Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
(١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ بِرَكْعَتَيْنِ ... إلخ - حديث رقم (١٦٥٤)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: لم يُصَلِّ العيد في المسجد، ولا
نُقِل عنه ذلك، هو كما قال، وأما ما رواه أبو داود، وابن ماجه من حديث أبي
هريرة به، أنه أصابهم مطر يوماً، فصلى بهم النبيّ وَّ العيد في المسجد،
فضعيف؛ لأن في سنده عيسى بن عبد الأعلى بن عبد الله بن أبي فَرْوة
مجهول.
وقوله: فإن لم يوجد ذلك فالاتباع أولى؛ أي: إن لم توجد القرائن الدالة
على ما ذكره، فالاتباع بترك الركعتين في الصحراء، وفعلهما في المسجد له،
لا للعيد، هو الأولی.
قال العلامة الصنعانيّ كَّهُ: وهذا هو النهج الواضح، وصلاته في
المسجد لأجله، لا للعيد، وتركها في الصحراء، أعني ترك صلاة التحية في
مصلى الصحراء، لا للمنع عن الصلاة، فإن الترك لا ظاهر له يقتضي المنع عن
الصلاة مطلقاً، ولا يوجد منه ما يعارض حديث: ((الصلاة خير موضوع)).
والعجب من ذكر هذا الخلاف في تحية المسجد، والصحراءُ ليست من
المساجد، وهذا بناءً على أن الصحراء غير مُسَبَّلَة، وإلا فهي مسجد.
نعم يؤخذ من ترك الصلاة قبل صلاة العيد استحباب تعجيلها، وعدم
الاشتغال بغيرها من النوافل، ولمثل هذا أُخّرت الخطبة. انتهى (١)، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الحادية عشرة): قال الإمام النوويّ كَّلُ: لو تكرر دخوله في
المسجد في الساعة الواحدة مراراً، قال صاحب ((التَّتِمّة)): تستحب التحية لكل
مرة، وقال المحاملي في ((اللباب)): أرجو أن تجزئه التحية مرة واحدة، والأول
أقوى، وأقرب إلى ظاهر الحديث. انتهى (٢) .
وقال ابن دقيق العيد كَّلُهُ: من كثر تردده إلى المسجد، وتكرر، هل يؤمر
بتكرار الركعتين؟ قال بعضهم: لا، وقاسه على الخَطَّابين، والفَكَّاهين المترددين
إلى مكة في سقوط الإحرام عنهم، إذا تكرر ترددهم. والحديث يقتضي التكرر
بتكرر الدخول.
(١) ((الفتح)) ٤٧٥/٢.
(٢) ((المجموع)) ٤/ ٥٢.

٣٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وقول هذا القائل يتعلق بمسألة أصولية، وهو تخصيص العموم بالقياس،
وللأصوليين في ذلك أقوال متعددة. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذا الكلام نظرٌ لا يخفى؛ إذ هذا
القياس غير صحيح؛ لأن دخول مكة لمن لم يرد الحج والعمرة بغير إحرام
جائز على القول الراجح، سواء تكرر أم لا؛ فقد دخل النبيّ ◌َّ عام الفتح بلا
إحرام، فالقول بوجوب الإحرام مما لا دليل عليه، فقياس دخول المسجد عليه
مع وجود النصّ قياس فاسد، فالراجح ما رجّحه النوويّ نَّتُهُ.
والحاصل أن تكرّر الصلاة بتكرّر الدخول هو الظاهر؛ لظاهر النصّ، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٥٥] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ،
عَنْ زَائِدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ(١)، حَدَّثَنِي(٢) مُحَمَّدُ بْنُ
يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمِ بْنِ خَلْدَةَ(٣) الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ،
صَاحِبٍ رَسُولِ اللهِ﴿ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللهِ وَلِّ جَالِسٌ بَيْنَ
ظَهْرَانَي النَّاسِ، قَالَ: فَجَلَسْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((مَا مَنَعَكَ أَنْ تَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ
قَبْلَ أَنَّ تَجْلِسَ؟))، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، رَأَيْتُكَ جَالِساً، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ،
قَالَ: ((فَإِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلَ يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة
إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠]
(ت٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
(١) وفي نسخة: ((عن زائدة، أخبرني عمرو)).
(٢) وفي نسخة: ((أخبرني)).
(٣) بفتح الخاء المعجمة، وسكون اللام، و))الزُّرَقيّ)) بضمّ الزاي، وفتح الراء، بعدها
قاف.

٣٠٣
(١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ بِرَكْعَتَيْنِ ... إلخ - حديث رقم (١٦٥٥)
٢ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ) بن الوليد الْجُعفيّ الكوفيّ المقرىء، ثقةٌ عابدٌ [٩]
(ت٣ أو ٢٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٤/١١.
٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصلت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، سنّيّ [٧]
(ت١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٣.
٤ - (عَمْرُو بْنُ يَحْبَى الْأَنْصَارِيُّ) هو: عمرو بن يحيى بن عُمارة بن أبي حسن
الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت١٣٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٦٤/٨٨.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ) - بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحّدة -
ابن منقِذ الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٤] (ت١٢١) وهو ابن (٧٤) سنةً (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٠/ ١٥٠.
والباقيان ذُكرا قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ◌َخَّلهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من عمرو بن يحيى، والباقون
کوفیّون.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: محمد بن يحيى، عن
عمرو بن سُليم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْم بْنِ خَلْدَةَ) - بفتح الخاء المعجمة، وسكون اللام -
الْأَنْصَارِيِّ، (عَنْ أَبِي قَتَادَةً) الحارث بن رِبْعيّ بن بَلْدَمَة، وقد اختُلف في اسمه
(صَاحِبٍ رَسُولِ اللهِ وََّ) بجرّ ((صاحبٍ)) صفة لأبي قتادة، أنه (قَالَ: دَخَلْتُ
الْمَسْجِدَ) أي: النبويّ، فـ((أل)) فيه للعهد (وَرَسُولُ اللهِ نَّهِ جَالِسٌ) جملة في
محلّ نصب على الحال من الفاعل، والرابط الواو (بَيْنَ ظَهْرَانَي النَّاسِ) أي:
بينهم، يقال: هو نازلٌ بين ظهرانيهم - بفتح النون - قال ابن فارس: ولا
تُكسر، وقال جماعةٌ: الألف والنون زائدتان للتأكيد، وبين ظَهْريهم، وبين

٣٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
أَظْهُرهم، كلَّها بمعنى بينهم، وفائدة إدخاله في الكلام أن إقامته بينهم على
سبيل الاستظهار بهم، والاستناد إليهم، وكأنّ المعنى أن ظهراً منهم قُدّامه،
وظهراً وراءه، فكأنه مكنوفٌ من جانبيه، هذا أصله، ثم كثُر حتى استُعْمِل في
الإقامة بين القوم، وإن كان غير مكنوف بينهم، قاله في ((المصباح)) (١).
(فَجَلَسْتُ) أي: دون أن يصلي ركعتين (فَقَالَ
(قَالَ) أبو قتادة
رَسُولُ اللهِ وَِّ: (مَا) استفهاميّةٌ، والاستفهام للإنكار (مَنَعَكَ أَنْ تَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ
قَبْلَ أَنْ تَجْلِسَ؟))) هذا يدلّ على أن أبا قتادة رَظُه كان يعلم قبل ذلك مشروعيّة
ركعتين لمن دخل المسجد قبل أن يجلس، وإلا لما أنكر عليه في ذلك، بل
كلّمه في مشروعيّتهما (قَالَ) أبو قتادة معتذراً من عدم صلاته (فَقُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللهِ، رَأَيْتُكَ جَالِساً، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ) أي: فجلست موافقةً لكم، أو
فاستحييت مخالفتكم، فجلست دون أن أركعهما (قَالَ) بَِّ ((فَإِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ
الْمَسْجِدَ، فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنٍ))) فيه التصريح بكراهة الجلوس بلا
صلاة ركعتين، واستحبابهما في أيّ وقت دخل، وهو مذهب الشافعيّ،
وجماعة، وهو الأرجح، كما أسلفنا تحقيقه في شرح الحديث الماضي.
[تنبيه]: عموم هذا الحديث يشمل المسجد الحرام، وأما ما اشتهر بين
الناس من أن تحيّة المسجد الحرام هو الطواف، لا الصلاة، فمخالف لهذا
الحديث وغيره، فتحيّة المساجد مطلقاً هي صلاة ركعتين، ولا ينافي ذلك كون
السنّة أن يبدأ من أحرم بالحجّ، أو العمرة أن يبدأ بالطواف؛ لأن الذي يبدأ
بالطواف يصلي عقبه ركعتي الطواف قبل أن يجلس، فقد حصل المطلوب من
امتثال الأمر بقوله وسلم: ((إذا دخل أحدكم المسجد، فليركع ركعتين))، وكذلك
لا يتناوله النهي بقوله تعالى: ((إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يركع
رکعتین)) .
والحاصل أن من دخل المسجد الحرام إن كان لا يريد الطواف، فليركع
ركعتين قبل أن يجلس، وإن كان يريد الطواف لحج أو عمرة، أو تطوّعاً،
(١) ((المصباح المنير)) ٣٨٧/٢.

٣٠٥
(١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ بِرَكْعَتَيْنِ ... إلخ - حديث رقم (١٦٥٦)
فليركع بعد الطواف ركعتي الطواف، وقد حصل امتثال الأمر بأداء ركعتين،
فتفطّن لهذا المهمّ، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف رَّتُهُ، وقد أخرجه ابن خزيمة
في (صحيحه)) (١٨٢٩)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٢٤٠)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (١٦٠٩)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَلُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٥٦] (٧١٥) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَوَّاسِ الْحَنَفِيُّ، أَبُو عَاصِم، حَدَّثَنَا
عُبَيْدُ اللهِ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَارِبٍ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عُبْدِ اللهِ،
قَالَ: كَانَ لِي عَلَى النَّبِيِّ وَهِ دَيْنٌ، فَقَضَانِي، وَزَادَنِي، وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ الْمَسْجِدَ،
فَقَالَ لِي: ((صَلِّ رَكْعَتَيْنٍ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (أَحْمَدُ بْنُ جَوَّاسٍ (١) الْحَتَفِيُّ، أَبُو عَاصِم) الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (١٣٨)
(م د) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٥/٦٤.
٢ - (عُبَيْدُ اللهِ الْأَشْجَعِيُّ) هو: ابن عُبيد الرحمن - بتصغير الاسمين - أبو
عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ مأمون، أثبت الناس كُتُباً في الثوريّ، من كبار [٩]
(ت١٨٢) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان) ١٤٦/١٠.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ الإمام
الحجة الثبت الحافظ الفقيه العابد، من رؤوس [٧] (ت١٦١) (ع) تقدم في
((المقدمة)) ١/١.
٤ - (مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ) السَّدُوسيّ الكوفيّ القاضي، ثقةٌ إمامٌ زاهدٌ [٤]
(ت١١٦) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٦٩/٤٠.
٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن
الصحابيّ ◌َّ، مات بعد (٧٠) وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
(١) بفتح الجيم، وتشديد الواو، آخره سين مهملة.

٣٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َظّتُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوی شیخه، فتفرّد به هو وأبو
داود، وعبيد الله الأشجعيّ، فما أخرج له أبو داود.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، والصحابيّ مدنيّ.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثاً،
وهو من المعمّرين، كما أسلفناه آنفاً .
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) ﴿هَا أنه (قَالَ: كَانَ لِي عَلَى النَّبِيِّ ◌ِ دَيْنٌ) هذا
الدين هو ثمن جمل جابر نظره، وسيأتي في الباب التالي من طريق شعبة، عن
محارب، سمع جابر بن عبد الله يقول: ((اشترى مني رسول الله وَ له بعيراً، فلما
قدِم المدينة، أمرني أن آتي المسجد، فأُصلّي ركعتين)).
وقصّة جمله ستأتي للمصنّف في ((كتاب المساقاة)): من طريق الشعبيّ،
عن جابر بن عبد الله، قال: غزوت مع رسول الله وَّر، فتلاحق بي، وتحتي
ناضح لي قد أعيا، ولا يكاد يسير، قال: فقال لي: ((ما لبعيرك؟»، قال:
قلت: عَلِيلٌ، قال: فتخلف رسول الله وَّله، فزجره، ودعا له، فما زال بين
يدي الإبل قُدّامها يسير، قال: فقال لي: ((كيف ترى بعيرك؟» قال: قلت:
بخير، قد أصابته بركتك، قال: ((أفتبيعنيه؟))، فاستحييت، ولم يكن لنا ناضح
غيره، قال: فقلت، نعم، فبعته إياه على أن لي فَقَار ظهره حتى أبلغ المدينة،
قال: فقلت له: يا رسول الله، إني عَرُوس، فاستأذنته، فأذن لي، فتقدّمت
الناس إلى المدينة حتى انتهيت، فلقيني خالي، فسألني عن البعير، فأخبرته
بما صنعت فيه، فلامني فيه، قال: وقد كان رسول الله وَل قر قال لي حين
استأذنته: ((ما تزوجت، أبكراً أم ثيباً؟))، فقلت له: تزوجت ثيباً، قال: ((أفلا
تزوجت بكراً تلاعبك وتلاعبها؟))، فقلت له: يا رسول الله، تُوُقِّي والدي، أو
استشهد، ولي أخوات صغار، فكرهت أن أتزوج إليهنّ مثلهنّ، فلا تؤدبهنّ،
ولا تقوم عليهنّ، فتزوجت ثيباً لتقوم عليهنّ، وتؤدبهنّ، قال: فلما قدم

٣٠٧
(١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ بِرَكْعَتَيْنٍ ... إلخ - حديث رقم (١٦٥٦)
رسول الله وَل المدينة غدوت إليه بالبعير، فأعطاني ثمنه، وردّه عليّ.
وفي رواية: قال: أقبلنا من مكة إلى المدينة مع رسول الله وَله، فاعتَلَّ
جملي، وساق الحديث بقصته، وفيه: ثم قال لي: ((بعني جملك هذا))، قال:
قلت: لا، بل هو لك، قال: ((لا، بل بعنيه))، قال: قلت: لا، بل هو لك يا
رسول الله، قال: ((لا، بل بعنيه))، قال: قلت: فإن لرجل عليّ أوقيةَ ذهب،
فهو لك بها، قال قد أخذته، فتبلَّغ عليه إلى المدينة، قال: فلما قَدِمت المدينة
قال رسول الله وَله لبلال: ((أعطه أوقيةً من ذهب، وزده))، قال: فأعطاني أوقية
من ذهب، وزادني قيراطاً، قال: فقلت: لا تفارقني زيادة رسول الله وَليو، قال:
فكان في كيس لي، فأخذه أهل الشام يوم الحرَّة.
وفي رواية قال: كنا مع النبيّ وَّ﴿ في سفر، فتخلّف ناضحي، وساق
الحديث، وقال فيه: فنخسه رسول الله وَلّر، ثم قال لي: ((اركب باسم الله))،
وزاد أيضاً: قال: فما زال يزيدني، ويقول: والله يغفر لك)). انتهى.
وسيأتي شرح الحديث مستوفَّى في محلّه - إن شاء الله تعالى -.
(فَقَضَانِي) أي: أدّى إليّ ذلك الدين، وكان أُوقيّة من ذهب، كما بُيّن في
الرواية المذكورة آنفاً (وَزَادَنِي) أي: قيراطاً، كما بيّن في الرواية أيضاً (وَدَخَلْتُ
عَلَيْهِ) أي: على النبيّ ◌ََّ (الْمَسْجِدَ) النبويّ (فَقَالَ لِي: ((صَلِّ رَكْعَتَيْنٍ))).
قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر أن هذه الصلاة غير الصلاة التي تأتي في
حديث جابر ظه الآتي في الباب التالي؛ لأنه في تلك وجد النبيّ وَّ على
باب المسجد، فقال له: ((ادخل، فصلّ ركعتين))، وأما هذه فظاهرها أنه وَله
كان داخل المسجد، فدخل عليه جابر، فأمره بصلاة ركعتين، ونحوها رواية
البخاريّ من طريق مسعر، عن محارب بلفظ: ((أتيت النبيّ وَّر، وهو في
المسجد))، فظاهره أنه وجده داخل المسجد، فعلى هذا يتم الاستدلال بهذا
الحديث على الأمر بصلاة تحيّة المسجد.
والحاصل أن الذي يظهر من هذه الرواية، حيث إن فيها: ((أتيتُ النبيّ وَله
وهو في المسجد))، أنه دخل عليه ◌َل﴿ وهو في المسجد، فأمره بصلاة ركعتين
تحيّة للمسجد، والظاهر أن هذا في وقت آخر، غير ما في الرواية الآتية في الباب
التالي، من طريق وهب بن كيسان، عن جابر ظُه بلفظ: ((فجئتُ المسجد،

٣٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
فوجدته على باب المسجد، قال: ((الآن حين قدِمتَ؟))، قلت: نعم، قال: ((دَعْ
جملك، وادخل، فصلّ ركعتين))، قال: فدخلت، فصلّيت، ثم رجعت))، فهذه
الرواية ظاهرة في أن ذلك كان أول ما قدم من سفره، فوجده على باب المسجد،
فأمره بأن يدخل، فيُصلي ركعتين، وهما سنّة القدوم من السفر، فتأمل، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله
(المسألة الثانية): في تخريجه:
هذا متّفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا [١٦٥٦/١٢ و١٦٥٧/١٣ و١٦٥٨] (٧١٥)،
و(البخاريّ) في ((الصلاة)) (٤٤٣) و((البيوع)) (٢٠٩٧) و((الاستقراض)) (٢٣٩٤)
و((الهبة)) (٢٦٠٤) و((الجهاد)) (٣٠٨٧ و٣٠٨٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٠٢/٣
- ٣٠٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٤٩٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(١٢٤١ و١٢٤٢ و١٢٤٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٦١٠ و١٦١١
و١٦١٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب تحيّة المسجد بصلاة ركعتين فيه.
٢ - (ومنها): بيان جواز الاستدانة من الناس.
٣ - (ومنها): وجوب قضاء الدين.
٤ - (ومنها): جواز البيع إلى أجل؛ لأن جابراً لله باع جمله بثمن مؤجّل.
٥ - (ومنها): استحباب الزيادة في قضاء الدين، ولا يكون ذلك من باب
الربا؛ لأنه ◌َ﴾ قضى جابراً دينه، وكان أوقيّةً، وزاده قيراطاً، وقد أخرج
الشيخان عن أبي هريرة ◌ُه قال: كان لرجل على النبيّ وَّهُ سِنّ من الإبل،
فجاءه يتقاضاه، فقال: ((أعطوه))، فطلبوا سِنَّهُ، فلم يجدوا له إلا سنّاً فوقها،
فقال: ((أعطوه))، فقال: أوفيتني أوفى الله بك، قال النبيّ وَّيقول: ((إن خيارَكم
أحسنكم قضاءً»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾.

٣٠٩
(١٣) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ رَكْعَتَيْنِ لِمَنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ أَوَّلَ قُدُومِهِ - حديث رقم (١٦٥٧ - ١٦٥٨)
(١٣) - (بَابُ اسْتِحْبَابٍ رَكْعَتَيْنِ لِمَنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرِ أَوَّلَ قُدُومِهِ)
ء
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[١٦٥٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
مُحَارِبٍ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: اشْتَرَى مِنِّي رَسُولُ اللهِنَّهِ بَعِيراً، فَلَمَّا
قَدِمَ الْمَدِينَةَ، أَمَرَنِي أَنْ آتِيَ الْمَسْجِدَ، فَأَصَلِّي رَكْعَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنْبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبَريّ، أبو المثنّى البصريّ
القاضي، ثقةٌ متقنٌّ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل بابين.
والباقيان تقدّما في الباب الماضي.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، ومسائله في الحديث الماضي،
وهو دليل واضح على استحباب الابتداء بالمسجد لمن قدِمَ من السفر، فيصلي
فيه ركعتين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٦٥٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي(١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، يَعْنِي
الثَّقَفِيَّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ وَهْبٍ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ:
خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي غَزَاةٍ، فَأَبْطَأَ بِي جَمَلِي، وَأَعْيَا، ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللهِ وَه
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).

٣١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
قَبْلِي، وَقَدِمْتُ بِالْغَدَاةِ، فَجِئْتُ الْمَسْجِدَ، فَوَجَدْتُهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، قَالَ(١):
((الْآنَ حِينَ قَدِمْتَ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَدَعْ جَمَلَكَ، وَادْخُلْ، فَصَلِّ رَكْعَتَيْنٍ، قَالَ:
فَدَخَلْتُ، فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِن،
ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) ابن عبد المجيد بن الصَّلْت، أبو محمد
البصريّ، ثقة [٨] (ت١٩٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧/ ١٧٣.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب
الْعُمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع)
تقدم في ((الإيمان)» ٢٢٢/٢٨.
٤ - (وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ) القُرَشيّ مولاهم، أبو نُعيم المدنيّ المعلّم، ثقةٌ،
من كبار [٤] (ت١٢٧) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٧٩٧/٢٣.
والصحابيّ ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب
الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عبيد الله، عن وهب،
وتقدّم الكلام في جابر ضُه .
شرح الحدیث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بِّهَا أنه (قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي غَزَاةٍ)
(١) وفي نسخة: ((فقال)).

٣١١
(١٣) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ رَكْعَتَيْنِ لِمَنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ أَوَّلَ قُدُومِهِ - حديث رقم (١٦٥٨)
- بفتح الغين المعجمة، اسم من الغَزْو، قال ابن الأثير تَخْتُهُ: ((الْغَزْوة)): المرّة
من الغزو، والاسم: الْغَزَاءُ. انتهى(١). وقال في ((المختار)): غَزَوت العدوَّ، من
باب عَدَا، والاسم: الْغَزَاةُ، ورجلٌ غازٍ، وجمعه: غُزَاةٌ، كقاضٍ وقُضاة،
وغُزَّى، كسابق وسُبَّق، وغَزِيّ، كحاجّ وحَجِيج، وقاطنٍ وقَطِينٍ، وغُزّاءٌ،
كفاسق وفُسّاق. انتهى(٢).
وقال في ((القاموس)): غزاه غَزْواً: أراده، وطلبه، وقصده، كاغتزاه،
وغزا العدوَّ: سار إلى قتالهم، وانتهابهم. انتهى(٣).
ويقال: إن الغزوة التي فيها هي غزوة ذات الرقاع، وقيل: هي غزوة
تبوك، ورجّح الحافظ الأول؛ لأنه قول أهل المغازي، وهم أضبط لذلك من
غيرهم، وأيضاً فإن النبيّ وَّ ر قال له: ((هل تزوّجت؟))، قال: نعم إلى آخر
القصّة، وفيه اعتذاره بتزوجه الثيّب بأن أباه استُشهد بأُحُد، وترك أخواته،
فتزوّج ثيّباً؛ لتمشّطهنّ، وتقوم عليهنّ، فأشعر بأن ذلك كان بالقرب من وفاة
أبيه، فيكون وقوع القصّة في ذات الرقاع أظهر من وقوعها في تبوك؛ لأن ذات
الرقاع كانت بعد أُحُد بسنة واحدة على الصحيح، وتبوك كانت بعدها بسبع
سنين، أفاده في (الفتح))(٤).
(فَأَبْطَأَ بِي جَمَلِي) أي: تأخّر سيره، يقال: أبطأ الرجلُ: تأخّر مجيئه،
وبَطُؤَ مجيئه بُظْئاً، من باب قَرُب، وبَطاءَةً بالفتح والمدّ، فهو بطيء، على
(٥)
فعيل(٥) .
(وَأَعْيَا) أي: تَعِبَ، وعجز عن السير، يقال: عَيِيَ بالأمر، وعن حُجّته يَعْيَا،
من باب تَعِبَ عِيّاً: عَجَزَ عنه، وقد يُدْغَم الماضي، فيقال: عَيَّ، فالرجل عَيٍّ،
وعَبِيٍّ، على فَعْلٍ، وفَعِيلٍ، وعَيِيَ بالأمر: لم يَهتَد لوجهه، وأعياني كذا بالألف:
أتعبني، فأعييتُ يُستعمل لازماً ومتعدّياً، وأعيا في مشيه، فهو مُعْي، منقوصٌ (٦).
(١) ((النهاية)) ٣٦٦/٣.
(٢) ((مختار الصحاح)) (ص٢٢٢).
(٣) ((القاموس المحيط)) ٣٦٩/٤.
(٤) ((الفتح)) ٣٧٨/٤ (كتاب الشروط)) رقم (٢٧١٨).
(٥) ((المصباح المنير)) ١/ ٥٢.
(٦) ((المصباح)) ٤٤١/٢.

٣١٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
(ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللهِ وَ لِ قَبْلِي، وَقَدِمْتُ بِالْغَدَاةِ) الظاهر أنه أراد غداة اليوم
الذي يلي يوم قدومه وَّة، وهذا يخالف ما تقدّم في الرواية الأخرى من أنه
قال: ((فقلت له: يا رسول الله، إني عَرُوس، فاستأذنته، فأذن لي، فتقدّمت
الناس إلى المدينة))، فإنه يدلّ على أنه سبق الناس.
ويُمكن الجمع بأن يقال: إنه لا يلزم من قوله: فتقدّمت الناس أن يستمرّ
سبقه لهم؛ لاحتمال أن يكونوا لَحِقوه بعد أن تقدّمهم، إما لنزوله لراحة، أو
نوم، أو غير ذلك، واستمرّ النبيّ وَّ على سيره حتى دخل المدينة قبله، ثم قدم
بعده بالغداة، والله تعالى أعلم.
(فَجِئْتُ الْمَسْجِدَ، فَوَجَدْتُهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، قَالَ) وفي نسخة: ((فقال))
((الْآنَ) منصوب على الظرفيّة، متعلّق بخبر لـ((حين قدمت))، وهو على تقدير أداة
الاستفهام؛ أي: آلآنَ، وهو ظرف للوقت الحاضر الذي أنت فيه، ولَزِمَ دخول
الألف واللام، وليس ذلك للتعريف؛ لأن التعريف تمييز المشتركات، وليس
لهذا ما يَشْرَكه في معناه(١). (حِينَ قَدِمْتَ؟))) ببناء ((حين)) على الفتح؛ لإضافتها
إلى الفعل الماضي، ويجوز إعرابها، فيُرفع على أنه مبتدأ، خبره الظرف قبله،
وإلى هذا أشار ابن مالك في ((الخلاصة)) بقوله:
وَاخْتَرْ بِنَا مَتْلُوِّ فِعْلٍ بُنِيَا
وَابْنِ أَوَ اغْرِبْ مَا كَ((إِذْ)) قَدْ أُجْرِيَا
أَغْرِبْ وَمَنْ بَنَى فَلَنْ يُّفَنَّدَا
وَقَبْلَ فِعْلٍ مُعْرَبٍ أَوْ مُبْتَدَا
ومنه قول الشاعر:
عَلَى حِينَ عَاتَبْتُ الْمَشِيبَ عَلَى الصِّبَا فَقُلْتُ أَلَمَّا أَصْحُ وَالشَّيْبُ وَازِعُ
رُوي بفتح ((حين)) على البناء، وكسرها على الإعراب.
(قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ) فَرِ ((فَدَعْ) أي: اترك (جَمَلَكَ، وَادْخُلْ) المسجد
(فَصَلِّ رَكْعَتَيْنٍ))، قَالَ) جابر ◌َظُهُ (فَدَخَلْتُ) المسجد (فَصَلَّيْتُ) الركعتين، ففيه
استحباب صلاة ركعتين عند القدوم من السفر، واستحباب البداءة بالمسجد قبل
البيت (ثُمَّ رَجَعْتُ) أي: إلى جهة حاجته.
والحديث تقدّم تخريجه، وبيان مسائله، وسيأتي أيضاً مطوّلاً في
(١) ((المصباح المنير)) ٣١/١.

٣١٣
(١٣) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ رَكْعَتَيْنِ لِمَنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ أَوَّلَ قُدُومِهِ - حديث رقم (١٦٥٩)
((الرضاع)) و((المساقاة))، ويأتي هناك شرحه مستوفَى - إن شاء الله تعالى - والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٥٩] (٧١٦) - (حَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا الضَّحَُّ، يَعْنِي أَبَا
عَاصِم (ح) وَحَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَا جَمِيعاً: أَخْبَرَنَا
ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ أَخْبَرَهُ،
عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ، وَعَنْ عَمِّهِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ،
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ◌ِ﴿َ كَانَ لَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ إِلَّا نَهَاراً، فِي الصُّحَى، فَإِذَا قَدِمَ بَدَأَ
بِالْمَسْجِدِ، فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) المذكور قبله.
٢ - (الضَّخَّاكُ، أَبُو عَاصِم) ابن مَخْلد بن الضحّاك النبيل الشيبانيّ
البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢١٢) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦.
٣ - (مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ) العدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٩) أو بعد ذلك (خ م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨١.
٤ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام، تقدّم قبل بابين.
٥ - (ابْنُ جُرَيْج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ
مولاهم المكيّ، ثقةٌ فاضلٌ، كان يدلّس ويُرسل [٦] (ت١٥٠) أو بعدها (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦.
٦ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم قريباً.
٧ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ) بن مالك الأنصاريّ السَّلَميّ،
أبو الخطّاب المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣].
رَوَى عن أبيه، وجدّه، وعمّه، عبيد الله، وأبي هريرة، وجابر، وسلمة بن
الأكوع على خلاف فيه.
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا))، وفي أخرى: ((وحدّثني)).

٣١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وروى عنه الزهريّ، ومحمد بن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف، وعبد الله بن
عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى.
قيل: إنه كان أعلم قومه، وأوعاهم، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال خليفة بن
خياط: مات في خلافة هشام بن عبد الملك.
ووقع في ((صحيح البخاريّ)) في ((الجهاد)) تصريحه بالسماع من جدّه،
وقال الذهليّ في ((العلل)): ما أظنه سمع من جدّه شيئاً، وقال الدارقطنيّ:
روايته عن جدّه مرسل، وقال أبو العباس الطَّرْقيّ: إنما رَوَى عن جدّه أحرفاً في
الحديث، ولم يمكنه الحديث بطوله، فاستثبته من أبيه. انتهى.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا
الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٧١٦) و(١٨٠٢) و(٢٧٦٩).
٨ - (أَبُوهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبٍ) بن مالك الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ [٢]،
يقال: له رؤيةٌ (ت ٧ أو٩٨) (خ م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٦٤/ ٣٦٠.
٩ - (عَمُّهُ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ كَعْبٍ) بن مالك الأنصاريّ السَّلَميّ، أبو فَضَالة
المدنيّ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن أبيه، وعنه أخوه مَعْبد، وابن أخيه عبد الرحمن بن عبد الله بن
کعب، والزهريّ.
قال أبو زرعة: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، قليل الحديث، وذكره ابن
حبان في ((الثقات))، وقال أبو أحمد الحاكم: كان أعلم قومه، وأوعاهم
الأحاديث الصحابة، وذكر ابن حبان أنه سمع من عثمان، وأخرج له أبو يعلى
في ((مسنده)) حديثاً أرسله، لذلك ذكره الذهبيّ في ((تجريد الصحابة))، وهو
وَهَمْ، قاله الحافظ رَّتُهُ .
أخرج له البخاري والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له عند
المصنّف، وأبي داود إلا هذا الحديث، وله عند البخاريّ حديثان، وعند
النسائيّ حديثان أيضاً.
١٠ - (كَعْبُ بْنُ مَالِك) بن أبي كعب، واسمه عمرو بن الْقَيْن بن كعب بن
سَوّاد بن غَنْم بن كعب بن سلمة الأنصاريّ السَّلَميّ، أبو عبد الله، ويقال: أبو
عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد: ويقال: أبو بشير المدنيّ الشاعر.

٣١٥
(١٣) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ رَكْعَتَيْنِ لِمَنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ أَوَّلَ قُدُومِهِ - حديث رقم (١٦٥٩)
رَوَى عن النبيّ وَلِّ، وعن أُسَيد بن حُضير، وعنه أولاده: عبد الله،
وعبيد الله، ومحمد، ومَعْبَد، وعبد الرحمن، وابن ابنه عبد الرحمن بن عبد الله،
وابن عباس، وجابر، وأبو أمامة الباهليّ، وعُمَر بن الحكم بن ثوبان، وعُمر بن
الحكم بن رافع، وعُمر بن كثير بن أفلح، وعليّ بن أبي طلحة، وأبو جعفر
الباقر، ولم يدركاه.
قال ابن الكلبيّ: شَهِد بدراً، كذا قال، وقد صَحّ عن كعب أنه قال:
تخلَّفت عن بدر، وقال الهيثم بن عديّ: تُؤُفّي سنة إحدى وخمسين، وقال ابن
الْبَرْقَيّ: مات قبل الأربعين، وقال الواقديّ: سنة (٥٠)، وقال ابن عون، عن
ابن سيرين: كان ثلاثة من الأنصار يُهَاجُون عن رسول الله وَلّى: حسان، وابن
رواحة، وكعب، وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم، وأنزل فيهم: ﴿وَعَلَى
الثََّثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾، وهو أحد السبعين الذين شَهِدوا العقبة، وذكر ابن حبّان
أنه مات أيام قَتْل عليّ ﴿هَا، وقال ابن سعد: آخى النبيّ ◌َِّ بينه وبين الزبير،
وقيل: طلحة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستّة أحاديث فقط، هذا برقم
(٧١٦) وحديث (١١٤٢) و(١٥٥٨) و(٢٠٣٢) وكرّره ثلاث مرّات، و(٢٧٦٩)
و(٢٨١٠) وأعاده بعده.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف ◌َخّْتُهُ، وله فيه شيخان فرّق بينهما
بالتحويل؛ لاختلاف كيفيّة تحمله عنهما، حيث أخذ عن ابن المثنّى مع جماعة،
ولذا قال: ((حدّثنا))، وعن ابن غيلان وحده، ولذا قال: ((وحدّثني))، فتنبّه لهذه
الدقائق.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن شهاب.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والإخبار إلى عبد الله بن مالك.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم، عن بعض: ابن
شهاب، عن عبد الرحمن، عن أبيه، وعمّه.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة
أنزل الله تعالى في
،

٣١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
شأن توبته وصاحبيه: هلال بن أميّة الواقفيّ، ومُرارة بن ربيعة العامريّ
قوله: ﴿وَعَلَى التَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾ الآية [التوبة: ١١٨].
شرح الحديث :
(عَنْ كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ) رَبِهِ (أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ كَانَ لَا يَقْدَمُ) بفتح أوله،
وثالثه، مضارع قَدِم بكسر الدال، قال في ((القاموس)): وقَدِمَ من سفره، كعَلِمَ
قُدُوماً، وقِدْمَاناً بالكسر: آبَ، فهو قادمٌ، وجمعه كعُنُقٍ، وزُنَّارٍ. انتهى(١). (مِنْ
سَفَرٍ إِلَّا نَهَاراً) فيه استحباب القدُوم في النهار، وإنما كان يفعل ذلك؛ لأنه قد
نَهَى أن يطرُق الرجل أهله ليلاً، وقد نَبَّهَ على تعليله في حديث جابر ◌ُه،
قال: ((نَهَى رسول الله وَّهِ أن يَظْرُق الرجل أهله ليلاً، يتخَوَّنهم، أو يلتمس
عَثَرَاتهم))، متّفقٌ عليه، واللفظ لمسلم.
وعن جابر بن عبد الله ها أيضاً أن النبيّ وَ ل * قال: ((إذا دخلت ليلاً، فلا
تدخل على أهلك، حتى تَستَحِدّ الْمُغِيبةُ، وتَمْتَشِطِ الشَّعِثَةُ))، متّفقٌ عليه، واللفظ
للبخاريّ.
واقتصر هنا كعب ربه على ذكر وقت الضحى، وقد رواه أنس به،
فقال: (كان النبيّ وَ لّ لا يطرُقُ أهله، كان لا يدخل إلا غُدْوةً، أو عشيَّةً))،
متّفقٌ عليه، ولفظ مسلم: ((لا يطرُقُ أهله ليلاً، وكان يأتيهم غُدْوةً، أو عشيّةً)).
قال القرطبيّ تَخُّْ: وكأنه كان أكثر قدومه في أول النهار؛ ليبدأ بالصلاة
في المسجد، فكان يتأخّر حتى يخرج وقت النهي. انتهى(٢).
وقوله: (فِي الضُّحَى) بدل من الجارّ والمجرور قبله، قال في ((القاموس)):
الضَّحْوة، والضَّحِيّةُ، كعشيّة: ارتفاع النهار، والضُّحَى فُويقه، ويُذكّر، ويُصغَّر
ضُحَيّاً بلا هاء، والضَّحَاءُ بالمدّ: إذا قَرُبَ انتصاف النهار، وبالضمّ والقصر:
الشمسُ. انتهى(٣).
وقال في ((المصباح)): الضَّحاءُ بالفتح والمدّ: امتداد النهار، وهو مذكّرٌ،
(١) ((القاموس المحيط)) ٤/ ١٦٢.
(٣) ((القاموس المحيط)) ٣٥٤/٤.
(٢) ((المفهم)) ٣٥٤/٢ - ٣٥٥.

٣١٧
(١٣) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ رَكْعَتَيْنِ لِمَنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ أَوَّلَ قُلُومِهِ - حديث رقم (١٦٥٩)
كأنه اسم للوقت، والضَّحْوةُ مثله، والجمع ضُحَّى، مثلُ قَرْية وقُرَى، وارتفعت
الضُّحَى: أي: ارتفعت الشمس، ثم استُعمل الضُّحَى استعمال المفرد، وسُمّي
بها حتى صُغِّر على ضُحَيّ بغير هاء، وقال الفرّاء: كرِهُوا إدخال الهاء؛ لئلا
يلتبس بتصغير ضَحْوَة. انتهى(١).
(فَإِذَا قَدِمَ) أي: رجع من سفره (بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ
جَلَسَ فِيهِ) وفي رواية البخاريّ: ((ثم جلس للناس))؛ أي: لأجل أن يسلّم عليه
الناس، وفي رواية لأحمد: ((لا يقدم من سفر إلا في الضحى، فيبدأ بالمسجد،
فيُصلي فيه ركعتين، ويقعُد))، وفي رواية ابن أبي شيبة: ((ثم يدخل على أهله))،
وفي حديث أبي ثعلبة: ((كان إذا قَدِمَ من سفره بدأ بالمسجد، فصلّى فيه
ركعتين، ثم يُثني بفاطمة، ثم يأتي أزواجه))، وفي لفظ: (( ثم بدأ ببيت فاطمة،
ثم أتى بيوت نسائه))، ذكره في ((الفتح))(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث كعب بن مالك
(المسألة الثانية): في تخريجه:
. هذا متّفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا [١٦٥٩/١٣] (٧١٦) وفي ((كتاب التوبة))
(٢٧٦٩)، و(البخاريّ) في ((المغازي)) (٣٠٨٨)، و(أبو داود) في ((الصلاة))
(٢٧٨١)، و(النسائيّ) في ((التفسير)) من ((الكبرى)) (٣٥٩/٦) رقم (١١٢٣٢)،
و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٢٤٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٦١٣
و١٦١٤ و١٦١٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب صلاة ركعتين لمن قدِم من السفر، قال
النوويّ كَخّثُ: وهذه الصلاة مقصودة للقدوم من السفر، لا أنها تحيّة المسجد،
(١) ((المصباح المنير)) ٣٥٨/٢ - ٣٥٩.
(٢) ((الفتح)) ٧/ ٧٢٣ ((كتاب المغازي)) رقم (٤٤١٨).

٣١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
والأحاديث المذكورة صريحةٌ في ذلك. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): يستحبّ للقادم أن يكون على وضوء، وأن يبدأ
بالمسجد قبل بيته، فيصلي فيه، ثم يجلس لمن يُسلّم عليه. انتهى(٢).
٢ - (ومنها): بيان استحباب القدوم من السفر نهاراً، ولا يطرُق أهله
ليلاً؛ لما سبق من النهي.
٣ - (ومنها): استحباب كون القدوم وقت الضحى، قال النوويّ كَّتُهُ:
فيه استحباب القدوم أوائل النهار. انتهى (٣).
٤ - (ومنها): استحباب البداء بالمسجد قبل البيت.
٥ - (ومنها): استحباب الجلوس في المسجد؛ لكونه أسهل على من يريد
استقباله، والسلام عليه، بخلاف البيت، فإنه ربّما يشقّ على الناس، أو على
أهل بيته كثرة دخول الناس فيه.
وقال النوويّ ◌َّتُهُ: وفيه أنه يستحب للرجل الكبير في المرتبة، ومَن
يقصده الناس إذا قَدِم من سفر للسلام عليه أن يقعد أَوَّلَ قدومه قريباً من داره،
في موضع بارز، سَهْلٍ على زائريه، إما المسجد، وإما غيره. انتهى (٤).
٦ - (ومنها): استحباب السلام على القادم، وتلقّيه، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أَثِبُ﴾ .
(١٤) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ صَلَاةِ الضُّحَى، وَأَنَّ أَقَلَّهَا رَكْعَتَانِ،
وَبَيَانِ فَضْلِهَا، وَالْحَثِّ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٦٠] (٧١٧) - (وَحَدَّثَنَا(٥) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَبْعٍ،
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٢٨/٥.
(٢) ((الفتح)) ٧/ ٧٣٠ (كتاب المغازي)) رقم (٤٤١٨).
(٣) ((شرح النوويّ)) ٢٢٨/٥.
(٥) وفي نسخة: ((حدّثنا)).
(٤) ((شرح مسلم)) ٢٢٨/٥.

٣١٩
(١٤) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ صَلَاةِ الضُّحَى، وَأَنَّ أَقَلَّهَا رَكْعَتَانِ ... إلخ - حديث رقم (١٦٦٠)
عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنٍ شَقِيقٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: هَلْ كَانَ
النَِّيُّ وَّهِ يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَتْ: لَا، إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨]
(ت١٨٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧.
٣ - (سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ) هو: ابن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ، اختَلَط
قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت١٤٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٦٦/٤٠.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ شَقِيقٍ) الْعُقَيليّ البصريّ، ثقةٌ، فيه نَصْبٌ [٣] (ت١٠٨)
(بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٨٤/ ٤٥٠.
٥ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق ظه، أم المؤمنين، تُوفّيت ◌َّا سنة (٥٧) أو
بعدها (ع)، تقدّمت في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف تَّتُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فإنه فما أخرج له
أبو داود، وابن ماجه، وعبد الله بن شقيق، فأخرج له البخاريّ في ((الأدب
المفرد)».
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وعائشة
فمدنيّة .
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: سعيد، عن ابن شقيق.
٥ - (ومنها): أن فيه عائشة يا من المكثرين السبعة، روت من الحديث
(٢٢١٠)، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث :
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ) الْعُقيليّ: أنه (قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ) ﴿ّا (هَلْ كَانَ
النَّبِيُّ وَّهِ يُصَلِّي الضُّحَى؟) أي: صلاة الضحى؟ (قَالَتْ: لَا) أي: كان لا
يصليها (إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ) - بفتح الميم، وكسر المعجمة - يكون مصدراً

٣٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
لغاب يَغِيب غَيْبَةً، وغِيَاباً - بالكسر - وغُيُوباً، ويكون مَحَلَّ الغَيْبَة، وهو المراد
هنا؛ أي: إلا أن يقدم من سفره.
وهذا الذي قالته عائشة ﴿ّا يفيد أنه وَِّ لم يصلِّ صلاة الضحى إلا عند
القدوم من السفر، وقد جاء عنها في ذلك أشياء مختلفة، فقد أخرج الشيخان
من طريق عروة، عنها، أنها قالت: ((ما رأيت رسول الله وَير سبّح الضحى،
وإني لأسبّحها))، وفي لفظ: ((ما رأيت رسول الله وَّه يُصلي سُبحة الضحى قطّ،
وإني لأسبّحها، وإن كان رسول الله وَ﴿ لَيَدَع العمل، وهو يُحبّ أن يعمل به،
خشيةَ أن يعمل به الناس، فيُفرَضَ عليهم))(١).
ويأتي للمصنّف من طريق معاذة العدوية، أنها سألت عائشة رضيّا: كم
كان رسول الله وَ* يصلي الضحى؟، قالت: ((أربعاً، ويزيد ما شاء))، وفي
رواية: ((ويزيد ما شاء الله)).
ففي الأول نفي صلاته وَلِّ صلاةَ الضحى مُقيّداً بغير المجيء من مغيبه،
وفي الثاني نفي رؤيتها لذلك مطلقاً، وفي الثالث إثباتها مطلقاً .
قال الإمام ابن المنذر تَُّ: خَفِي على عائشة ◌ُها صلاته وَلِّ صلاة
الضحى في غير اليوم الذي كان يَقْدَم فيه من مغيبه، كما خَفِي على أُسامة
ضُوعيه
صلاة النبيّ وَ﴿ في الكعبة. انتهى(٢).
وقال النوويّ تَخْتُ في ((شرحه)) ما حاصله: الجمع بين حديثي عائشة
في نفي صلاته وَلّر الضحى، وإثباتها، أن النبيّ ◌َّ كان يصليها في بعض
◌ُغُنا،
الأوقات؛ لفضلها، ويتركها في بعضها خشيةَ أن تُفْرَض، كما ذكرته عائشة
ويُتَأَوَّل قولها: ((ما كان يصليها إلا أن يجيء من مغيبه))، على أن معناه: ما
رأيته؛ كما قالت في روايتها الأخرى: ((ما رأيت رسول الله وَّر يصلي سبحة
الضحى)).
وسببه أن النبيّ وَ ﴿ ما كان يكون عند عائشة غيّا في وقت الضحى إلا
في وقت نادر من الأوقات، فإنه قد يكون في ذلك مسافراً، وقد يكون حاضراً،
(١) متّفقٌ عليه، واللفظ الأول للبخاريّ، والثاني لمسلم.
(٢) («الأوسط)) ٢٣٨/٥.