Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
(٥) - بَابُ جَوَازِ النَّافِلَةِ عَلَى الذَّابَةِ فِي السَّفَرِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ - حديث رقم (١٦١٥)
أنس منه أنه رأى النبيّ وَلّ يصلّي على حمار، وهو راكب إلى خيبر، والقبلة
خلفه(١)، والله تعالى أعلم بالصواب.
وقوله: (وَهُوَ مُوَجِّهٌ إِلَى خَيْبَرَ) بكسر الجيم: أي: متوجّهٌ، يقال: وَجّه
ههنا: أي: توجّه، وقد يقال: إن معناه: قاصدٌ، يقال: هذا وجهي إليه؛ أي:
قصدي، وقد يقال: معناه: مقابلٌ بوجهه إليها، قاله في ((الإكمال))(٢)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٦١٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا(٣) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ بِطَرِيقٍ مَكَّةَ، قَالَ سَعِيدٌ: فَلَمَّا
خَشِيتُ الصُّبْحَ نَزَلْتُ، فَأَوْتَرْتُ، ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ، فَقَالَ لِي ابْنُ عُمَرَ: أَيْنَ كُنْتَ؟ فَقُلْتُ
لَهُ: خَشِيتُ الْفَجْرَ، فَنَزَلْتُ، فَأَوْتَرْتُ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: أَلَيْسَ لَكَ فِي رَسُولِ اللهِ وَلـ
أُسْوَةٌ؟ فَقُلْتُ: بَلَى وَاللهِ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهَ كَانَ يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيرِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ)
القُرشيّ الْعَدويّ المدنيّ، ثقةٌ، من كبار [٧].
أرسل عن جد أبيه، ورَوَى عن عمّ أبيه سالم، وأبي الْحُباب سعيد بن
يسار، ونافع مولى ابن عمر، وهشام بن عروة، وإسحاق بن عبد الله بن جعفر،
وعباد بن تميم، وجماعة.
ورَوَى عنه مالك، وإبراهيم بن طَهْمان، وعبيد الله بن عمر الْعُمَريّ،
وسعيد بن سلمة بن أبي الْحُسَام، وإبراهيم بن أبي يحيى، وغيرهم.
قال أبو حاتم: لا بأس به، لا يُسَمَّى، وقال القاسم اللالكائيّ: ثقةٌ،
(١) صححه الشيخ الألبانيّ تَظّفُ، راجع: ((صحيح النسائي)).
(٢) ((إكمال المعلم)) ٢٨/٣.
(٣) وفى نسخة: ((حدّثنا)).

١٦٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وقال الخليليّ: لا يوقف له على اسمه، وهو مدنيّ، ثقةٌ، وذكره ابن حبان في
((الثقات))، له عندهم حديث واحد في الوتر على الدابة. قلت: روى له
البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له عندهم إلا
هذا الحديث.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (فَلَمَّا خَشِيتُ الصُّبْحَ) (خَشِي)) بكسر الشين المعجمة، من باب
رَضِي: خاف؛ أي: خِفْتُ طلوع الصبح، وفوات وقت صلاة الوتر.
وقوله: (أَلَيْسَ لَكَ فِي رَسُولِ اللهِ وَ﴿ أُسْوَةٌ؟) بضمّ الهمزة، وكسرها:
أي: اقتداء، واتّباع لسنّته وَّر، وفيه تعليم العالم لرفيقه ما قد يخفى عليه من
السنن .
وقوله: (فَقُلْتُ: بَلَى وَاللهِ) فيه الحلف على الأمر الذي يراد تأكيده.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٦١٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنٍ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ يُصَلِّ عَلَى
رَاحِلَتِهِ، حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ (١) بِهِ، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) العدويّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، مولى ابن
عمر، ثقةٌ [٤] (ت١٢٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٠/١٤.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف تَُّهُ، وهو
(١٠٨) من رباعيّات الكتاب.
(١) وفي نسخة: ((حيث توجّهت)).

١٦٣
(٥) - بَابُ جَوَازِ النَّافِلَةِ عَلَى الدَّابَةِ فِي السَّفَرِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ - حديث رقم (١٦١٧)
وقوله: (حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ) وفي نسخة: ((حيث توجّهت به))، والباء
للتعدية، أو المصاحبة؛ أي: إلى أيّ جِهَةٍ وَجَّهته، أو توجهت معه، والعائد
إلى ((حيث)) محذوف؛ أي: إليه، و((حيث)) متعلق بـ((يُصَلِّي)).
وقال ابن التين تَخَّتُهُ: مفهومه: أنه يَجلس عليها على هيئته التي يركب
عليها، ويَستقبل بوجهه ما استقبلته، فتقديره: يصلي على راحلته التي له حيث
توجهت به، فعلى هذا يتعلق قوله: ((توجهت به)) بقوله: ((يصلي)).
ويَحْتَمِل أن يتعلق بقوله: ((على راحلته))، لكن يؤيد الأول الرواية بلفظ:
((وهو على الراحلة، يُسَبِّح قِبَلَ أيِّ وَجْهِ توجهت))(١).
قال في ((الفتح)): واستُدِلّ به على أن جهة الطريق تكون بدلاً عن القبلة،
حتى لا يجوز الانحراف عنها عامداً قاصداً لغير حاجة المسير، إلا إذا كان في
غير جهة القبلة، فانحرف إليها، فإنه لا يضرّه على الصحيح.
واستُنبِط من دليل التنفل للراكب جواز التنفل للماشي، ومنعه مالك، مع
أنه أجازه لراكب السفينة. انتهى (٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٦١٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي(٣) عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ،
حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ (٤)، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ يُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عِيسَى بْنُ حَمَّادِ الْمِصْرِيُّ) أبو موسى، لقبه زُغْبَةُ، وهو أيضاً لقب
أبيه، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٨) (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٨٧/ ٤٦٢.
(١) ((الفتح)) ٦٦٨/١.
(٣) وفي نسخة: ((حدّثنا)).
(٢) ((الفتح)) ٦٧٠/٢.
(٤) وفي نسخة: ((ابن الهادي)).

١٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهْميّ مولاهم، أبو الحارث
المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ فقيه مشهورٌ [٧] (ت١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة))
جـ٢ ص ٤١٢.
٣ - (ابْنُ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثيّ، أبو
عبد الله المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت١٣٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[١٦١٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي(١) حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهُ
يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ قِبَلَ أَِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ، وَيُوتِرُ عَلَيْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا
الْمَكْتُوبَةَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم تقدّموا في أول الباب الماضي، غير:
١ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
وقوله: (يُسَبِّحُ) أي: يصلي النافلة.
وقوله: (قِبَلَ أَيِّ وَجٍْ) - بكسر ففتح - وزان عِنَبٍ: أي: جِهَةَ، وهو
منصوب على الظرفيّة، متعلق بـ(يُسَبِّح)).
وقوله: (تَوَجَّهَ) بتاء واحدة بصيغة الماضي، والفعل ضمير النبيّ ◌َّ،
وفي رواية النسائيّ: ((تتوجّه)) بتاءين، والضمير على هذا للراحلة.
وقوله: (وَيُوتِرُ عَلَيْهَا) أي: يصلّي صلاة الوتر على الراحلة.
(١) وفي نسخة: ((حدّثني)).

١٦٥
(٥) - بَابُ جَوَازِ النَّفِلَةِ عَلَى الدَّابَةِ فِي السَّفَرِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ - حديث رقم (١٦١٩)
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ) الضمير في ((أنه))، و(يصلّي))
للنبيّ وَّ، وفيه دليلٌ على أن الوتر غير واجب؛ إذ لو كان واجباً لما جاز
راكباً، وبه قال الجمهور: مالك، والشافعيّ، وأحمد، وهو مرويّ عن عليّ،
وابن عمر، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصريّ
وخالف في ذلك الحنفية، فقالوا: لا يجوز الوتر إلا على الأرض، كما
في الفرائض، وأحاديث الباب ترد عليهم، وسيأتي تمام البحث في هذا في
(باب صلاة الليل، والوتر)) - إن شاء الله تعالى -.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٦١٩] (٧٠١) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، وَحَرْمَلَةُ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ
وَهْبٍ (١)، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، أَخْبَرَهُ
أَنَّ أَبَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ نَّهِ يُصَلِّي السُّبْحَةَ بِاللَّيْلِ، فِي السَّفَرِ، عَلَى
ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ، حَيْثُ تَوَجَّهَتْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَمْرُو بْنُ سَوَّادِ) - بتشديد الواو - ابن الأسود بن عمرو العامريّ، أبو
محمد المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت٢٤٥) (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣٩/٣٤.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرٍ بْنِ رَبِيعَةَ) الْعَنَزيّ، أبو محمد المدنيّ، حليف بني
عديّ، ولد في عهد النبيّ وََّ، ثقةٌ [٢].
رَوَى عن أبيه، وعمر، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وحارثة بن
النعمان، وعائشة، وجابر
وروى عنه الزهريّ، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وعاصم بن عبيد الله،
وأمية بن هند، ومحمد بن زيد بن المهاجر بن قُنْفُذ، وعبد الله بن أبي بكر بن
(١) وفي نسخة: ((قالا: حدّثنا ابن وهب)).

١٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
حَزْم، وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وأبو بكر بن
حفص الزهريّ، وغيرهم، وكان له أخ أكبر منه اسمه أيضاً عبد الله، استُشْهِد
يوم الطائف، وأمهما أم عبد الله، ليلى بنت أبي خيثمة.
قال الهيثم ابن عديّ: تُوُفّي سنة بضع وثمانين، وقال غيره: سنة خمس.
وقال ابن معين: لم يسمع من النبيّ وَّ، وقال الترمذيّ في ((الصحابة)):
رأى النبيّ وَله، وروى عنه حرفاً، وإنما روايته عن أصحاب محمد وَلّو، قال
الواقديّ: وكان عبد الله ثقةً، قليل الحديث، وقال أبو زرعة: مدنيّ أدرك
النبيّ وَّ، وهو ثقةٌ، وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، من كبار التابعين، وقال
أبو حاتم: رأى النبيّ ◌َ ﴿ لَمّا دخل على أمه، وهو صغير، وقال ابن حبّان في
((الصحابة): أتاهم النبيّ وَّ في بيتهم، وهو غلام، وروايته عن الصحابة،
وأخرجه ابن سعد بسند حسن.
رَوَى له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٧٠١)
و(٢٢١٩) و(٢٤١٠) وأعاده بعده.
٣ - (أَبُوهُ) عامر بن ربيعة بن كعب بن مالك بن ربيعة بن عامر بن مالك،
أبو عبد الله الْعَنَزي العَدَويّ، حَلِيف آل الخطاب، كان من المهاجرين الأولين،
أسلم قبل عمر، وهاجر الهجرتين، وشَهِد بدراً، والمشاهد كلها، رَوَى عن
النبيّ وَّة، وعن أبي بكر، وعمر، وروى عنه ابنه عبد الله، وعبد الله بن عمر بن
الخطاب، وعبد الله بن الزبير، وأبو أمامة بن سهل بن حُنيف، وكان صاحب
لواء عمر بن الخطاب لَمّا قَدِمَ الجابية، واستخلفه عثمان على المدينة لما حجّ،
وقال محمد بن إسحاق: كان أول من قَدِم المدينة مهاجراً بعد أبي سلمة بن
عبد الأسد، وقال ابن سعد: كان قد حالف الخطاب، فتبنّاه، فكان يقال:
عامر بن الخطاب، حتى نزلت ﴿أَدْعُوهُمْ لَبَابِهِمْ﴾، فرجع عامر إلى نسبه، وهو
صحيح النسب، وقال يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن عبد الله بن عامر بن
ربيعة: قام عامر بن ربيعة يصلي من الليل، وذلك حين شَغَّب الناس في الطعن
على عثمان، فصل في الليل، ثم نام، فأُتي في منامه، فقيل له: قُمْ فسل الله
أن يعيذك من الفتنة التي أعاذ منها صالح عباده، فقام، فصلى، ثم اشتكى، فما
خرج بعدُ إلا جنازةً.

١٦٧
(٥) - بَابُ جَوَازِ النَّافِلَةِ عَلَى الدَّابَةِ فِي السَّفَرِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ - حديث رقم (١٦١٩)
قال يعقوب بن سفيان: مات في خلافة عثمان، وقال مصعب الزبيريّ
وغيره: مات سنة (٣٢)، وذكره أبو عبيد فيمن مات سنة (٣٢) ثم في سنة (٣٧)
قال: وأظنّ هذا أثبت، وحكى ابن زَبْر عن المدائنيّ أنه مات سنة ثلاث
وثلاثين، ثم ذكره فيمن مات سنة (٣٦) في المحرم، قال الحافظ: كأنه تلقّاه
من قول الواقديّ: كان موته بعد قتل عثمان بأيام، وأرخه ابن قانع سنة (٣٤).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٧٠١)،
و(٩٥٨) في القيام للجنازة.
والباقون تقدّم الكلام عنهم في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف نَّلُهُ، وله فيه شيخان قرن
بینھما .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج
له البخاريّ، والترمذيّ، والثاني تفرّد به هو والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ويونس أيليّ، ثم
مصريّ، ونصفه الثاني بالمدنیین .
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن، عن أبيه.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب
الستة إلا نحو أحد عشر حديثاً، راجع: ((تحفة الأشراف)) (٩٠/٤ - ٩٣)، والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ) أنه (أَخْبَرَهُ) أي: أخبر ابن شهاب (أَنَّ
أَبَاهُ) عامر بن ربيعة الْعَنَزيّ - بفتح العين المهملة، والنون، بعدها زاي ـ قال
في ((الفتح)): ليس في البخاريّ سوى هذا الحديث، وآخر في ((الجنائز))، وآخر
علّقهِ في ((الصيام)) (أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ وَِّ يُصَلِّيِ السُّبْحَةَ) أي: النافلة
(بِاللَّيْلِ، فِي السَّفَرِ، عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ، حَيْثُ تَوَجَّهَتْ) وفي رواية البخاريّ:
((حيث توجّهت به))، قال في ((الفتح)): هو أعمّ من قول جابر: ((في غير القبلة))،

١٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
قال ابن التين: قوله: ((حيث توجّهت به)) مفهومه أنه يجلس عليها على هيئته
التي يركبها عليها، ويستقبل ما استقبلته الراحلة، فتقديره: يصلّي على راحلته
التي له حيث توجّهت به، فعلى هذا يتعلّق قوله: ((توجّهت به)) بقوله: ((يصلّي)).
ويَحْتَمل أن يتعلّق بقوله: ((على راحلته))، لكن يؤيّد الأول رواية عُقيل،
عن ابن شهاب، بلفظ: ((وهو على الراحلة يُسبّح قِبَلَ أيِّ وجهٍ توجّهت)).
انتهى .
قال ابن دقيق العيد كَذَتُهُ: الحديث يدلُّ على الإيماء مطلقاً في الركوع
والسجود معاً، والفقهاء قالوا: يكون الإيماء في السجود أخفض من الركوع؛
ليكون البدل على وفق الأصل، وليس في لفظ الحديث ما يثبته ولا ينفيه.
انتھی.
:
قال الجامع عفا الله عنه: يؤيّد ما قاله الفقهاء ما أخرجه الترمذيّ عن
جابر نظريته قال: ((بعثني النبيّ وَّل في حاجة، فجئت، وهو يصلي على راحلته،
نحو المشرق، والسجودُ أخفض من الركوع»، وهو حديث صحيح، إلا أن في
سنده أبا الزير، وهو مدّس، وقد عنعنه.
لكن يشهد له ما أخرجه الطبرانيّ في ((المعجم الكبير» (٢٦٩/١٢) عن
ابن عمر قال: عاد رسول الله وسلم رجلاً من أصحابه مريضاً، وأنا معه،
فدخل عليه، وهو يصلي على عُود، فوضع جبهته على العود، فأومأ إليه،
فطرح العُود، وأخذ وسادةً، فقال رسول الله وَّه: (دعها عنك، إن استطعت أن
تسجد على الأرض، وإلا فأومىء إيماءً، واجعل سجودك أخفض من
ركوعك))(١) .
(١) قال الهيثميّ في ((مجمع الزوائد)) ١٤٨/٢: رواه الطبراني في ((الكبير)) وفيه حفص بن
سليمان المنقريّ، وهو متروك، واختلفت الرواية عن أحمد في توثيقه، والصحيح
أنه ضعّفه، والله أعلم، وقد ذكره ابن حبان في ((الثقات)). انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((حفص بن سليمان المنقريّ)) هذا فيه نظر، فإن
: المنقريّ ثقة، وإنما ضعّف أحمد وغيره حفص بن سليمان البزاز المقرئ المعروف، .
فتنبه .

١٦٩
(٥) - بَابُ جَوَازِ النَّافِلَةِ عَلَى الدَّابَةِ فِي السَّفَرِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ - حديث رقم (١٦٢٠)
وأخرج البزّار وأبو يعلى عن جابر بن عبد الله ضًا، قال: دعا
رسول الله * مريضاً، وأنا معه، فرآه يصلي ويسجد على وسادة، فنهاه،
وقال: إن استطعت أن تسجد على الأرض فاسجد، وإلا فأومي إيماءً، واجعل
السجود أخفض من الركوع)»(١)، رواه البزار، وأبو يعلى، قال الهيثميّ كَّتُهُ:
ورجال البزار رجال الصحيح. انتهى.
والحاصل أن هذه الأحاديث وإن كان في طرقها مقالٌ إلا أنها صحيحة
بمجموعها، فتدلّ على ما تقدّم عن الفقهاء من أن الإيماء بالسجود يكون
أخفض من الركوع، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عامر بن ربيعة طلبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٦١٩/٥] (٧٠١)، و(البخاريّ) في ((تقصير
الصلاة)) (١٠٩٣ و١٠٩٧)، وعلّقه برقم (١١٠٤)، (وأحمد) في ((مسنده)) (٣/
٤٤٤ و٤٤٥ و٤٤٦)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٢٦٥)، و(عبد بن حميد)
في ((مسنده)) (٣١٩)، و(أبو نعيم) في ((مسنده)) (٢٣٦٣ و٢٣٦٤)، و(أبو نعيم)
في ((مستخرجه)) (١٥٧٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٦٢٠] (٧٠٢) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا (٢) عَفَّانُ بْنُ مُسْلِم،
حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ، قَالَ: تَلَقَّيْنًّا أَنَسَ بْنَ مَالِكِ حِينَ قَدِّمَ
الشَّامَ(٣)، فَتَلَقَّيْنَاهُ بِعَيْنِ التَّمْرِ، فَرَأَيْتُهُ يُصَلِّ عَلَى حِمَارٍ، وَوَجْهُهُ ذَلِكَ الْجَانِبَ،
(١) صححه الشيخ الألبانيّ ◌َّثُ في (السلسلة الصحيحة)) ٦٤/١.
(٢) وفي نسخة: ((أخبرنا)).
(٣) وفي نسخة: ((حين قَدِمَ من الشام)).

١٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وَأَوْمَأَ هَمَّامٌ عَنْ يَسَارِ الْقِبْلَةِ، فَقُلْتُ لَهُ: رَأَيْتُكَ تُصَلِّي لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ، قَالَ: لَوْلَا أَنِّي
رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَفْعَلُهُ لَمْ أَفْعَلْهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون السمين البغداديّ، مروزيّ الأصل،
صدوقٌ فاضلٌ، ربّما وَهِمَ [١٠] (ت٥ أو ٢٣٦) (مد) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٤/١.
٢ - (عَقَّانُ بْنُ مُسْلِم) بن عبد الله الصفّار الباهليّ، أبو عثمان البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤٤/٦.
٣ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر
البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.
٤ - (أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ) الأنصاريّ، أبو موسى، أو أبو حمزة، أو أبو عبد الله
البصريّ، أخو محمد، ثقةٌ [٣] (ت١١٨) (ع) تقدم في ((المساجد)) ١٤٩٤/٤٨.
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) الصحابي الجليل نَظُبه، مات سنة (٢ أو ٩٣) (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف دَّلُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو وأبو
داود.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه أيضاً، فبغداديّ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث من أوله إلى آخره.
٥ - (ومنها): أن أنساً ظله ممن أكرمه الله تعالى بخدمة النبيّ وَل،
وملازمته، ونال بركة دعائه، وهو أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من
الصحابة
: بالبصرة، ومن المعمّرين، قد جاوز عمره المائة، والله تعالى
أعلم.
شرح الحديث:
عن أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ كَقْتُهُ، أنه (قَالَ: تَلَقَّيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكِ) وفي رواية
البخاريّ: ((استقبلنا أنس بن مالك)) (حِينَ قَدِمَ الشَّامَ) قال النوويّ كَّتُهُ: هكذا

١٧١
(٥) - بَابُ جَوَازِ النَّافِلَةِ عَلَى الذَّابَةِ فِي السَّفَرِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ - حديث رقم (١٦٢٠)
هو في جميع نسخ مسلم، وكذا نقله القاضي عياض عن جميع الروايات
((صحيح مسلم))، قال: وقيل: إنه وَهَمٌ، وصوابه: ((قَدِمَ من الشام))، كما جاء
في ((صحيح البخاري))؛ لأنهم خرجوا من البصرة للقائه حين قَدِم من الشام.
قال النوويّ: ورواية مسلم صحيحة، ومعناها: تلقيناه في رجوعه حين
قَدِمَ الشام، وإنما حَذَفَ ذِكْرَ رجوعه للعلم به. انتهى(١).
قال في ((الفتح)): قوله: ((حين قَدِمَ من الشام)) كان أنسُ ظُه قد توجه
إلى الشام يشكو من الحجاج، ووقع في رواية مسلم: ((حين قَدِم الشامَ))،
وغَلَّطوه؛ لأن أنس بن سيرين إنما تلقاه لَمّا رجع من الشام، فخرج ابن سيرين
من البصرة ليتلقاه.
ويمكن توجيهه بأن يكون المراد بقوله: ((حين قَدِمَ الشام)) مجرد ذكر
الوقت الذي وقع له فيه ذلك، كما تقول: فعلتُ كذا لَمَّا حججتُ، قال
النوويّ: رواية مسلم صحيحة، ومعناها: تلقيناه في رجوعه حين قَدِمَ الشامَ.
(٢)
انتھی(٢) .
قال الجامع عفا الله عنه: أشار في هامش النسخة التي علّق عليها محمد
ذهني إلى أنه يوجد في بعض نسخ ((صحيح مسلم)): ((حين قَدِمَ من الشام)) بزيادة
لفظة ((من))، ومما يؤكّد ذلك ما ذكره العينيّ كَّتُهُ في ((عمدته))، حيث قال:
وجدت في نسخ صحيحة لمسلم: ((من الشام)). انتهى (٣).
(فَتَلَقَّيْنَاهُ بِعَيْنِ التَّمْرِ) هو موضع بطريق العراق، مما يلي الشام، وكانت به
وقعة شهيرة في آخر خلافة أبي بكر ظُه بين خالد بن الوليد والأعاجم، ووَجَدَ
بها غلماناً من العرب، كانوا رَهْناً تحت يد كسرى، منهم جَدُّ الكلبيّ المفسر،
وحُمران مولى عثمان، وسيرين مولى أنس، قاله في ((الفتح)) (٤).
(فَرَأَيْتُهُ) أي: أنساً رَُّه (يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ، وَوَجْهُهُ ذَلِكَ الْجَانِبَ، وَأَوْمَاً
هَمَّاٌ) هو ابن يحيى الراوي عن أنس بن سيرين (عَنْ يَسَارِ الْقِبْلَةِ، فَقُلْتُ لَهُ:
رَأَيْتُكَ تُصَلِّي لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ) فيه إشعار بأنه لم ينكر الصلاة على الحمار، ولا غير
(١) ((شرح النوويّ)) ٢١٢/٥.
(٣) ((عمدة القاري)) ٢٠٦/٧.
(٢) ((الفتح)) ٦٧١/٢.
(٤) ((الفتح)) ٢/ ٦٧١.

١٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
ذلك من هيئة أنس في ذلك، وإنما أنكر عدم استقبال القبلة فقط (قَالَ):
أنس ◌َُّه (لَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِهِ يَفْعَلُهُ) جملة في محلّ نصب على
الحال من المفعول (لَمْ أَفْعَلْهُ) يعني ترك استقبال القبلة للمتنفّل على الدابة،
وهل يؤخذ منه أن النبيّ بَّ صلى على حمار؟ فيه احتمال، وقد نازع في ذلك
الإسماعيليّ، فقال: خبر أنس إنما هو في صلاة النبيّ وَ* راكباً تطوُّعاً لغير
القبلة، فإفراد الترجمة في الحمار من جهة السنة - أي: كما فعل البخاريّ في
((صحيحه))، حيث قال: ((باب صلاة التطوّع على الحمار)) - لا وجه له عندي.
انتھی .
قال الحافظ تَخْتُ: وقد رَوَى السرّاج من طريق يحيى بن سعيد، عن
أنس رّ ◌ُبه أنه رأى النبيّ وَّل يصلي على حمار، وهو ذاهب إلى خيبر، وإسناده
حسن .
وله شاهد عند مسلم من طريق عمرو بن يحيى المازنيّ، عن سعيد بن
يسار، عن ابن عمر ظه: ((رأيت النبيّ وَلّ يصلي على حمار، وهو متوجه إلى
خيبر))، فهذا يرجح الاحتمال الذي أشار إليه البخاريّ كَّتُهُ(١).
[فائدة]: لم يُبَيَّن في هذه الرواية كيفية صلاة أنس ◌َظُته، وذكره في
((الموطأ)) عن يحيى بن سعيد، قال: ((رأيت أنساً، وهو يصلي على حمار، وهو
متوجه إلى غير القبلة، يركع ويسجد إيماءً من غير أن يضع جبهته على
شيء))(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ◌َُّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٦٢٠/٥] (٧٠٢)، و(البخاريّ) في ((تقصير
الصلاة)) (١١٠٠)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٢٢٥)، و(النسائيّ) في
(١) ((الفتح)) ٦٧١/٢ - ٦٧٢.
(٢) راجع: ((الفتح)) ٦٧١/٢ - ٦٧٢.

١٧٣
٦ - بَابُ جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ - حديث رقم (١٦٢١)
(المساجد)) (٧٤١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٢٦/٣)، و(أبو عوانة) في
((مسنده)) (٢٣٦٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٥٧٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما قيل: إن من صلى على موضع فيه نجاسة، لا يباشرها
بشيء منه، أن صلاته صحيحة؛ لأن الدابة لا تخلو من نجاسة، ولو على
منفذها .
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكر في ((الفتح)) هذه الفائدة، وهو مبنيّ
على نجاسة البول ونحوه من جميع الحيوانات مأكول اللحم وغيره، وقد سبق
تحقيق الخلاف في ذلك، وأن الراجح طهارة البول ونحوه مطلقاً، فارجع إلى
ما حقّقته في ((كتاب الطهارة))، وبالله تعالى التوفيق.
٢ - (ومنها): أنه يؤخذ منه طهارة عَرَق الحمار؛ لأن ملابسته مع التحرّز
منه متعذّرٌ، لا سيّما إذا طال الزمان في ركوبه، واحتَمَل العرَق، قاله ابن دقيق
العيد تَخْذَتُهُ(١).
٣ - (ومنها): أن فيه الرجوعَ إلى أفعاله ◌َّيِ كالرجوع إلى أقواله.
٤ - (ومنها): أن فيه تلقّ المسافر حيث قُدومه من السفر.
٥ - (ومنها): أن فيه سؤال التلميذ شيخه عن مستند فعله، والجواب بالدليل.
٦ - (ومنها): أن فيه التلطف في السؤال، والعمل بالإشارة؛ لقوله: ((من
ذا الجانب))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٦) - (بَابُ جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ)
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ◌َّثُ المذكور أولَ الكتاب
[١٦٢١] (٧٠٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
قال :
(١) راجع: ((الفتح)) ٢/ ٦٧١.

١٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِذَا عَجِلَ بِهِ السَّيْرُ، جَمَعَ بَيْنَ
الْمَغَّرِبِ وَالْعِشَاءِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّاء
النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٢ - (مَالِك) بن أنس الأصبحيّ، أبو عبد الله، إمام دار الهجرة، رأس
المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨.
٣ - (نَافِعٌ) العدويّ، أبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ
مشهور [٣] (ت١١٧) أو بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨.
٤ - (ابْنُ عُمَرَ) هو عبد الله بن عمر بن الخطّاب ◌ًَّا، المتوفّى سنة (٧٣)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف تَُّ، وهو (١٠٩) من رباعيّات
الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو
داود، وابن ماجه .
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضاً، وقد دخل
المدينة .
٤ - (ومنها): أنه أصح الأسانيد على ما نقل عن الإمام البخاريّ تَخُّ.
٥ - (ومنها): أن ابن عمر ها أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة،
والمشهورين بالفتوى من الصحابة
شرح الحديث :
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) عَِّا أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِذَا عَجِلَ بِهِ السَّيْرُ) قال
النوويّ تَّتُهُ: هكذا هو في الأصول: ((عَجِلَ عليه))، هو بمعنى عَجِلَ به، في
الروايات الباقية. انتهى. ومعنى ((عجِلَ عليه السير))، أو (به)): دعاه السير، أو
السفر إلى العجلة والإسراع، ومثله ((عَجِلَ به السير))، و((أعجله السير)).

١٧٥
(٦) - بَابُ جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ - حديث رقم (١٦٢١)
قال في ((المصباح)): عَجِلَ عَجَلاً - من باب تَعِبَ - وعَجَلَة: أسرع
وحَضَرَ، فهو عاجلٌ، وتعجل، واستعجل في أمره كذلك، وأعجلته بالألف:
حملته على أن يعجل. انتهى باختصار.
واستَدَلّ به من قال: يَجْمَع من جدَّ به السير، وهو قول الليث، والمشهور
عن مالك، وسيأتي الجواب عنه.
(جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) وفي رواية سالم الآتية: ((يُؤَخِّرُ صَلَاةَ
الْمَغْرِبِ، حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ))، قال الحافظ تَخْتُهُ: لم يُعَيِّن
غاية التأخير، وبيّنه مسلم من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر
بأنه بعد أن يغيب الشفق، وفي رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب،
وموسى بن عقبة، عن نافع: ((فأخَّر المغرب بعد ذهاب الشفق، حتى ذهب
هوي من الليل))، وللبخاريّ في ((الجهاد)) من طريق أسلم مولى عمر، عن ابن
عمر في هذه القصة: ((حتى كان بعد غروب الشفق نزل، فصلى المغرب
والعشاء جمعاً بينهما))، ولأبي داود من طريق ربيعة، عن عبد الله بن دينار، عن
ابن عمر في هذه القصة: ((فصار حتى غاب الشفق، وتصوّبت النجوم نزل،
فصلى الصلاتين جمعاً)).
وجاءت عن ابن عمر روايات أخرى: ((أنه صلى المغرب في آخر الشفق،
ثم أقام الصلاة، وقد توارى الشفقُ، فصلى العشاء))، أخرجه أبو داود من طريق
عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن نافع، ولا تعارض بينه وبين ما سبق؛ لأنه
كان في واقعة أخرى. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﴿ّها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٦٢١/٦ و١٦٢٢ و١٦٢٣ و١٦٢٤] (٧٠٣)،
(١) ((الفتح)) ٢/ ٦٧٧.

١٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
و(البخاريّ) في (تقصير الصلاة)) (١٠٩١ و١١٠٦ و١١٠٩)، و(أبو داود) في
((الصلاة)) (١٢٠٧ و١٢١٣)، و(الترمذيّ) في ((الصلاة)) (٥٥٥)، و(النسائيّ) في
(المواقيت)) (٥٩٢ و٥٩٧ و٥٩٨ و٥٩٩ و٦٠٠)، و((الكبرى)) (١٥٦٧)،
و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٦١٦)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (٧٤٨)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٤/٢ و٧ و٥١ و٥٤ و٦٣ و٧٧ و٨٠ و١٠٢ و١٠٦
و١٥٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٣٨٥ و٢٣٨٦ و٢٣٨٨ و٢٣٨٩ و٢٣٩٠)،
و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٥٧٧ و١٥٧٨ و١٥٧٩ و١٥٨٠)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كون الشريعة سَمْحَةً سَهْلَةً، تُوسِّعُ على المكلفين في
محل الحرج، فلذا شُرع الجمع في السفر ونحوه.
٢ - (ومنها): مشروعية الجمع بين المغرب والعشاء، كما في هذا
الحديث، وبين الظهر والعصر كما في حديث أنس ظُه الآتي، في وقت
إحداهما تأخيراً، أو تقديماً؛ أما تأخيراً، فللأحاديث المذكورة في هذا الباب،
وأما تقديماً فللأدلة الأخرى، كما يأتي تحقيقه قريباً .
٣ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ ◌َ ﴿ من مراعاة ما يَسْهُل على الناس،
فإذا كان المحلّ مناسباً لهم تأخّر، فجمع بين الصلاتين، وإذا كان غير ذلك
عجل المسير، وواصل حتى يجمع في وقت الثانية، تخفيفاً على الصحابة
فقد ورد: ((أنه * * كان إذا نزل منزلاً في السفر، فأعجبه أقام فيه حتى
يجمع بين الظهر والعصر، ثم يرتحل، فإذا لم يتهيأ له المنزل مَدَّ في السير،
فسار حتى ينزل، فيجمع بين الظهر والعصر))، أخرجه البيهقيّ من حديث ابن
عباس ◌ًا، ورجاله ثقات، إلا أنه مشكوك في رفعه، والمحفوظ أنه موقوف،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الجمع بين الصلاتين في
السفر:
(اعلم): أنهم اختلفوا في هذه المسألة على سبعة أقوال:
[أحدها]: أنه يجوز الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، في

١٧٧
(٦) - بَابُ جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ - حديث رقم (١٦٢١)
السفر في وقت أحدهما جمعاً حقيقياً تقديماً وتأخيراً مطلقاً؛ أي: سواء كان
سائراً، أم لا، وسواء كان سيراً مُجِدّاً، أم لا .
وبه قال كثير من الصحابة ، وكثير من التابعين، ومن الفقهاء:
الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وأشهب،
وحكاه ابن قُدامة عن مالك أيضاً.
وقال الزرقانيّ: وإليه ذهب مالك في رواية مشهورة، قال صاحب
((المرعاة)): وهو مختار المالكية كما في فروعهم.
واختاره الشاه وليّ الله الدهلويّ، حيث قال في ((حجة الله البالغة)): مِنْ
رخص السفر الجمعُ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، والأصل فيه ما
أشرنا أن الأوقات الأصلية ثلاثة: الفجر، والظهر، والمغرب، وإنما اشتُقّ
العصر من الظهر، والمغرب من العشاء، ولئلا تكون المدة الطويلة فاصلة بين
الذكرين، ولئلا يكون النوم على صفة الغفلة، فشُرِع لهم جمع التقديم
والتأخير، لكنه لم يواظب عليه، ولم يَعِزم عليه، مثل ما فعل في القصر.
(١) .
انتھی
.
[الثاني]: أنه يَختص الجمع بمن يَجِدّ في السير؛ أي: يُسْرِعِ، قاله
الليث، وهو قول مالك في ((مدونة مالك))، واستُدِلَّ لهما بما رُوي في
((الصحيحين)) عن ابن عمر ظها، قال: كان النبيّ ◌َ* يجمع بين المغرب
والعشاء إذا جدَّ به السير، وسيأتي الجواب عنه.
[والثالث]: أنه يختص بما إذا كان سائراً، لا نازلاً، قاله ابن حبيب من
المالكية، واستُدِلّ لذلك بقوله: ((إذا كان على ظهر سير)).
وأجيب عن ذلك بما وقع من التصريح في حديث معاذ بن جبل
ته
مضى
بلفظ: ((فأخّر الصلاة يوماً، ثم خرج، فصلى الظهر والعصر جميعاً، ثم دخل،
ثم خرج، فصلى المغرب والعشاء)).
قال الشافعيّ كَّتُهُ في ((الأم)): قوله: ((ثم دخل، ثم خرج)) لا يكون إلا
وهو نازل، فللمسافر أن يجمع نازلاً ومسافراً.
(١) ((حجة الله البالغة)) ١٨/٢.

١٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وقال ابن عبد البرّ تَخْلُهُ: هذا أوضح دليل في الردّ على من قال: لا
يَجمع إلا من جَدّ به السير، وهو قاطع للالتباس.
وقال الباجيّ ◌َُّهُ: مقتضى قوله: ((ثم دخل، ثم خرج)) أنه مقيم غير
سائر؛ لأنه إنما يُسْتَعْمَل في الدخول في المنزل والخِبَاء، والخروج منهما، وهو
غالب الاستعمال، إلا أن يريد أنه خرج من الطريق إلى الصلاة، ثم دخله
للسير، وفيه بُعْدٌ، وكذا حَكَى عياض هذا التأويل عن بعضهم، ثم استبعده،
ولا شك في بعده، وكأنه ◌َ ﴿ فعل ذلك لبيان الجواز، وكان أكثر عادته التفرقة
في حال الجمع بين ما إذا كان سائراً، أو نازلاً، ومن ثم قالت الشافعية: ترك
الجمع أفضل.
[والرابع]: أن الجمع مكروه، قال ابن العربيّ: إنها رواية المصريين عن
مالك.
[والخامس]: أنه مختص بمن له عذر، حُكي ذلك عن الأوزاعيّ.
[والسادس]: أنه يجوز جمع التأخير دون التقديم، وهو اختيار ابن حزم،
وسيأتي الكلام فيه.
[والسابع]: أنه لا يجوز الجمع مطلقاً، إلا بعرفة والمزدلفة، وهو قول
الحسن، والنخعيّ، وأبي حنيفة، وصاحبيه.
ووقع عند النوويّ أن الصاحبين خالفا شيخهما، وَرَدَّ عليه السَّرُوجيّ في
((شرح الهداية))، وهو أعرف بمذهبه.
وأجاب هؤلاء عما ورد من الأخبار في ذلك بأن الذي وقع جَمْعٌ
صوري، وهو أنه أخّر المغرب مثلاً إلى آخر وقتها، وعجّل العشاء في أول
وقتها .
وتعقبه الخطابيّ تَظّفُ(١) بما حاصله: أن الجمع من الرخص العامة لجميع
الناس عامهم وخاصهم، فلو كان على ما ذكروه لكان أعظم ضيقاً من الإتيان
بكل صلاة في وقتها؛ لأن أوائل الأوقات وأواخرها مما لا يدركه أكثر الخاصة
فضلاً عن العامة.
(١) راجع: ((معالم السنن)) ٢٦٤/١.

١٧٩
(٦) - بَابُ جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ - حديث رقم (١٦٢١)
وأما أمره ◌َّ للمستحاضة بالجمع الصوري، فهو وارد في شيء يندُر
وجوده، على أنه ◌َ﴾ قَيَّدَ ذلك بقوله: ((إن قويت)) كما تقدم في محلّه، فإن
قَدَرت المستحاضة على معرفة أوائل الأوقات وأواخرها، وعلى الاغتسال ثلاث
مرات جمعت بين الصلاتين فعلاً صورةً.
ومن الدليل على أن الجمع رخصة قول ابن عباس: أراد أن لا يحرج
أمته، أخرجه مسلم، وهذا يقدح في حمله على الجمع الصوريّ؛ لأن النزول
للصلاتين، والخروج إليهما مرة واحدة - وإن كان أسهل من النزول مرتين -
لكن لا يخلو ذلك عن حرج ومشقة بسبب عدم معرفة أكثر الناس أوائل أوقات
الصلاة وأواخرها، بخلاف الجمع الوقتيّ فهو أيسر وأخفّ من الجمع الفعليّ،
وهذا ظاهر.
وأيضاً فإن الأخبار جاءت صريحة بالجمع في وقت إحدى الصلاتين،
وهي نصوص صريحة، لا تحتمل تأويلاً.
قال الشيخ عبد الحيّ اللكنويّ كَّهُ(١): حَمَل أصحابنا - يعني الحنفية -
الأحاديث الواردة في الجمع على الجمع الصوريّ، وقد بسط الطحاويّ الكلام
فيه في ((شرح معاني الآثار))، لكن لا أدري ماذا يفعل بالروايات التي وردت
صريحاً بأن الجمع كان بعد ذهاب الوقت، وهي مروية في ((الصحيحين))، و
((سنن أبي داود))، وغيرها من الكتب المعتمدة على ما لا يخفى على من نظر
فيها؟، فإن حُمل على أن الرواة لم يحصل لهم التمييز، فظنوا قرب خروج
الوقت خروج الوقت، فهذا بعيد عن الصحابة الناصِّين على ذلك، وإن اختير
ترك تلك الروايات بإبداء الخلل في الإسناد فهو أبعد، وأبعد، مع إخراج
الأئمة لها، وشهادتهم بتصحيحها، وإن عورض بالأحاديث التي صرحت بأن
الجمع كان بالتأخير إلى آخر الوقت، والتقديم في أول الوقت فهو أعجب، فإن
الجمع بينها بحملها على اختلاف الأحوال ممكن، بل هو الظاهر.
وبالجملة فالأمر مشكل، فتأمل لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً. انتهى
کلام اللكنويّ.
(١) ((التعليق الممجد)) ٥٧٠/١.

١٨٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
قال الجامع عفا الله عنه: أقول إنه لا إشكال - بحمد الله تعالى - إلا
على من يتعصب لبعض الآراء، فإن الأمر سهل لمن يتبع الدليل؛ فأدلة
الجمع الحقيقي واضحة صريحة؛ كما اعترف بها اللكنوي نفسه سابقاً، فلا
يسع إلا القول بها، وترك التعصب للمذهب؛ كما فعل الطحاويّ والعينيّ،
وأمثالهما والله المستعان على دفع ما خالف ظواهر النصوص بالتأويل
الْمُهَان.
وأيضاً المتبادر إلى الفهم من لفظ الجمع هو الجمع الوقتيّ، لا
الفعلي.
قال الخطابي في (معالم السنن)): ظاهر اسم الجمع عرفاً لا يقع على من
أخَّر الظهر حتى صلاها في آخر وقتها، وعجّل العصر، فصلاّها في أول وقتها؛
لأن هذا قد صلى كل صلاة منهما في وقتها الخاص بها، وإنما الجمع
المعروف بينهما أن تكون الصلاتان معاً في وقت أحدهما، ألا ترى أن الجمع
بينهما بعرفة والمزدلفة كذلك؟ !. انتهى.
ولو سلم أن لفظ الجمع عام يشمل الوقتيّ والفعليّ كليهما، فالروايات
الصريحة في جمع التقديم والتأخير معيّنة للمراد من لفظ الجمع في الروايات
المطلقة، وأن المقصود هو الجمع الوقتيّ؛ أي: الحقيقيّ، لا الصوريّ؛ أي:
الفعليّ، قاله في ((المرعاة))(١).
قال الجامع عفا الله عنه: وبالجملة فأدلة الجمع الحقيقيّ أوضح، وأقوى،
فوجب القول بجواز جمع التقديم والتأخير جمعاً حقيقيّاً في وقت الأولى أو
الثانية)).
وقد أشبعت البحث بأكثر مما هنا في ((شرح النسائيّ))(٢)، فراجعه تستفد،
والله - تعالى - أعلم، بالصواب، وإليه المرجع والمآبُ، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
(١) ((المرعاة)) ٣٩٦/٤ - ٣٩٨.
(٢) راجع: ((ذخيرة العقبى)) ٤٤٣/٧ - ٤٤٨ رقم الحديث (٨٦).