Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
(٢) - بَابٌ مِنْ أَيْنَ يَبْدَأُ بِالْقَصْرِ إِذَا خَرَجَ مِنْ وَطَنِهِ؟ - حديث رقم (١٥٨٧)
و٢٣٧١ و٢٣٧٢ و٢٣٧٣)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٢٢٤)، و(البيهقيّ)
في ((الكبرى)) (١٣٦/٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة القصر للمسافر خلال إقامته في محلّ مدّة إقامة
النبيّ مَُّله بمكة.
٢ - (ومنها): بيان أن الإقامة في أثناء السفر تُسَمَّى إقامة.
٣ - (ومنها): إطلاق اسم البلد على ما جاورها، وقَرُب منها؛ لأن منى
وعرفة ليسا من مكة، أما عرفة فلأنها خارج الحرم، فليست من مكة قطعاً،
وأما منى ففيها احتمال، والظاهر أنها ليست من مكة، إلا إن قلنا: إن اسم
مكة يَشْمَل الحرم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٨٧] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ (ح) وَحَدَّثَنَاه أَبُو
كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، جَمِيعاً عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ
النَّبِّ ◌ِ بِمِثْلِ حَدِيثٍ هُشَيْمٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم تقدّموا، فالثلاثة الأولون في الباب الماضي، والباقون في هذا
الباب.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثٍ هُشَيْم) يعني أن أبا عوانة، وابن عُليّة حدّثا عن
یحیی بن أبي إسحاق بمثل حدیث مُشیم عنه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، ومسائله في الذي قبله.
[تنبيه]: رواية أبي عوانة، عن يحيى هذه، ساقها الإمام النسائيّ ◌َّتُ في
((سننه))، فقال:
(١٤٣٨) أخبرنا قتيبة، قال: حدّثنا أبو عوانة، عن يحيى بن أبي إسحاق،
عن أنس، قال: خرجت مع رسول الله صل﴿ من المدينة إلى مكة، فلم يزل يَقْصُر
حتى رجع، فأقام بها عشراً. انتهى.

١٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وأما رواية ابن عليّة، فقد ساقها الإمام ابن حبّان ◌َظُّهُ، في (صحيحه))
(٤٥٨/٦) فقال:
(٢٧٥١) أخبرنا أبو يعلى، قال: حدّثنا أبو خيثمة، قال: حدّثنا إسماعيل
ابن عُلَيّة، عن يحيى بن أبي إسحاق، قال: سألت أنس بن مالك عن قصر
الصلاة؟ فقال: سافرنا مع رسول الله وَلالقر من المدينة إلى مكة، فصلى بنا
ركعتين حتى رجعنا، فسألته هل أقام؟ قال: نعم، أقمنا بمكة عشراً. انتهى.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج كَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٨٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ يَقُولُ: خَرَجْنَا
مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْحَجِّ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنْبريّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (٢٣٧) (خ م
د س) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبريّ، أبو المثنّى البصريّ
القاضي، ثقةٌ متقنٌّ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ) الفاعل ضمير شعبة؛ أي: ذكر شعبة الحديث بمثل
الحديث الذي قبل.
[تنبيه]: رواية شعبة هذه ساقها الحافظ أبو عوانة كَّلُ في ((مسنده)) (٢/
٧٥) فقال :
(٢٣٧٠) حدّثنا أبو قلابة، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال:
ثنا شعبة، عن يحيى بن أبي إسحاق، عن أنس، قال: ((سافرنا مع رسول الله وَله
ما بين مكة والمدينة، فكان يصلي ركعتين ركعتين، حتى رجعنا، قلت لأنس:
كم أقمتم؟ قال: أقمنا عشراً)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

١٠٣
(٣) - بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ بِمِنَى - حديث رقم (١٥٩٠)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٨٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ،
حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، جَمِيعاً عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ
النَّبِّ وَّهِ بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْحَجَّ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرِ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن
الكوفي، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الهمدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ،
سنّيّ، من كبار [٩] (ت١٩٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ
ثبتٌ، من كبار [٩] (ت٢٠١) وهو ابن (٨٠) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦.
٤ - (الثَّوْرِيُّ) سفيان بن سعيد، أبو عبد الله الكوفيّ الإمام الثبت الحجة
الفقيه العابد، من رؤوس [٧] (ت١٦١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي: بمثل الحديث السابق.
[تنبيه]: رواية الثوريّ هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٣) - (بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ بِمِنَى)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٩٠] (٦٩٤) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
عَمْرٌو، وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
رَسُولِ اللهِ وَِّ أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةَ الْمُسَافِرِ بِمِنَّى وَغَيْرِهِ رَكْعَتَيْنٍ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ،
وَعُثْمَانُ رَكْعَتَيْنِ صَدْراً مِنْ خِلَافَتِهِ، ثُمَّ أَتَمَّهَا أَرْبَعاً).

١٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ :
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صدوقٌ [١١]
(ت١٤٣) (م س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ
الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابد [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المدنيّ،
ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٩/١٦.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، أبو بكر المدنيّ الإمام الحجة
الثبت، من رؤوس [٤] (ت١٢٥٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٤٨.
٥ - (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر القرشيّ العدويّ، أبو عمر، أو أبو عبد الله
المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٣] (١٠٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦٢.
٦ - (أَبُوهُ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب ﴿َّ المتوفّى سنة (٧٣) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَّلُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فقد تفرّد به هو
والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، والثاني بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن سالِماً أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال.
٦ - (ومنها): أن ابن عمر ظه أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة،
والمشهورين بالفتوى، والتشدّد في اتّباع السنّة ◌ُته.
شرح الحديث:
(عَنْ سَالِم بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب ﴿ّ (عَنْ
رَسُولِ اللهِ وَ﴿ أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةَ الْمُسَافِرٍ) هي قصر الرباعيّة، وأما المغرب فلا
قصر فيها، وأما الصبح فلا يختلف الحكم فيها في منى ولا في غيره (بِمِنَّى)

١٠٥
(٣) - بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ بِمِنَى - حديث رقم (١٥٩٠)
يعني في أيّام الرمي، و((منَّى)) - بكسر الميم، وتخفيف النون، مقصوراً -: اسم
موضع بمكة، والغالب فيه التذكير، فيصرف، وقال ابن السرّاج: ومِنَّى ذَكَرٌ،
والشام ذَكَرٌ، وهَجَرٌ ذكر، والعراق ذكر، وإذا أنّث مُنع؛ أي: من الصرف،
وأمنى الرجلُ بالألف: أتى مِنَّى، ويقال: بينه وبين مكة ثلاثة أميال، وسُمي
منى لما يُمنى فيه من الدماء؛ أي: يُراق، قاله الفيوميّ(١).
قال الحريريّ تَخْتُهُ في ((ملحة الإعراب)) مبيناً بعض ما يُصْرَف من البقاع:
إِلَّا بِقَاعٌ جِثْنَ فِي السَّمَاعِ
وَلَيْسَ مَصْرُوفاً مِنَ الْبِقَاعِ
وَوَاسِطٍ وَدَابِقٍ وَحِجْرٍ
مِثْلُ حُنَيْنٍ وَمِنَّى وَبَدْرٍ
وقوله: (وَغَيْرِهِ) أي: غير منى من عرفة، والمزدلفة.
وقال النوويّ تَّتُهُ: قوله: (وَغَيْرِهِ) هكذا هو في الأصول ((وغيره))، وهو
صحيحٌ؛ لأن ((منى)) تُذكّر وتؤنّث بحسب القصد، إن قُصد الموضع فمذكّرٌ، أو
البُقعة، فمؤنّئة، وإذا ذُكِّر صُرِف، وكُتب بالألف، وإن أُنّث لم يُصرف، وكُتب
بالياء، والمختار تذكيره، وتنوينه، وسُمّي مِنَّى؛ لما يُمنَى به من الدماء؛ أي:
يُراق. انتهى(٢).
وقوله: (رَكْعَتَيْنِ) منصوب على البدلّة من ((صلاةَ المسافر)) (وَأَبُو بَكْرٍ)
الصدّيقِ ظُه، وهو معطوف على الضمير المستتر في ((صلّى))، وكذا قوله:
(وَعُمَرُ) بن الخطّابِ رَبه، وقوله: (وَعُثْمَانُ) أي: وصلّى عثمان بن عفّان ◌َُّه
(رَكْعَتَيْنٍ) مفعول لـ((صلّى)) المقدّر (صَدْراً مِنْ خِلَافَتِهِ) أي: أوّل خلافته، قال
الفيّوميّ تَخْتُهُ: صَدْرُ النهار: أوّله، وصَدْرُ المجلس: مُرتَفِعُهُ، وصدرُ الطريق:
متَّسَعُهُ، وصدرُ السَّهْم: ما جاوز من وسطه إلى مُستدقّه، سُمّي بذلك؛ لأنه
المتقدّم إذا رُمي به. انتهى.
ثم المراد بصدر الخلافة ثمان سنين، أو ستّ، كما سيأتي.
(ثُمَّ أَتَمَّهَا أَرْبَعاً) أي: صلّى عثمان رَّه بعد ذلك أربع ركعات؛ لأنه يرى
القصر والإتمام جائزين، ورأى ترجيح طرف الإتمام؛ لأن فيه زيادة مشقّة، وقد
تقدّم تحقيق الخلاف في سبب إتمام عثمان ظه، وكذا عائشة ◌َّا، مستوفّى
(١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٨٢.
(٢) ((شرح النووي)) ٢٠٣/٥.

١٠٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
في الباب الماضي، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ضًا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٥٩٠/٣ و١٥٩١ و١٥٩٢ و١٥٩٣ و١٥٩٤
و١٥٩٥] (٦٩٤)، و(البخاريّ) في ((تقصير الصلاة)) (١٠٨٢)، و((الحجّ))
(١٦٥٥)، و(النسائيّ) في ((تقصير الصلاة)) (١٤٥٠ و١٤٥١)، و((الكبرى))
(١٩٠٨ و١٩٠٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٦/٢ و٥٥ و٥٧)، و(الدارميّ) في
((سننه)) (٣٥٤/١ و٤٥١ و٥٤٢)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٩٦٣)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٢٧٥٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٣٤١ و٢٣٤٢
و٢٣٤٣ و٢٣٤٤)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٥٥٢ و١٥٥٣ و١٥٥٤
و ١٥٥٥ و١٥٥٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في قصر الصلاة بمنى:
(اعلم): أنه اختَلَف السلف في المقيم بمنى، هل يقصُر، أو يتمّ، بناءً
على أن القصر بها للسفر، أو للنسك؟ واختار الثاني مالك.
وتعقبه الطحاوي بأنه لو كان كذلك لكان أهل منى يُتِمُّون، ولا قائل
بذلك، وقال بعض المالكية: لو لم يجز لأهل مكة القصر بمنى لقال لهم
النبيّ وَلّ: أتموا، وليس بين مكة، ومنى مسافة القصر، فدلّ على أنهم قصروا
للنسك.
وأجيب بأن الترمذيّ رَوَى من حديث عمران بن حصين ظًّا أنه وَلّ كان
يصلي بمكة ركعتين، ويقول: ((يا أهل مكة أتموا، فإنا قوم سفر))، وكأنه ترك
إعلامهم بذلك بمنى استغناء بما تقدم بمكة.
قال الحافظ تَّتُهُ: وهذا ضعيف؛ لأن الحديث من رواية علي بن زيد بن
جُدْعان، وهو ضعيف، ولو صحّ فالقصة كانت في الفتح، وقصة منى في حجة
الوداع، وكان لا بدّ من بيان ذلك؛ لبعد العهد، ولا يخفى أن أصل البحث

١٠٧
(٣) - بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ بِمِنَى - حديث رقم (١٥٩١)
مبنيّ على تسليم أن المسافة التي بين مكة ومنى لا يُقْصَر فيها، وهو من محالّ
الخلاف. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الراجح عندي ما ذهب إليه الإمام
مالك تَخْتُهُ، من أن القصر للنسك؛ لأن أحاديث الباب ظاهرة فيه، وسيأتي
مزيد تحقيق لذلك في محله من ((كتاب الحج))، إن شاء الله تعالى، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٥٩١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاه زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم، عَنِ
الْأَوْزَاعِيِّ (ح) وَحَدَّثَنَاهِ إِسْحَاقُ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا (١) عَبْدُ الَّزَّزَّاقِ،
أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، جَمِيعاً عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ (٢): بِمِنَّى، وَلَمْ يَقُلْ:
وَغَيْرِهِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ، كثير
التدليس والتسوية [٨] (ت٤٢ أو ١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٠/ ١٤٨.
٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه،
ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت١٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٤ - (إِسْحَاقُ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٥ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكِسّيّ، أبو نصر، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ
حافظٌ [١١] (ت٢٤٩) (خت م ت) تقدم في ((الإيمان)) ١٣١/٧.
٦ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الحميريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ
حافظٌ مصنّفٌ، عَمِيَ في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت٢١١) وله (٨٥)
سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤
(١) وفي نسخة: ((حدّثنا).
(٢) وفي نسخة: ((وقال)).

١٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
٧ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، ثم اليمنيّ،
ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٨ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، ذُكر في السند الماضي.
وقوله: (قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) ضمير التثنية لإسحاق ابن راهويه،
وعبد بن حُمید.
وقوله: (جَمِيعاً عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ) يعني الأوزاعيّ، ومعمراً
كلاهما حدّثا عن الزهريّ بإسناده الماضي، وهو: عن سالم، عن أبيه.
[تنبيه]: أما رواية الأوزاعيّ هذه فقد ساقها الإمام أحمد في ((مسنده)،
فقال :
(٦٢١٩) حدّثنا مُبَشِّر بن إسماعيل، حدّثنا الأوزاعيّ، عن الزهريّ، عن
سالم، عن أبيه، قال: صليت مع رسول الله وَلو صلاة العشاء بمنى ركعتين،
ومع أبي بكر رَظُه ركعتين، ومع عمر ظُه ركعتين، ومع عثمان رَُّه ركعتين
صدراً من خلافته، ثم أتمها بعدُ عثمان رضي الله عليهم أجمعين.
وأما رواية معمر، فقد ساقها الإمام أحمد دَخَُّ أيضاً، فقال:
(٦٣١٦) حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن سالم، عن
ابن عمر، قال: صليت مع رسول الله وَلي ركعتين بمنى، ومع أبي بكر ركعتين،
ومع عمر ركعتين، ومع عثمان صدراً من خلافته، ثم صلاها أربعاً. انتهى.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٩٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا
عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِمِنَّى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبُو
بَكْرِ بَعْدَهُ، وَعُمَرُ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُثْمَانُ صَدْراً مِنْ خِلَافَتِهِ، ثُمَّ إِنَّ عُثْمَانَ صَلَّى
بَعْدُ أَرْبَعاً، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ صَلَّى أَرْبَعاً، وَإِذَا صَلَّهَا وَحْدَهُ(١)
صَلَّى رَكْعَتَيْنِ).
(١) وفي نسخة: ((وإذا صلى وحده)).

١٠٩
(٣) - بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ بِمِنَى - حديث رقم (١٥٩٢)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم العمريّ، أبو عثمان المدنيّ،
ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] مات سنة بضع (١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨.
٢ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣]
(ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨.
وأبو بكر، وشيخه تقدّما في الباب الماضي، وابن عمر طّها في السند
الماضي.
وقوله: (بَعْدُ) من الظروف المبنيّة على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة
معناه؛ أي: بعد صدر خلافته، وهو بعد ستّ سنين.
وقوله: (إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَام) الظاهر أن الإمام هو عثمان رَضُه، ويَحْتَمل
أن يكون المراد أيّ إمام يُتمّ الصلاة.
وقال القرطبيّ كَّتُ: يعني بالإمام عثمان رَؤُ لَمّا أتمّ، فإن ابن عمر
وابن مسعود ﴿ّ كانا يُصلّيان معه، ويُتمّان مع اعتقادهما أن القصر أولى
وأفضل، لكنّهما اتّبعاه؛ لأن الإتمام جائز، ومخالفته فيما رآه مما يسوغ
ممنوعة .
ويَحْتَمِلُ أن يريد بالإمام هنا أيَّ إمام اتَّفَقَ من أئمة المسلمين، ويعني به
أن ابن عمر كان إذا صلّى خلف مقيم أتمّ؛ تغليباً لفضيلة الجماعة، وبحكم
الموافقة فیما یجوز أصله. انتهى.
(مسألة): قال القرطبيّ كَُّهُ: قد اختلف في مسافر صلّى خلف مقيم،
وهذا الخلاف يتنزّل على الخلاف المتقدّم في حكم القصر، فقياس من قال:
إن القصر فرض أن لا تُجزئه صلاته، وحكاه أبو محمد عن بعض المتأخّرين
من أصحابنا، وقال غير هؤلاء: يقتدي به في الركعتين خاصّة، ثمّ يُسلّم
ويتركه، أو ينتظره، ويُسلّم معه؟ قولان، ومن قال: إن القصر سنّة من أصحابنا
اختلفوا، فروى ابن الماجشون وأشهب أنه يُتمّ، ثم يُعيد في الوقت، إلا أن
يكون في أحد مسجدي الحرمين، أو مساجد الأمصار الكبار، وروى مطرّف أن
لا إعادة، ورواه ابن القاسم.
قال القرطبيّ: وقياس من قال بالتخيير أن لا إعادة أصلاً، بل القصر

١١٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
والإتمام في حقّه سيّان، يَفعَل أيّهما شاء، إلا أن الأولى به أن لا يُخالف
الإمام، فإذا صلّى خلف مقيم اتّبعه من جهة منع المخالفة، لا من جهة
التخيير، والله أعلم. انتهى كلام القرطبيّ تَخْذُهُ(١).
وقال الإمام أبو بكر بن المنذر كَخَّتُهُ: أجمع أهل العلم على أن المقيم إذا
ائتمّ بالمسافر، وسلّم الإمام من ثنتين أن عليه إتمام الصلاة. ثم أخرج بسنده
عن عمران بن حصين، قال: غزوت مع رسول الله بَّر، وشَهِدت معه الفتح،
فأقام بمكة ثماني عشرة ليلةً، لا يصلي إلا ركعتين، ويقول: ((يا أهل البلد
صَلُّوا أربعاً، فإنا قوم سَفْرٌ))، وهذا ضعيف؛ لأن في سنده عليّ بن زيد بن
جُدعان، وهو ضعيف، وإنما الصحيح أنه من قول عمر له، فقد أخرجه
الإمام مالك تَخْتُهُ في ((الموطّأ))، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن عمر بن
الخطاب رضيه صلى للناس بمكة ركعتين، فلما انصرف قال: ((يا أهل مكة
أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفرٌ))، ثم صلى عمر ركعتين بمنى، ولم يبلغنا أنه قال
لهم شيئاً، وهذا إسناد صحيح، وأخرجه ابن المنذر أيضاً، من رواية الأسود،
عن عمر څخه، وهو أيضاً سند صحيح.
قال ابن المنذر تَّتُ: واختلفوا في مسافر أمّ قوماً مقيمين، وأتمّ الصلاة،
فقالت طائفةٌ: لا يُجزيهم، هكذا قال سفيان الثوريّ، قال: وقال أصحاب
الرأي: إذا صلّى مسافر بمسافر ومقيم أربعاً، فإن صلاة المسافر جائزة، وصلاة
المقيم فاسدة؛ لأن صلاة المسافر عندهم تطوّع بالركعتين الأخريين، ومن
مذهبهم أن من صلى فرضاً خلف متطوّع، فصلاته فاسدة.
وقال طائفة: إن صلاتهم كلِّهم تامّة، وهذا قول الشافعيّ، وأحمد،
وإسحاق. انتهى كلام ابن المنذر كَُّ بتصرّف(٢) .
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما ذهب إليه الشافعيّ، وأحمد،
وإسحاق - رحمهم الله تعالى - من صحّة صلاة الجميع هو الحقّ؛ لأنه سبق لنا
أن الحقّ جواز الإتمام، وأن اقتداء المفترض بالمتنفّل جائز، كما سبق تحقيقه
في شرح حديث معاذ ظبه حيث كان يصلي مع النبيّ وَّر العشاء، ثم يصلي
(١) ((المفهم)) ٣٣٥/٢ - ٣٣٦.
(٢) ((الأوسط)) ٣٦٥/٤ - ٣٦٦.

١١١
(٣) - بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ بِمِنَى - حديث رقم (١٥٩٣)
بقومه إماماً، وهو حديث متّفق عليه، فهو دليلٌ واضح لصحّة صلاة المفترض
خلف المتنقّل، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب.
وقوله: (صَلَّى أَرْبَعاً) أي: لكونه مؤتمّاً بإمام يُتمّ، فتابعه في الإتمام؛ لأن
من اقتدى بمن يُتم أتمّ معه وجوباً عند الجمهور.
وقوله: (وَإِذَا صَلَّهَا وَحْدَهُ) وفي نسخة: ((وإذا صلّى وحده)).
وقوله: (صَلَّى رَكْعَتَيْنٍ) أي: لكونه مسافراً، وحقّ المسافر القصر.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تََّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٥٩٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ(١) ابْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا:
حَدَّثَنَا بَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ (ح) وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ (ح)
وَحَدَّثَنَاهِ ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ،
نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (ابْنُ الْمُثَتَّى) هو: محمد المذكور في الباب الماضي.
٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) اليشكريّ، أبو قُدامة السرخسيّ، نزيل نيسابور،
ثقةٌ مأمون سنّيّ [١٠] (ت٢٤١) (خ م س) تقدم في ((المقدمة)) ٣٩/٦.
٣ - (يَحْيَى الْقَطَّنُ) تقدّم قبل باب.
٤ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء المذكور في الباب الماضي.
٥ - (ابْنُ أَبِي زَائِدَةً) هو: يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ، أبو
سعيد الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ٣ أو ١٨٤) وله (٩٣) سنةً
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢١/٥.
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).

١١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
٦ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نمير المذكور في الباب
الماضي.
٧ - (عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ) بن عقبة بن خالد السَّكونيّ، أبو مسعود الكوفيّ
الْمُجَدَّرُ - بالجيم - صدوقٌ، صاحب حديث [٨].
رَوَى عن الأعمش، وعبيد الله بن عمر، وهشام بن عروة، وأبي سعيد
البقّال، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ومالك بن أنس، وسعيد بن أبي
عروبة، وشعبة، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه خالد، وعيسى بن يونس، وهو من أقرانه، ومحمد بن
عُبيد الطَّنافسيّ، وأبو نعيم، وأحمد، وإسحاق، وأبو بكر بن أبي شيبة،
ومحمد بن سلام البيكنديّ، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وأبو سعيد الأشجّ،
وآخرون.
قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه، قلت: هو ثقة؟ قال: أرجو إن
شاء الله، وقال أبو حاتم: من الثقات، صالح الحديث، لا بأس به، وقال
النسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال الجاروديّ: شيخٌ كوفيّ، صاحب حديث، وذكره
ابن حبان في ((الثقات))، وقال أبو سعيد الأشجّ: حدّثنا عقبة بن خالد، وما
تعلمتُ ألفاظ الحديث إلا منه، وقال ابن شاهين في ((الثقات)): قال عثمان بن
أبي شيبة: هو عندي ثقة.
قال ابن نُمير، والترمذيّ: مات سنة ثمان وثمانين ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (٦٩٤)
و(١١٧٢) و(١٤٦٣) و(١٧٤٦) و(٢٠٩١) و(٢٨٩٤) وأعاده بعده.
٨ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر العمريّ المذكور في السند الماضي.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللّهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ) يعني: أن كلّاً من يحيى
القطّان، ويحيى بن أبي زائدة، وعقبة بن خالد رووا عن عبيد الله العمريّ
بإسناده الماضي، وهو: عن نافع، عن ابن عمر بنحو الحديث المتقدّم.
[تنبيه]: روايات هؤلاء الثلاثة لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

١١٣
(٣) - بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ بِمِنَى - حديث رقم (١٥٩٤)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٩٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
خُبَيْبٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سَمِعَ حَفْصَ بْنَ عَاصِم، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: صَلَّى
النَّبِيُّ ◌َّهِ بِمِنَّى صَلَةَ الْمُسَافِرِ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ ثَمَانِيَ سِنِينَ، أَوْ قَالَ:
سِتَّ سِنِينَ، قَالَ حَفْصٌ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي بِمِنَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَأْتِي فِرَاشَهُ،
فَقُلْتُ: أَيْ عَمِّ(١) لَوْ صَلَّيْتَ بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنٍ، قَالَ (٢): لَوْ فَعَلْتُ لَأَتْمَمْتُ الصَّلَاةَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن خُبيب بن يساف الأنصاريّ، أبو
الحارث المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت١٣٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.
٢ - (حَقْصُ بْنُ عَاصِم) بن عمر بن الخطّاب العُمريّ، تقدّم قبل باب.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وابن عمر ظُّ ذُكر في السند
الماضي.
وقوله: (ثَمَانِيَ سِنِينَ) هكذا بإثبات الياء في ((ثماني))، لإضافتها إلى
مؤنّث، قال الفيّوميّ كَّتُهُ: ((الثمانية)): بالهاء للمعدود المذكر، وبحذفها
للمؤنث، ومنه: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة: ٧]، والثوب سبعٌ في ثمانية؛
أي: طوله سبعُ أذرع، وعرضه ثمانية أشبار؛ لأن الذراع أنثى في الأكثر، ولهذا
حذفت العلامة معهاً، والشِّبْرِ مذكَّرٌ، وإذا أضفت ((الثمانية)) إلى مؤنث تَتْبُتُ الياء
ثبوتها في القاضي، وأعرب إعراب المنقوص، تقول: جاء ثماني نسوةٍ، ورأيت
ثمانيَ نسوةٍ، تُظهر الفتحةَ، وإذا لم تُضَف قلت: عندي من النساء ثمانٍ،
ومررت منهن بثمانٍ، ورأيت ثمانيَ، وإذا وقعت في المركّب تَخَيَّرت بين سكون
الياء وفتحها، والفتح أفصح، يقال: عندي من النساء ثَمَانِيَ عَشْرَةَ امرأةً،
وتحذف الياء في لغة بشرط فتح النون، فإن كان المعدود مذكّراً قلت: عندي
ثمانيةَ عَشَرَ رجلاً بإثبات الهاء. انتهى(٣). وهو بحثٌ مفيدٌ جدّاً.
(١) وفي نسخة: ((فقلت له: أي عمّ)).
(٣) ((المصباح المنير)) ٨٤/١ - ٨٥.
(٢) وفي نسخة: ((فقال)).

١١٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وقوله: (أَوْ قَالَ: سِتَّ سِنِينَ) شكّ من الراوي، قال النوويّ تَخَذَتُهُ: وهذا
هو المشهور أن عثمان رُه أتمّ بعد ستّ سنين من خلافته. انتهى (١).
وقال القرطبيّ تَظْتُ: الصحيح سبع سنين، قال عمران بن حصين ظًّا:
حججت مع عثمان سبعاً من إمارته، لا يُصلي إلا ركعتين، ثم صلّى بمنّى
أربعاً. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((الصحيح سبع سنين)) فيه نظرٌ؛ لأن
حديث عمران نظريته المذكور ضعيف(٢)؛ لأن في سنده عليّ بن زيد بن جُدعان
ضعيف، فالصحيح أنه ستّ سنين، كما أشار إليه النوويّ؛ فقد أخرج حديث
الباب الإمام أحمد كَّهُ في ((مسنده)) بإسناد صحيح بلفظ: ((ستّ سنين من
إمرته)) من غير شكّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (ثُمَّ يَأْتِي فِرَاشَهُ) أي: دون أن يصلي راتبة بعدها، وفي رواية
النسائيّ: ((ثم انصرف إلى طِنْفِسة له)).
وقوله: (فَقُلْتُ: أَْ عَمّ) وفي نسخة: ((فقلت له: أي عمّ))، ((وأي)) حرف
نداء، ((عمّ)) منادى مضاف إلى ياء المتكلّم، ويجوز فيه ستّ لغات، وقد أشار
ابن مالك تَخّْثُ في ((الخلاصة)) إلى خمس منها، فقال:
وَاجْعَلْ مُنَادِى صَحَّ إِنْ يُضَفْ لِيَا كَعَبْدٍ عَبْدِي عَبْدَ عَبْدَا عَبْدِيَا
فيجوز هنا: أي عَمِّ؛ أي عَمِّي؛ أي عَمِّيَ، أَي عَمَّا، أَيْ عَمَّ، هذا ما
أشار إليه في النظم، والسادس: أي عَمُّ بالضمّ؛ تشبيهاً له بالمفرد، وقد تقدّم
البحث في هذا مستوفّى في ((كتاب الإيمان)) في شرح قوله ◌َّ: ((يا عمّ قل: لا
إله إلا الله ... )) الحديث.
وقوله: (لَوْ صَلَّيْتَ بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنٍ) (لو)) حرف تَمَنٌّ، فلا تحتاج إلى
جواب؛ أي: أتمنّى لك أن تصلي ركعتين، ويَحْتَمِل أن تكون شرطيّة،
والجواب محذوفٌ: أي: لكان حسناً، وأراد بالركعتين المطلوبتين نافلة الراتبة.
وقوله: (قَالَ) وفي نسخة: ((فقال)) (لَوْ فَعَلْتُ لَأَتْمَمْتُ الصَّلَاةَ) أي: لو
(١) ((شرح النوويّ)) ١٩٨/٥ - ١٩٩.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنّفه)) ٢/ ٢٠٧.

١١٥
(٣) - بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ بِمِنَى - حديث رقم (١٥٩٥)
كانت الراتبة مطلوبةً، لكان إتمام الفريضة أولى بالطلب، والمراد أنه ليس هذا
ولا ذاك مطلوباً؛ إذ المقصود التخفيف عن المسافر.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله، قبل باب،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٥٩٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ(١) يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، يَعْنِي ابْنَ
الْحَارِثِ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَقُولَا فِي الْحَدِيثِ: بِمِنَّى، وَلَكِنْ قَالَا: صَلَّى فِي السَّفَرِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيب) بن عربيّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (٢٤٨) أو بعدها
(م٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٥/١٤.
٢ - (خَالِدُ بْنَ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجيميّ، أبو عثمان البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٣/٣٥.
٣ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث بن سعيد الْعَنْبَريّ مولاهم التَُّّوريّ، أبو
سهل البصريّ، ثقة، ثبتٌ في شعبة [٩] (ت٢٠٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٨٢/٦.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: قال كلّ من خالد بن
الحارث، وعبد الصمد: حدّثنا شعبة بهذا الإسناد الذي تقدّم، وهو: عن
خُبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن ابن عمر ◌ًا.
[تنبيه]: رواية خالد بن الحارث وعبد الصمد هذه، لم أجد من ساقها
تامّة، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).

١١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٩٦] (٦٩٥) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، عَنِ
الْأَعْمَشِ، حَذَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ، يَقُولُ: صَلَّى بِنَا
عُثْمَانُ بِمِنَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَاسْتَرْجَعَ، ثُمَّ قَالَ:
صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ بِمِنِّى رَكْعَتَيْنٍ، وَصَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ بِمِنَّى
رَكْعَتَيْنٍ، وَصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِمِنَّى رَكْعَتَيْنِ، فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعِ
رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانٍ مُتَقَبََّتَانِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ) بن زياد الْعَبديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٦)
(ع) تقدم في ((الطهارة)) ١١/ ٥٨٤.
٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ،
ثقةٌ ثبتٌ قارىء، ورعٌ، لكنه يدلّس [٥] (ت١٤٧) أو بعدها (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) ج١ ص٢٩٧.
٤ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود بن عمرو بن ربيعة النخعيّ،
أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيه [٥] (ت٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٢/٦.
٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ) بن قيس بن عبد الله بن مالك النخعيّ، أبو
بكر الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٣] (ت٨٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٥/٤٦.
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ) الصحابيّ الشهير المتوفّى سنة (٣٢) (ع) تقدم
في ((المقدمة)) ١١/٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَّلهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، من الأعمش، وعبد الواحد بصريّ،
وقُتيبة بغلانيّ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والسماع إلا في موضع.

١١٧
(٣) - بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ بِمِنَى - حديث رقم (١٥٩٦)
٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم، عن بعض:
الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن، وهو أخو الأسود بن يزيد، وكلاهما
خالان لإبراهيم؛ لأن أمه مليكة بن يزيد بن قيس أختهما .
٦ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة رُ﴿ه، جمّ المناقب، وقد
تقدّم طرف من فضائله غير مرّة.
شرح الحديث:
(عَنِ الْأَعْمَشِ) سليمان بن مِهْران أنه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد
النخعيّ (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ) خاله، كما أسلفته آنفاً (يَقُولُ:
صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ) بن عفّان ◌َُّ (بِمِنَّى) تقدّم البحث فيه قريباً (أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ)،
وكان ذلك بعد رجوعه من أعمال الحجّ في حال إقامته بمنَّى للرمي، قاله في
(الفتح)) (١). (فَقِيلَ ذَلِكَ) أي: ذُكر ما فعله عثمان رَّه من الإتمام الِعَبْدِ اللهِ بْنِ
مَسْعُودٍ) تَظُْه (فَاسْتَرْجَعَ) أي: فقال: إنا لله، وإنا إليه راجعون؛ لأنه يراه
مصيبةً، حيث خالف السنّة، وقد قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم ◌ُصِيبَةٌ قَالُواْ
﴾ [البقرة: ١٥٦]، لكن يُعتذر عن عثمان رَظُّه في
١٥٦
◌ِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ (
مخالفتها أنه اجتهد، وتأوّل، فلا لوم عليه ولا حرج، بل له أجرٌ في اجتهاده،
فقد أخرج الشيخان عن عمرو بن العاص ته أنه سمع رسول الله وَلاير يقول:
((إذا حكم الحاكم فاجتهد، ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد، ثم أخطأ
فله أجر))، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ كَخَّتُهُ: هذا الاسترجاع لِمَا رأى من تفويت عثمان
لفضيلة القصر، ولوجود صورة خلافه لمن تقدّمه، ولا يُفْهَم منه أن ذلك الإتمام
لا يُجزىء؛ لأنه قال: ((ولَيت حظّي من أربع ركعات ركعتان متقبّلتان))، فلو
كانت تلك الصلاة لا تُجزىء لما كان له فيها حظّ لا من ركعتين، ولا من
غيرهما، فإنها تكون فاسدةً كلّها، والله تعالى أعلم. انتهى(٢).
(ثُمَّ قَالَ) ابن مسعود رَظُه (صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ لَّهِ بِمِنَّى رَكْعَتَيْنٍ،
(١) ((الفتح)) ٢/ ٦٥٧.
(٢) ((المفهم)) ٣٣٦/٢.

١١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وَصَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ) رَُّه (بِمِنِّى رَكْعَتَيْنٍ، وَصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ
الْخَطَّابِ) رَؤُهُ (بِمِنَّىَ رَكْعَتَيْنٍ) زاد الثوري، عن الأعمش: ((ثمّ تفرّقت بكم
الطرق))، رواه البخاريّ في ((كتاب الحجّ)) من طريق (فَلَيْتَ حَظَّي) أي: نصيبي،
قال في ((القاموس)): الحظّ: النصيب، والْجَدُّ، أو خاصّ بالنصيب من الخير
والفَضْلِ، والجمع حُظُوظ، مثلُ: فلس وفُلُوس، والحظّ أيضاً الْجَدُّ، والفعل
كسَمِعَ يَسْمَعُ. انتهى باختصار (١). (مِنْ أَرْبَع رَكَعَاتٍ) ((مِنْ)) بمعنى البدل، كما
في قوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ﴾ الآية [التوبة: ٣٨]؛
أي: بدل أربع ركعات، وقوله: (رَكْعَتَانِ مُتَقَبََّتَانٍ) خبر (ليت)).
قال النوويّ كَّلُهُ: معناه ليت عثمان صلى ركعتين، بدل الأربع، كما كان
النبيّ ◌ََّ، وأبو بكر، وعمرُ، وعثمان رضوان الله عليهم أجمعين في صدر
خلافته يفعلون، ومقصوده كراهة مخالفة ما كان عليه رسول الله وَالقتل،
وصاحباه، ومع هذا فابن مسعود ظبه موافق على جواز الإتمام، ولهذا كان
يُصلي وراء عثمان ظُهُ مُتمّاً، ولو كان القصر عنده واجباً(٢) لما استجاز تركه
وراء أحد. انتهى.
وقال في ((الفتح)): وهذا يدلّ على أنه كان يرى الإتمام جائزاً، وإلا لما
كان له حظّ من الأربع، ولا من غيرها، فإنها كانت تكون فاسدة كلها، وإنما
استرجع ابن مسعود ظلُّه لِمَا وقع عنده من مخالفة الأَوْلى، ويؤيده ما روى أبو
داود: ((أن ابن مسعود ظبه صلّى أربعاً، فقيل له: عبت على عثمان، ثم صليت
أربعاً، فقال: الخلاف شرّ))، وفي رواية البيهقيّ: ((إني لأكره الخلاف))،
ولأحمد من حديث أبي ذرّ ◌َُّه مثل الأول، وهذا يدلّ على أنه لم يكن يعتقد
أن القصر واجب، كما قال الحنفية، ووافقهم القاضي إسماعل من المالكية،
وهي رواية عن مالك، وعن أحمد، قال ابن قدامة: المشهور عن أحمد أنه
الاختيار، والقصر عنده الأفضل، وهو قول جمهور الصحابة، والتابعين.
(١) منقول من ((القاموس)) ٣٩٤/٢ باختصار وزيادة من ((المصباح)) ١٤١/١.
(٢) سيأتي أنه لا تنافي بين وجوب القصر وجواز الإتمام، فالحقّ أن القصر واجب،
وأن الإتمام جائز مع الكراهة، فتنبّه.

١١٩
(٣) - بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ بِمِنَى - حديث رقم (١٥٩٧)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم أن الأرجح وجوب القصر؛
لوضوح أدلّته، ولكن الإتمام جائز، ولا تنافي بين وجوب القصر، وجواز
الإتمام، وقد تقدم بيان ذلك مستوفّى، ولله الحمد، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود نظ به هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٥٩٦/٣ و١٥٩٧] (٦٩٥)، و(البخاريّ) في
(تقصير الصلاة)) (١٠٨٤ و١٦٥٧)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٩٦٠)،
و(النسائيّ) في ((تقصير الصلاة)) (١٤٤٨ و١٤٤٩)، و((الكبرى)) (١٩٠٦
و١٩٠٧)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٩٦٢)، و(أحمد) في ((مسنده)» (١/
٣٧٨ و٤٢٢ و٤٢٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٣٤٧)، و(أبو نعيم) في
((مستخرجه)) (١٥٥٧)، والله تعالى أعلم.
وفوائد الحديث تُعلم مما سبق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٩٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا
إِسْحَاقُ، وَابْنُ خَشْرَم، قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى، كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ،
نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) هو: عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان
الْعَبْسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٩) عن (٨٣) سنةً (خ م د
س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٦/٣٥.
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).

١٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة، أحفظ الناس
لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (١٩٥) وله (٨٢)
سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبّيّ، أبو عبد الكوفيّ، نزيل الريّ
وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٤ - (إِسْحَاقُ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٥ - (ابْنُ خَشْرَم) هو: عليّ بن خشرم، تقدّم قبل باب.
٦ - (عِيسَى) بنّ يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ مأمون [٨]
(ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ) أي: كلّ هؤلاء الثلاثة:
أبو معاوية، وجريرٌ، وعيسى بن يونس رووا عن الأعمش بالإسناد السابق، وهو
عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، نحو حديثه المتقدّم.
[تنبيه]: رواية هؤلاء الثلاثة لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٩٨] (٦٩٦) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ(١)، قَالَ يَحْيَى:
أَخْبَرَنَا، وَقَالَ قُتَنْيَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ،
قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ بِمِنَّى، آمَنَ مَا كَانَ النَّاسُ، وَأَكْثَرَهُ رَكْعَتَيْنٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ المذكور في الباب الماضي.
٢ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد المذكور قبل حديث.
٣ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ
صاحب حديث [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٥/٤.
ـسـ
(١) وفي نسخة: ((وقتيبة بن سعيد)).