Indexed OCR Text

Pages 461-480

(٥٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الْقُنُوتِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٤٠)
٤٦١
لطائف هذا الإسناد :
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف نَّتُهُ، وله فيه شيخان قرن
بينهما .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج
له البخاريّ، والترمذيّ، والثاني تفرّد به هو، والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والإخبار والسماع، إلا في موضع،
ففيه العنعنة.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيين.
٦ - (ومنها): أن ابن المسيِّب وأبا سلمة من الفقهاء السبعة.
٧ - (ومنها): أن أبا هريرة قالُله رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤)
حديثاً .
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بكسر
الياء المشدّدة، أحسنَ من فتحها (وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُمَا
سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ) رَبُهُ (يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَقُولُ حِينَ يَفْرُغُ) بفتح أوله،
وضمّ ثالثه، وفي لغة بفتح ثالثه، قال في ((القاموس)): فَرَغَ منه، كَمَتَعَ، وسَمِعَ،
ونَصَرَ فُرُوغاً، وفَرَاغاً، فهو فَرِعٌ، وفَارِعٌ: خلا ذَرْعُهُ، وله، وإليه: قَصَدَ.
(١)
انتھی(١) .
وقال في ((المصباح)): فَرَغَ من الشُّغْلِ فُرُوعاً، من باب قعَدَ، وفَرِغَ يَفْرَغُ،
من باب تَعِبَ لغةٌ لبني تميم، والاسم الفَرَاغِ، وَفَرَغْتُ للشيء، وإليه: قَصَدتُ،
وفَرَغَ الشيءُ: خلا، ويتعدّى بالهمزة والتضعيف، فيقال: أفرغته، وفرّغته،
وأفرغ اللهُ عليه الصبرَ إفراغاً: أنزله عليه، وأفرغتُ الشيء: صَبَبته إذا كان
يسيل، أو من جوهر ذائبٍ. انتهى (٢).
(١) ((القاموس المحيط)) ١١١/٣.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٧٠/٢.

٤٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
(مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنَ الْقِرَاءَةِ) بدل من الجارّ والمجرور قبله (وَيُكَبِّرُ،
وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ: ((سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ))، ثُمَّ يَقُولُ، وَهُوَ قَائِمٌ)
جملة حاليّة من الفاعل («اللَّهُمَّ أَنْج) بقطع الهمزة، من الإنجاء رباعياً، أي
خَلِّصْه، يقال: نَجَا من الهلاك يَنْجُو نَجَاةً: خَلَصَ. والاسم النَّجاءُ بالمدّ، وقد
يُقْصَرُ، فهو ناج، والمرأة ناجية، وبها سميت قبيلة من العرب، ويتعدى بالهمز
والتضعيف، فيقال: أنجيته، ونَجَّيْتُه. قاله في ((المصباح))(١).
(الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ) بنصب الوليد على المفعوليّة، وهو بفتح الواو، وكسر
اللام في اللفظين، وهو الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله المخزوميّ،
أخو خالد بن الوليد، وكان ممن شَهِد بدراً مع المشركين، وأُسِرَ بها، أسره
عبد الله بن جَحْش، وفَدَى نفسَهُ، ثم أسلم، فقيل له: هلّا أسلمت قبل أن
تفتدي، فقال: كرهت أن يُظَن بي أني أسلمت جَزَعاً، فحُبِسَ بمكة، ثم تواعد
هو وسلمة، وعيّاش المذكوران معه، وهَرَبُوا من المشركين، فعلم النبيّ وَّل
بمخرجهم، فدعا لهم، أخرجه عبد الرزاق بسند مرسل، ومات الوليد المذكور
لما قَدِمَ على النبيّ ◌َێ .
قال الحافظ تَخْذَلُهُ: رَوَيْنا ذلك في ((فوائد الزيادات)) من حديث الحافظ
أبي بكر بن زياد النيسابوريّ بسنده عن جابر ◌َظُه قال: رَفَع رسول الله وَّ من
الركعة الأخيرة من صلاة الصبح صبيحةً خمسة عشرة من رمضان، فقال: ((اللَّهم
أنج الوليد بن الوليد ... )) الحديث، وفيه: فدعا بذلك خمسة عشر يوماً، حتى
إذا كان صبيحة يوم الفطر ترك الدعاء، فسأله عمر، فقال: ((أَوَ ما عَلِمْت أنهم
قَدِموا؟))، قال: بينما هو يذكرهم انفتح عليهم الطريق يسوق بهم الوليد بن
الوليد، قد نُكِت إصبعه بالحرّة، وساق بهم ثلاثاً على قدميه، فنهج بين يدي
النبيّ وَّ حتى قضى، فقال النبيّ وَل﴾: ((هذا الشهيد، أنا على هذا شهيد))،
ورَثَتْهُ أمّ سَلَمَة زوج النبيّ وَّر بأبيات مشهورة. انتهى (٢).
(وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَام) بالنصب عطفاً على ((الوليدَ))، أي أنج سلمة بن
(١) ((المصباح المنير)) ٥٩٥/٢.
(٢) ((الفتح)) ٩٣/٩ - ٩٤، و((عمدة القاري)) ٨٠/٦.

٤٦٣
(٥٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الْقُّنُوتِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٤٠)
هشام بن المغيرة، وهو ابن عمّ الذي قبله، وهو أخو أبي جهل، وكان من
السابقين إلى الإسلام، وعُذُّب في الله، ومنعوه أن يهاجر إلى المدينة، واستُشْهِد
في خلافة أبي بكر رَظُّه بالشام سنة أربع عشرة.
قال الحافظ الذهبيّ تَظْلَتُهُ: هاجر إلى الحبشة، ثم قَدِمَ مكة، فمنعوه من
الهجرة، وعَذْبوه، ثم هاجر بعد الخندق، وشهد مُؤْتة، واستُشْهِد بمَرْج الصفرة،
وقيل: بأجنادين(١) .
(وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ) - بفتح العين، وتشديد التحتانية، وبعد الألف
شين معجمة - وأبو ربيعة اسمه: عمرو بن المغيرة، فهو عمّ الذي قبله أيضاً،
وهو أخو أبي جهل أيضاً لأمه، وكان من السابقين إلى الإسلام أيضاً، وهاجر
الهجرتين، ثم خدعه أبو جهل، فرجع إلى مكة، فحبسه، ثم فرّ مع رفيقيه
المذكورين، وعاش إلى خلافة عمر رظُه، فمات، قيل: سنة خمس عشرة،
وقيل: قبل ذلك، والله تعالى أعلم (٢).
وهؤلاء الثلاثة أسباط المغيرة كلُّ واحد منهم ابن عمّ الآخر(٣).
(وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) زاد في رواية للبخاريّ: ((والمستضعفين
بمكة))، أي وأنج المستضعفين من المؤمنين بمكة، الذين حبسهم الكفار عن
الهجرة، وآذوهم، فكانوا يُعَذّبونهم بأنواع العذاب، وهو من عطف العامّ على
الخاصّ، عكس قوله: ﴿وَمَلَّبِكَتِهِ وَرُسُلِهِ، وَحِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨].
(اللَّهُمَّ اشْدُدْ) - بضم الدال ـ أمر من شَدَّ الشيءَ يَشُدّه، من باب قَتَلَ: إذا
أوثقه (وَطْأَتَكَ) أي بأسك، وعذابك، قال الفيوميّ: ((الْوَظْأَة)) مثلُ الأخْذَةِ وزناً
ومعنى(٤).
وقال السيوطيّ تَخْتُ في ((زَهْرِ الرُّبى)): ((الوطأة)) بفتح الواو، وأصلها:
الدَّوْس بالقدم، سُمّي بها الإهلاك؛ لأن من يطؤ على شيء برجله، فقد
استقصى في هلاكه، والمعنى: خذهم أخذاً شديداً(٥).
(١) ((عمدة القاري)) ٦/ ٨٠.
(٣) ((عمدة القاري)) ٦/ ٨٠.
(٥) ((زهر الربى في شرح المجتبى)) ٢٠١/٢.
(٢) ((الفتح)) ٩/ ٩٤ بزيادة.
(٤) ((المصباح المنير)) ٣٠٧/٢.

٤٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وقال ابن منظور: و((الوطأة)) موضع القَدَم، وهي أيضا كالضَّغْطَة،
و((الوَظْأَة)): الأخذة الشديدة، وفي الحديث: ((اللَّهم اشدد وطأتك على مضر))،
أي خذهم أخذاً شديداً، وذلك حين كَذَّبُوا النبيّ وََّ، فدعا عليهم، فأخذهم الله
بالسنين، ومنه قول الشاعر [من الكامل]:
وَوَطِأُتَنَا وَظْئاً عَلَى حَنَقٍ
وَظْءَ الْمُقَيَّدِ نَابِتَ الْهَرْمِ
وكان حماد بن سلمة يروي هذا الحديث: ((اللَّهم اشدُدْ وَظْدَتَكَ عَلى
مضر))، والْوَظْدُ - أي بالدال -: الإثباتُ والغَمْزُ في الأرض. انتهى(١).
(عَلَى مُضَرَ) - بضم الميم، وفتح الضاد المعجمة -: اسم قبيلة، سُميت
باسم مضر بن نِزَار بن مَعَدّ بن عدنان، وهو غير منصرف للعلمية والعدل، كما
قال في ((الخلاصة)):
وَالْعَلَمَ امْنَعْ صَرْفَهُ إِنْ عُدِلَا كَفُعَلِ التَّوْكِيدِ أَوْ كَثُعَلَا
وقال في ((العمدة)): وهو شَعْبٌ عظيم، فيه قبائل كثيرة، كقريش، وهذيل،
وأسد، وتميم، وضَبَّةَ، ومُزَينة، والضباب، وغيرهم، ومضر شعب رسول الله وَلآ،
واشتقاقه من اللبَنِ الْمَضِير، وهو الحامض، قاله ابن دريد. انتهى(٢).
وقال في ((اللسان)): قال ابن سِيدَهْ: مُضَرُ اسم رجل، قيل: سُمِّي به؛
لأنه كان مُولَعاً بشرب اللبن المَاضِرِ - وهو الحامض الشديد الْحُمُوضَة - وقيل:
سمي به لبياض لونه، من مَضِيرَة الطَّبِيخ، وهي مُرَيقَة، تُطْبَخُ بِلَبَنٍ وأشياء.
(٣)
انتھی
.
(وَاجْعَلْهَا) قال الطيبيّ تَخْذُهُ: الضمير لـ((الوطأة))، أو للأيّام، وإن لم يَجْرِ
لها ذكر؛ لما دل عليه المفعول الثاني الذي هو ((سنين)) جمع السنة التي هي
بمعنى القحط، وهي من الأسماء الغالبة، كالبيت، والكتاب (عَلَيْهِمْ) أي على
قبيلة مضر (كَسِنِي يُوسُفَ) عَلَّا*، وفي رواية البخاريّ: ((واجعلها عليهم سنين
كسني يوسف))، و((سنين)): جمع سنة، وهي الجَدْبُ، يقال: أخذتهم السنة: إذا
أَجْدَبُوا، وأُقْحِطُوا.
(١) ((لسان العرب)) ١/ ١٩٧.
(٣) ((لسان العرب)) ١٧٧/٥.
(٢) ((عمدة القاري)) ٦/ ٨٠.

٤٦٥
(٥٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الْقُنُوتِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٤٠)
والمعنى: اجعلها عليهم كالسنين السبع الشداد التي كانت في زمن
يوسف علّ التي ذكرها الله وَّ في قوله: ﴿ثُمَّ يَأْتِى مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ
مَا قَدَّمْتُمْ لَمُنَّ﴾ الآية [يوسف: ٤٨].
ووجه الشبه امتداد زمان المحنة، والبلاء، والبلوغ غاية الشدة، والضرّاء.
[فائدة]: جمع السنة بالواو والنون شاذٌ، من جهة أنه ليس لذوي العقول،
ومن جهة تغيير مفرده بكسر أوله، وهذا الاستعمال مع شذوذه هو الغالب في
اللغة، فهو مُلْحَقٌ بجمع المذكر السالم في الإعراب بالواو والياء، وسقوط
النون عند الإضافة، وقد يُجرَى مجرَى ((حين)) في لزوم الياء، والإعراب على
النون، كما في قول الشاعر [من الطويل]:
دَعَانِيَ مِنْ نَجْدٍ فَإِنَّ سِنِينَهُ لَعِبْنَ بِنَا شِيباً وَشَيَّبْنَنَا مُرْدًا
وإلى قواعد جمع المذكر السالم، وملحقاته أشار ابن مالك في ((خلاصته))
بقوله :
سَالِمَ جَمْعِ عَامِرٍ وَمُذْنِبٍ
وَارْفَعْ بِوَاوٍ وَبِيَا اجْرُرْ وَانْصِبٍ
وَيَابُهُ أُلْحِقَ وَالأَهْلُونَا
وَشِبْهِ ذَيْنٍ وَبِهِ عِشْرُونَا
وَأَرَضُونَ شَذَّ وَالسِّنُونَا
أُلُو وَعَالَمُونَ عِلِّيُّونَا
ذَا الْبَابُ وَهْوَ عِنْدَ قَوْمِ يَطَّرِدْ
وَبَابُهُ وَمِثْلَ حِينٍ قَدْ يَرِدْ
[تنبيه آخر]: قال القرطبيّ كَّتُهُ في ((المفهم)): قوله: ((واجعلها عليهم
سنين كسني يوسف)) يعني المذكور في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِى مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ
شِدَادٌ﴾ الآية [يوسف: ٤٨]، فاستجيب له وَّرَ فيهم، فأَجْدَبُوا سبعاً، أكلوا فيها
كل شيء، حتى أكلوا الميتة والعظام، وكان الواحد منهم يرى بينه وبين السماء
دخاناً من شدّة الجوع والضعف، حتى جاء أبو سفيان، فكلم النبيّ ◌َّر، فدعا
لهم، فسُقُوا، على ما ذكرناه عن ابن مسعود في ((كتاب التفسير)). انتهى كلام
القرطبي(١) .
تعقّبه الحافظ وليّ الدين تَخْلُهُ، فقال: قد أوّل صاحب ((المفهم)) هذا
الدعاء - يعني المذكور في حديث أبي هريرة رضيبه في هذا الباب - بحديث ابن
(١) ((المفهم)) ٣٠٣/٢.

٤٦٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
مسعود رَظُه، وهو وَهَمٌ، فقوله: ((فأجدبوا سبعاً)) ليس ذلك في واحد من
((الصحيحين))، وليس بصحيح أيضاً، فإنه كُشِف عنهم قبل بدر، وكانت في
السنة الثانية من الهجرة، وأيضاً فأبو هريرة ﴿به راوي الحديث شَهِدَ قنوت
النبيّ وَّة، ودعاءه عليهم بذلك، وإنما أسلم أبو هريرة بعد خيبر، فلا يصح
حمله على دعائه على قريش قبل وقعة بدر، وحديث ابن مسعود الذي أشار إليه
في ((الصحيحين)) أن رسول الله وَّيّ لما رأى قريشاً استَعصَوا عليه، فقال:
((اللَّهم أعنّي عليهم بسبع كسبع يوسف))، فأخذتهم السنة حتى حَصَّت كلَّ شيء،
حتى أكلوا العظام، والجلود، وفي رواية: ((الميتة)) بدل ((العظام))، وجعل يخرج
من الأرض كهيئة الدخان، فأتاه أبو سفيان، فقال: أي محمدُ إن قومك
هلكوا، فادع الله أن يكشف عنهم، فدعا، وفي رواية: فدعا ربه، فكُشف
عنهم، فعادوا، فانتقم الله منهم يوم بدر.
ففي هذا الحديث أن دعاءه على قريش قبل وقعة بدر، وهذا لم يشهده
أبو هريرة. والذي أوقع القرطبيّ في ذلك أن حديث ابن مسعود في بعض طرقه
في ((الصحيحين)) ذكر مضر، فذكر أول الحديث إلى قوله: وحتى أكلوا العظام،
فأتى النبيّ وَ ﴿ رجل، فقال: يا رسول الله، استسق لمضر، فإنهم قد هلكوا،
فقال: ((لمضر؟، إنك لَجَرِيء))، قال: فدعا لهم، فأنزل الله ◌ُعَالَ: ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ
[الدخان: ١٥]، فذكر الحديث، فظَنّ صاحب
١٥
الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَلَيِدُونَ
(المفهم)) أنها قصة واحدة، وليس كذلك، فقصة الدعاء على قريش كانت قبل
بدر، ولم ينقل فيها قنوت، ولم يشهدها أبو هريرة رظه، وقريش هي من
مضر، وقصة القنوت كانت بعد خيبر، بعد إسلام أبي هريرة، وكان دعاؤه فيها
على مضر، وهو اسم جامع لقريش وغيرها، وكان سبب القنوت قصة بئر معونة
التي قتل فيها السبعون من القراء، فقنت النبيّ ◌َّ﴾ شهراً يدعو عليهم، وعمم
الدعاء على مضر، وليس بدعائه عليهم قبل بدر، والله تعالى أعلم. انتهى كلام
ولي الدين تَخَذْتُهُ(١) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله وليّ الدين نَّتُهُ تعقّب
-
(١) ((طرح التثريب)) ٢٩٢/٢ - ٢٩٣.

٤٦٧
(٥٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الْقُوتِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٤٠)
وَجِيهٌ، وحاصله أن قصّة أبي هريرة ◌َظُه غير قصّة ابن مسعود نَظْه، وهو
ظاهرٌ، فليُتنبّه لهذه الدقائق، والله تعالى أعلم.
(اللَّهُمَّ الْعَنْ) فعل دعاء من لَعَنَ يَلْعَنُ، من باب نَفَعَ، أي اطرُدهم،
وأبعدهم عن رحمتك.
(لِحْيَانَ) - بكسر اللام، وقيل: بفتحها، وسكون الحاء المهملة - أبو
قبيلة، وهو لحيان بن هُذَيل بن مُدركة بن إلياس بن مُضَر(١)، وزعم الهمدانيّ
النسّابة أن أصل بني لحيان من بقايا جُرْهُم دخلوا في هُذيل، فنُسِبوا إليهم، قاله
في ((الفتح)) (٢). (وَرِعْلاً) - بكسر الراء، وسكون العين المهملة - حيّ من سُليم،
وهو رِعْل بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم(٣). (وَذَكْوَانَ) - بفتح
الذال المعجمة، وسكون الكاف ـ: بطن كبير من سُليم بن منصور بن عكرمة بن
خصفة بن قيس عيلان، وهو ذكوان بن ثعلبة بن بهثة - بضمّ الموحّدة، وسكون
الهاء، بعدها مثلّثةٌ - بن سُليم (٤). (وَعُصَيَّةَ) - بضمّ العين المهملة، مصغّراً ـ هم
بطن من بني سُليم يُنسبون إلى عصيّة بن خُفَاف - بضم المعجمة، وفاء مخفّفة،
وآخره فاءٌ أيضاً - ابن امرئ القيس بن بُهْثَةَ بن سُليم (٥) .
وقوله: (عَصَتِ اللهَ) تعالى (وَرَسُولَهُ))) ◌َّر، وذلك لأنهم عاهدوا،
فغدروا، وقَتَلوا أصحاب بئر معونة، وقد وقع في هذا الحديث، وكذا في
حديث ابن عمر ◌ّ الآتي في ((الجهاد)): ((غفار غَفَر الله لها، وأسلم،
سالمها الله، وعُصَيّةُ عصت الله ورسوله)) من استعمال جناس الاشتقاق ما يلذّ
على السمع؛ لسهولته، وانسجامه، وهو من الاتّفاقات اللطيفة، قاله في
((الفتح)) (٦).
(١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٢٧٥/٢.
(٢) ((الفتح)) ٧/ ٤٤٠ ((كتاب المغازي)) رقم (٤٠٨٦).
(٣) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣٨٠/١.
(٤) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣٥٨/١.
(٥) ((الفتح)) ٦٢٨/٦ (كتاب المناقب)) رقم (٣٥١٣).
(٦) راجع: ((الفتح)) ٦٢٨/٦ ((كتاب المناقب)) رقم (٣٥١٣).

٤٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: ولِحيان، ورِعْلٌ، وذكوان، وعُصيّة قبائل من
العرب، قَتَلوا أصحاب بئر معونة، وهم السبعون القرّاء، وكان من حديثهم أن
أبا براء الكلابيّ، ويُعرَف بمُلاعب الأَسِنّة سأل النبيّ وَّلِ أن يوجِّهَ معه رجالاً
من أصحابه إلى قومه بنجد، يدعونهم إلى الله، ويَعْرِضُون عليهم الإسلام، فقال
له رسول الله وَالر: ((إني أخاف عليهم أهل نجد)»، فقال له أبو براء: أنا لهم
جارٌ، فبعثهم رسول الله وَّ معه، فلما مُرُّوا ببني عامر استَصرَخ عليهم عدوّ الله
عامر بن الطفيل تلك القبائل التي دعا عليهم رسول الله بَّر، وهم من بني
سُلَيم، فأجابوه، فقتلوهم، ولم يَنْجُ منهم إلا عمرو بن أُميّة الضَّمْريّ، فَحَزِنَ
عليهم النبيّ ◌َّ حُزْناً شديداً، فإنه لم يُصَب بمثلهم، وكانوا من خيار
◌ُ من (١). انتهى(٢).
المها جرین
وسيأتي تمام البحث في هذا قريباً في شرح حديث أنس نظافته - إن شاء الله
تعالى -.
وقوله: (ثُمَّ بَلَغَنَا) من كلام الزهريّ كَُّ، وفيه أنه مرسلٌ؛ لأن الزهريّ
لم يذكر من أخبره به، ولكن ذكره في رواية البخاريّ بدون ذكر ((وبلغنا)).
وذكر في ((الفتح)) الاستشكال بأن قصة رِعْلٍ وذَكْوَان كانت بعد أحد،
ونزول ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ اُلْأَمْرِ شَىْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] كان في قصة أحد، فكيف
يتأخر السبب عن النزول؟.
قال: ثم ظَهَر لي علة الخبر، وأن فيه إدراجاً، وأن قوله: ((حتى أنزل
الله)) منقطع من رواية الزهريّ، عمن بَلَّغَه بَيَّن ذلك مسلم في رواية يونس
المذكورة، فقال هنا: قال - يعني الزهريّ -: ((ثم بلغنا أنه ترك ذلك، لما
نَزَلَت))، وهذا البلاغ لا يصحُّ؛ لما ذكرته.
وقد ورد في سبب نزول الآية شيء آخر، لكنه لا ينافي ما تقدم بخلاف
قصة رعل وذكوان، فعند أحمد ومسلم من حديث أنس ظه أن النبيّ وَل
گُسرت رباعیته یوم أحد، وشُجّ وجهه حتى سال الدم على وجهه، فقال: كيف
(١) راجع: ((عيون الأثر)) ٦٧/٢ - ٧٢.
(٢) ((المفهم)) ٣٠٣/٢ - ٣٠٤.

٤٦٩
(٥٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الْقُنُوتِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٤٠)
يُفْلِح قوم فَعَلُوا هذا بنبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم؟، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ
لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾ الآية.
قال: وطريق الجمع بينه وبين حديث ابن عمر رضيها أنه وصل* دعا على
المذكورين بعد ذلك في صلاته، فنزلت الآية في الأمرين معاً فيما وقع له من
الأمر المذكور، وفيما نشأ عنه من الدعاء عليهم، وذلك كله في أحد، بخلاف
قصّة رِعْل وذكوان، فإنها أجنبية.
ويَحْتَمِل أن يقال: إن قصتهم كانت عقب ذلك، وتأخر نزول الآية عن
سببها قليلاً، ثم نزلت في جميع ذلك، والله أعلم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكِر أن الأصحّ في سبب نزول الآية
هو ما وقع في غزوة أحد مما أصاب النبيّ وَّ وأصحابه من قتل سبعين منهم،
ومنهم حمزة مظلته عمّه وَّ﴾، ومِنْ شَجّ وجهه وََّ، وكسر رباعيته، وأما كون
دعائه ◌َ﴿ على رعل وذكوان، وعُصيّة في قتل القراء السبعين يوم بئر معونة، فلا
يصحّ؛ لأنه في وقت آخر بعد أحد، والحديث فيه منقطع؛ لأنه من بلاغ
الزهريّ، كما بيّنه مسلم في هذه الرواية، وأما الاحتمال الذي ذكره في ((الفتح))
أخيراً، فمحلّ نظرٍ، فتفطّن والله تعالى أعلم بالصواب.
(أَنَّهُ) وَِّ (تَرََكَ ذَلِكَ) أي الدعاء عليهم (لَمَّا أُنْزِلَ) وفي نسخة: (لَمّا
أُنزلت))، وهو مبنيّ للمفعول، وقوله: (﴿لَيَْ لَكَ مِنَ اُلْأَمْرِ شَىْءٌ﴾) نائب فاعله،
محكيّ؛ لقصد لفظه، أي أنزل الله هذه الآية.
ومعنى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٍ﴾ أي ليس لك من الحكم في عبادي
شيء إلا ما أمرتك به فيهم (﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾) أي مما هم فيه من الكفر،
فَيَهْدِيَهُمْ بعد الضلالة (﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾) أي في الدنيا والآخرة على كفرهم
وذنوبهم، ولهذا قال (﴿فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ﴾) بالفاء التعليليّة، أي لأنهم ظالمون
فيستحقون ذلك.
قيل: قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ﴾ عطف على قوله: ﴿لِيَقْطَعَ﴾، والأَوْلى كونه
منصوبا بـ((أن)) مضمرة بعد ((أو))، وهي بمعنى ((إلى))، كقول الشاعر [من الطويل]:
لأَسْتَسْهِلَنَّ الصَّعْبَ أَوْ أُدْرِكَ الْمُنَى فَمَا انْقَادَتِ الْآمَالُ إِلَّا لِصَابِرٍ
(١) ((الفتح)) ٨/ ٧٥ ((كتاب التفسير)) رقم (٤٥٦٠).

٤٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
قال ابن مالك عند ذكر مواضع نصب ((أن)) مضمرةً وجوباً :
كَذَاكَ بَعْدَ ((أَوْ)) إِذَا يَصْلُحُ فِي مَوْضِعِهَا ((حَتَّى)) أَوِ الَّ ((أَنْ)) خَفِي
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َظُه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٥٤٠/٥٦ و١٥٤١ و١٥٤٢ و١٥٤٣] (٦٧٥)
و[١٥٤٤/٥٦] (٦٧٦)، و(البخاريّ) في ((الأذان)) (٨٠٤) و((الاستسقاء))
(١٠٠٦) و((الجهاد)) (٢٩٣٢) و((أحاديث الأنبياء)) (٣٣٨٦) و((التفسير)) (٤٥٦٠
و٤٥٩٨) و((الأدب)) (٦٢٠٠) و((الدعوات)) (٦٣٩٣) و(«الإكراه)) (٦٩٤٠)، و(أبو
داود) في ((الصلاة)) (١٤٤٢)، و(النسائيّ) في ((الافتتاح)) (١٠٧٣ و١٠٧٥)
و((الكبرى)) (٦٦٠ و٦٦١ و٦٦٢)، و(ابن ماجه) في ((الصلاة)) (١٢٤٤)،
و(عبد الرّزّاق) في ((مصنّفه)) (٤٠٢٨)، و(الشافعيّ) في ((المسند)) (٨٦/١ و٨٧)،
و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٩٣٩)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣١٦/٢
و٣١٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٣٩/٢ و٢٥٥ و٤٧٠ و٥٢١)، و(الدارميّ)
في ((سننه)) (١٦٠٣)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (٦١٥ و٦١٧ و٦١٩ و٦٢١
و٦٢٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٩٦٩ و١٩٧٢)، و(أبو عوانة) في
((مسنده)) (٢٨٣/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٥١١ و١٥١٢ و١٥١٣
و١٥١٤ و١٥١٦)، و(الدار قطنيّ) في ((سننه)) (٣٨/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى))
(٢٠٧/٢)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢٤١/١ و٢٤٢)، و(البغويّ).
في ((شرح السنّة)) (٦٣٦ و٦٣٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب القنوت في الصلوات كلّها إذا نزلت
بالمسلمين نازلة - أعاذنا الله منها -.
٢ - (منها): بیان کون محلّه بعد الركوع.

٤٧١
(٥٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الْقُنُوتِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٤٠)
٣ - (ومنها): استحباب الجمع بين ((سمع الله لمن حمده))، وبين ((ربنا
ولك الحمد)) للإمام، وكذا المنفرد، وأما المأموم فالأرجح أنه لا يقول:
(سمع الله لمن حمده))، بل يقتصر على التحميد، وقد تقدّم أنه يجوز أن يقول:
(ربنا لك الحمد))، و((ربنا ولك الحمد))، بإثبات الواو وحذفها، وقد ثبت
الأمران في ((الصحيحين))، وغيرهما، وسبق بيان معنى هذه الواو.
٤ - (ومنها): جواز الدعاء لقوم بتعيين أسمائهم، وأسماء آبائهم، وأن
ذلك لا يُبطِل الصلاة؛ خلافاً للحنفيّة.
٥ - (ومنها): جواز الدعاء بغير ألفاظ القرآن في الصلاة، قال القرطبيّ:
وهو حجة على أبي حنيفة في منعه ذلك. انتهى(١).
٦ - (ومنها): جواز لعن الكفّار والمنافقين في الصلاة، والدعاء عليهم
بإنزال العذاب الذي يُضعِف شوكتهم، من الجوع والأمراض، ونحو ذلك.
قال القرطبيّ كَخَّتُهُ: ولا خلاف في جواز لعن الكفرة، والدعاء عليهم،
واختلفوا في جواز الدعاء على أهل المعاصي، فأجازه قومٌ، ومنعه آخرون،
وقالوا: يُدعى لهم بالتوبة، لا عليهم، وقيل: إنما يُدعى على أهل الانتهاك في
حين فعلهم ذلك، وأما في إدبارهم فيُدعَى لهم بالتوبة. انتهى (٢).
وقال ولي الدين العراقيّ تَخُّْهُ: أما الدعاء على أهل المعاصي، ولعنهم
من غير تعيين، فلا خلاف في جوازه، لقوله وَلجر: ((لعن الله السارق، يسرق
البيضة))، ((لعن الله من غيّر منار الأرض))، ونحو ذلك، وأما مع التعيين فوقع
كثيراً في الأحاديث، كقوله وَّر: ((اللَّهم لا تغفر لِمُحَلِّم بن جَثَّمَة)). ولهذا قال
النوويّ كَّثُ في ((الأذكار)): إن ظواهر الأحاديث تدلّ على جواز لعن أهل
المعاصي مع التعيين .
قال: وقد يقال: هذا من خواصّه 18َ؛ لقوله وَلّ: ((اللهم إني اتخذت
عندك عهداً، أيُّما مسلم سببته، أو لعنته، وليس لها بأهل، فاجعلها له
صلاةً ... )) الحديث، وهذا ليس لغيره وَّه، فلهذا كان المنقول أنه لا يجوز
لعن العاصي المعيّن، وأما لعن الكافر المعيَّن، فلا شكّ أنّه وَّ كان يفعله،
(١) ((المفهم)) ٣٠٤/٢.
(٢) ((المفهم)) ٣٠٤/٢.

٤٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
ولكن هل لنا أن نتعاطى ذلك، فمنع منه أبو حامد الغزاليّ، إلا أن يُقيَّد ذلك
بأن يموت على كفره، والله أعلم. انتهى كلام وليّ الدين تَظُّ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن لعن أهل المعاصي من
غير تعيين جائز، وأما لعن المعيّن منهم، فإن كان في حال إقباله على الإفساد
في الأرض، وإلحاق الضرر بالمسلين فيجوز، وأما في حال كفّه عن ذلك،
فيُدعَى له بالتوبة والصلاح، وكذا الكفّارِ المعيّنون إن كان يُخشى منهم الضرر
يُدعى عليهم بالهلاك والطرد من رحمة الله تعالى، وإن كانوا في حال المسألة
للمسلمين، فيُدعى لهم بالهداية والإسلام، وهذا هو الذي يظهر من تتبّع هدي
النبيّ وَّ الذي ورد في الأحاديث الصحيحة، كأحاديث الباب وغيرها، فإنه وَّه
ما دعى على الكفّار وغيرهم إلا في حال إفسادهم في الأرض، وإلحاق الضرر
بالمسلمين، فقد كان من المشركين وغيرهم من له عهد مع النبيّ بَّر، فلم يُنقل
أنه دعا عليهم بالتعيين إلا إذا نقضوا العهد، فتبصّر، والله تعالى أعلم
بالصواب.
٧ - (ومنها): استحباب الجهر بالقنوت للإمام، ففي رواية البخاريّ:
(يجهر بذلك))، ولأبي داود من حديث ابن عبّاس ﴿ّ في قنوتهِ وَّ في
الصلوات الخمس: ((يؤمّن من خلفه))، فقد صرّح بأنه :
جَهَرَ به، وأن
الصحابة أَمَّنُوا خلفه.
٨ - (ومنها): بيان سبب نزول الآية الكريمة، على ما قيل، ولكن
الصحيح أنها نزلت في قصّة أحد، لا في هذا القصّة، على ما أسلفت تحقيقه،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في القنوت في الصلوات:
ذهب جماعة من العلماء إلى أنه مشروع في صلاة الفجر، وقد حكاه
الحازميّ عن أكثر الناس من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم من علماء
الأمصار، ثم عدّ من الصحابة الخلفاء الأربعة إلى تمام تسعة عشر من
الصحابة، ومن المخضرمين أبو رجاء العطاردي، وسويد بن غَفَلَة، وأبو عثمان
(١) ((طرح التثريب)) ٢٩١/٢ - ٢٩٢.

٤٧٣
(٥٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الْقُنُوتِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٤٠)
النهدي، وأبو رافع الصائغ، ومن التابعين اثنا عشر، ومن الأئمة والفقهاء أبو
إسحاق الفزاري، وأبو بكر بن محمد، والحكم بن عتيبة، وحماد، ومالك بن
أنس، وأهل الحجاز، والأوزاعي، وأكثر أهل الشام، والشافعي، وأصحابه،
وعن الثوري روایتان، ثم قال: وغير هؤلاء خلق كثير.
وزاد العراقيّ: عبد الرحمن بن مهدي، وسعيد بن عبد العزيز التنوخي،
وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، وداود، ومحمد بن جرير، وحكاه عن
جماعة من أهل الحديث: منهم أبو حاتم الرازي، وأبو زرعة الرازي، وأبو
عبد الله الحاكم، والدارقطني، والبيهقي، والخطابي، وأبو مسعود الدمشقي.
وحكاه الخطابي في ((المعالم)) عن أحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه.
وحكى الترمذي عنهما خلاف ذلك. وقال النووي في ((شرح المهذب)): القنوت
في الصبح مذهبنا، وبه قال أكثر السلف، ومن بعدهم، أو كثير منهم. انتهى.
قال العلامة الشوكانيّ كَظّثُهُ: (واعلم): أنه قد وقع الاتفاق على ترك
القنوت في أربع صلوات من غير سبب، وهي الظهر، والعصر، والمغرب،
والعشاء، ولم يبق الخلاف إلا في صلاة الصبح من المكتوبات، وفي صلاة
الوتر من غيرها، أما القنوت في الوتر فسيأتي الكلام عليه في ((أبواب الوتر)).
إن شاء الله تعالى.
وأما القنوت في صلاة الصبح، فاحتج المثبتون له بحجج: منها حديث
أنس به المذكور في الباب، وحديث البراء ◌َُّه الآتي بعد باب. ويجاب أنه
لا نزاع في وقوع القنوت منه ور، إنما النزاع في استمرار مشروعيته.
فإن قالوا: لفظ ((كان)) يدل على استمرار المشروعية. قلنا: قد قدمنا عن
النووي ما حكاه عن جمهور المحققين أنه لا يدل على ذلك.
سلمنا فغايته مجرد الاستمرار، وهو لا ينافي الترك آخراً، كما صرحت
بذلك الأدلة الآتية، على أن هذين الحديثين فيهما أنه كان يفعل ذلك في الفجر
والمغرب، فما هو جوابكم عن المغرب، فهو جوابنا عن الفجر.
وأيضاً في حديث أبي هريرة عظاته المتفق عليه أنه وس ﴿ كان يقنت في
الركعة الأخيرة من صلاة الظهر والعشاء الآخرة، والصبح، فما هو جوابكم عن
مدلول لفظ ((كان)) ههنا فهو جوابنا .

٤٧٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
قالوا: أخرج الدارقطني، وعبد الرزاق، وأبو نعيم، وأحمد، والبيهقي،
والحاكم، وصححه عن أنس مظله ((أن النبيّ وَلّ قنت شهراً يدعو على قاتلي
أصحاب بئر معونة، ثم ترك، فأما الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا)»،
وأول الحديث في ((الصحيحين))، ولو صح هذا لكان قاطعاً للنزاع، ولكنه من
طريق أبي جعفر الرازي، قال فيه عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ليس بالقوي.
وقال علي ابن المديني: إنه يخلط، وقال أبو زرعة: يَهِمُ كثيراً، وقال عمرو بن
علي الفلاس: صدوق سيئ الحفظ. وقال ابن معين: ثقة، ولكنه يخطئ. وقال
الدُّوري: ثقة، ولكنه يغلط، وحكى الساجي أنه صدوق، ليس بالمتقن، وقد
وثقه غير واحد، ولحديثه هذا شاهد، ولكن في إسناده عمرو بن عبيد، وليس
بحجة .
قال الحافظ نَّهُ: ويَعْكُر على هذا ما رواه الخطيب من طريق قيس بن
الربيع، عن عاصم بن سليمان، قلنا لأنس: إن قوماً يزعمون أن النبيّ وَّو لم
يزل يقنت في الفجر، فقال: كذبوا، إنما قنت شهراً واحداً، يدعو على حي من
أحياء المشركين، وقيس، وإن كان ضعيفاً لكنه لم يتهم بالكذب، وروى ابن
خزيمة في (صحيحه)) من طريق سعيد، عن قتادة، عن أنس عظته ((أن النبيّ وَيه
لم يقنت إلا إذا دعا لقوم، أو دعا على قوم)). فاختلفت الأحاديث عن أنس،
واضطربت، فلا يقوم بمثل هذا حجة. انتهى(١).
قال الشوكانيّ تَخَّتُهُ: إذا تقرر لك هذا عَلِمْتَ أن الحق ما ذهب إليه من
قال: إن القنوت مختص بالنوازل، وأنه ينبغي عند نزول النازلة أن لا تُخَصّ به
صلاة دون صلاة، وقد ورد ما دل على هذا الاختصاص من حديث أنس پئه
عند ابن خزيمة في ((صحيحه))، وقد تقدم، ومن حديث أبي هريرة ظُله عند ابن
حبان بلفظ: ((كان لا يقنت إلا أن يدعو لأحد، أو يدعو على أحد))، وأصله
في البخاريّ.
قال: وقد حاول جماعة من حُذّاق الشافعية الجمع بين الأحاديث بما لا
طائل تحته، وأطالوا الاستدلال على مشروعية القنوت في صلاة الفجر في غير
(١) ((التلخيص الحبير)) ٢٤٤/١ - ٢٤٥.

٤٧٥
(٥٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الْقُنُوتِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٤٠)
طائل، وحاصله ما عرفناك. انتهى كلام الشوكانيّ تَّتُهُ (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ
جدّاً .
وقد أطال البحث في هذه المسألة الإمام المحقق ابن قيم الجوزية تَّتُهُ
في كتابه الممتع ((زاد المعاد في هدي خير العباد))، ودونك تحقيقه المفيد:
قال: وقَنَتَ في الفجر بعد الركوع شهراً، ثم ترك القنوت، ولم يكن من
هديه القنوتُ فيها دائماً، ومن المحال أن رسول الله بَير كان في كل غداة بعد
اعتداله من الركوع يقول: ((اللَّهم اهدني فيمن هديت، وتولني فيمن توليت ...
إلخ))، ويرفع بذلك صوته، ويُؤَمِّن عليه أصحابه دائماً إلى أن فارق الدنيا، ثم
لا يكون ذلك معلوماً عند الأمة، بل یضیعه أکثر أمته، وجمهور أصحابه، بل
كلهم، حتى يقول من يقول منهم: إنه مُحْدَث، كما قال سعد بن طارق
الأشجعي: قلت لأبي: يا أبت إنك قد صليت خلف رسول الله وَليقول، وأبي
ـيّ ههنا، بالكوفة منذ خمس سنين، فكانوا
بكر، وعمر، وعثمان، وعلي
يقنتون في الفجر؟ فقال: أَيْ بُنَّيّ محدث. رواه أهل السنن، وأحمد، وقال
الترمذي: حديث حسن صحيح. وذكر الدارقطني عن سعيد بن جبير، قال:
أشهد أني سمعت ابن عباس يقول: إن القنوت في صلاة الفجر بدعة (٢).
وذكر البيهقي عن أبي مِجْلَز، قال: صليت مع ابن عمر صلاة الصبح،
فلم يقنت، فقلت: لا أراك تقنت؟، فقال: لا أحفظه عن أحد من أصحابنا(٣).
ومن المعلوم بالضرورة أن رسول الله -18- لو كان يقنت كل غداة، ويدعو
لكان نقل الأمة لذلك كلهم كنقلهم لجهره
بهذا الدعاء، ويؤمِّن الصحابة
بالقراءة فيها، وعددها، ووقتها، وإن جاز عليهم تضييع أمر القنوت منها، جاز
عليهم تضييع ذلك، ولا فرق، وبهذا الطريق علمنا أنه لم يكن هديه الجهر
بالبسملة كلَّ يوم وليلة خمس مرات دائماً مستمرّاً، ثم يضيّعُ أكثر الأمة ذلك،
ويخفى عليها، وهذا من أمحل المحال، بل لو كان ذلك واقعاً، لكان نقله
(١) ((نيل الأوطار)) ٣٩٩/٢ - ٤٠١.
(٢) في سنده عبد الله بن ميسرة، وهو ضعيف.
(٣) ((السنن الكبرى)) ٢١٣/٢.

٤٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
كنقل عدد الصلوات، وعدد الركعات، والجهر والإخفات، وعدد السجدات،
ومواضع الأركان وترتيبها، والله الموفق.
والإنصاف الذي يرتضيه العالم المنصف أنه رَ جُ جهر، وأسرّ، وقنت،
وترك، وكان إسراره أكثر من جهره، وتركه القنوت أكثر من فعله، فإنه إنما
قنت عند النوازل للدعاء لقوم، وللدعاء على آخرين، ثم تركه لَمَّا قدِم من دعا
لهم، وتخلصوا من الأسر، وأسلم من دعا عليهم، وجاؤوا تائبين، فكان قنوته
لعارض، فلما زال ترك القنوت، ولم يختص بالفجر، بل كان يقنت في صلاة
الفجر والمغرب، ذكره البخاري في ((صحيحه)) عن أنس نظُبه، وقد ذكره مسلم
عن البراء ظه، وذكر الإمام أحمد عن ابن عباس ظها، قال: قنت
رسول الله وَ﴿ شهراً متتابعاً في الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والصبح
في دبر كل صلاة، إذا قال: ((سمع الله لمن حمده)) من الركعة الأخيرة، يدعو
على حي من بني سُلَيم، على رعل، وذكوان، وعُصيّة، ويؤمِّن مَنْ خلفه، ورواه
أبو داود(١).
وكان هديه ◌َير القنوت في النوازل خاصة، وتركه عند عدمها، ولم يكن
يخصه بالفجر، بل كان أكثر قنوته فيها لأجل ما شرع فيها من التطويل،
ولاتصالها بصلاة الليل، وقربها من السَّحَر، وساعة الإجابة، وللتنزل الإلهي،
ولأنها الصلاة المشهودة التي يشهدها الله وملائكته، أو ملائكة الليل والنهار،
كما روي هذا، وهذا في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾
[الإسراء: ٧٨].
وأما حديث ابن أبي فُدَيك، عن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد
المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة ◌َظبه، قال: كان رسول الله وَّ إذا رفع
رأسه من الركوع من صلاة الصبح في الركعة الثانية، يرفع يديه فيها، فيدعو
بهذا الدعاء: ((اللَّهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن
توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي، ولا يقضى
عليك، إنه لا يذلّ من واليت، تباركت ربَّنَا، وتعاليت)).
(١) وأخرجه الحاكم في ((المستدرك)) ٢٢٥/١، وصححه، ووافقه الذهبيّ.

٤٧٧
(٥٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الْقُنُوتِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٤٠)
فما أبين الاحتجاج به لو كان صحيحاً، أو حسناً، ولكن لا يحتج بعبد الله
هذا (١)، وإن كان الحاكم صحَّحَ حديثه في القنوت عن أحمد بن عبد الله
المزني: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن أبي
فُدَيك ... فذكره.
نعم صحّ عن أبي هريرة ظ له أنه قال: والله لأنا أقربكم صلاةً
برسول الله ، فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الصبح
بعدما يقول: ((سمع الله لمن حمده))، فيدعو للمؤمنين، ويلعن الكفار (٢).
ولا ريب أن رسول الله وسلّ فعل ذلك، ثم تركه، فأحب أبو هريرة أن
يُعَلِّمهم أن مثل هذا القنوت سنّة، وأن رسول الله وَّر فعله، وهذا ردّ على أهل
الكوفة الذين يكرهون القنوت في الفجر مطلقاً عند النوازل وغيرها(٣)،
ويقولون: هو منسوخ، وقِعلُهُ بدعة، فأهل الحديث متوسطون بين هؤلاء، وبين
من استحبه عند النوازل وغيرها، وهم أسعد بالحديث من الطائفتين، فإنهم
يقنتون حيث قنت رسول الله و *، ويتركونه حيث تركه، فيقتدون به في فعله
وتركه، ويقولون: فعله سنّة، وتركه سنّة، ومع هذا، فلا ينكرون على من داوم
عليه، ولا يكرهون فعله، ولا يرونه بدعة، ولا فاعلَه مخالفاً للسنّة، كما لا
ينكرون على من أنكره عند النوازل، ولا يرون تركه بدعة، ولا تاركه مخالفاً
للسنّة، بل من قنت، فقد أحسن، ومن تركه فقد أحسن، ورُكْنُ الاعتدال محل
الدعاء والثناء، وقد جمعهما النبيّ وَلّر فيه، ودعاء القنوت دعاء وثناء، فهو
أولى بهذا المحل، وإذا جَهَرَ به الإمام أحياناً ليعلم المأمومين، فلا بأس
بذلك، فقد جهر عمر بالاستفتاح ليعلم المأمومين، وجهر ابن عباس بقراءة
الفاتحة في صلاة الجنازة ليعلمهم أنها سنّة، ومن هذا أيضاً جهر الإمام
بالتأمين، وهذا من الاختلاف المباح الذي لا يعنَّف فيه من فعله، ولا من
(١) قال في ((التقريب)): عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ متروك. انتهى.
(٢) متّفقٌ عليه.
(٣) هذا إن أراد به الحنفيّة، ففيه نظر؛ لأن عندهم أن القنوت للنوازل في صلاة الفجر
مشروع، كما قاله الطحاويّ وغيره، راجع: ((حاشية ردّ المحتار)) لابن عابدين ١١/٢.

٤٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
تركه، وهذا كرفع اليدين في الصلاة وتركه (١)، وكالخلاف في أنواع التشهدات،
وأنواع الأذان والإقامة، وأنواع النسك من الإفراد، والقران، والتمتع، وليس
مقصودنا إلا ذكر هديه ﴿ الذي كان يفعله هو، فإنه قبلة القصد، وإليه التوجه
في هذا الكتاب، وعليه مدار التفتيش والطلب، وهذا شيء، والجائز الذي لا
ينكر فعله، وتركه شيء، فنحن لم نتعرض في هذا الكتاب لما يجوز، ولما لا
يجوز، وإنما مقصودنا فيه هدي النبيّ وَّ الذي كان يختاره لنفسه، فإنه أكمل
الهدي وأفضله، فإذا قلنا: لم يكن من هديه المداومة على القنوت في الفجر،
ولا الجهر بالبسملة، لم يدل ذلك على كراهة غيره، ولا أنه بدعة، ولكن
هديه ◌َ ر أكمل الهدي وأفضله، والله المستعان.
وأما حديث أبي جعفر الرازيّ، عن الربيع بن أنس، عن أنس، قال: ((ما
زال رسول الله (س﴿ يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا))، وهو في ((المسند))،
والترمذي، وغيرهما، فأبو جعفر قد ضعّفه أحمد وغيره، وقال ابن المديني:
كان يخلط، وقال أبو زرعة: كان يهم كثيراً، وقال ابن حبان: كان ينفرد
بالمناكير عن المشاهير.
قال: وقال لي شيخنا ابن تيمية قدس الله روحه: وهذا الإسناد نفسه هو
إسناد حديث: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]
حديث أبي بن كعب ◌َُّه الطويل، وفيه: وكان روح عيسى ظلّلا من تلك
الأرواح التي أخذ عليها العهد والميثاق في زمن آدم، فأرسل تلك الروح إلى
مريم لا حين انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً، فأرسله الله في صورة بشر،
فتمثّل لها بشراً سوياً، قال: فحملت الذي يخاطبها، فدخل من فيها، وهذا
(١) قال الجامع عفا الله عنه: في تسويته رفع اليدين وتركه، ومثله الجهر بالتأمين بأنواع
التشهّدات، وأنواع الأذان، وأنواع النسك نظر لا يخفى؛ لأن ترك الرفع، وعدم
الجهر بالتأمين مما خالف السنة الصحيحة، مخالفةً بيّةً، فيُعدّ فاعله مخالفاً للسنّة،
فيستحقّ الإنكار عليه، وأما أنواع التشهّدات، والأذان، والنسك، فإنها ثابتة في
السنّة، فمن أخذ ببعضها فقد أخذ بالسنة، فلا يُنكر عليه، فتبصّر، والله تعالى
أعلم.

٤٧٩
(٥٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الْقُنُوتِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ ... إلخ - حديث رقم (١٥٤٠)
غلط محض، فإن الذي أرسل إليها الملك الذي قال لها: ﴿إِنَّمَآ أَنَأْ رَسُولُ رَبِّكِ
لِأَهَبَ لَكِ غُلَمًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩]، ولم يكن الذي خاطبها بهذا هو عيسى
ابن مريم، هذا محال.
والمقصود أن أبا جعفر الرازي صاحب مناكير، لا يَحْتَج بما تفرد به أحدٌ
من أهل الحديث البتة، ولو صحّ لم يكن فيه دليل على هذا القنوت المعين
البتة، فإنه ليس فيه أن القنوت هذا الدعاء، فإن القنوت يطلق على القيام،
والسكوت، ودوام العبادة، والدعاء، والتسبيح، والخشوع، كما قال تعالى:
﴿وَلَهُ مَنْ فِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ كُلُّ لَّهُ قَسِنُونَ (٣)﴾ [الروم: ٢٦]، وقال تعالى:
﴿أَمَّنْ هُوَ قَنِتُ ءَانَآءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُوْ رَحْمَةَ رَبِّهُ﴾ [الزمر: ٩]،
وقال تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَتِ رَبِهَا وَكُتُبِهِ، وَكَانَتْ مِنَ الْقَنِينَ﴾ [التحريم: ١٢]،
وقال ◌َله: ((أفضل الصلاة طول القنوت))(١)، وقال زيد بن أرقم رظله: لما نزل
قوله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَنِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] أُمِرنا بالسكوت، ونُهِينا عن
الكلام(٢)، وأنس رُه لم يقل: لم يزل يقنت بعد الركوع رافعاً صوته: ((اللَّهم
اهدني فيمن هديت ... )) إلخ، ويؤمِّن من خلفه، ولا ريب أن قوله: ((ربنا ولك
الحمد، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل
الثناء والمجد، أحق ما قال العبد ... )) إلى آخر الدعاء والثناء الذي كان يقوله
قنوتٌ، وتطويلُ هذا الركن قنوتٌ، وتطويل القراءة قنوت، وهذا الدعاء المعين
قنوت، فمن أين لكم أن أنساً إنما أراد هذا الدعاء المعين، دون سائر أقسام
القنوت؟ !.
ولا يقال: تخصيصه القنوت بالفجر دون غيرها من الصلوات دليل على
إرادة الدعاء المعين؛ إذ سائر ما ذكرتم من أقسام القنوت مشترك بين الفجر
وغيرها، وأنس خَصّ الفجر، دون سائر الصلوات بالقنوت، ولا يمكن أن
يقال: إنه الدعاء على الكفار، ولا الدعاء للمستضعفين من المؤمنين؛ لأن أنساً
قد أخبر أنه قنت شهراً، ثم تركه، فتعيّن أن يكون هذا الدعاء المعيّن الذي
داوم عليه هو القنوت المعروف، وقد قنت أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي،
(١) رواه مسلم.
(٢) متفقٌ عليه.

٤٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
والبراء بن عازب، وأبو هريرة، وعبد الله بن عباس، وأبو موسى الأشعري،
وأنس بن مالك، وغيرهم.
والجواب من وجوه:
(أحدها): أن أنساً ظُله قد أخبر أنه لو كان يقنت في الفجر والمغرب،
كما ذكره البخاري، فلم يخصص القنوت بالفجر، وكذلك ذكر البراء بن
عازب رَُّه سواء، فما بال القنوت اختص بالفجر؟ !.
فإن قلتم: قنوت المغرب منسوخٌ، قال لكم منازعوكم من أهل الكوفة:
وكذلك قنوت الفجر سواء، ولا تأتون بحجة على نسخ قنوت المغرب إلا كان
دليلاً على نسخ قنوت الفجر سواءً، ولا يُمكنُكم أبداً أن تقيموا دليلاً على نسخ
قنوت المغرب، وإحكام قنوت الفجر.
[فإن قلتم]: قنوت المغرب كان قنوتاً للنوازل، لا قنوتاً راتباً، قال
منازعوكم من أهل الحديث: نعم كذلك هو، وكذلك قنوت الفجر سواء، وما
الفرق؟ قالوا: ويدل على أنّ قنوت الفجر كان قنوت نازلة، لا قنوتاً راتباً أن
أنساً نفسه أخبر بذلك، وعمدتكم في القنوت الراتب إنما هو أنس، وأنس أخبر
أنه كان قنوت نازلة، ثم تركه، ففي ((الصحيحين)) عن أنس ظُبه قال: قنت
رسول الله وَلجر شهراً يدعو على حيّ من أحياء العرب، ثم تركه.
(الثاني): أن شبابة رَوَى عن قيس بن الربيع، عن عاصم بن سليمان،
قال: قلنا لأنس بن مالك: إن قوماً يزعمون أن النبيّ وَّ ه لم يزل يقنت بالفجر،
قال: كذبوا، وإنما قنت رسول الله وَ﴿ شهراً واحداً يدعو على حيّ من أحياء
العرب، وقيس بن الربيع، وإن كان يحيى بن معين ضعّفه، فقد وثقه غيره،
وليس بدون أبي جعفر الرازي، فكيف يكون أبو جعفر حجة في قوله: لم يزل
يقنت حتى فارق الدنيا، وقيس ليس بحجة في هذا الحديث، وهو أوثق منه، أو
مثله، والذين ضعّفوا أبا جعفر أكثر من الذين ضعّفوا قيساً، فإنما يعرف
تضعيف قيس عن يحيى، وذكر سبب تضعيفه، فقال أحمد بن سعيد بن أبي
مريم: سألت يحيى عن قيس بن الربيع؟ فقال: ضعيف لا يكتب حديثه، كان
يحدث بالحديث عن عَبِيدة، وهو عنده عن منصور، ومثل هذا لا يوجب رَدّ