Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
(١٩) - بَابُ كَيْفَ كَانَ النَِّيُّ ◌َهِ يُصَلِّي فِي اللَّيْلِ؟ - حديث رقم (١٧٣٦)
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (أَبُو يَعْفُورِ، وَاسْمُهُ وَاقِدٌ، وَلَقَبُهُ وَقْدَانُ) - بسكون القاف - وقيل:
اسمه وقدان، ولقبه واقد، العبديّ الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٤] (ت١٢٢)
(ع) تقدم فى ((المساجد)) ١١٩٩/٥.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم، تقدّم قبل باب.
٣ - (مُسْلِمُ) بن صُبيح - بالتصغير - الْهَمْدانيّ، أبو الضُّحى الكوفيّ العطّار،
مشهور بكنيته، ثقةٌ فاضلٌ [٤] (ت١٠٠) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٣٥/٢٢.
والباقون كلّهم ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َّلُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيى، فما أخرج
له أبو داود، وابن ماجه، وابن أبي شيبة، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه يحيى فنيسابوريّ، وابن
عيينة، فمكيّ، وعائشة ◌ّا، فمدنيّة.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من ثقات التابعين الكوفيين يروي بعضهم عن
بعض: الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) فَّا أنها (قَالَتْ: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ) قال الطيبيُّ: ((من)) ابتدائيّة
منصوبة بقوله: (قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ بَلِّ) أو أوتر من كلّ أجزاء الليل، وقيل:
(من)) بمعنى ((في))؛ أي: في جميع أوقات الليل.
وفي رواية يحيى بن وثّاب، عن مسروق التالية هنا: ((من كلّ الليل قد
أوتر رسول الله وَله من أول الليل، وأوسطه، وآخره، فانتهى وتره إلى السحر))،
وفي رواية سعيد بن مسروق، عن أبي الضُّحى الأخيرة: ((كلَّ الليل قد أوتر
رسول الله (َ﴿، فانتهى وتره إلى آخر الليل)).
والمراد بأول الليل بعد صلاة العشاء، للإجماع على أن ابتداء وقت الوتر
مغيب الشفق بعد صلاة العشاء، هكذا نقل الإجماع ابن المنذر تَخْشُهُ، لكن

٥٢٢
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
أطلق بعضهم أنه يدخل بدخول العشاء، قالوا: ويظهر أثر الخلاف فيمن صلّى
العشاء، وبان أنه بغير طهارة، ثم صلى الوتر متطهّراً، أو ظنّ أنه صلى العشاء،
فصلى الوتر، فإنه يجزئ على هذا القول دون الأول، قاله في ((الفتح)).
(فَانْتَهَى) وفي نسخة: ((وانتهى)) (وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ) زاد أبو داود،
والترمذيّ: ((حين مات))؛ أي: قبل وفاته.
قال النوويُّ كَّتُ: معناه كان آخر أمره الإيتار في السحر، والمراد به آخر
الليل، كما قالت في الروايات الأخرى، ففيه استحباب الإيتار آخر الليل، وقد
تضافرت الأحاديث الصحيحة عليه، قال: وفيه جواز الإيتار في جميع أوقات
اللیل بعد دخول وقته. انتهى.
وقال في ((الفتح)): يَحْتَمِل أن يكون اختلاف وقت الوتر باختلاف
الأحوال، فحيث أوتر في أوّله لعله كان وَجِعاً، وحيث أوتر في وسطه لعله كان
مسافراً، وأما وتره في آخره، فكأنه غالب أحواله؛ لما عُرف من مواظبته على
الصلاة في أكثر الليل، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاحتمال الذي ذكره غير ظاهر، والله تعالى
أعلم.
[تنبيه]: ((السحر)) - بفتحتين -: قُبيل الصبح، كالسَّحَريّ، والسَّحَرِيّة،
والبياض يعلو السواد، وطَرَفُ كلّ شيء، جمعه أسحار، قاله في
((القاموس))(١).
وحَكَى الماوردي أن السَّحَر: السدسُ الأخيرُ، وقيل: أوله الفجر الأول،
وفي رواية طلحة بن نافع، عن ابن عباس ظًا عند ابن خزيمة: ((فلما انفجر
الفجر قام، فأوتر بركعة))، قال ابن خزيمة: المراد به الفجر الأول.
ورَوَى أحمد من حديث معاذ ◌َظُه، مرفوعاً: ((زادني ربي صلاةً، وهي
الوتر، وقتها من العشاء إلى طلوع الفجر))، وفي إسناده ضعف.
وأخرج ((أصحاب السنن)) عن خارجة بن حُذافة ظُه، قال: خرج علينا
رسول الله وَلثقة، فقال: ((إن الله تعالى قد أمدّكم بصلاة، وهي خير لكم من حُمْر
(١) ((القاموس المحيط)) ٤٥/٢.

٥٢٣
(١٩) - بَابُ كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يُصَلِّي فِي اللَّيْلِ؟ - حديث رقم (١٧٣٦)
النَّعَم، وهي الوتر، فجعلها لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر))، وهو
ضعيف أيضاً، وهو الذي احتجّ به من قال بوجوب الوتر، وليس صريحاً في
الوجوب.
وأما حديث بُريدة ﴿به، رفعه: ((الوتر حقّ، فمن لم يوتر فليس منّا،
وأعاد ذلك ثلاثاً))، ففي سنده أبو الْمُنِيب، وفيه ضعف، وعلى تقدير قبوله،
فَيَحتَاج من احتجّ به إلى أن يُثبت أن لفظ ((حقّ)) بمعنى واجب في عرف الشرع،
وأن لفظ واجب بمعنى ما ثبت من طريق الآحاد، أفاده في ((الفتح))(١)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧٣٦/١٩ و١٧٣٧ و ١٧٣٨] (٧٤٥)،
و(البخاريّ) في ((التهجّد)) (٩٩٦)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٤٣٥)،
و(الترمذيّ) فيها (٤٥٦)، و(النسائيّ) في ((قيام الليل)) (١٦٨٢) و((الكبرى))
(١٣٩٠)، و(ابن ماجه) في ((إقامة الصلاة)) (١١٨٥)، و(الشافعيّ) في ((مسنده))
(١٩٥/١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٤٦٢٤)، و(الحميديّ) في ((مسنده))
(١٨٨)، و(ابن أبي شيبة) في ((مسنده)) (٢٨٦/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦/
٤٦ و١٠٠ و١٠٧ و١٢٩ و٢٠٤ و٢٠٥)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٥٩٥)،
و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٤٤٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٢٥٢
و٢٢٥٣ و٢٢٥٤ و٢٢٥٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٦٨٧ و١٦٨٨
و١٦٨٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٥/٣)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة))
(٩٧٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في وقت الوتر:
قال النوويّ كَّتُهُ: اختلفوا في أول وقته: فالصحيح في مذهبنا،
(١) راجع: ((الفتح)) ٢/ ٥٦٥ ((كتاب الوتر)) رقم (٩٩٦).

٥٢٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
والمشهور عن الشافعيّ، والأصحاب أنه يدخل وقته بالفراغ من صلاة العشاء،
ويمتدّ إلى طلوع الفجر الثاني، وفي وجه: يدخل بدخول وقت العشاء، وفي
وجه: لا يصحّ الإيتار بركعة إلا بعد نفل بعد العشاء، وفي قول: يمتدّ إلى
صلاة الصبح، وقيل: إلى طلوع الشمس. انتهى.
وقال الشوكانيّ كَُّهُ: أحاديث الباب تدلّ على أن جميع الليل وقت
للوتر، إلا الوقت الذي قبل صلاة العشاء، ولم يخالف في ذلك أحد، لا أهل
الظاهر، ولا غيرهم، إلا ما ذُكر في وجه لأصحاب الشافعيّ أنه يصحّ قبل
العشاء، وهو وجه ضعيف صرّح به العراقيّ وغيره، وقد حَكَی صاحب
((المفهم)) الإجماع على أنه لا يدخل وقت الوتر إلا بعد صلاة العشاء. انتهى.
وأما آخر وقته فهو إلى طلوع الفجر الثاني، وبعد طلوع الفجر يكون
قضاء، وهو المشهور المرجّح الصحيح عند الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة،
والشافعيّ، وأحمد، وعند المالكية للوتر وقتان: وقت اختيار، وهو إلى طلوع
الفجر، ووقت ضرورة، وهو إلى تمام صلاة الصبح، ويكره تأخيره لوقت
الضرورة بلا عذر، ويندب قطع صلاة الصبح للوتر لفذّ، لا لمؤتمّ، وفي الإمام
روایتان.
قال الحافظ تَّتُهُ: وحَكَى ابن المنذر عن جماعة من السلف أن الذي
يخرج بالفجر وقته الاختياريّ، ويبقى وقت الضرورة إلى قيام صلاة الصبح،
وحكاه القرطبيّ عن مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإنما قاله الشافعيّ في القديم.
انتھی .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن الصحيح هو ما عليه
الجمهور، من أن وقت الوتر من مغيب الشفق بعد صلاة العشاء إلى طلوع
الفجر الصادق، وبعده يكون قضاء، كما دلّت عليه الأحاديث الكثيرة، فتبصّر
بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب
[تنبيه]: قال صاحب ((المرعاة)): اختلفوا فيمن صلى العشاء قبل وقته في
جمع التقديم، هل يجوز له الوتر قبل مغيب الشفق أم لا؟، فقال الشافعيّة،
والحنابلة: يصحّ وتره، كما صرّح به أصحاب فروعهم، وقالت المالكيّة: لا

(١٩) - بَابُ كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يُصَلِّي فِي اللَّيْلِ؟ - حديث رقم (١٧٣٧)
٥٢٥
يصحّ، بل يكون لغواً، كما صرّح به في ((الشرح الكبير)) من فروع المالكيّة،
وأما عند الحنفيّة، فلا يصحّ العشاء بجمع التقديم، فالوتر أولى أن يصحّ
عندهم. انتھی(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجّح عندي هو ما ذهب إليه الشافعيّة
والحنابلة؛ لأن ظواهر الأدلّة التي دلّت على مشروعيّة الوتر عامّة يدخل فيها ما
وقع فيه جمع التقديم، فلا يُخرج من هذه الظواهر إلا بدليل ينقُل عنها، ولم
يوجد، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٧٣٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا:
حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ
عَائِشَةَ، قَالَتْ: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ (٢) رَسُولُ اللهِ وَّةِ، مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَأَوْسَطِهِ،
وَآخِرِهِ، فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو حَصِينٍ) - بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين - عثمان بن
عاصم الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ، ربّما دلّس [٤] (ت١٢٧) أو بعدها (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
٣ - (يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ) - بفتح الواو، وتشديد الثاء المثلّثة - الأسديّ
مولاهم الكوفيّ المقرىء، ثقةٌ عابدٌ [٤].
رَوَى عن ابن عمر، وابن عباس، وزِرّ بن حُبيش، وعلقمة، والأسود،
وأرسل عن ابن مسعود، وعائشة.
(١) ((المرعاة شرح المشكاة)) ٢٦٩/٤.
(٢) وفي نسخة: ((من كلّ الليل أوتر إلخ)).
.

٥٢٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وروى عنه أبو إسحاق السَّبِيعيّ، وأبو إسحاق الشيبانيّ، وعامر الشعبيّ،
وقتادة، وسلمة بن كُهيل، وطلحة بن مُصَرِّف، وأبو حَصِين الأسَديّ،
والأعمش، وحبيب بن أبي ثابت، وغيرهم.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال يحيى بن عيسى
الرَّمليّ، عن الأعمش: كان يحيى بن وَثّاب من أحسن الناس قراءةً، وكان إذا
قرأ لا يُسْمَع في المسجد حركةٌ، وقال عطاء بن مسلم الحلبيّ، عن الأعمش:
كنت إذا رأيت يحيى بن وثاب قد جاء، قلتُ: هذا قد وُقِف للحساب، يقول:
أي ربِّ أذنبت كذا، أذنبت كذا، فعفوتَ عني فلا أعود، وقال أبو محمد بن
حيان الأصبهانيّ: يقال: كان وَثّاب من أهل قاسان، فوقع إلى ابن عباس،
فأقام معه، فاستأذنه في الرجوع إلى قاسان، فأذِنَ له، فرَحَل مع ابنه يحيى،
فلما بلغ الكوفة، قال له ابنه يحيى: إني مُؤْثِرٌ حظّ العلم على حظ المال،
فأعطني الإذن في الْمُقام، فأذِنَ له، فأقام في الكوفة، فصار إماماً، وله أحاديث
كثيرة .
وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقةٌ، وكان مُقرئ أهل الكوفة، وقال ابن سعد:
كان ثقةً، قليل الحديث، صاحب قرآن، وقال ابن معين، وأبو زرعة: ثقةٌ.
ويُرْوَى عن أبي عمرو بن العلاء، عن نَهْشل الإياديّ، عن أبيه، قال:
خرجت مع أبي موسى الأشعريّ إلى أصبهان، فبعث سراياه إلى قاسان ففتحها،
وسَبَى أهلها، فكان منهم يزدويه بن ماهويه، فَتَّى من أبناء أشرافها، فصار إلى
ابن عباس، فسماه وَثّاباً، وهو والد يحيى، إمام أهل الكوفة في القرآن.
وقال عمرو بن عليّ وغيره: مات سنة ثلاث ومائة.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله
في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقولها: (مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَأَوْسَطِهِ، وَآخِرِهِ) الجارّ والمجرور بدل من
الجارّ والمجرور قبله، أعني: ((من كلّ الليل))، والمراد أجزاء كلّ من الثلاثة
الأقسام المستغرقة للّيل، فساوت ما قبلها، ثم المراد بأول الليل بعد صلاة
العشاء، كما سبق بيانه.

٥٢٧
(١٩) - بَابُ كَيْفَ كَانَ النَِّيُّ ◌َهِ يُصَلِّي فِي اللَّيْلِ؟ - حديث رقم (١٧٣٨)
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٣٨] ( .. ) - (حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا حَسَّنُ، قَاضِي كِرْمَانَ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُلَّ اللَّيْلِ
قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ، فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السعديّ المروزيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (حَسَّانُ، قَاضِي كِرْمَانَ) - بفتح الكاف، وكسرها - هو: حسّان بن
إبراهيم بن عبد الله الْعَنَزيّ، أبو هشام الكرمانيّ، قاضيها، صدوقٌ يُخطىء [٨]
(ت١٨٦) وله مائة سنة (خ م د) تقدم في ((الطهارة)) ٥٦٩/٨.
٣ - (سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ) الثوريّ الكوفيّ، والد سفيان، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن إبراهيم التيميّ، وخيثمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن عمرو بن
أشوع، وسلمة بن كُهيل، وأبي وائل، والشعبيّ، وعَباية بن رفاعة، وأبي
الضُّحَى، ومنذر الثوريّ، وغيرهم.
وروى عنه الأعمش، وهو من أقرانه، وأولاده: سفيان، وعُمر،
والمبارك، وشعبة بن الحجاج، وأبو الأحوص، وزائدة، وأبو عوانة، وجماعة.
قال ابن معين، وأبو حاتم، والعجليّ، والنسائيّ: ثقةٌ، ونقل ابن خلفون
توثيقه عن ابن المدينيّ.
قال ابن أبي عاصم: مات سنة ست وعشرين ومائة، وقال أحمد: بلغني
أنه مات سنة (١٢٨)، وأرّخه ابن قانع سنة سبع، وذكره ابن حبان في
((الثقات))، وأرّخه سنة ثمان.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث فقط، هذا برقم
(٧٤٥) و(٧٦٣) و(١٠٦٠) و(١٠٦٤) و(١٩٢٩) و(١٩٦٨) و(٢٢١٢) وأعاده
بعده، و(٢٤٠٨) و(٢٨٧١).
والباقون ذُكروا في الباب، و((أبو الضُّحى)) هو: مسلم بن صُبيح المذكور
قبل حديث.

٥٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
والحديث متّفقٌ عليه، ومضى شرحه، ومسائله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٢٠) - (بَابٌ جَامِعٌ لِكَيْفِيَّةِ صَلَاةِ اللَّيْلِ،
وَمَنْ نَامَ عَنْهُ، أَوْ مَرِضَ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٧٣٩] (٧٤٦) - (حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنْزِيُّ، حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ أَبِي
عَدٍِّ عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ أَرَادَ أَنْ يَغْزُوَ فِي
سَبِيلِ اللهِ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَأَرَادَ أَنْ يَبِيعَ عَقَاراً لَهُ بِهَا فَيَجْعَلَهُ فِي السَّلَاحِ وَالْكُرَاعِ
وَيُجَاهِدَ الرُّومَ حَتَّى يَمُوتَ. فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، لَقِيَ أَنَاساً مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَتَهَوْهُ
عَنْ ذُلِكَ. وَأَخْبَرُوهُ، أَنَّ رَهْطَأَ سِنَّةً أَرَادُوا ذُلِكَ فِي حَيَاةٍ نَبِيِّ اللهِنَّهِ، فَنَهَاهُمْ
نَبِيُّ اللهِنَّهِ، وَقَالَ: ((أَلَيْسَ لَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ؟)) فَلَمَّا حَدَّثُوهُ بِذَلِكَ رَاجَعَ امْرَأَتَهُ، وَقَدْ
كَانَ طَلَّقَهَا، وَأَشْهَدَ عَلَى رِجْعَتِهَا. فَأَتَّى ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَأَلَهُ عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللهِ وَِّ؟
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: أَا أَدُلَّكَ عَلَى أَعْلَمْ أَهْلِ الأَرْضِ بِوِتْرِ رَسُولِ اللهِ؟ قَالَ: مَنْ؟
قَالَ: عَائِشَةُ، فَأْتِهَا فَاسْأَلَّهَا، ثُمَّ اقْتِيَ فَأَخْبِرْنِي بَردِّها عَلَيْكَ. فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهَا. فَأَتَيْتُ
عَلَى حَكِيمِ بْنِ أَفْلَحَ، فَاسْتَلْحَقْتُهُ إِلَيْهَا، فَقَالَ: مَا أَنَا بِقَارِبِهَا، لأَنِّي نَهَيْتُهَا أَنْ تَقُولَ
فِي هَاتَيْنِ الشِّعَتَيْنِ شَيْئً فَأَبَتْ فِيهِمَا إِلَّا مُضِيّاً. قَالَ: فَأَقْسَمْتُ عَلَيْهِ، فَجَاءَ، فَانْطَلَقْنَا
إِلَى عَائِشَةَ، فَأَسْتَأْذَنَّا عَلَيْهَا، فَأَذِنَتْ لَنَا، فَدَخَلْنَا عَلَيْهَا فَقَالَتْ: أَحَكِيمٌ؟ (فَعَرَفَتْهُ)
فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَتْ: مَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: سَعْدُ بْنُ هِشَامٍ. قَالَتْ: مَنْ هِشَامٌ؟ قَالَ: ابْنُ
عَامِرٍ. فَتَرَ خَّمَتْ عَلَيْهِ، وَقَالَتْ خَيْراً. (قَالَ قَتَادَةُ: وَكَانَ أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ) فَقُلْتُ: يَا
أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ! أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللهِنَِّ. قَالَتْ: أَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ:
يَلَى. قَالَتْ: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللهِنَّهِ كَانَ الْقُرْآنَ. قَالَ: فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُومَ، وَلَا أَسْأَلُ
أَحَدَأَ شَيْئاً حَتَّى أَمُوتَ. ثُمَّ بَدَا لِي فَقُلْتُ: أَنْبِئِنِي عَنْ قِيَامِ رَسُولِ الهِ نَّهِ. فَقَالَتْ:
أَلَسْتَ تَقْرَأُ: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَُِّّ﴾؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَتْ: فَإِنَّ اللهَ رَكَ افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ

٥٢٩
(٢٠) - بَابٌ جَامِعٌ لِكَيْفِيَّةِ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَمَنْ نَامَ عَنْهُ، أَوْ مَرِضَ - حديث رقم (١٧٣٩)
فِي أَوَّلِ هُذِهِ السُّورَةِ، فَقَامَ نَبِيُّ اللهِ وَّهِ وَأَصْحَابُهُ حَوْلاً، وَأَمْسَكَ الله خَاتِمَتَهَا اثْنَيْ
عَشَرَ شَهْراً فِي السَّمَاءِ، حَتَّى أَنْزَلَ الله، فِي آخِرِ هُذِهِ السُّورَةِ، النَّخْفِيفَ، فَصَارَ قِيَامُ
اللَّيْلِ تَطَوُّعاً بَعْدَ فَرِيضَةٍ. قَالَ: قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ! أَنْبِئِينِي عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللهِ.
فَقَالَتْ: كُنَّا نُعِدٌّ لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ، فَيَبْعَثُهُ الله مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَتَسَوَُّ
وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ، لَا يُجْلِسُ فِيهَا إِلَّا فِي الثَّامِنَةِ، فَيَذْكُرُ الله وَيَحْمَدُهُ
وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يَنْهَضُ وَلَا يُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُومَ فَيُصَلِّي التَّاسِعَةَ، ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ الله وَيَحْمَدُهُ
وَيَدَعُوهُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيماً يُسْمِعُنَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنٍ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَتِلْكَ
إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يَا بُنَيَّ. فَلَمَّا سَنَّ نَبِيُّ اللهِ وَهِ، وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ، أَوْتَرَ بِسَبْع،
وَصَنَعَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَنِيعِهِ الأَوَّلِ، فَتِلْكَ تِسْعُ، يَا بُنَّيَّ. وَكَانَ نَبِيُّ اللهِ وَّهِ إِذَا
صَلَّى صَلَاةً أَحَبَّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهَا، وَكَانَ إِذَا غَلَبَهُ نَوْمٌ أَوْ وَجَعٌ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ صَلَّى
مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَلَا أَعْلَمُ نَبِيَّ اللهِنَّهِ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ، وَلَا
صَلَّى لَيْلَةً إِلَى الصُّبْحِ، وَلَا صَامَ شَهْراً كَامِلاً غَيْرَ رَمَضَانَ. قَالَ: فَانْطَلَقْتُ إِلَى ابْنِ
عَبَّاسٍ فَحَدَّثْتُهُ بِحَدِيثِهَا، فَقَالَ: صَدَقَتْ، لَوْ كُنْتُ أَقْرَبُهَا أَوْ أَدْخُلُ عَلَيْهَا لِأَنْيْتُهَا حَتَّى
تُشَافِهَنِي به. قَالَ: قُلْتُ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ مَا تَدْخُلُ عَلَيْهَا مَا حَدَّثْتُكَ حَدِيثَهَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ) أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِنِ، ثقةٌ
ثبتٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، نُسب
لجدّه، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٢٨/٦.
٣ - (سَعِيدٌ) بن أبي عَرُوبة مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ،
ثقةٌ حافظُ، له تصانيفُ، لكنه كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس
في قتادة [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٦/ ١٢٧.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ،
يُدلّس، رأس الطبقة [٤] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.

٥٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
٥ - (زُرَارَةُ) بن أوفى العامريّ الْحَرَشيّ، أبو حاجب البصريّ قاضيها،
ثقةٌ عابدٌ [٣] (ت٩٣) فَجْأةً في الصلاة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٣٨/٦١.
٦ - (سَعْدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ) الأنصاريّ المدنيّ ابن عمّ أنس نَظُه، ثقة
[٣] (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين)) ١٦٨٨/١٥.
٧ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق أم المؤمنين ﴿ًا، ماتت (٥٧) تقدّمت في
((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ◌َظُّهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين إلى زُرارة، والباقيان مدنيّان.
٤ - (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: قتادة، عن
زرارة، عن سعد، ورواية زرارة عن سعد من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الثالثة.
٦ - (ومنها): أن فيه عائشة ﴿يا من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠)
أحاديث، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ زُرَارَةَ) بضم الزاي، وتخفيف الراء العامريّ الْحَرَشِيُّ تَخْتُ (أَنَّ سَعْدَ)
بسكون العين المهملة (ابْنَ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ) الأنصاريّ المدنيّ ابن عمّ أنس بن
مالك ظُه (أَرَادَ أَنْ يَغْزُوَ فِي سَبِيَلِ اللهِ﴾ أي: ليقاتل الكفّار؛ لإعلاء كلمة الله،
قال ابن الأثير تَخْتُ: قد تكرّر في الحديث ذكر ((سبيل الله))، فالسبيل الأصل
الطريق، ويُذكّر ويؤنّث، والتأنيث فيها أغلب، وسبيل الله عامّ يقع على كلّ
عمل خالص سُلِك به طريق التقرّب إلى الله تعالى بأداء الفرائض والنوافل،
وأنواع التطوّعات، وإذا أُطلق فهو في الغالب واقعٌ على الجهاد، حتى صار؛
لكثرة الاستعمال كأنه مقصور عليه. انتهى(١).
(١) ((النهاية)) ٣٣٨/٢ - ٣٣٩.

٥٣١
(٢٠) - بَابٌ جَامِعٌ لِكَيْفِيَّةِ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَمَنْ نَامَ عَنْهُ، أَوْ مَرِضَ - حديث رقم (١٧٣٩)
(فَقَدِمَ) بكسر الدال المهملة (الْمَدِينَةَ) النبويّة - على صاحبها أفضل
الصلاة وأزكى السلام - لأنها المرادة عند الإطلاق؛ لكون المدينة علماً عليها
بالغلبة، كما قال في ((الخلاصة)):
وَقَدْ يَكُونُ عَلَماً بِالْغَلَبَهْ مَضَافٌ اوْ مَصْحُوبُ ((أَلْ)) كَ(الْعَقَبَهْ))
والمعنى: أنه جاء من البصرة إلى المدينة؛ لأنه كان مقيماً بالبصرة، حيث
إن أباه كان ممن نزلها .
(فَأَرَادَ أَنْ يَبِيعَ عَقَاراً) - بفتح العين المهملة، وتخفيف القاف ـ: قال
الفيّومِيُّ كَُّهُ: ((الْعَقَارُ)) مثلُ سَلَام: كلُّ مِلكِ ثابتٍ له أصلٌ، كالدار، والنخل،
قال بعضهم: ورُبّما أُطلق على المتاع، والجمع عقارات. انتهى(١).
(لَهُ بِهَا) أي: بالمدينة (فَيَجْعَلَهُ فِي السِّلَاحِ) - بكسر السين المهملة،
وتخفيف اللام، آخره حاء مهملة -: هو ما يُقاتَل به في الحرب، ويُدافَع،
والتذكير أغلب من التأنيث، فيُجمع على التذكير أَسْلِحَةً، وعلى التأنيث
سِلَاحاتٍ، والسِّلْح - وزانُ حِمْل - لغة في السلاح، وأخذ القوم أسلحتهم؛
أي: أخذ كلُّ واحد سِلَاحه، أفاده في ((المصباح)) (٢).
وقال في ((القاموس)): السِّلَاحُ بالكسر، والسِّلَحِ، كعِنَبٍ، والسُّلْحَانُ
بالضمّ: آلة الحرب، أو حديدتها، ويُؤنّثُ، والسبقُ، والقَوْسُ بلا وَتَرٍ،
والْعَصَا. انتهى(٣).
(وَالْكُرَاعِ) - بضمّ الكاف -، وزان غُرَاب: اسم لجماعة الخيل خاصّةً،
أفاده في ((المصباح))، و((القاموس))(٤).
(وَيُجَاهِدَ الرُّومَ) بالضمّ: جِيلٌ من ولد عِيصُو، قاله في ((القاموس))، وقال
في ((اللسان)): الرُّوم: جِيلٌ معروفٌ، واحدهم رُوميّ، يَنتمون إلى عِيصُو بن
إسحاق النبيّ علَّ *. انتهى(٥). (حَتَّى يَمُوتَ) غاية لجهاده.
(١) ((المصباح المنير)) ٤٢١/٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٨٤/١.
(٣) ((القاموس المحيط)) ٢٢٩/١.
(٤) ((المصباح المنير)) ٥٣١/٢، و((القاموس المحيط)) ٧٨/٣.
(٥) ((لسان العرب)) ٢٥٨/١٢.

٥٣٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
(فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، لَقِيَ) بكسر القاف، من باب تَعِبَ (أُنَاساً) بضم
الهمزة، لغة في ناس، بحذفها (مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَتَهَوْهُ عَنْ ذَلِكَ) أي: عمّا
قصده من غزو الروم إلى أن يموت بعد تخلّيه عن أهله، وماله (وَأَخْبَرُوهُ أَنَّ
رَهْطاً) أي: جماعةً، وهو ما دون العشرة من الرجال، ليس فيهم امرأة،
وسكون الهاء أفصح من فتحها، وهو جمع لا واحد له من لفظه، وقيل: الرهط
من سبعة إلى عشرة، وما دون السبعة إلى الثلاثة نَفَرٌ، وقال أبو زيد: الرَّهْطُ،
والنَّفَرُ: ما دون العشرة من الرجال، وقال ثعلب أيضاً: الرهط والنَّفَر، والقوم،
والْمَعْشَر، والْعَشِيرة معناهم: الجمع، لا واحد لهم من لفظهم، وهو للرجال
دون النساء، وقال ابن السِّكِيت: الرهط، والعشيرة بمعنى، ويقال: الرهط: ما
فوق العشرة إلى الأربعين، قاله الأصمعيّ في ((كتاب الضاد والظاء))، ونقله ابن
فارس أيضاً، ورَهْطُ الرجلِ: قومُهُ، وقبيلته الأقربون. انتهى(١).
وقوله: (سِتَّةً) منصوب على البدليّة لـ((رهطاً)) (أَرَادُوا ذَلِكَ) أي: ما ذُكر
من طلاق أزواجهم، وبيع ما يملكونه من العقار وغيره، وتفرّدهم للجهاد إلى
أن يموتوا (فِي حَيَاةِ نَبِيِّ اللهِ وََّ، فَتَهَاهُمْ نَبِيُّ اللّهِ بِهِ، وَقَالَ) وَ ((أَلَيْسَ لَكُمْ
فِيَّ أُسْوَةٌ؟))) زاد في نسخة: ((حَسَنَةٌ))، و((الأَسْوَة)) بكسر الهمزة، وضمّها:
الْقُدوة، وتأسّيتُ به، وائتسيتُ: اقتديتُ(٢).
والمعنى: أنه وسلم قال لمن أراد ما ذُكر من التبتّل والانقطاع للجهاد: إن
من سنّتي النكاح وغيره من منافع الدنيا مع إقامة الجهاد في سبيل الله تعالى،
فعليكم الاقتداء بسنتي، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي، والله تعالى أعلم.
(فَلَمَّا حَدَّثُوهُ) أي: حدّث الأناس الذين لقيهم سعد بن هشام في المدينة
(بِذَلِكَ) أي: بما وقع لبعض الصحابة من عزمهم على ما عزم به سعد من
الانقطاع عن الدنيا، والمثابرة على الجهاد مدى الحياة (رَاجَعَ امْرَأَتَهُ، وَقَدْ كَانَ
طَلَّقَهَا، وَأَشْهَدَ عَلَى رَجْعَتِهَا) بفتح الراء، وكسرها، والفتح أفصح عند الأكثرين،
وقال الأزهريّ: الكسر أفصح، ذكره النوويُّ كَُّهُ(٣).
(١) المصباح المنير ٢٤١/١.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٦/ ٢٥.
(٢) ((المصباح المنير)) ١٥/١.

٥٣٣
(٢٠) - بَابٌ جَامِعٌ لِكَيْفِيَّةِ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَمَنْ نَامَ عَنْهُ، أَوْ مَرِضَ - حديث رقم (١٧٣٩)
وإنما أشهد على رجعتها؛ عملاً بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوُهُنَّ
بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ الآية [الطلاق: ٢]، قال
الإمام ابن كثير تَخْتُ: أي: أشهدوا على الرجعة إذا عزمتم عليها، كما رواه أبو
داود (٢١٨٦)، وابن ماجه (٢٠٢٥) عن عمران بن حصين ◌ًّا أنه سئل عن
الرجل يطلق المرأة، ثم يقع بها، ولم يُشْهِد على طلاقها، ولا على رجعتها؟،
فقال: طَلَّقت لغير سنّة، ورجعت لغير سنة، وأشهد على طلاقها، وعلى
رجعتها، ولا تَعُدْ، وقال ابن جريج: كان عطاء يقول: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدّلٍ
مِنْكُمْ﴾ قال: لا يجوز في نكاح، ولا طلاق، ولا رِجَاع إلا شاهدا عدل، كما
قال الله ريت إلا أن يكون من عذر. انتهى(١).
(فَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ) أي: أتى سعد بن هشام إلى ابن عبّاس ◌ِطََّا (فَسَأَلَهُ عَنْ
وِتْرِ رَسُولِ اللهِ وَِّ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ) ◌َّا (أَلَا) أداة عرض وتحضيض (أَدُلُّكَ
عَلَى أَعْلَمْ أَهْلِ الْأَرْضِ) وفي رواية أبي داود: ((على أعلم الناس))، وأشار في
هامش بعض النسخ إلى أنه وقع أيضاً بعض نسخ مسلم، والله تعالى أعلم.
(بِوِتْرِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ؟) فيه أنه يستحبّ للعالم إذا سئل عن شيء، ويَعْرِف
أن غيره أعلم به منه أن يرشد السائل إليه، فإن الدين النصيحة، ويتضمّن مع
ذلك الإنصاف، والاعتراف بالفضل لأهله، والتواضع.
(قَالَ) سعد (مَنْ؟) استفهاميّة؛ أي: من هو أعلم أهل الأرض بوتره وَله؟
(قَالَ) ابن عبّاس ◌َِّا (عَائِشَةٌ) خبر لمحذوف؛ لدلالة السؤال عليه، كما قال في
((الخلاصة)):
وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كَمَا تَقُولُ زَيْدٌ بَعْدَ مَنْ عِنْدَكُمَا؟
وإنما كانت عائشة ظيّا أعلم بذلك؛ لأن الوتر صلاة ليليّة، تؤدّى في
البيت، وأمهات المؤمنين - رضي الله عنهنّ - أعلم بذلك، وأَولاهنّ به
عائشة ؛ لشدة حرصها على حفظ آثار النبيّ وَلّر، وكان يخصّها بما لم
يخصّ به غيرها، من نسائه، فقد كان يحبّ الْمُقام عندها كثيراً، وقد تنازلت
لها سودة بنت زَمْعة ◌َّا عن نَوْبتها، فبذلك كانت أعلم الناس بوتره وَّر، وبغير
(١) تفسير ابن كثير ٤/ ٣٨٠.

٥٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
ذلك من الأعمال التي يعملها وَ﴿ داخل البيت، ولا سيّما في الليل، والله
تعالى أعلم.
(فَأْتِهَا، فَاسْأَلْهَا) وفي نسخة: ((فسَلْهَا))، وهو لغة في ((اسأل))، قال في
((المصباح)): والأمر من سَأَلَ اسْأَلْ بهمزة وصل، فإن كان معه واو جاز الهمز؛
لأنه الأصل، وجاز الحذف؛ للتخفيف، نحو واسألوا، وسَلُوا، وفيه لغةٌ سَالَ
يَسَالُ، من باب خاف يَخَافُ، والأمرُ من هذه سَلْ، وفي المثنّى والمجموع
سَلَا، وسَلُوا على غير قياس؛ إذ القياس يقتضي أن يقال: سالا، وسالوا،
كخافا، وخافوا. انتهى بزيادة (١).
(ثُمَّ اثْتِنِي، فَأَخْبِرْنِي بِرَدِّهَا عَلَيْكَ) أي: بجوابها على سؤالك، وفيه شدّة
حرص ابن عبّاس ﴿ّ على تعلم سنة النبيّ وَّ، وإنما لم يتعلّم بنفسه منها؛
لكونه لا يدخل عليها، كما سيذكره آخر الحديث.
قال سعد بن هشام: (فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهَا) أي: ذهبتُ إلى عائشة ◌َّا؛
لأسألها عن ذلك (فَأَتَيْتُ عَلَى حَكِيمِ بْنِ أَفْلَحَ) هو: حجازيّ، رَوَى عن أبي
مسعود، وعائشة ضيها، وروى عنه جعفر بن عبد الله، والد عبد الحميد، لم يرو
عنه غيره، كما قاله الذهبيّ، له في ((ابن ماجه)) حديث واحد في ما للمسلم
على المسلم، وذكره ابن حبّان في ((الثقات))(٢).
(فَاسْتَلْحَقْتُهُ إِلَيْهَا) أي: طلبت منه أن يلحق بي، ويصاحبني في ذهابي إلى
عائشة ينا، وإنما طلب ذلك منه لمعرفتها إياه، دون سعد بن هشام، كما يدلّ
عليه ما يأتي.
(فَقَالَ: مَا أَنَا بِقَارِبِهَا) اسم فاعل من قَرَب يقرُب، كقتل يقتُلُ، وفيه لغة
أخرى، كتَعِبَ، يقال: قَرَبْتُ الأمرَ، أَقْرَبُهُ، من باب قَتَلَ، وتَعِبَ، قِرْبَاناً بالكسر:
فعلته، أو دانيته، ومن الأول قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ الزِّفَ﴾ [الإسراء: ٣٢]، ومن
الثاني قولك: لا تَقْرَب الْحِمَى؛ أي: لا تَدْنُ منه. وأما قرُب بضم الراء، کگرُم،
فإنه لازم يتعدى بـ((من))، يقال: قُرُب الشيءُ منّ، قُرْباً، وقَرَابة، وقُرْبة، وقُرْبَى(٣).
(١) ((المصباح المنير)) ٢٩٧/١.
(٣) ((المصباح المنير)) ٤٩٥/٢.
(٢) راجع: ((تهذيب التهذيب)) ٤٧٢/١.

٥٣٥
(٢٠) - بَابٌ جَامِعٌ لِكَيْفِيَّةِ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَمَنْ نَامَ عَنْهُ، أَوْ مَرِضَ - حديث رقم (١٧٣٩)
ثمّ بيّن سبب عدم قربه منها، فقال: (لِأَنِّي نَهَيْتُهَا أَنْ تَقُولَ) أي:
تتكلّم، وتتدخّل (فِي) شأن (هَاتَيْنِ الشِّعَتَيْنِ) أي: الطائفتين، والفرقتين،
والمراد تلك الحروب التي جرت بين فرقتي عليّ ومعاوية حيثها (شَيْئاً) أي:
شيئاً من القول، أو الفعل المؤيّد لإحداهما (فَأَبَتْ فِيهِمَا) أي: في الطائفتين
(إِلَّا مُضِيّاً) أي: إلا أن تذهب إلى مناصرة إحداهما، أو تداوم على ذلك،
يقال: مضى الشيءُ يَمضي مُضِيّاً، ومَضَاءً بالفتح والمدّ: ذَهَبَ، ومضيتُ
على الأمر مُضِيّاً: داومته، ومَضَى الأمرُ مَضَاءً: نَفَذَ، وأمضيته بالألف:
أنفذته(١).
والمعنى: أن عائشة ◌ُّ امتنعت من قبول نصحي لها، ومضت على
وجهها، حتى حصلت وقعة الْجَمَل المشهورة.
(قَالَ) سعد (فَأَقْسَمْتُ عَلَيْهِ) أي: حلفت عليه على أن يذهب معي، وفي
رواية أبي داود: ((فناشدته)) (فَجَاءَ، فَانْطَلَقْنَا إِلَى عَائِشَةَ) ﴿َا (فَاسْتَأْذَنَّا عَلَيْهَا)
أي: طلب الإذن بالدخول عليها في بيتها (فَأَذِنَتْ لَنَا، فَدَخَلْنَا عَلَيْهَا، فَقَالَتْ:
أَحَكِيمٌ؟) أي: أأنت حكيم؟ (فَعَرَفَتْهُ، فَقَالَ: نَعَمْ) أي: أنا حكيم (فَقَالَتْ: مَنْ
مَعَكَ؟) أي: من هذا الشخص الذي دخل عليّ معك؟ (قَالَ: سَعْدُ بْنُ هِشَام)
أي: هو سعد بن هشام، وفي رواية النسائيّ: ((فَقَالَتْ لِحَكِيم: مَنْ هَذَا مَعَكَ؟))
(قَالَتْ: مَنْ هِشَامٌ؟ قَالَ: ابْنُ عَامِرٍ) أي: هو ابنُ عامر (فَتَرَّخَّمَتْ عَلَيْهِ) أي:
دعت له بالرحمة، وفي رواية للنسائيّ، من طريق الحسن، عن سعد بن هشام:
((قالت: رحم الله أباك)) (وَقَالَتْ خَيْراً) وفي رواية محمد بن بشر، عن سعيد
التالية: ((قالت: نعم المرءُ كان عامرٌ، أصيب يوم أُحُدٍ))، وفي لفظ: ((نعم المرءُ
كان، أُصيب مع رسول الله وَ ﴾ يوم أحد)).
[تنبيه]: قوله: ((نعم المرء كان عامرٌ)) هكذا هو في رواية المصنّف ◌َخْذَلُهُ
برفعه، وهو الظاهر، ووقع في رواية النسائيّ: ((كان عامراً)) بالنصب.
قال أبو البقاء الْعُكبريُّ كَّتُهُ في ((إعراب الحديث)): ((المرء)) فاعل ((نعم))،
و((عامرٌ)) المخصوص بالمدح، و((كان)) يجوز أن تكون زائدة، ويجوز أن تكون
(١) ((المصباح المنير)) ٥٧٥/٢.

٥٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
الجملة من ((نِعْمَ)) والمرفوعين بعدها خبرَ ((كان))، ويكون في ((كان)) ضمير
الشأن، كما تقول: كان نعم الرجلُ زيد، وزيد نعم الرجلُ كان، ليس من
ضمير الشأن؛ لأن ضمير الشأن مُصدّرٌ على الجملة، وإنما ينبغي أن يكون على
هذا اسم كان مضمراً فيها، وهو عامر، وتكون الجملة المتقدّمة خبراً لها
مُقدّماً، ونظير زيادة ((كان)) ههنا زيادتها في التعجّب، كقولك: ما كان أحسن
زيداً. انتهى كلام أبي البقاء كَُّهُ(١).
(قَالَ قَتَادَةُ) بن دِعامة (وَكَانَ أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ) ظاهر هذا أنه من كلام
قتادة، ولكن الرواية الآتية ظاهرة في كونه من كلام عائشة ﴿ثا، ولا تنافي
بينهما؛ إذ يُمكن حمله على أن قتادة أحياناً ينقله روايةً، وأحياناً يقوله، والله
تعالى أعلم.
(فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ) هذا مقتبس من قول الله تعالى: ﴿وَأَزْوَجُ
أُنَّهَُ
[الأحزاب: ٦]، شُبِّهن بالأمهات في بعض الأحكام، وهو وجوب
تعظيمهنّ، واحترامهنّ، وتحريم نكاحهنّ، وهنّ فيما وراء ذلك بمنزلة
الأجنبيّات، قاله الطيبيُّ ◌َُّ(٢).
قال الحافظ العراقيُّ في «ألفيّة السيرة)):
هُنَّ لِذِي الإِيمَانِ أُمَّهَاتُ
زَوْجَاتُهُ كُلٌّ مُحَرَّمَاتٌ
مَعَ الْوُجُوبِ لاحْتِرَامِهِنَّهْ
نِكَاحُهُنَّ مَعْ عُقُوقِهِنَّهْ
(أَنْبِئيني) أي: أخبريني، ولأبي داود: ((حدثيني)) (عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللهِ وََّ).
أي: عن صفاته وسَجِيّته، قال في ((القاموس)): ((الْخُلُقُ)) بالضمّ، وبضمّتين:
السجيّة، والطبع، والمروءة، والدين. انتهى(٣).
وقال في ((المنهل)): و((الخُلُق)) بضم المعجمة، واللام، وقد تسكّن، في
الأصل مَلَكَة راسخة في النفس، تَصدُر عنها الأفعال بسهولة، فإن صدر عنها
المحمود عقلاً وشرعاً، فهي الخلق الحسن، وإلا فهي الخلق السيىء، والمراد
(١) ((إعراب الحديث لأبي البقاء)) ص ٤٧٤ - ٤٧٦.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٢١٩/٤.
(٣) ((القاموس المحيط)) ٢٢٩/٣.

٥٣٧
(٢٠) - بَابٌ جَامِعٌ لِكَيْفِيَّةِ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَمَنْ نَامَ عَنْهُ، أَوْ مَرِضَ - حديث رقم (١٧٣٩)
به هنا ما كان عليه النبيّ ◌َّ من الآداب والمكارم(١).
(قَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟) الظاهر أنه استفهام تقريريّ؛ لأنها تعرف أنه
ممن قرأ القرآن، ويَحْتَمل أن يكون استفهاماً حقيقيّاً؛ بناء على أنها لم تعرف
قراءته .
(قُلْتُ: بَلَى) أي: بلى قرأت القرآن، فـ(بلى)): حرف إيجاب، فإذا قيل:
ما قام زيدٌ، وقلت في الجواب: بلى، فمعناه إثبات القيام، وإذا قيل: أليس
كان كذا، وقلت: بلى، فمعناه التقرير، والإثبات، ولا تكون إلا بعد نفي، إما
في أول الكلام، أو في أثنائه، كقوله تعالى: ﴿أَخَسَبُ آلْإِسَنُ أَلَّنْ تَتْمَعَ عِظَامَهُ
بَلَ﴾ [القيامة: ٣، ٤] والتقدير: بل نجمعها، وقد يكون مع النفي استفهام، وقد
لا يكون، فهو أبداً يرفع حكم النفي، ويوجب نقيضه، وهو الإثبات، قاله
الفيّومِيُّ تَذْتُهُ(٢).
(قَالَتْ: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللهِ ﴿ِ كَانَ الْقُرْآنَ) قال القرطبيُّ ◌َُّ: أي: كان
يتخلّق بما فيه من محمود الأوصاف، ويَجتنب ما فيه من ممنوعها، ويَحْتَمِلُ أن
تُريد بقولها: ((القرآن)) الآيات التي اقتضت الثناء على رسول الله وَله، كقوله
تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾﴾ [القلم: ٤]، وكقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَشَِّعُونَ
الرَّسُولَ النَّبِّ الْأُفِىَ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٧]، وما في معنى ذلك، والله أعلم.
انتھی(٣).
وقال النوويُّ كَّتُهُ: معناه العمل بالقرآن، والوقوف عند حدوده، والتأدّب
بآدابه، والاعتبار بأمثاله، وقصصه، وتدبّره، وحسن تلاوته. انتهى (٤).
وحاصل المعنى: أنه * كان متمسكاً بآداب القرآن، وأوامره، واقفاً عند
حدوده، معتبراً بأمثاله وقصصه، محسّناً لتلاوته، فكان عاملاً بقول الله تعالى:
[الأعراف: ١٩٩]، وقوله تعالى
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِنَ
إخباراً عن لقمان: ﴿أَقِمِ اٌلْضَلَوَةَ وَأَمُرْ بِلْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأَصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكٌ﴾
الآية [لقمان: ١٧]، وقوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣]، وغيرِ ذلك.
(١) ((المنهل العذب المورود)» ٢٧٣/٧.
(٣) ((المفهم)) ٣٧٨/٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ١/ ٦٢.
(٤) ((شرح النوويّ)) ٢٦/٦.

٥٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
متحلّياً بما حثّ عليه الله تعالى بنحو قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ
وَإِيتَآٍَ ذِى الْقُرْبَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُكَرِ﴾ [النحل: ٩٠]، وقوله: ﴿فَمَنْ
عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، وقوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ
عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾﴾ [الشورى: ٤٣].
متجنّباً ما نهى الله عنه، بنحو قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ
عَسَوَ أَن يَكُونُواْ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ الآية [الحجرات: ١١].
وبالجملة، فكلّ ما قصّ الله تعالى في كتابه عن الأنبياء وغيرهم، من
مكارم الأخلاق، أو حثّ عليه، أو ندب إليه، أو ذُكر بالوصف الأتمّ، والنعت
الأكمل، كان النبيّ وَل﴿ متحلّياً به، ومتولياً له، ومتخلّقاً به، وبالغاً فيه من
المراتب أقصاها، حتى جُمِع له من ذلك ما تفرّق في سائر الخلق، وكلّ ما
نَهَى الله عنه كان ◌َ ﴿ لا يحوم حوله، بل كان أبعد الناس منه، ولذا أثنى الله
[القلم: ٤] (١) .
تعالى عليه بأعظم الثناء، حيث قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
(قَالَ) سعد بن هشام (فَهَمَمْتُ) أي: قصدت، يقال: هَمَمْتُ بالشيء هَمّاً،
من باب قَتَلَ: إذا أردته، ولم تفعله، وفي الحديث: (لقد هَمَمتُ أن أنهى عن
الْغِيلة ... )) الحديث؛ أي: عن إتيان المرضع، قاله في ((المصباح))(٢).
(أَنْ أَقُومَ) أي: من مجلس سؤالي لها (وَلَا أَسْأَلَ أَحَداً عَنْ شَيْءٍ) أي:
من أخلاق رسول الله وَّهِ (حَتَّى أَمُوتَ) يعني أن سعداً أراد أن يقوم من عند
عائشة فيها حيث أجملت له ما كان عليه النبيّ وَّر من مكارم الأخلاق،
ومحاسن الآداب، على وجهٍ أكملَ، وأوجز، حينما أحالته على القرآن الكريم
الجامع لكلّ صفات الكمال، والمنفّر عن كلّ ذميم الخصال، فيمكنه تتبع
أخلاقه وَل ـ منه إجمالاً وتفصيلاً، فلا يبقى عليه حاجة إلى سؤال شيء من
أخلاقه وَ*، كما قال تعالى: ﴿َّا فَرَّطْنَا فِ اَلْكِتَبِ مِن شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]،
وقوله: ﴿يَبْيَنَّا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ الآية [النحل: ٨٩]، وهذا من فصاحة عائشة ◌ًَّا،
وغزارة علمها، حيث أوجزت، وأبلغت، وأتقنت.
(١) ((المنهل العذب المورود)) ٢٧٣/٧ - ٢٧٤.
(٢) ((المصباح المنير)) ٦٤١/٢.

٥٣٩
(٢٠) - بَابٌ جَامِعٌ لِكَيْفِيَّةِ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَمَنْ نَامَ عَنْهُ، أَوْ مَرِضَ - حديث رقم (١٧٣٩)
وقال القرطبيّ تَخَُّ: إنما هَمّ سعد أن لا يسأل أحداً حتى يموت؛
استقصاراً لفهمه؛ إذ لم يفهم ذلك من القرآن مع وضوح ذلك المعنى فيه،
وإنهاضاً لهمّته للبحث عن معاني القرآن، واكتفاءً بذلك عن سؤال أحد من أهل
العلم. انتهى(١).
(ثُمَّ بَدَا لِي) أي: ظهر لي، أن أسأل عائشة ﴿ّا عن غير ما أحالتني على
القرآن، وهو خلق رسول الله ﴿﴿ ﴿فَقُلْتُ: أَنْبِئِينِي) أي: أخبريني (عَنْ قِيَام
﴾؟
رَسُولِ اللهِ وَ ◌ّهِ﴾ أي: تهجّده بصلاة الليل (فَقَالَتْ: أَسْتَ تَقْرَأُ: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّيِّلُ
قُلْتُ: بَلَى) أي: قرأتها (قَالَتْ: فَإِنَّ اللهَ رَ افْتَرَضَ) وفي نسخة: ((قد افترض))
(قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ) أي: في قوله تعالى: ﴿قُِّ اَلَيْلَ إِلَّا قَلِلًا ﴾﴾ (فَقَامَ
نَبِيُّ اللهِ ◌ّهِ وَأَصْحَابُهُ حَوْلاً) أي: سَنَةً، قال في ((المصباح)): حال حَوْلاً، من باب
قال: إذا مضى، ومنه قيل للعام: حَوْلٌ، ولو لم يَمْضِ؛ لأنه سيكون تسميةً
بالمصدر، والجمع أحوال. انتهى(٢) .
وفي رواية النسائيّ: ((فَقَامَ نَبِيُّ اللهِ نَّهِ، وَأَصْحَابُهُ، حَوْلاً حَتَّى انْتَفَخَتْ
أَقْدَامُهُمْ)) أي: من طول قيامهم.
قال القرطبيُّ كَّتُهُ: قولها: إن النسخ كان بعد حول، خولفت في ذلك،
فقيل: بعد عشر سنين، قال عياض: وهو الظاهر؛ لأن السورة مكيّة، ومن أوّل
ما نزل من القرآن، إلا الآيتين آخرها، نزلتا بالمدينة، وهذا الذي قاله صحيحٌ،
فصحيح الأحاديث، والنقلِ المشهور على ما قدّمناه في ((كتاب الإيمان)). انتهى
كلام القرطبيُّ ◌َُّهُ(٣).
(وَأَمْسَكَ اللهُ خَاتِمَتَهَا) أي: آخر هذه السورة، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ
أَنَّكَ تَقُومُ أَدْفَ مِن ثُلُنِى الَّلِ﴾ الى آخر السورة [المزَمّل: ٢٠] (اثْنَيْ عَشَرَ شَهْراً) وهو معنى
قولها: ((حولاً)) (فِي السَّمَاءِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ التَّخْفِيفَ) أي:
أنزل تخفيف فرضيّة قيام الليل بنسخه بقوله تعالى: ﴿فَقْرَهُواْ مَا تَتَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ ﴾ الآية
(فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعاً بَعْدَ فَرِيضَةٍ) وفي رواية النسائيّ: ((بعد أن كان فريضة)).
(١) ((المفهم)) ٣٧٨/٢.
(٣) («المفهم)) ٣٧٩/٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ١/ ١٥٧.

٥٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
قال النوويّ تَخْلَثُ: هذا ظاهر أنه صار تطوّعاً في حقّ رسول الله
الله
والأمة، فأما الأمة، فهو تطوّع في حقهم بالإجماع، وأما النبيّ وَّ، فاختلفوا
في نسخه في حقّه، والأصحّ عندنا نسخه، وأما ما حكاه القاضي عياض تَخْتُهُ
عن بعض السلف أنه يجب على الأمة من قيام الليل ما يقع عليه الاسم، ولو
قدر حلب شاة، فغلط، ومردود بإجماع مَنْ قبله، مع النصوص الصحيحة أنه لا
واجب إلا الصلوات الخمس. انتهى(١).
وقال القرطبيُّ ◌َُّهُ: ظاهر قولها هذا يدلّ على أنه كان فرضاً عليه،
وعلى الناس، قال مكيّ: وهو قول كافّة أهل العلم.
وقيل: إنه لم يكن فرضاً عليه، ولا عليهم، حكاه الأبهريّ عن بعضهم،
قال: لقوله تعالى: ﴿نِّصْفَهُ، أَوِ أَنْقُصْ مِنْهُ قَلِلَا جَ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزّمّل: ٣ - ٤]،
وليس هذا ضرب الفروض، وإنما هو ندب.
وقيل: كان فرضاً على النبيّ وَّه وحده، مندوباً لغيره، وكأن هذا مأخوذ
من مواجهة النبيّ وَّه بقوله: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَِّلُ ﴾﴾، فخُصّ بالخطاب، وبما رُوي
عن ابن عبّاس ◌ًِّا، مرفوعاً: ((ثلاثٌ عليّ فريضةٌ، ولكم تطوٌّ: الوتر،
والضُّحى، وركعتا الفجر))، وهو ضعيف، والصحيح ما نقلته عائشة رضيونا. انتهى
كلام القرطبيّ ◌َُّ(٢)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) سعد بن هشام (قُلْتُ) وفي نسخة: ((فقلت)) (يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْبِنِي
عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللهِ وَ﴿) أي: عن وقته، وكيفيته، وعدد ركعاته، وفي رواية
النسائيّ: ((فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُومَ، فَبَدَا لِي وِتْرُ رَسُولِ اللهِ وَ﴿))؛ أي: ظهر لي
السؤال عن وتره وَّل﴿ ﴿فَقَالَتْ) عائشة رِّا (كُنَّا نُعِدُ) بضمّ أوله، وكسر ثانيه،
مضارع أعدّ رباعيّاً، من الإعداد؛ أي: نهيّء لَهُ (سِوَاكَهُ) بكسر السين: عُود
الأراك، والجمع سُوٌ بسكون الواو، والأصل بضمّتين، مثلُ كتاب وكُتُب،
والمِسْوَاك مثله، وهو مأخوذ من تساوكت الإبل: إذا اضطربت أعناقها من
الْهُزَال، وقال ابن دُرَيد: سُكْتُ الشيءَ أَسُوكه سَوْكاً، من باب قال: إذا دَلَكْتَهُ،
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٦/٦ - ٢٧.
(٢) ((المفهم)) ٣٧٨/٢ - ٣٧٩.