Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
(٤٧) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ فِي جَمَاعَةٍ - حديث رقم (١٤٩٢)
قال المباركفوريّ تَخّلُهُ: الأمر كما قال المنذريّ دَّثُ. انتهى، وسيأتي
تمام البحث فيه في المسألة الثالثة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظبه هذا من أفراد المصنّف تَخَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤٩٢/٤٧ و١٤٩٣] (٦٥٦)، و(أبو داود) في
((الصلاة)) (٥٥٥)، و(الترمذيّ) فيها (٢٢١)، و(مالك) في ((الموطّأ)) (١٣٢/١)،
و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠٠٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٥٨/١ و٦٨)،
و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٠٢/١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٤٧٣)،
و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٢٠٥٨ و٢٠٥٩ و٢٠٦٠)، و(أبو عوانة) في
((مسنده)) (١٢٥٤ و١٢٥٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٤٦٥ و١٤٦٦)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٦٤/١ و٦٠/٣ - ٦١)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة))
(٣٨٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة.
٢ - (ومنها): بيان عظيم فضل الله تعالى، وواسع رحمته على هذه الأمة،
حيث جعل صلاة العشاء والفجر في جماعة تقوم مقام قيام ليلة كاملة، ﴿ذَلِكَ
فَضْلُ اَللَّهِ يُؤْتِهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١].
٣ - (ومنها): أنه قد وفّق العلماء بين رواية مسلم هذه التي تقتضي
بظاهرها أن من صلى العشاء والفجر في جماعة كان له قيام ليلة ونصف، وبين
رواية أبي داود، والترمذيّ التي تدُلّ على أن له قيام ليلة، فقالوا: إن المراد
بقوله: ((ومن صلى الصبح في جماعة)) في رواية مسلم، أي منضمّاً لصلاة
العشاء جماعةً، قاله المناويّ، وقال القاري في ((المرقاة)) في شرح قوله:
((فكأنما صلى الليل كله)) أي بانضمام ذلك النصف، فكأنه أحيى نصف الليل

٢٦٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
الأخير. انتهى، وهذا هو المتعين؛ جمعاً بين الروايتين(١).
وقال في ((عون المعبود)): جعل بعضهم حديث مسلم على ظاهره، وأن
جماعة العَتَمة توازي في فضيلتها قيام نصف ليلة، وصلاة الصبح في جماعة
توازي في فضيلتها قيام ليلة، واللفظ الذي خرّجه أبو داود يفسِّره، ويُبَيِّن أن
المراد بقوله: ((ومن صلى الصبح في جماعة، فكأنما صلى الليل كله)»، يعني
ومن صلى الصبح والعشاء.
وطُرُق هذا الحديث مصرِّحة بأنّ كل واحد منهما يقوم مقام نصف ليلة،
وأن اجتماعهما يقوم مقام ليلة. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الجمع الذي ذُكر من أن المراد برواية
المصنّف: ((ومن صلى الصبح في جماعة، فكأنما صلى الليل كلّه)) أي مع
صلاته العشاء جماعة، فالمجموع يكون كقيام ليلة، ومما يبيّن هذا التأويل، ما
أخرجه ابن حبّان في ((صحيحه)) بإسناد صحيح، بلفظ: ((من صلّى العشاء
والغداة في جماعة، فكأنما قام الليل))، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[١٤٩٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ
الْأَسَدِيُّ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ جَمِيعاً، عَنْ
سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي سَهْلٍ، عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قريباً .
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَسَدِيُّ) هو: محمد بن عبد الله بن الزبير بن
عُمَر بن درهم، أبو أحمد الزبيريّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، إلا أنه قد يُخطئ في
(١) راجع: ((تحفة الأحوذي)) ١١/٢.
-
(٢) ((عون المعبود)) ١٨٣/٢.

٢٦٣
(٤٧) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ فِي جَمَاعَةٍ - حديث رقم (١٤٩٤)
حديث الثوريّ(١) [٩] (ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان) ٣١٤/٥٠.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) تقدّم قريباً أيضاً.
٤ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بَّنْ همّام الصنعانيّ، تقدّم قريباً أيضاً.
٥ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ الإمام الحجة المشهور [٧] (ت١٦١) (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
و((أبو سهل)) هو: عثمان بن حكيم المذكور في السند الماضي.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد عثمان بن حكيم الماضي، وهو: عن
عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن عثمان مظ لته.
وقوله: (مِثْلَهُ) يعني أن سفيان الثوريّ حدّث عن عثمان بن حكيم، مثل
حديث عبد الواحد بن زياد، عنه.
[تنبيه]: رواية سفيان هذه ساقها أبو نعيم في ((مستخرجه)) (٢٥٢/٢)
فقال :
(١٤٦٦) أخبرنا سليمان بن أحمد، ثنا إسحاق بن إبراهيم، عن
عبد الرزاق، عن الثوريّ (ح) وحدّثنا أبو عليّ الصّاف، ثنا عبد الله بن
أحمد بن حنبل، حدّثني أبي، ثنا عبد الرحمن، وعبد الرزاق، قالا: سفيان(٢)،
عن عثمان بن حكيم، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن عثمان بن عفان،
قال: قال النبيّ وَ﴾: ((من صلى صلاة العشاء والصبح في جماعة، فهو كقيام
ليلة)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٤٩٤] (٦٥٧) - (وَحَدَّثَنِي (٣) نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ،
(١) لكنه هنا مما لم يُخطىء فيه؛ لأن مسلماً أخرجه من طريقه؛ لكونه محفوظاً، وأيضاً
تابعه عليه عبد الرزّاق، فلم ينفرد به، فتنبّه.
(٢) هكذا النسخة، والظاهر أنه سقط لفظ: ((حدّثنا))، فليُحرّر.
(٣) وفي نسخة: ((حدّثني)).

٢٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
يَعْنِي ابْنَ مُفَضَّلٍ (١)، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبَ بْنَ
عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ، فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللهِ، فَلَا
يَطْلُبَنَّكُمُ اللهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ، فَيُدْرِكَهُ، فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٥٠) أو
بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥.
٢ - (بِشْرُ بْنُ مُفَضَّل) بن لاحق الرَّفَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
عابدٌ [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٥/١٠.
٣ - (خَالِدُ) بن مِهْرَان الحذّاءُ، أبو الْمَنَازل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، يُرسل
[٥] (ت١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٠/ ١٤٤.
٤ - (أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ) الأنصاريّ، أبو موسى، وقيل: أبو حمزة، وقيل:
أبو عبد الله البصريّ، أخو محمد بن سيرين، وُلِد لسنة، أو لسنتين بقيتا من
خلافة عثمان، ودخل على زيد بن ثابت، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن مولاه، وابن عباس، وابن عمر، وجُندَب البجليّ، وأبي زيد بن
أخطب، وشُرَيح القاضي، وأبي مِجْلَز، وجماعة.
ورَوَى عنه شعبة، والحمادان، وابن عون، وخالد الحذّاء، وهشام بن
حسان، وهمام بن يحيى، ويونس بن عبيد، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال محمد بن عيسى بن
السكن الواسطيّ، عن ابن معين: أولَادُ سيرين ستة(٢): أثبتهم محمد، وأنس
دونه، ولا بأس به، وقال العجليّ: تابعيّ ثقة.
قال خليفة: مات سنة (١١٨)، وقال أحمد: مات سنة (١٢٠)، وقال ابن
سعد: تُوُفّي بعد أخيه محمد، وكان ثقةً، قليلَ الحديث.
(١) وفي نسخة: ((ابن المفضّل)).
(٢) تقدّم أن أولاد سيرين ثلاثة وعشرون، والمشهور برواية الحديث ستة، أربعة من
الذكور: محمد، وأنس، ويحيى، ومعبد، واثنتان من النساء: حفصة، وكريمة.

٢٦٥
(٤٧) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ فِي جَمَاعَةٍ - حديث رقم (١٤٩٤)
وحكى أبو الوليد الباجيّ في ((كتاب رجال البخاريّ)) عن عليّ ابن
المدينيّ أنه سئل عن حديثٍ رواه شعبة، عن أنس بن سيرين، قال: ((رأيت
القاسم يتطوع في السفر))، فقال: ليس هذا بشيء، لم يرو أنس، عن القاسم
شيئاً. انتھی.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث، برقم (٦٥٧)
وأعاده بعده، و(٦٧٧) و(٧٠٢) و(٧٤٩) و(١٤٣٨) و(١٤٧١) وأعاده بعده.
٥ - (جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن سفيان البجَليّ، ثم الْعَلَقيّ، أبو عبد الله
الصحابيّ ظُبه، مات بعد الستّين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٦/٤٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف وَّلُهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب
الستّة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره، وجُندب
diego
كان بالكوفة، ثم خرج إلى البصرة، ثم خرج منها، قاله البخاريّ ◌َُّهُ(١).
٥ - (ومنها): رواية تابعيّ، عن تابعيّ: خالد الحذّاء، عن أنس بن
سیرین .
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ) الأنصاريّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبَ بْنَ
عَبْدِ اللهِ) رَبُّه، وفي الرواية الثالثة: ((عن جندب بن سفيان))، وهو جندب بن
عبد الله بن سفيان، نسب هنا لأبيه، وهناك لجدّه (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَتِ:
((مَنْ) شرطيّة، جوابها جملة: ((فهو ... إلخ)) (صَلَّى الصُّبْحَ) قيل: معناه صلّاها
في جماعة، والظاهر العموم، والله تعالى أعلم.
(فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللهِ) أي في عهده، أو ضمانه، أو أمانه في الدنيا والآخرة،
(١) ((التاريخ الكبير)) ١٢٢/٢/١.

٢٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج .- كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وهذا غير الأمان الذي ثبت له بكلمة التوحيد (فَلَا يَطْلُبَنَّكُمُ اللهُ) أي لا
يؤاخذكم، وهو من باب: ((لا أرينّك ههنا))، والمراد نهيهم عن أذيّته، والتعرّض
لما يوجب مطالبة الله إياهم (١). (مِنْ ذِمَّتِهِ) ((من)) بمعنى ((لأجل))، والضمير في
(ذمّته)) إما لله تعالى، وإما لـ((مَنْ)) وفيه مضاف محذوف، أي لأجل ترك ذمّته،
أو ((من)) بيانيّة، والجارّ والمجرور حالٌ عن ((شيء))؛ لأنه في الأصل نعت له،
فلما قُدّم عليه أعرب حالاً؛ لأن القاعدة أن نعت النكرة إذا قُدّم عليها يُعرب
حالاً، كما في قول الشاعر:
لِمَيَّةَ مُوحِشاً طَلَلُ يَلُوحُ كَأَنَّهُ خِلَلُ
(بِشَيْءٍ) أي يسير، وفي ((المصابيح)): ((بشيء من ذمّته)): قيل: أي بنقض
عهده، والتعرّض لمن له ذمّةٌ بالأذى، أو المراد بالذّمّة الصلاة الموجبة للأمان،
أي لا تتركوا صلاة الصبح، فينتقض به العهد الذي بينكم وبين ربّكم،
فيطلبكم به(٢).
وقال الطيبيّ نَّثُهُ: قوله: ((لا يطلبنّكم الله)) من باب: ((لا أرينّك ها هنا))
وقع النهي على مطالبة الله تعالى إياهم عن نقض العهد، والمراد نهيهم عن
التعرّض لما يوجب مطالبة الله إياهم، وفيه مبالغات؛ لأن الأصل: لا تُخْفِروا
ذمّته، فجيء بالنهي كما ترى، وصرّح بضمير الله، ووضع المنهيّ الذي هو
مسبَّبٌ موضعَ التعرّض الذي هو سبب فيه، ثم أعاد الطلب، وكرّر الذمّة،
ورتَبَ عليه الوعيد.
والمعنى: من صلّى صلاة الصبح، فهو في ذمّة الله تعالى، فلا تتعرّضوا
له بشيء يسير، فإنكم إن تعرّضتم له يُدرككم الله تعالى، ولن تفوتوه، فيُحيط
بكم من جوانبكم، كما يُحيط المحيط بالمحاط، ويكبّكم في النار.
قال: والضمير في ((ذمّته)) يجوز أن يعود إلى الله تعالى، وإلى ((مَنْ)).
وقيل: يَحْتَمِلُ أن يكون المراد بالذمّة الصلاة المقتضية للأمان، فيكون
المعنى: لا تتركوا صلاة الصبح، فينتقض العهد الذي بينكم، وبين ربّكم،
فيطلُبکم به.
(١) ((المرعاة)) ٢٣٤/٢.
(٢) ((المرعاة)) ٢٣٤/٢.

٢٦٧
(٤٧) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ فِي جَمَاعَةٍ - حديث رقم (١٤٩٤)
وإنما خصّ صلاة الصبح بالذكر؛ لما فيها من الْكُلْفَة والمشقّة، وأداؤها
مظنّة خلوص الرجل، ومَئِنّة إيمانه، ومن كان مؤمناً خالصاً، فهو في ذمّة الله
تعالى وعهده. انتهى كلام الطيبيّ كَُّ(١)، وهو تحقيقٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم.
(فَيُدْرِكَهُ) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإدراك، وهو منصوب؛ لوقوعه
بعد الفاء السببيّة، كما في قوله تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ﴾ [فاطر: ٣٦]،
قال في ((الخلاصة)):
وَبَعْدَ فَا جَوَابٍ نَفْي أَوْ طَلَبْ مَحْضَيْنِ ((أَنْ)) وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ
والضمير المنصوب لـ(شيء)) (فَيَكُبَّهُ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، أي يقلبه على
وجهه، يقال: كَبَبتُ الإناء كَبّاً، من باب نصر: قَلَبتُهُ على رأسه، وكَبتُ زيداً كَبّاً
أيضاً: ألقيته على وجهه، فأكبّ هو بالألف، وهو من الأفعال النوادر التي
يتعدّى ثلاثيّها، ويلزم رباعيّها، وفي التنزيل العزيز: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ﴾
[النمل: ٩٠]، و﴿أَفَنْ يَمْشِى مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الملك: ٢٢]، أفاده الفيّوميّ(٢).
والضمير المنصوب لـ((شيء)) أيضاً على حذف مضاف، أي صاحبه،
وقوله: (فِي نَارِ جَهَنَّمَ))) متعلّق بـ(يكبّه))، وفي الرواية التالية: ((فلا يطلبنّكم الله
من ذمّته بشيء، فإنه من يطلبه من ذمّته بشيء يُذْركه، ثم يكُبّه على وجهه في نار
جهنّم))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جندب بن عبد الله ظه هذا من أفراد
المصنّف رَّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧ /١٤٩٤ و١٤٩٥ و١٤٩٦] (٦٥٧)،
و(الترمذيّ) في ((الصلاة)) (٢٢٢)، و(ابن ماجه) في ((الفتن)) (٣٩٤٦)،
و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٩٣٨)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٦٨٣ و١٦٨٤)،
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٨٩٦/٣.
(٢) ((المصباح المنير)) ٥٢٣/٢.

٢٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٧٤٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٢٧٦
و١٢٧٧ و١٢٧٨ و١٢٧٩ و١٢٨٠)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٤٦٧
و١٤٦٨) وفي ((الحلية)) (٩٦/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٦٤/١)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل صلاة الصبح.
٢ - (ومنها): بيان أن العبد إذا صلّى الصبح دخل في ذمة الله محمد، وفي
جواره، قد استجار بالله تعالى، والله تعالى قد أجاره، فلا ينبغي لأحد أن
يتعرّض له بضرّ، أو أذى، فمن فعل ذلك، فالله يطلُب بحقّه، ومن يطلبه الله
تعالى لم يجد مَفَرّاً، ولا مَلْجَأً، وهذا وعيدٌ شديدٌ لمن يتعرّض للمصلّين.
٣ - (ومنها): بيان انتقام الله تعالى ممن يتعرّض لعباده الصالحين، فهو
بمعنى الحديث الذي أخرجه البخاريّ في ((صحيحه))، عن أبي هريرة څبه قال:
قال رسول الله وَله: ((إن الله قال: من عادى لي وليّاً، فقد آذنته بالحرب، وما
تقرّب إلي عبدي بشيء أحبّ إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب
إلي بالنوافل، حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي
يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه،
ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس
المؤمن، يَكْرَه الموت، وأنا أكره مُساءته)). انتهى.
٤ - (ومنها): بيان أن الله تعالى لن يُعجزه شيء في الأرض ولا في
السماء، ولن يفوته أحد أراد الانتقام منه، فهو كقوله رَمَت: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ
سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُمْ وَمَا لَهُم مِّن دُونِ مِن وَالٍ﴾ [الرعد: ١١]، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٤٩٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ (١) يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا
(١) وفي نسخة: ((حدّثني)).

٢٦٩
(٤٧) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ فِي جَمَاعَةٍ - حديث رقم (١٤٩٥)
إِسْمَاعِيلُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَباً الْقَسْرِيَّ(١) يَقُولُ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ صَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللهِ، فَلَا يَطْلُبَنَّكُمُ اللهُ
مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ مَنْ يَطْلُبُهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ يُدْرِكْهُ، ثُمَّ يَكُبَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي نَارٍ
جَهَنَّمَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ) ابن عليّة، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في السند الماضي، و((خالد)» هو الحذّاء.
وقوله: (جُنْدَباً الْقَسْرِيَّ) وفي نسخة: ((جندب بن عبد الله القسريّ))، قال
النوويّ تَّتُهُ: قوله: ((القَسْريّ)) هو بفتح القاف، وإسكان السين المهملة، وقد
توقّف بعضهم في صحة قولهم: ((القسريّ))؛ لأن جندباً ليس من بني قَسْر،
وإنما هو بَجَلَيّ عَلَقِيّ، وعَلَقَة بطن من بَجِيلة، هكذا ذكره أهل التواريخ
والأنساب والأسماء، وقَسْرٌ: هو أخو عَلَقَة. انتهى(٢).
وقال القاضي عياض تَظُّ: قوله: ((جندباً القسريّ)) كذا للجلوديّ، وسقط
لغيره، وهو غير معروف في نسبه، وإنما هو بجليّ عَلَقيّ، وعَلَق بطن من
بَجِيلة، كذا قال البخاريّ، وقال أبو نصر الحافظ: هو علقة بن عبقر بن بَجِيلة،
وقَيْر بن عبقر بن بَجِيلة، قال القاضي: ولعل لجندب حِلْفاً في بني قَسْر، أو
سَكَناً، أو جِوَاراً، فَنُسب إليها لذلك، أو لعل بني عَلَقَة يُنْسَبُون إلى عمهم قسر،
كغير واحد من القبائل، يُنسَبون بنسبة بني عمهم؛ لكثرتهم، أو شهرتهم.
(٣)
انتھی(١
.
وقوله: (فَإِنَّهُ مَنْ يَطْلُبُهُ) الضمير في ((فإنه)) للشأن، والضمير المسكنّ في
((يطلبه)) لله، والبارز لـ((مَنْ)).
(١) وفي نسخة: ((جندب بن عبد الله القسريّ)).
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٥٨/٥.
(٣) ((إكمال المعلم)) ٦٣٠/٢.

٢٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وقوله: (مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ يُدْرِكْهُ) يعني من يطلبه الله تعالى للمؤاخذة بما
فرّط من حقّه، والقيام بعهده يُدركُهُ الله تعالى؛ إذ لا يفوته هارب.
وقوله: (ثُمَّ يَكُبَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ) أي يُلقيه الله تعالى على وجهه
في نار جهنّم أعاذنا الله تعالى منها بمنّه وكرمه، آمين، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٤٩٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ،
عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ جُنْدَبٍ بْنِ سُفْيَانَ، عَنِ النَّبِيِّ نََّ بِهَذَا،
وَلَمْ يَذْكُرْ(١): ((فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ
عابدٌ [٩] (ت٢٠٦) وقد قارب التسعين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤٥/٦.
٣ - (دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ) القُشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد البصريّ،
ثقةٌ متقنٌ [٥] (ت١٤٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٢٧/ ٢٢١.
٤ - (الْحَسَنُ) بن أبي الحسن يسار الأنصاريّ مولاهم، أبو سعيد
البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ فاضلٌ مشهورٌ، يرسل كثيراً، ويُدلّس، رأس الطبقة [٣]
(ت١١٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٦.
٥ - (جُنْدَبُ بْنُ سُفْيَانَ) هو: جندب بن عبد الله بن سفيان الصحابي
المذكور في السند السابق.
وقوله: (بِهَذَا) أي بالحديث السابق.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ ... إلخ) وفي نسخة: ((ولم يذكر فيه ... إلخ))، وهو
(١) وفي نسخة: ((ولم يذكر فيه)).

٢٧١
(٤٨) - بَابُ الرُّخْصَةِ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ لِعُذْرٍ - حديث رقم (١٤٩٧)
بالبناء للفاعل، وفاعله ضمير الحسن، يعني أن الحسن لم يذكر في روايته
قوله: ((فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ)».
[تنبيه]: رواية الحسن، عن جندب بنظ له هذه ساقها أبو نعيم في
(مستخرجه)) (٢/ ٢٥٢) فقال:
(١٤٦٨) حدّثنا محمد بن عبد الرحمن بن مخلد، ثنا سهل بن موسى، ثنا
محمد بن بشار بندار (ح) وحدّثنا أبو محمد بن حيان، ثنا أبو بكر بن أبي
عاصم، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قالا: ثنا يزيد بن هارون، أنبا داود بن أبي
هند، عن الحسن، عن جندب، قال: قال رسول الله وَله: ((من صلى الصبح،
فهو في ذمة الله، فإياك يا ابن آدم، أن يطلبك الله بشيء من ذمته)). انتهى،
ونحوه لأبي عوانة في ((مسنده) (٣٥٦/١).
[تنبيه آخر]: إن قلت: كيف أخرج المصنّف تَخْتُ رواية الحسن، عن
جندب رَظُه، وهي منقطعة، على ما روي عن ابن أبي حاتم في ((المراسيل)) أن
الحسن لا يصحّ له سماع من جندب؟.
[قلت]: إنما أخرجه المصنّف تَُّ من باب المتابعة، فقد أخرج الحديث
قبل هذا متّصلاً من رواية أنس بن سيرين، عن جندب ظُه، ومن القواعد
المشهورة أنه قد يُغتفر في المتابعات والشواهد ما لا يُغتفر في الأصول، فتنبّه
بهذه الدقائق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٤٨) - (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي التَّخَلَّفِ عَنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ لِعُذْرٍ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٤٩٧] (٣٣) - (حَدَّثَنِي(١) حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى التُّجِبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ،
أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ مَحْمُودَ بْنَ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيَّ، حَدَّثَهُ أَنَّ
(١) وفي نسخة: ((وحدّثني)).

٢٧٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
عِتْبَانَ بْنَ مَالِكِ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّ وَّهِ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْراً، مِنَ الْأَنْصَارِ، أَنَّهُ
أَتَى رَسُولَ اللهِ وَّةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَأَنَا أُصَلِّي
لِقَوْمِي، وَإِذَا كَانَتِ الْأَمْطَارُ سَالَ الْوَادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، وَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ
مَسْجِدَهُمْ، فَأُصَلَِّ لَهُمْ، وَدِدْتُ أَنَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ تَأْتِي، فَتُصَلِّي فِي مُصَلَّى، فَأَتَّخِذَهُ
مُصَلَّى(١)، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((سَأَفْعَلُ، إِنْ شَاءَ اللهُ))، قَالَ عِنْبَانُ: فَغَدَا
رَسُولُ اللهِ وِّهِ، وَأَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ، حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللهِوَّهِ،
فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ، ثُمَّ قَالَ: ((أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ
بَيْتِكَ؟))، قَالَ: فَأَشَرْتُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ وَِّ، فَكَبَّرَ، فَقُمْنَا
وَرَاءَهُ، فَصَلَّى (٢) رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ سَلَّمَ، قَالَ: وَحَبَسْنَاهُ عَلَى خَزِيرٍ، صَنَعْنَاهُ لَهُ(٣)،
قَالَ: فَتَابَ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ حَوْلَنَا، حَتَّى اجْتَمَعَ فِي الْبَيْتِ رِجَالٌ، ذَوُو عَدَدٍ،
فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ مُنَافِقٌ، لَا يُحِبُّ اللهَ
وَرَسُولَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((لَا تَقُلْ لَهُ ذَلِكَ، أَلَا تَرَاهُ قَدْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ،
يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ؟)) (٤)، قَالَ: قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّمَا نَرَى وَجْهَهُ
وَنَصِيحَتَهُ لِلْمُنَافِقِينَ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((فَإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ
قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ).
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: ثُمَّ سَأَلْتُ الْحُصَيْنَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيَّ، وَهُوَ أَحَدُ بَنِي
سَالِمِ، وَهُوَ مِنْ سَرَاتِهِمْ، عَنْ حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَصَدَّقَهُ بِذَلِكَ).
ے
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ) أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ،
صدوقٌ [١١] (ت٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ
(١) وفي نسخة: ((في مصلّى في بيتي، فأتّخذه مصلّى)).
(٢) وفي نسخة: ((فكبّر، وقمنا وراءه، فصلّى بنا)).
(٣) وفي نسخة: ((صنعنا له في البيت)).
(٤) وفي نسخة: ((يبتغي بها وجه الله)).

٢٧٣
(٤٨) - بَابُ الرُّخْصَةِ فِي النَّخَلُّفِ عَنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ لِعُذْرٍ - حديث رقم (١٤٩٧)
ثبتٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ [٩] (ت١٩٧) وله (٧٢) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ،
ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت١٥٩) على الصحيح (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن
شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زُهْرة بن كلاب القرشيّ الزهريّ، أبو بكر
المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ فقيهٌ إمامٌ، من رؤوس الطبقة [٤] (ت١٢٥) وقيل غير
ذلك (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٤٨.
٥ - (مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيُّ) هو: محمود بن الربيع بن سُرَاقة بن
عمرو الخزرجيّ، أبو نعيم، أو أبو محمد المدنيّ، صحابيّ صغير، وجلّ روايته
عن الصحابة
توفير (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٧/١٢.
٦ - (عِْبَانُ بْنُ مَالِك) بن عمرو العَجْلانيّ الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ
المشهور، مات رظُه في خلافة معاوية نظراته، (خ م كد س ق) تقدم في
((الإيمان)) ١٢ / ١٥٧.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذُهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو،
والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ: محمود، عن
عتبان
٥ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، إلا في قوله: ((عن ابن
شهاب))، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ (أَنَّ مَحْمُودَ بْنَ الرَّبِيع) بفتح الراء، مكبّراً
(الْأَنْصَارِيَّ حَدَّثَهُ) أَّ حدّث ابن شهاب (أَنَّ عِتْبَانَ بَّنَ مَالِكِ) الخزرجيّ
السالميّ، من بني سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج، وهو - بكسر

٢٧٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
العين المهملة، وبعدها تاء مثّاة من فوقُ ساكنة، ثم باء موحدة - قال النوويّ:
وهذا الذي ذكرناه من كسر العين، هو الصحيح المشهور الذي لم يَذْكُر
الجمهور سواه، وقال صاحب ((المطالع)): وقد ضبطناه من طريق ابن سَهْل
بالضم أيضاً. انتهى(١) .
قال الحافظ ابن رجب رَّتُهُ: عتبان بن مالك بن عمرو بن العجلان بن
زيد بن غَنْم بن سالم بن عوف، شهد بدراً وأُحداً - كما في هذا الحديث - ولم
يُذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدراً، وكان ذهب بصره في عهد النبيّ وَّ، وكان
يؤم قومه وهو ضرير البصر وهو شيخ كبير إلى أن توفي في زمن معاوية(٢).
(وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْراً) - بفتح الموحّدة، وسكون
الدال المهملة -: هي اسم بئر بين مكة والمدينة، كانت بها الوقعة المشهورة
للنبيّ وَّ، والبئر نُسبت إلى بدر بن يخلد بن النضر بن كنانة(٣)، وكانت هذه
الوقعة في شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة (مِنَ الأَنْصَارِ) بالفتح: هم:
جماعة من أهل المدينة من الصحابة ﴿م، من أولاد الأوس والخزرج، قيل
لهم: الأنصار؛ لنُصْرتهم رسول الله ◌ِ﴾(٤).
(أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللهِ وَ ﴿) وفي رواية ثابت، عن أنس، عن عتبان عند
مسلم (٥) أنه بعث إلى النبيّ وَّ يطلب منه ذلك، فيَحْتَمِل أن يكون نَسَب إتيان
رسوله إلى نفسه مجازاً، ويَحْتَمِل أن يكون أتاه مرّة، وبعث إليه أخرى، إما
مُتَقاضِياً، وإما مُذكِّراً.
وفي الطبرانيّ من طريق أبي أويس، عن ابن شهاب بسنده، أنه قال
للنبيّ ◌َ﴾ يوم جمعة: ((لو أتيتني يا رسول الله، وفيه أنه أتاه يوم السبت))،
وظاهره أن مخاطبة عتبان بذلك كانت حقيقةً لا مجازاً، قاله في ((الفتح))(٦).
(١) ((شرح مسلم)) ٢٤٢/١.
(٢) ((فتح الباري)) لابن رجب ١٧٦/٣.
(٣) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٨٨/١.
(٤) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ١/ ٦٤.
(٥) تقدّمت في ((كتاب الإيمان)) برقم [١٥٧] (٣٣).
(٦) ((الفتح)) ٦١٩/١.

٢٧٥
(٤٨) - بَابُ الرُّخْصَةِ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ لِعُذْرٍ - حديث رقم (١٤٩٧)
(فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي) كذا ذكره جمهور أصحاب
ابن شهاب، كما للمصنف من طريق يونس، وللبخاريّ من طريق إبراهيم بن
سعد، ومعمر، وللطبرانيّ من طريق الزُّبَيْديّ، والأوزاعيّ، وله من طريق أبي
أُويس: (لَمّا ساء بصري))، وللإسماعيليّ من طريق عبد الرحمن بن نَمِر: ((جَعَلَ
بصري يَكِلُّ))، وللمصنّف من طريق سليمان بن المغيرة، عن ثابت المتقدّمة في
((الإيمان)): ((أصابني في بصري بعض الشيء))، وكلُّ ذلك ظاهر في أنه لم يكن
بَلَغَ الْعَمَى إذ ذاك.
لكن أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) من طريق مالك، عن ابن شهاب،
فقال فيه: ((إن عتبان كان يؤم قومه، وهو أعمى، وأنه قال لرسول الله وَله: إنها
تكون الظلمة والسيل، وأنا رجل ضرير البصر ... )) الحديث، وقد قيل: إن
رواية مالك هذه مُعارِضة لغيره.
قال الحافظ تَخْذَلُهُ: وليست عندي كذلك، بل قول محمود: إن عتبان كان
يؤم قومه، وهو أعمى، أي حين لقيه محمود، وسمع منه الحديث، لا حين
سؤاله للنبيّ وَّر، ويبيّنه قوله في رواية يعقوب: ((فجئت إلى عتبان، وهو شيخ
أعمى، يؤمُّ قومه)).
وأما قوله: ((وأنا رجل ضرير البصر)) أي أصابني فيه ضرٌّ، كقوله:
((أنكرت بصري)).
ويؤيد هذا الحمل قوله في رواية ابن ماجه، من طريق إبراهيم بن سعد
أيضاً: (لَمَّا أنكرت من بصري))، وقوله في رواية مسلم الماضية: ((أصابني في
بصري بعض الشيء»، فإنه ظاهرٌ في أنه لم يَكْمُل عماه، لكن رواية مسلم من
طريق حماد بن سلمة، عن ثابت الماضية في ((كتاب الإيمان))، بلفظ: ((إنه
عَمِيَ، فأرسل ... )).
وقد جمع ابنُ خزيمة بين رواية مالك وغيره من أصحاب ابن شهاب،
فقال: قوله: ((أنكرت بصري)) هذا اللفظ يُظْلَق على مَن في بصره سوء، وإن
كان يبصر بَصَراً ما، وعلى من صار أعمى لا يبصر شيئاً. انتهى.
والأولى أن يقال: أَطلَق عليه عَمِيَ؛ لقربه منه، ومشاركته له في فوات

٢٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
بعض ما كان يَعْهَده في حال الصحة، وبهذا تأتلف الروايات. انتهى كلام
الحافظ تَُّهُ، وهو تحقيقُ نفيسٌ، والله تعالى أعلم(١).
(وَأَنَا أُصَلِّ لِقَوْمِي) أي لأجلهم، والمراد أنه كان يؤمُّهم، وصَرَّح بذلك
أبو داود الطيالسيّ، عن إبراهيم بن سعد.
(وَإِذَا كَانَتِ الْأَمْطَارُ) ((كان)) هنا تامّةٌ، أي نزلت، ويَحْتَمِل أن تكون
ناقصةً، وخبرها محذوف، أي نازلةً (سَالَ الْوَادِي) أي سال الماء في الوادي،
فهو من إطلاق المحلّ على الحالّ، وللطبرانيّ من طريق الزُّبَيديّ: ((وإن الأمطار
حين تكون يمنعني سيل الوادي)).
وقوله: (الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ) وفي رواية الإسماعيليّ: ((يَسيل الوادي الذي
بين مسكني وبين مسجد قومي، فيحول بيني وبين الصلاة معهم)).
(وَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ، فَأُصَلِّيَ لَهُمْ) بالنصب عطفاً على ((آتي))
(وَدِدْتُ) - بكسر الدال الأولى -: أي تَمَنَّيتُ، وحَكَى القزّاز جواز فتح الدال في
الماضي، والواو في المصدر، والمشهور في المصدر الضمّ، وحكى فيه أيضاً
الفتح، فهو مثلَّثٌ، قاله في ((الفتح)).
وفي ((المصباح)): وَدِدْتُهُ أَوَدّه، من باب تَعِبَ وُدّاً، بفتح الواو وضمّها :
أحببتُهُ، والاسم المودّة، وَوَدِدْتُ لو كان كذا أَوَدُّ أيضاً وُدّاً، ووَدَادَةً بالفتح:
تمنّيتُهُ، وفي لغة وَدَدْتُ أَوَدُّ بفتحتين، حكاها الكسائيّ، وهو غلطٌ عند
البصريين، وقال الزّجّاج: لم يقل الكسائيّ إلا ما سَمِعَ، ولكنه سمعه ممن لا
یوثق بفصاحته. انتهى(٢).
(أَنَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ تَأْتِي) بفتح الهمزة؛ لوقوعها في موضع المفعول به
لـ((وَدِدتُ))، والتقدير: وودِدتُ إتياك، قال في ((الخلاصة)):
وَهَمْزَ ((إِنَّ)) افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرٍ مَسَدَّهَا وَفِي سِوَىَ ذَاكَ اكْسِرٍ
(فَتُصَلِّي) بسكون الياء؛ لأنه مرفوع عطفٌ على ((تأتي))، ويجوز النصب؛
لوقوع الفاء التي بعد التمني المستفاد من الودادة، قاله في ((العمدة))(٣). (فِي
(١) ((الفتح)) ٦١٩/١.
(٣) ((عمدة القاري)) ٢٤٨/٤.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦٥٣.

٢٧٧
(٤٨) - بَابُ الرُّخْصَةِ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ لِعُذْرٍ - حديث رقم (١٤٩٧)
مُصَلَّى) أي في مكان صلاة، وفي بعض النسخ: ((في مصلّى في بيتي)) (فَأَتَّخِذَهُ)
بالرفع، ويجوز النصب، كما في ((فتصلّي)) (مُصَلَّى) أي مكان صلاة (قَالَ)
عتبان رَظُّهَ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((سَأَفْعَلُ، إِنْ شَاءَ اللهُ)) علّقه بمشيئة الله
تعالى؛ عملاً بقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقُولَنَ لِشَأَىْءٍ إِنِّ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٣) إِلَّ أَنْ
يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] قال الكرمانيّ: وليس لمجرّد التبرّك؛ إذ محلّ
استعماله إنما هو فيما كان مجزوماً به. انتهى(١).
قال في: ((الفتح)): ويجوز أن يكون للتبرك؛ لاحتمال اطلاعه وَله بالوحي
على الجزم بأن ذلك سيقع. انتهى (٢).
(قَالَ عِتْبَانُ) نَظُبه، قال في ((الفتح)): ظاهر هذا السياق أن الحديث من
أوله إلى هنا من رواية محمود بن الربيع، بغير واسطة، ومن هنا إلى آخره من
روايته عن عتبان، صاحب القصة، وقد يقال: القدر الأول مرسلٌ؛ لأن محموداً
يَصْغُر عن حضور ذلك، لكن وقع التصريح في أوله بالتحديث بين عتبان
ومحمود من رواية الأوزاعيّ، عن ابن شهاب، في رواية مسلم الآتية آخر
البيت، وكذا وقع تصريحه بالسماع عند البخاريّ من طريق معمر، ومن طريق
إبراهيم بن سعد، فيُحْمَل قوله: قال عتبان على أن محموداً أعاد اسم شيخه
اهتماماً بذلك؛ لطول الحديث، أفاده في ((الفتح))(٣).
(فَغَدَا رَسُولُ اللهِ نَّ) زاد الإسماعيليّ: ((بالغد))، وللطبرانيّ من طريق أبي
أويس، أن السؤال وقع يوم الجمعة، والتوجه إليه وقع يوم السبت (وَأَبُو بَكْرٍ
الصِّدِّيقُ) رَبُّه لم يذكر جمهور الرواة عن ابن شهاب غيره، حتى إن في روايةً
الأوزاعيّ: ((فاستأذنا، فأذنت لهما))، لكن في رواية أبي أويس: ((ومعه أبو بكر
وعمر))، وتقدّم للمصنّف في ((الإيمان)) من طريق أنس، عن عتبان: ((فأتى
النبيّ وَّ﴿، ومن شاء الله من أصحابه))، وللطبراني من وجه آخر، عن أنس:
((في نفر من أصحابه)).
فيَحْتَمِل الجمع بأن أبا بكر صَحِبَه وحده في ابتداء التوجه، ثم عند
الدخول، أو قبله اجتمع عمر وغيره من الصحابة، فدخلوا معه (حِينَ ارْتَفَعَ
(١) راجع: ((عمدة القاري)) ٢٤٨/٤.
(٣) ((الفتح)) ٦٢٠/١.
(٢) ((الفتح)) ٦٢٠/١.

٢٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ، فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ) قال
القاضي عياض نكْتُ: زعم بعضهم أن قوله: ((حتى دخل)) غَلَط، وليس كذلك،
بل المعنى: فلم يجلس في الدار ولا غيرها حتى دخل البيت مبادراً إلى ما جاء
بسببه، وفي رواية يعقوب عند البخاريّ، وكذا عند الطيالسيّ: ((فلما دخل لم
يجلس حتى قال: أين تُحِبّ))، وكذا للإسماعيليّ من وجه آخر، وهي أبين في
المراد؛ لأن جلوسه إنما وقع بعد صلاته، بخلاف ما وقع منه في بيت مليكة،
حيث جلس، فأكل، ثم صلى؛ لأنه هناك دُعِي إلى الطعام، فبدأ به، وهنا دُعِي
إلى الصلاة، فبدأ بها، قاله في ((الفتح))(١).
(ثُمَّ قَالَ: ((أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟)) قال في ((الفتح)): كذا
للأكثر، والجمهور من رُواة الزهريّ، ووقع عند الكشميهني وحده: ((في بيتك)).
انتهى (قَالَ) عتبان (فَأَشَرْتُ إِلَى نَاحِيَةٍ) أي جهة (مِنَ الْبَيْتِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ،
فَكَبَّرَ، فَقُمْنَا وَرَاءَهُ، فَصَلَّى) وفي نسخة: فكبّر، وقمنا وراءه، فصلّى بنا))
(رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ سَلَّمَ، قَالَ) عتبان (وَحَبَسْنَاهُ) أي منعناه من الرجوع (عَلَى خَزِيرٍ
صَنَعْنَاهُ لَهُ(٢)) وفي بعض النسخ: ((على خزير صنعنا له في البيت))، وفي رواية
البخاريّ: ((على خزيرة صنعناها له)) بهاء التأنيث، هي : - بخاء معجمة مفتوحة،
بعدها زاي مكسورة، ثم ياء تحتانية، ثم راء، ثم هاء -: نوعٌ من الأطعمة، قال
ابن قتيبة: تُصْنَع من لحم يُقَطَّع صغاراً، ثم يُصَبّ عليه ماءٌ كثيرٌ، فإذا نَضِجَ ذُرَّ
عليه الدقيق، وإن لم يكن فيه لحم، فهو عَصِيدة، وكذا ذكر يعقوب نحوه،
وزاد: ((من لحم بات ليلةً))، قال: وقيل: هي حِسَاءٌ من دقيق، فيه دَسَمٌ،
وحَكَى في ((الْجَمْهَرة)) نحوه، وحَكَى الأزهريّ، عن أبي الهيثم: أن الخزيرة من
النُّخَالة، وكذا حكاه البخاريّ في ((كتاب الأطعمة)) عن النضر بن شُميل، قال
عياض: المراد بالنخالة دقيقٌ لم يُغَرْبَل .
قال الحافظ: ويؤيد هذا التفسير قوله في رواية الأوزاعيّ عند مسلم
الآتية: ((على جَشِيشة)) بجيم ومعجمتين، قال أهل اللغة: هي أن تُطْحَن الحنطة
قليلاً، ثم يُلْقَى فيها شحمٌ، أو غيره.
(١) ((الفتح)) ٦٢٠/١.
(٢) وفي نسخة: ((صنعنا له في البيت)).

٢٧٩
(٤٨) - بَابُ الرُّخْصَةِ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ لِعُذْرٍ - حديث رقم (١٤٩٧)
وقال ابن رجب دَخْذُ: ((والخزيرة)): مرقةٌ تُصْنَع من النخالة، وقيل: من
الدقيق - أيضاً -، وقيل: إنه لا بد أن يكون معها شيء من دَسَم من شحم أو
لحم، وخص بعضهم دسمها باللحم خاصة. انتهى(١).
وفي ((المطالع)): أنها رُويت في ((الصحيحين)) بحاء وراءين مهملات،
وحَكَى البخاريّ في ((الأطعمة)) عن النضر أيضاً أنها - أي التي بمهملات -
تُصْنَعُ من اللبن. انتهى(٢) .
(قَالَ) عتبان (فَفَابَ رِجَالٌ) - بمثلثة، وبعد الألف موحدةٌ - أي جاءوا
متواترين، بعضهم في إثر بعض، قاله ابن رجب(٣).
وقال في ((الفتح)): أي اجتمعوا بعد أن تفرقوا، قال الخليل: المثابة:
مُجْتَمع الناس بعد افتراقهم، ومنه قيل للبيت: مثابةٌ، وقال صاحب ((المحكم)):
يقال: ثاب: إذا رجع، وثاب: إذا أقبل.
(مِنْ أَهْلِ الدَّارِ) أي دار بني سالم بن عوف، وهم قوم عتبان، و((الدار)):
المحلّة، كقوله: ((خير دور الأنصار دار بني النجار)): أي محلتهم، والمراد
أهلها، ويقال: الدار القبيلة أيضاً، وإنما جاءوا لسماعهم بقدوم النبيّ ◌َلايَ(٤)،
وقوله: (حَوْلَنَا) منصوب على الظرفيّة متعلّق بحال من ((أهل الدار)) (حَتَّى اجْتَمَعَ
فِي الْبَيْتِ رِجَالٌ، فَوُو عَدَدٍ) أي كثيرون (فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ) لم يُسمّ هذا المبتدئ
(أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ؟) - بضم الدال والشين، وسكون الخاء بينهما، وحُكِي
كسر أوله - وفي رواية معمر: (((فقال رجلٌ منهم: أين مالك بن الدُّخْشُن، أو
ابن الدُّخيشن)) - بضم الدال المهملة، وفتح الخاء المعجمة، وسكون الياء
التحتانية بعدها شين معجمة مكسورة، مصغّراً -.
قال في ((الفتح)): والشكّ فيه من الراوي، هل هو مصغرٌ أو مكبرٌ؟، وفي
رواية المستملي هنا - أي في (الصلاة)) عند البخاريّ - في الثانية بالميم بدل
النون، وفي ((المحاربين)) من رواية معمر: ((الدُّخْشُن)) بالنون مكبراً من غير
(١) ((شرح البخاري)) لابن رجب ١٨٨/٣.
(٢) ((الفتح)) ٦٢٠/١ - ٦٢١.
(٤) ((عمدة القاري)) ٢٤٩/٤.
(٣) ((فتح الباري)) لابن رجب ١٨٨/٣.

٢٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
شكّ، وكذا لمسلم من طريق يونس - يعني هذه الرواية - وله من طريق معمر -
يعني الرواية التالية - بالشك.
ونَقَلَ الطبرانيّ عن أحمد بن صالح أن الصواب ((الدُّخْشُم)) بالميم، وهي
رواية الطيالسيّ، وكذا لمسلم من طريق ثابت، عن أنس، عن عتبان - يعني
الماضية في ((الإيمان)) -، والطبرانيّ من طريق النضر بن أنس، عن أبيه.
(فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ مُنَافِقٌ، لَا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ) قال في ((الفتح)): قيل:
هذا القائل هو عتبان راوي الحديث، قال ابن عبد البرّ في ((التمهيد)): الرجل
الذي سارّ النبيّ ◌َّ في قتل رجل من المنافقين، هو عتبان، والمنافق المشار
إليه هو مالك بن الدُّخْشُم، ثم ساق حديث عتبان المذكور في هذا الباب،
وليس فيه دليلٌ على ما ادّعاه من أن الذي سارّه هو عتبان.
وأغرب بعض المتأخرين، فنَقَلَ عن ابن عبد البر أن الذي قال في هذا
الحديث: ((ذلك منافق)) هو عتبان أخذاً من كلامه هذا، وليس فيه تصريح بذلك.
وقال ابن عبد البرّ: لم يُخْتَلَف في شهود مالك بدراً، وهو الذي أَسَرَ
سهيل بن عمرو، ثم ساق بإسناد حسن عن أبي هريرة، أن النبيّ وَّ قال لمن
تكلم فيه: ((أليس قد شهد بدراً؟)).
وفي (المغازي)) لابن إسحاق: إن النبيّ ◌َ لَّ بعث مالكاً هذا، ومَعْن بن
عديّ، فَحَرَّقا مسجد الضِّرار، فدَلَّ على أنه بريء مما اتُّهِم به من النفاق، أو
كان قد أقلَعَ عن ذلك، أو النفاق الذي اتُّهِم به ليس نفاق الكفر، إنما أنكر
الصحابة عليه تودّدَه للمنافقين، ولعل له عذراً في ذلك، كما وقع لحاطب.
انتهى(١)، قاله في ((الفتح)).
وقال ابن رجب ◌َُّهُ في ((شرحه)): وقد شهد مالك بن الدخشم مع
النبي وَ ل بدراً وأُحُداً والمشاهد كلها، واختلفوا: هل شهد مع الأنصار بيعة
العقبة، أم لا؟، وقد روي أن النبي ◌ُّر بعثه مع عاصم بن عديّ(٢) لتحريق
مسجد الضرار وهدمه. انتهى.
(١) ((الفتح)) ١/ ٦٢١.
(٢) هكذا، وتقدّم في عبارة ابن إسحاق: ((مع معن بن عديّ)) فليُتأمل.