب الآتية:
((فقمت، فصنعت مثل ما صنع رسول الله وَّر، ثم ذهبت، فقمت إلى جنبه))
(فَقَامَ، فَصَلَّى، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ) أي: لعدم علمه بالسنّة في موقف المأموم
الواحد (فَأَخَذَ بِيَدِي) أي: من ورائه، ففي رواية عطاء الآتية: ((فأخذ بيدي من
وراء ظهره، يَعْدِلني كذلك من وراء ظهره إلى الشقّ الأيمن)) (فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِهِ)
قال ابن الملك: ((عن)) هنا بمعنى الجانب؛ أي: حوّلني من جانب يساره وَل
إلى جهة يمينه (فَتَتَامَّتْ) أي: تكاملت، وانتهت، وقال الطيبيُّ كَّتُهُ: أي:
صارت تامّةً، تَفَاعَلَ من تَمّ، وهو لا يجيء إلا لازماً. انتهى(١). (صَلَاةُ
رَسُولِ اللهِ وَ﴿ مِنَ اللَّيْلِ) أي: في الليل، أو بعضه (ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً) أي: مع
ركعة الوتر، يسلّم من كلّ ركعتين، ففي رواية الشيخين: ((ثُمَّ صلّى ركعتين، ثم
ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاءه
المؤذّن، فقام، فصلّى ركعتين، ثم خرج، فصلّى الصبح)).
قال في ((الفتح)): ظاهره أنه وَّر فصل بين كلّ ركعتين، ووقع التصريح
بذلك في رواية طلحة بن نافع عند ابن خزيمة، حيث قال فيها: ((يسلّم من كلّ
ركعتين))، ولمسلم من رواية عليّ بن عبد الله بن عبّاس التصريح بالفصل أيضاً،
وأنه استاك بين كلّ ركعتين إلى غير ذلك(٢)، كما سيأتي.
ومقتضى التصريح بذكر الركعتين ستّ مرّات، وقوله بعد ذلك: ((ثم
أوتر)) أنه صلّى في هذه الليلة ثلاث عشرة ركعةً مع الوتر، كما وقع التصريح
بذلك، وظاهره أيضاً أنه أوتر بركعة واحدة مفصولة؛ لأنه إذا صلّى ركعتين
ركعتين ستّ مرّات مع الفصل بين كلّ ركعتين صارت الجملة اثنتي عشرة ركعة
غير ركعة الوتر، وكانت صلاته وَّه ثلاث عشرة ركعة، فلم يبق الوتر إلا ركعة
واحدةً.
(١) ((الكاشف)) ٤/ ١١٨٢.
(٢) ستأتي في هذا الباب برقم [١٧٩٩].

١١
(٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَّبِيِّ ◌َّهُ وَتَبَتُّلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٧٨٨)
وأما رواية مسلم الآتية بلفظ: ((ثم أوتر بثلاث)) ففي كونها محفوظةً
كلامٌ، ولعلّ ذلك من حبيب بن أبي ثابت الراوي عن عليّ بن عبد الله بن
عبّاس، فإن فيه مقالاً، وقد اختُلف عليه فيه في إسناده ومتنه اختلافاً، قاله في
((المرعاة)) (١) .
(ثُمَّ اضْطَجَعَ) تقدّم الاختلاف في الاضطجاع هل كان قبل ركعتي الفجر،
أو بعدهما؟ (فَتَامَ، حَتَّى نَفَخَ) من باب نصر؛ أي: تنفّس بصوت حتى يُسمع منه
صوت النفخ بالفم، كما يُسمع من النائم(٢). (وَكَانَ) بِّهِ (إِذَا نَامَ نَفَخَ) وفي
رواية شعبة المذكورة: ((ثم نام حتى نفخ، وكنّا نعرفه إذا نام بنفخه)) (فَأَتَاهُ بِلَالٌ)
هو ابن رَبَاحِ، وهو ابن حَمَامة، وهي أمه، مؤذّن رسول الله وصل﴿، مولى أبي
بكر الصدّيق ﴿، من السابقين الأولين، شهد بدراً وما بعدها، ومات بالشام
سنة (١٧) أو (١٨) أو (٢٠) تقدّمت ترجمته في ((الطهارة)) ٦٤٣/٢٣. (فَاذَنَهُ)
بالمدّ: أي: أعلم النبيّ وَّ﴾ (بِالصَّلَاةِ) أي: بحضور وقت صلاة الصبح
(فَقَامَ) بَّهِ (فَصَلَّى) أي: صلاة الصبح بالناس (وَلَمْ يَتَوَضَّأ) أي: لأن نومه لا
ينقض الوضوء، قال في ((المرعاة)): قيل: إنما لم يتوضّأ، وقد نام حتى نفخ؛
لأن النوم لا ينقض الطهر بنفسه، بل لأنه مظنّة خروج الخارج، ولَمّا كان
قلبه وَي﴿ يقظان لا ينام، ولم يكن نومه مظنّة في حقّه فلا يؤثّر؛ لأنه يعلم بتيقّظ
قلبه بقاء وضوئه، وهذا من خصائصه وَّ ر. انتهى ببعض تصرّف(٣).
وفي رواية ابن عيينة، عن عمرو بن دينار الآتية: ((فصلى الصبح، ولم
يتوضّأ، قال سفيان: وهذا للنبيّ وَل﴿ خاصّةً؛ لأنه بلغنا أن النبيّ ◌َّ تنام عينه،
ولا ينام قلبه)).
وقال الطيبيُّ تَخْدَثُهُ: هذا من خصائصه ولي؛ لأن عينه كانت تنام، ولا ينام
قلبه، فيَقَظة قلبه تمنعه من الحدث، وإنما مُنع النومَ قلبُهُ لِيَعِيَ الوحيَ إذا أُوحِي
إليه في منامه، قال عُبيد بن عُمير: رؤيا الأنبياء وحي، ثم قرأ: ﴿إِنّ أَرَى فِى
اَلْمَنَامِ أَنَّ أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢]. انتهى (٤).
(١) ((المرعاة)) ١٧٤/٤.
(٣) راجع: ((المرعاة)) ٤/ ١٧٥.
(٢) ((المرعاة)) ١٧٤/٤.
(٤) ((الكاشف)) ٤/ ١١٨٢.

١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
(وَكَانَ فِي دُعَائِهِ) في جملة دعاء النبيّ وَّ في تلك الصلاة، وفي رواية
البخاريّ: ((وكان يقول في دعائه))، قال في ((الفتح)): فيه إشارة إلى أن دعاءه
حينئذ كان كثيراً، وكان هذا من جملته، ومما كان يقوله أيضاً ما يأتي: ((اللهم
لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ... إلخ)).
[تنبيه]: اختلفت الروايات في تعيين محلّ هذا الدعاء، فوقع في رواية
شعبة، عن سلمة الآتية بلفظ: ((ثم خرج إلى الصلاة، فصلّى، فجعل يقول في
صلاته، أو في سجوده: اللهم اجعل في قلبي نوراً ... إلخ))، وسيأتي من
رواية حبيب بن أبي ثابت، عن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس، عن أبيه
أنه قال هذا الدعاء، وهو ذاهب إلى صلاة الصبح، ولفظه: «فأذّن المؤذِّن،
فخرج إلى الصلاة، وهو يقول: اللهم اجعل ... إلخ)).
ويُمكن أن يُجمع بأنه قال هذا الدعاء حين خروجه إلى صلاة الصبح، ثم
قاله في صلاته أيضاً.
ووقع في رواية الترمذيّ أنه وَّ قال ذلك حين فرغ من صلاته، ووقع عند
البخاريّ في ((الأدب المفرد))، من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضيًّا:
كان رسول الله وَ﴿ إذا قام من الليل يصلي، فقضى صلاته، يُثني على الله بما
هو أهله، ثم يكون آخر كلامه: ((اللهم اجعل في قلبي نوراً ... )) الحديث، قال
الحافظ: ويُجمَع بأنه كان يقول ذلك عند القرب من فراغه. انتهى(١).
أو يقال: إنه كان يقول ذلك الدعاء بعد الفراغ من الصلاة أيضاً، قاله في
((المرعاة))(٢)، وهذا أقرب، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال الطيبيُّ كَّلُهُ: باعثه ◌َّر على هذا الدعاء، وعلى الصلاة قوله
تعالى: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:
١٩٠] - يعني الآيات التي قرأها حين استيقظ من نومه - قال: فإن الفاء
الفصيحيّة تقتضي مقدّراً يرتبط معها، تقديره: ربنا ما خلقت هذا باطلاً، بل
خلقته للدلالة على معرفتك، ومن عَرَفك يجب عليه أداء طاعتك، واجتناب
(١) راجع: ((الفتح)) ١٢٠/١١ - ١٢١ ((كتاب الدعوات)).
(٢) ((المرعاة)) ١٧٦/٤.

١٣
(٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَّبِيِّ ◌َّهُ وَتَبَتُّلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٧٨٨)
معصيتك؛ ليفوز بدخول جنتك، ويتوقّى به من عذاب نارك؛ لأن النار جزاء من
يُخلّ بذلك، ونحن قد عرفناك، وأدّينا طاعتك، واجتنبنا معصيتك، فقنا عذاب
(١)
النار. انتهى
((اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُوراً) قيل: هو ما يتبيّن به الشيء ويظهر، قال
الكرمانيُّ تَخْتُ: التنوين فيه؛ للتعظيم؛ أي: نوراً عظيماً، وقدّم القلب؛ لأنه
المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، فإذا
تنوّر القلب فاض نوره على جميع الجسد، وإذا حلّ النور في القلب والأعضاء
حلّت الهداية فيها؛ لأن النور يقشع ظلمات الذنوب، ويرفع رَيْن الآثام،
فنشطت للعبادة، وسعدت السعادت الأبديّة. (وَفِي بَصَرِي نُوراً، وَفِي سَمْعِي
نُوراً، وَعَنْ يَمِينِي نُوراً، وَعَنْ يَسَارِي نُوراً) أي: في جانبي، أو في جارحتي
(وَفَوْقِي نُوراً، وَتَحْتِي نُوراً، وَأَمَامِي نُوراً) أي: قُدّامي نوراً يسعى بين يديّ
(وَخَلْفِي نُوراً) أي: ليهتدي أتباعي بضوئه، ويستنيروا بإشراقه، والمعنى: اجعل
النور يَحُفّني من جميع الجهات الستّ، حتى لا يكون للشيطان سبيل.
(وَعَظِّمْ لِي نُوراً)) - بتشديد الظاء المعجمة - ولأبي يعلى، عن أبي
خيثمة، عن عبد الرحمن: ((وأعظم لي نوراً))، أخرجه الإسماعيليّ، وأخرجه
أيضاً من رواية بندار، عن عبد الرحمن، وكذا لأبي عوانة، من رواية أبي
حُذيفة، عن سفيان، وفي رواية شعبة، عن سلمة بن كُهيل الآتية للمصنّف:
((واجعل لي نوراً)) أو قال: ((واجعلني نوراً))، هذه رواية غندر، عن شعبة، وفي
رواية النضر، عن شعبة: ((واجعلني))، ولم يشكّ، وللطبراني في ((الدعاء))، من
طريق الْمَنهال بن عمرو، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، في آخره:
(واجعل لي يوم القيامة نوراً))، أفاده في ((الفتح)).
(قَالَ كُرَيْبٌ: وَسَبْعاً فِي التَّابُوتِ) وفي رواية البخاريّ: ((وسبع في
التابوت))، بالرفع، ومعناه: أنه ذكر في الدعاء سبع كلمات نسيتها .
وقد اختُلِف في مراده بقوله: ((التابوت))، فجزم الدمياطي في ((حاشيته))
بأن المراد به الصدر الذي هو وعاء القلب، وسبق ابن بطال، والداوديّ إلى أن
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١١٨٣/٤.

١٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
المراد بـ((التابوت)) الصدر، وزاد ابن بطال: كما يقال لمن يَحْفَظ العلم: علمه
في التابوت مُستودَع، وقال النوويّ تبعاً لغيره: المراد بالتابوت الأضلاع وما
تحويه من القلب وغيره؛ تشبيهاً بالتابوت الذي يُخْرَز فيه المتاع، يعني أن سبع
كلمات في قلبي، ولكن نسيتها. وقيل: المراد سبعة أنوار، كانت مكتوبة في
التابوت الذي كان لبني إسرائيل، فيه السكينة.
وجَزَم القرطبيّ تَظُّْ في ((المفهم))، وغير واحد بأن المراد بـ((التابوت))
الجسد؛ أي: أن السبع المذكورة تتعلق بجسد الإنسان، بخلاف أكثر ما تقدَّم،
فإنه يتعلق بالمعاني، كالجهات الستّ، وإن كان السمع والبصر من الجسد.
قال الجامع عفا الله عنه: تفسير التابوت بالصدر، أو الجسد غير صحيح،
والصواب ما فسّر به ابن الجوزيُّ كَّقُ قال: يريد بالتابوت الصندوق؛ أي:
سبعٌ مكتوبة في صندوق عنده، لم يحفظها في ذلك الوقت.
فهذا هو التفسير الصحيح؛ لأنه صُرّح به في رواية أبي عوانة من طريق
أبي حذيفة، عن سفيان الثوريّ، بسند حديث الباب، ونصّه: قال كُريب: وستّةٌ
عندي مكتوبةٌ في التابوت، وقال أيضاً: يقال: التابوت فيه كُتُب عليّ بن
عبد الله بن عبّاس. انتهى(١).
وحَكَى ابن التين عن الداوديّ أن معنى قوله: ((في التابوت)) أي: في
صحيفة في تابوت، عند بعض وَلَد العباس، قال: والخصلتان: العظم والمخّ،
وقال الكرمانيّ: لعلّهما الشحم والعظم، كذا قالا، وفيه نظر.
قال الجامع عفا الله عنه: تفسير الداوديُّ للتابوت بما ذكره هو الحقّ، كما
سبق عن ابن الجوزيِّ كَّلُهُ، لكن تفسيره للخصلتين، فيه نظر، بل الأولى
تفسيرهما باللسان والنفس، كما صحّ من رواية عقيل، عن سلمة الآتية.
والحاصل أن المراد بالتابوت هو الصندوق الذي وُضعت فيه الصحيفة
التي كُتبت فيه السبع، وأن الخصلتين هما اللسان، والنفس، فتبصّر، والله تعالى
الهادي إلى سواء السبيل.
[تنبيه]: حاصل ما ذُكر في هذه الرواية عشرة، وسيأتي من طريق عُقَيل،
(١) راجع: ((مسند أبي عوانة)) ٤٨/٣.

١٥
(٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَّبِيِّ وَّهِ وَتَبَتُّلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٧٨٨)
عن سلمة بن كُهيل: ((فدعا رسول الله وَ له بتسع عشرة كلمةً، حدّثنيها كُريب،
فحفظت منها ثنتي عشرة، ونَسِيت ما بَقِي))، قال رسول الله وَّل: ((اللهم اجعل
لي في قلبي نوراً، وفي لساني نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، ومن
فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن شمالي نوراً، ومن بين
يديّ نوراً، ومن خلفي نوراً، واجعل في نفسي نوراً، وأعظم لي نوراً)).
فقوله: ((وفي لساني نوراً)) و((واجعل لي في نفسي نوراً))، هاتان اثنتان من
السبع التي ذكر كُريب أنها في التابوت مما حدّثه بعض ولد العباس.
وقوله: (فَلَقِيتُ بَعْضَ وَلَدِ الْعَبَّاسِ) قال صاحب ((التنبيه)): هو عليّ بن
عبد الله بن العبّاس، كذا بخطّ العلامة عزّ الدين الحاضريّ عن أبي ذرّ.
(١)
انتھی(١).
(فَحَدَّثَنِي بِهِنَّ) هو من قول كريب، صرّح به أبو نعيم من رواية زُهير بن
حرب، عن عبد الرحمن بن مهديّ، وأما قول ابن بطّال، وكذا النوويّ: إنه من
قول سلمة، وليس من قول كُريب، فليس بشيء، وكذا قول الحافظ: هو
مُحْتَمِلٌ، مع أنه قال: وظاهر رواية أبي حُذيفة أن القائل هو کريب.
والحاصل أن الصواب كونه من قول كريب، كما صرح به في رواية زهير
المذكورة، لا من قول سلمة، والله تعالى أعلم.
قال ابن بطال رَّتُهُ: وقد وجدت الحديث من رواية عليّ بن عبد الله بن
عباس، عن أبيه، قال: فذكر الحديث مطوَّلاً، وظهرت منه معرفة الخصلتين
اللتين نسيهما، فإن فيه: ((اللهم اجعل في عظامي نوراً، وفي قبري نوراً)).
قال الحافظ تَُّ: بل الأظهر أن المراد بهما اللسان والنفس، وهما اللذان
زادهما عُقيل في روايته عند مسلم، وهما من جملة الجسد، وينطبق عليه التأويل
الأخير للتابوت، وبذلك جزم القرطبيّ ◌َّثُ في ((المفهم))، ولا ينافيه ما عداه.
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن تفسير القرطبيّ للتابوت غير صحيح،
بل الصواب أنه التابوت المعروف، وهو الصندوق، كما بيّنته رواية أبي عوانة
السابقة.
(١) ((تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم)) للحافظ سبط ابن العجمي تقذفُ (ص ١٥٥ - ١٥٦).

١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
قال: والحديث الذي أشار إليه، أخرجه الترمذيّ، من طريق داود بن
عليّ بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جدّه، سمعت نبي الله وَّ ليلةً حين
فرغ من صلاته يقول: ((اللهم إني أسألك رحمةً من عندك ... ))، فساق الدعاء
بطوله، وفيه: ((اللهم اجعل لي نوراً في قبري))، ثم ذكر القلب، ثم الجهات
الست، والسمع والبصر، ثم الشعر والبشر، ثم اللحم والدم والعظام، ثم قال
في آخره: ((اللهم عَّم لي نوراً، وأعطني نوراً، واجعلني نوراً))، قال الترمذيّ:
غريب(١)، وقد رَوَى شعبة، وسفيان، عن سلمة، عن كريب، بعض هذا
الحدیث، ولم يذكروه بطوله. انتهى.
وأخرج الطبريّ من وجه آخر، عن عليّ بن عبد الله بن عباس، عن أبيه،
في آخره: ((وزدني نوراً))، قالها ثلاثاً، وعند ابن أبي عاصم في ((كتاب الدعاء))،
من طريق عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن كريب، في آخر الحديث: ((وهب
لي نوراً علی نور)).
ويجتمع من اختلاف الروايات كما قال ابن العربيّ خمس وعشرون
خصلةً، قاله في ((الفتح)) (٢) .
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((خمس وعشرون خصلةً)) فيه نظر؛ لأن
الأحاديث التي ذُكرت ضعاف، لا يستفاد منها زيادة على ما أورده المصنّف في
هذا الباب، من رواية عُقيل، عن سلمة بن كُهيل، وهي تسع عشرة خصلة،
فتأمل، والله تعالى أعلم.
(فَذَكَرَ) أي: بعض ولد العبّاس (عَصَبِي) بفتح المهملتين، وبعدهما
موحّدة، قال ابن التين: هي أطناب المفاصل (وَلَحْمِي، وَدَمِي، وَشَعْرِي) - بفتح
العين المهملة، وسكونها - (وَبَشَرِي) - بفتح الموحدة والمعجمة - : ظاهرُ
الجسد (وَذَكَرَ خَصْلَتَيْنٍ) أي: مع هذه الخمسة؛ تكملةَ السبعة، وقد سبق أنهما
((اللسان، والنفس)) فتنبه.
[تنبيه]: قال القرطبيُّ كَخَّلهُ: هذه الأنوار التي دعا بها رسول الله وَلقوله
(١) هو حديث ضعيفٌ، رواه الترمذي في ((الجامع)) ٤٨٢/٥.
(٢) راجع: ((الفتح)) ١٢١/١١ - ١٢٢.

١٧
(٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَّبِيِّ وَهُ وَ تَبَتُّلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٧٨٨)
يمكن حملها على ظاهرها، فيكون سأل الله تعالى أن يَجعَل له في كل عضو
من أعضائه نوراً يستضيء به يوم القيامة في تلك الظُّلَم، هو ومن تبعه، أو من
شاء الله منهم، قال: والأولى أن يقال: هي مستعارة للعلم والهداية، كما قال
تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِهِ﴾ الآية [الزمر: ٢٢]،
وقوله تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْئًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِي النَّاسِ﴾
الآية [الأنعام: ١٢٢]؛ أي: علماً وهدايةً، قال: والتحقيق في معنى النور: أن
النور مُظْهِرٌ ما يُنْسَب إليه، وهو يختلف بحسبه، فنور الشمس مُظهِر للمبصرات،
ونور القلب كاشفٌ عن المعلومات، ونور الجوارح ما يبدو عليها من أعمال
الطاعات، فكأنه دعا بإظهار الطاعات عليها دائماً، والله تعالى أعلم. انتهى
كلام الطيبيُّ كَثُ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ(١).
وقال الطيبيُّ تَخْفُهُ: معنى طلب النور للأعضاء عضواً عضواً أن يتحلَّى
بأنوار المعرفة والطاعات، ويتعَرَّى عن ظلمة الجهالة والمعاصي؛ لأن الإنسان
ذو سهو وطغيان، قد أحاطت به ظلمات الجبلّة، مُعتورةً عليه من فرقه إلى
قدمه، والأدخنة الثائرة من نيران الشهوات من جوانبه، والشيطان يأتيه من
الجهات الست بوساوسه وشُبُهاته، ظلمات بعضها فوق بعض، فلم ير للتخلُّص
منها مساغاً إلا بتلك الأنوار السادّة لتلك الجهات، فسأل الله ◌ُعَلَ أن يُمِدّه بها؛
ليستأصل تلك الظلمات؛ إرشاداً للأمة، وتعليماً لهم، قال: وكلُّ هذه الأمور
راجعةٌ إلى الهداية والبيان، وضياء الحقّ، والى ذلك يرشد قوله تعالى: ﴿اللَّهُ
نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿نُورُ عَلَى نُورِّ يَهْدِى اَللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ كَشَآءُ﴾
الآية [النور: ٣٥]، وإلى أودية تلك الظلمات يلمح قوله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِى
بَحْرٍ لُّبِّ﴾ - إلى قوله -: ﴿ظَلُمَتُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ الآية [النور: ٤٠]، وقوله:
﴿وَمَنْ لَّمْ يَجْعَلِ اَللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]، اللّهم إنا نعوذ بك من تلك
الظلمات، ونسألك هذه الأنوار. انتهى كلام الطيبيُّ رَُّهُ ببعض تصرّف(٢).
وقال الطيبيُّ رَغْتُ أيضاً: خَصَّ السمع والبصر والقلب بلفظ بـ((في))
الظرفّة؛ لأن القلب مَقَرُّ الفِكَرِ في آلاء الله ونعمائه، ومكانها ومعدنها، والبصر
(١) ((المفهم)) ٣٩٥/٢.
(٢) ((الكاشف)) ١١٨٣/٤.

١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
مسارح آيات الله المنصوبة المبثوثة في الآفاق، والأنفس ومحلها، والأسماع
مراسي أنوار وحي الله تعالى، ومحطّ آياته المنزّلة على أنبياء الله تعالى، قال:
وخُصّ اليمين والشمال بـ((عن))؛ للإيذان بأنه تجاوزت الأنوار عن قلبه وسمعه
وبصره إلى مَن عن يمينه، وشماله، من أتباعه، وعُزلت ((فوقُ))، و((تحتُ))،
و((أمامُ))، و((خَلْفُ))، من الجارّة؛ ليستمدّ استنارته وإنارته من الله وللخلق، ثم
أجمل في آخره بقوله: ((واجعل لي نوراً)) فَذْلَكَةً لذلك، وتوكيداً له. انتهى كلام
الطيبيُّ تَخْلُ ببعض تصرّف أيضاً (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس
هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧٨٨/٢٨ و١٧٨٩ و١٧٩٠ و١٧٩١ و١٧٩٢
و١٧٩٣ و١٧٩٤ و١٧٩٥ و١٧٩٦ و١٧٩٧ و١٧٩٨ و١٧٩٩ و١٨٠٠ و١٨٠١
و١٨٠٢] (٧٦٣)، و(البخاريّ) في ((الوضوء)) (١٣٨) و((الأذان)) (٦٩٨ و٧٢٦
و٨٥٩) و((الوتر)) (٩٩٢) و((العمل في الصلاة)) (١١٩٨) و((التفسير)) (٤٥٦٩)
و((الأدب)) (٦٢١٥) و((الدعوات)) (٦٣١٦) و((التوحيد)) (٧٤٥٢)، و(أبو داود) في
((الصلاة)) (١٣٦٧ و٥٠٤٣)، و(الترمذيّ) في ((الشمائل)) (٢٥٨)، و(ابن ماجه)
في ((الطهارة)) (٤٢٣)، و((إقامة الصلاة)) (٥٠٨ و١٣٦٣)، و(النسائيّ) في
((الافتتاح)) (١١٢١)، و(مالك) في ((الموطأ)) (١٢١/١ و١٢٢)، و(عبد الرزّاق)
في ((مصنّفه)) (٤٧٠٧)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٤٧٢)، و(الطيالسيّ) في
((مسنده)) (٢٧٠٦)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢٨٤/١ و٣٦٤)، و(ابن خزيمة) في
((صحيحه)) (١٥٣٣ و١٥٣٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٥٧٩ و٢٥٩٢
و٢٦٢٦) و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣١٥/٢ و٣١٧ و٣١٨)، و(أبو نعيم) في
((مستخرجه)) (١٧٣٨ و١٧٣٩ و١٧٤٠ و١٧٤١ و١٧٤٢ و١٧٤٣ و١٧٤٤
(١) ((الكاشف)) ٤/ ١١٨٣ - ١١٨٤.

١٩
(٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ الشَِّيِّ بَهُ وَتَتُّلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٧٨٨)
و١٧٤٥)، و(الطبرانيّ) (١٢١٩٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧/٣)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كيّفة صلاته وَّة، ودعائه في الليل.
٢ - (ومنها): جواز مبيت مَن لم يَحْتَلِم عند ذوات محارمه.
٣ - (ومنها): جواز المبيت عند الرجل، ومعه أهله.
٤ - (ومنها): فضل ابن عباس ظه، حيث بات يراقب النبيّ وَّ في
أفعاله؛ ليقتدي به مع صغر سنّه.
٥ - (ومنها): مبالغة العبد في طلب الأنوار من الله تعالى، حتى تكون
محيطة به ظاهراً وباطناً؛ ليكون على بصيرة من أمره.
٦ - (ومنها): بيان أن نومه الر مضطجعاً لا ينقض الوضوء، وكذا سائر
الأنبياء لعلّ*، فيقظة قلبهم تمنعهم من الحدث، ولهذا قال عبيد بن عمير: رؤيا
الأنبياء وحي، وقال الخطابيُّ كَُّ: إنما مُنِع النومُ من قلب النبيّ وَّ؛ لِيَعِيَ
الوحي إذا أوحي إليه في المنام.
٧ - (ومنها): أن فيه تواضعَه وَ له، وما كان عليه من مكارم الأخلاق.
٨ - (ومنها): أن فيه صلةَ القرابة.
٩ - (ومنها): بيان الاقتداء بأفعاله وَله .
١٠ - (ومنها): جواز الإمامة في النافلة، وصحة الجماعة فيها.
١١ - (ومنها): جواز ائتمام واحد بواحد.
١٢ - (ومنها): جواز ائتمام الصبي بالبالغ، وعليه ترجم البيهقيُّ في
(سننه)) .
١٣ - (ومنها): أن موقف المأموم الواحد عن يمين الإمام، وعن سعيد بن
المسيب أن موقف الواحد مع الإمام عن يساره، ويردّه هذا الحديث، وعن
أحمد: إن وقف عن يساره بطلت صلاته.
١٤ - (ومنها): استحباب التخفيف في استعمال ماء الوضوء، مع
استيعاب محلّ الفرض.
١٥ - (ومنها): تعليم الإمام المأموم وهو يصلي كيف يقوم إلى جنبه.

٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
١٦ - (ومنها): جواز التعليم في الصلاة إذا كان من أمرها.
١٧ - (ومنها): استحباب إيذان المؤذّن الإمام بحضور الصلاة.
١٨ - (ومنها): قيام الإمام مع المؤذّن إذا آذنه إلى الصلاة.
١٩ - (ومنها): جواز الجمع بين النوافل والفرض بوضوء واحد، ولا
خلاف في ذلك.
٢٠ - (ومنها): أن النوم الخفيف لا يجب فيه الوضوء، قاله الداوديّ في
((شرحه))، وفيه نظرٌ؛ لأنه ◌َّ اضطجع، فنام حتى نفخ، وهذا لا يكون في
الغالب خفيفاً.
٢١ - (ومنها): أن فيه المبيت عند العالم؛ ليراقب أفعاله، فيقتدي بها .
٢٢ - (ومنها): أن فيه طلبَ العلو في السند، وطلب اليقين، والقطع في
أحكام الشريعة متى قدر على ذلك، ورفعه على درجة خبر الواحد؛ فإنه كان
يكفي ابن عبّاس ◌ًا سؤال خالته ميمونة أم المؤمنين ينا، ولكنه طلب بنفسه.
٢٣ - (ومنها): أن النافلة كالفريضة في تحريم الكلام؛ لأنه رَّلو لم
يتكلم.
٢٤ - (ومنها): أن من الأدب أن يمشي الصغير عن يمين الكبير،
والمفضول عن يمين الفاضل، ذكره الخطابيّ، وفي الاستدلال عليه بهذا
الحديث نظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل .
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٧٨٩] (.) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسِ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ بَاتَ
لَيْلَةً عِنْدَ مَيْمُونَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَهِيَ خَالَتُهُ، قَالَ: فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ،
وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِلَّهِ وَأَهْلُهُ(١) فِي طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ وَهِ حَتَّى انْتَصَفَ
(١) وفي نسخة: ((هو وأهله)).