Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
(٤٣) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَالتَّشْدِيدِ فِي التَّخَلُّفِ عَنْهَا، وَأَنَّهَا فَرِيضَةٌ
٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ، وقد رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) وله (٧٨) سنة (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
٤ - (مَطَر) بن طهمان الورّاق، أبو رجاء السلميّ مولاهم الخُرَاسانيّ، سكن
البصرة، صدوقٌ، كثير الخطأ [٦] (١٢٥) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٣/١.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (قَالَ: وقَالَ عَبْدُ اللهِ) فاعل ((قال)) الأول ضمير أبي العالية.
وقوله: (ذُكِرَ لِي أَنَّ نَبِيَّ اللهِ وَ لِ ضَرَبَ فَخِذَ أَبِي ذَرٍّ) ببناء ((ذُكِرَ))
للمفعول.
[تنبيه]: ظاهر قوله: ((ذُكر لي)) أن عبد الله بن الصامت لم يسمع هذا من
أبي ذرّ ◌َُّه، وإنما سمعه من غيره، لكن تقدّم في رواية أيوب السختيانيّ، عن
أبي العالية أنه سمعه من أبي ذرّ ◌َظُه، ولفظه: ((وقال: إني سألت أبا ذرّ كما
سألتني، فضرب فخذي، كما ضربت فخذك، وقال: إني سألت رسول الله وَلاند
كما سألتني، فضرب فخذي، كما ضربت فخذك ... )) الحديث، وأيوب أوثق
وأحفظ من مطر الورّاق، فتقدّم روايته عليه، ويؤيّدها أيضاً ظاهر رواية بُديل، عن
أبي العالية السابقة، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ .
(٤٣) - (بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ،
وَالتَّشْدِيدِ فِي الْتَّخَلَّفِ عَنْهَا، وَأَنَّهَا فَرِيضَةٌ)
قال الجامع عفا الله عنه: (اعلم): أن لفظ الجماعة يَحْتَمِل أن يُراد به عموم
المجتمعين في الصلاة، ويَحْتَمِل أن يُراد به الاجتماع نفسه، ويكون المعنى صلاة
الاجتماع، فعلى الأول تكون الجماعة صفة موصوف محذوف، أي القوم، ونحو
ذلك، وعلى الثاني لا حذف؛ لوقوعه على المعنى الذي هو الاجتماع.
والحكمة في مشروعيّة الجماعة وُجوه ذكرها ابن القسطلانيّ في ((مقاصد
الصلاة» :

١٨٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
[أحدها]: قيام نظام الأُلفة بين المصلّين، ولهذه العلّة شُرعت المساجد
في المحالّ؛ ليحصل التعاهد باللقاء في أوقات الصلوات بين الجيران.
[ثانيها]: حصر النفس أن تستقلّ بهذه العبادة وحدها، فإنها ربما لم تَفٍ
بالقيام بها وحدها، فإذا علمت انتظار جماعة لها حرّكها ذلك إلى المبادرة
لفعلها، فإن النفوس تُحبّ البطالة، وتركن إليها، فإذا وجدت محرّكاً من خارج
أذعنت وأجابت.
[ثالثها]: أن الناس بين عالم بأفعال الصلاة وأحكامها، وجاهل بها، فإذا
حصل إقامتها في الجماعة تعلّم الجاهل من العالم، فزال جهله.
[رابعها]: أن الدرجات والمثوبات متفاوتة في العمال؛ لأجل قبول
الأعمال، فإذا كانت الجماعة حصل فيها الكامل والناقص بحسب الحضور
والغفلة، فيعود من بركة الكامل على الناقص، فتكمل صلاته. انتهى، ذكر هذا
كله ابن الملقّن تََّتُهُ(١)، وهو بحث مفيدٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
وذكر الشيخ شاه وليّ الله الدهلويّ تَتُهُ كلاماً حسناً يتعلّق بأسرار تشريع
صلاة الجماعة أيضاً، أحببت إيراده هنا، وإن كان فيه طولٌ، إلا أنه مفيدٌ،
قال تَخْدَتُهُ :
(اعلم) أنه لا شيء أنفع من غائلة الرسوم من أن يُجعَل شيء من
الطاعات رسماً فاشياً، يؤدَّى على رؤوس الخامل والنبيه، ويستوي فيه الحاضر
والباد، ويجري فيه التفاخر والتباهي، حتى تدخل في الارتفاقات الضرورية التي
لا يمكن لهم أن يتركوها، ولا أن يُهملوها؛ لتصير مؤيِّداً لعبادة الله، والسنةُ
تدعو إلى الحقّ، ويكون الذي يُخاف منه الضرر هو الذي يَجلُبُهم إلى الحقّ،
ولا شيءَ من الطاعات أتمّ شأناً، ولا أعظم برهاناً من الصلاة، فوجب إشاعتها
فيما بينهم، والاجتماع لها، وموافقة الناس فيها .
وأيضاً فالملة تجمع ناساً علماء يُقتَدَى بهم، وناساً يحتاجون في تحصل
إحسانهم إلى دعوة حثيثة، وناساً ضعفاء الْبِنْية، ولو لم يكلفوا أن يؤدوا على
أعين الناس تهاونوا فيها، فلا أنفع، ولا أوفق بالمصلحة في حقّ هؤلاء جميعاً
(١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٣٤٦/٢ - ٣٤٧.
-

١٨٣
(٤٣) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَالتَّشْدِيدِ فِي النَّخَلُّفِ عَنْهَا، وَأَنَّهَا فَرِيضَةٌ
أن يكلفوا أن يطيعوا الله على أعين الناس؛ ليتميز فاعلها من تاركها، وراغبها
من الزاهد فيها، ويُقتَدَى بعالمها، ويُعَلَّم جاهلها، وتكون طاعة الله فيهم،
كسبيكة تُعْرَض على طائف الناس ينكر منها المنكر، ويعرف منها المعروف،
ويرى غِشّها وخالصها .
وأيضاً فلاجتماع المسلمين راغبين في الله، راجين راهبين منه، مسلمين
وجوههم إليه رحمك خاصيةٌ عجيبةٌ في نزول البركات، وتدلي الرحمة، كما بيّنا
في الاستسقاء والحج.
وأيضاً فمراد الله من نصب هذه الأمة، أن تكون كلمة الله هي العليا،
وألا يكون في الأرض دين أعلى من الإسلام، ولا يُتَصَوَّر ذلك إلا بأن يكون
سنتهم أن يجتمع خاصتهم وعامتهم، وحاضرهم وبادیهم، وصغيرهم وکبیرهم،
لِمَا هو أعظم شعائره، وأشهر طاعاته، فلهذه المعاني انصرفت العناية التشريعية
إلى شرع الجمعة والجماعات، والترغيب فيها، وتغليظ النهي عن تركها .
والإشاعة إشاعتان: إشاعة في الحيّ، وإشاعة في المدينة، والإشاعة في
الحيّ تتيسر في كل وقت صلاة، والإشاعة في المدينة لا تتيسر إلا غِبّ طائفة
من الزمان، كالأسبوع، أما الأولى فهي الجماعة، وفيها قوله اَلين: ((صلاة
الجماعة تفضل صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة))، وفي رواية: ((بخمس وعشرين
درجةً))، وقد صرح النبيّ وَّ، أو لَوَّح أن من المرجحات أنه إذا توضأ،
فأحسن وضوءه، ثم توجه إلى المسجد، لا ينهضه إلا الصلاة، كان مشيه في
حكم الصلاة، وخطواته مكفرات لذنوبه، وأن دعوة المسلمين تحيط بهم من
ورائهم، وأن في انتظار الصلوات معنى الرباط والاعتكاف، إلى غير ذلك، ثم
ما نَوَّه بأحد العددين المذكورين إلا لنكتة بليغة، تمثلت عنده ◌َّ، وقد ذكرناها
من قبلُ فراجع، وليس في الحقّ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من
خلفه جِزَافٌ بوجه من الوجوه.
وفيها قوله وَلجه: ((ما من ثلاثة في قرية أو بَدْوٍ، لا تقام فيهم الصلاة، إلا
قد استحوذ عليهم الشيطان».
أقول: هو إشارة إلى أن تركها يفتح باب التهاون.

١٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وقوله وَالى: ((والذي نفسي بيده، لقد هَمَمت أن آمر بحطب،
فُيُخْطَب ... )) الحديث.
أقول: الجماعة سنة مؤكدة (١)، تقام اللائمة على تركها؛ لأنها من شعائر
الدين، لكنه وَلّ رأى من بعضٍ مَن هنالك تأخّراً واستبطاءً، وعَرَف أن سببه
ضعف النية في الإسلام، فشدد النكير عليهم، وأخاف قلوبهم.
ثم لَمّا كان في شهود الجماعة حرج للضعيف والسقيم، وذي الحاجة،
اقتضت الحكمة أن يُرَخَّص في تركها عند ذلك؛ ليتحقق العدل بين الإفراط
والتفريط .
فمن أنواع الحرج: ليلة ذاتُ بَرْد ومطر، ويستحب عند ذلك قول
المؤذن: ((ألا صَلّوا في الرحال)).
ومنها: حاجة يَعْسُر التربص بها، كالعَشَاء إذا حضر، فإنه ربما تتشوف
نفس إليه، وربما يضيع الطعام، وكمدافعة الأخبثين، فإنه بمعزل عن فائدة
الصلاة، مع ما به من اشتغال النفس.
ولا اختلاف بين حديث: ((لا صلاة بحضرة الطعام))، وحديث: ((لا
تؤخروا الصلاة لطعام ولا غيره))(٢)؛ إذ يمكن تنزيل كل واحد على صورة أو
معنى؛ إذ المراد نفي وجوب الحضور سدّاً لباب التعمُّق، وعدم التأخير هو
الوظيفة لمن أَمِن شر التعمق، وذلك كتنزيل فطر الصائم وعدمه على الحالین،
أو التأخير إذا كان تشوفٌ إلى الطعام، أو خوف ضياع، وعدمه إذا لم يكن،
وذلك مأخوذ من حالة العلة.
ومنها: ما إذا كان خوف فتنةٍ، كامرأة أصابت بَخُوراً، ولا اختلاف بين
قوله وسلم: ((إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد، فلا يمنعها))، وبين ما حكم
به جمهور الصحابة من منعهنّ؛ إذ المنهي الغيرة التي تنبعث من الأنَفَة دون
خوف الفتنة، والجائز ما فيه خوف الفتنة، وذلك قوله ويّله: ((الغيرة غيرتان ... ))
(١) سيأتي أن الصواب أنها فرض؛ للأدلّة الكثيرة، فتنبّه.
(٢) حديث ضعيفٌ، أخرجه أبو داود في ((سننه)) ٣٤٥/٣.

١٨٥
(٤٣) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَالتَّشْدِيدِ فِي التَّخَلُّفِ عَنْهَا، وَأَنَّهَا فَرِيضَةٌ
الحديث(١)، وحديث عائشة: ((إن النساء أحدثن ... )) الحديث(٢).
ومنها: الخوف والمرض، والأمر فيهما ظاهرٌ، ومعنى قوله وَلِّ للأعمى:
((أتسمع النداء بالصلاة؟)) قال: نعم، قال: ((فأجب)) أن سؤاله كان في العزيمة،
فلم یُرَخّص له.
ثم وقعت الحاجة إلى بيان الأحقّ بالإمامة، وكيفية الاجتماع، ووصية
الإمام أن يُخفِّف بالقوم، والمأمومين أن يحافظوا على اتباعه، وقصة معاذ نصُّه
في الإطالة مشهورة، فبيَّن هذه المعاني بأوكد وجه، وهو قوله ◌َّر: ((يؤم القوم
أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في
السنة سواء، فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سنّاً، ولا
يؤمّنّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه))، رواه مسلم. انتهى كلام الشيخ وليّ الله
الدهلويّ ◌َُّ(٣)، وهو بحثٌ حسنٌ مفيدٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: اختلف في بدء مشروعيّة صلاة الجماعة، فجزم ابن حجر الهيتميّ
الفقيه الشافعيّ في ((تحفة المحتاج شرح المنهاج)) أنها شُرعت بالمدينة، وفي
((روضة المحتاجين)) للشيخ رضوان العدل أن أصل مشروعيّتها بمكة، بدليل
صلاة جبريل بالنبيّ وَله، وبالصحابة صبيحة ليلة الإسراء، وصلاة النبيّ وَل
أيضاً بخديجة، وبعليّ ◌ًا، لكنها لم تظهر، ولم يواظب عليها إلا بالمدينة،
ولذا قيل: إنها شُرعت بها، وكان الصحابة ﴿ه بمكة يصلّون في بيوتهم لتسلّط
المشركين عليهم، وقهرهم لهم، ذكره في ((المرعاة))(٤)، والله تعالى أعلم
بالصواب.
(١) حديث حسنٌ، أخرجه أبو داود، والنسائيّ عن جابر بن عتيك، أن نبي الله وَلو كان
يقول: ((من الغيرة ما يحب الله، ومنها ما يبغض الله، فأما التي يحبها الله فالغيرة
في الرِّيبة، وأما الغيرة التي يبغضها الله فالغيرة في غير ريبة، وإن من الخيلاء ما
يبغض الله، ومنها ما يحب الله، فأما الخيلاء التي يحب الله، فاختيال الرجل نفسه
عند القتال، واختياله عند الصدقة، وأما التي يبغض الله فاختياله في البغي)).
(٣) ((حجة الله البالغة)) ٦٧٦/٢ - ٦٨٠.
(٢) متفقٌ عليه.
(٤) ((المرعاة شرح المشكاة)) ٤٧٩/٣.

١٨٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَّثهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٤٧٣] (٦٤٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ:
((صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ، أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ، بِخَمْسَةٍ (١) وَعِشْرِينَ جُزْءاً)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قبل باب، والباقون يأتون في
الحديث الآتي، وكذا شرح الحديث، ومسائله، وإنما أخرتها إليه؛ لكونه أتمّ
مما هنا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٤٧٤] ( ... ) - (حَدَّثَنَا(٢) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ
مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ نَِّ قَالَ:
(تَفْضُلُ صَلَاةٌ فِي الْجَمِيعِ(٣) عَلَى صَلَاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ، خَمْساً وَعِشْرِينَ دَرَجَةً،
قَالَ: وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ))، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ:
اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨]
(ت١٨٩) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٧/٥.
(١) وفي نسخة: ((بخمس)).
(٢) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).
(٣) وفي نسخة: ((صلاة الجميع))، وفي أخرى: ((صلاة في الجمع)).

١٨٧
(٤٣) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٧٤)
٣ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن،
ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٤ - (الزُّهْرِيُّ)، تقدّم قبل باب.
٥ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حزن القرشيّ المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ
الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ حجة إمام، من كبار [٣] (٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧١.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير ◌َظُه، مات سنة (٥٩) (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٤/٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَّتُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، من الزهريّ، وشيخه كوفيّ،
وعبد الأعلى بصريّ، ومعمر بصريّ، ثم يمنيّ.
٤ - (ومنها): ما قيل: إن أصحّ أسانيد أبي هريرة ظه: الزهريّ، عن
سعيد، عنه .
٦ - (ومنها): أن سعيداً أحد الفقهاء السبعة، وأبا هريرة ظافته أحد
المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنِ النَّبِيِّ وََّ) أنه (قَالَ: ((تَفْضُلُ) بفتح أوله، ضمّ
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)
الضاد، وفتحها، قال في ((القاموس)): الفضل: ضدّ النقص، جمعه فُضُولٌ، وقد
فَضَلَ، كنصَرَ، وعَلِمَ، وأما فَضِلَ كعَلِمَ يفضُلُ كينصُرُ، فمركّبة منهما. انتهى(١).
وقال الفيّوميّ: فَضَلَ فَضْلاً، من باب قَتَلَ: بَقِيَ، وفي لغة فَضِلَ يَفْضَلُ،
من باب تَعِبَ، وفَضِلَ بالكسر يَفْضُلُ بالضمّ لغةٌ ليست بالأصل، ولكنها على
تداخل اللغتين، قال: وفَضَلَ فضْلاً، من باب قتل أيضاً: زاد. انتهى(٢).
(١) ((القاموس المحيط)) ٣١/٤.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٧٥/٢.

١٨٨
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
قال ابن الأثير في ((شرح المسند)): لما كانت ((تَفْضُل)) بمعنى ((تزيد))،
وهي تتعدى بـ((على)) أعطاها معناها، فعداها بها، وإلا فهي متعدية بنفسها،
قال: وأما الذي في ((صحيح مسلم)): ((أفضل من صلاة الفذّ))، فجاء بها بلفظ
((أفعل)) التي هي للتفضيل والتكثير في المعنى المشترك، وهي أبلغ من ((تفضل))
على ما لا يخفى. انتهى(١).
وقوله: (صَلَاةٌ) بالرفع على الفاعليّة، أي تزيد في الأجر والثواب صلاة
الرجل (فِي الْجَمِيعِ) أي مع جماعة الناس، وفي نسخة: ((صلاة في الجمع))،
وفي أخرى: ((صلاة الجميع)) بالإضافة، والإضافة بمعنى ((في))، لا بمعنى
اللام، قاله العيني، وقال السنديّ: الإضافة لأدنى ملابسة، أي صلاة أحدكم
مع الجماعة، أو بحذف المضاف، أي صلاة آحاد الجميع، وإلا فليس
المطلوب تفضيل صلاة المجموع على صلاة الواحد، بل تفضيل صلاة الواحد
على صلاته باعتبار الحالين. انتهى.
(عَلَى صَلَاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ) فيه دليلٌ على أن صلاة المنفرد صحيحة، وفيه
ردّ على من جعل الجماعة شرطاً في صحية الصلاة، وسيأتي تمام البحث فيه
قريباً (خَمْساً وَعِشْرِينَ) وفي حديث ابن عمر ﴿ُها: ((سبعاً وعشرين درجةً))،
فيُحْمَل على أنه أوحِيَ إليه أولاً بخمس وعشرين، ثم بسبع وعشرين، تفضلاً
من الله تعالى، حيث زاد درجتين، أو يُحْمَل على أن المراد بالعدد التكثير لا
التحدید، وسيأتي تمام البحث فيه.
وقوله: (دَرَجَةً) تمييز العدد المذكور، وفي الروايات كلّها التعبير
بـ(درجةً))، أو حذفُ التمييز، إلا طرُق حديث أبي هريرة ◌َُّّه، ففي بعضها
(ضعفاً))، وفي بعضها ((جزءاً))، وفي بعضها ((درجةً))، وفي بعضها ((صلاةً))،
ووقع هذا الأخير في بعض طرق حديث أنس نظرته، والظاهر أن ذلك من
تصرّف الرواة، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك من التفتّن في العبارة.
وأما قول ابن الأثير تَخْذَتُهُ: إنما قال: ((درجةً))، ولم يقل: جزءاً، ولا
نصيباً، ولا حظّاً، ولا نحو ذلك؛ لأنه أراد الثواب من جهة العلو والارتفاع،
(١) راجع: ((عمدة القاري)) ١٦٦/٥.

١٨٩
(٤٣) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٧٤)
فإن تلك فوق هذه بكذا وكذا درجة؛ لأن الدرجات إلى جهة فوق، فكأنه بناه
على أن الأصل لفظ ((درجة))، وما عدا ذلك من تصرف الرواة، لكن نفيه ورود
الجزء مردود، فإنه ثابت، وكذلك الضعف، فتنبّه.
(قَالَ) وَّهِ (وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ))) فيه
بيان مَزِيَّة صلاةِ الفجر جماعةً؛ حيث إن الملائكة تجتمع في وقتها، ومثلها
صلاة العصر، كما تقدم في حديث أبي هريرة رضيبه مرفوعاً: ((يتعاقبون فيكم
ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة
العصر ... )) الحديث، متّفقٌ عليه، فلذلك حَثَّ الشارعُ على المحافظة عليهما؛
ليكون من حضرهما تَرْفَعُ الملائكة عمله، وتشفع له.
(قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َظُّه، ظاهر هذا أنه من قول أبي هريرة ◌َظُه، وليس من
قول النبيّ وَّر، لكن أخرج الترمذيّ في (التفسير))، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﴾.
ـَلى اللّهـ
في قوله: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ اُلْفَجْرِ كَنَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] قال:
(تشهده ملائكة الليل، وملائكة النهار))، قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح.
فهذا ظاهر في كونه مرفوعاً إلى النبيّ وَلتر.
ويُمكن أن يُجمع بينهما بأن أبا هريرة ◌ُّه كان تارةً يرفعه إلى النبيّ وَِّ،
وتارة يذكره عن نفسه، والله تعالى أعلم.
(اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ) أي إن أردتم أن تعرفوا مصداق ذلك من كتاب الله
تعالى، فاقرؤوا هذه الآية (﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ﴾) بالنصب عطفاً على الصلاة، من
قوله تعالى: ﴿أَفِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] أي وأقم قرآنَ الفجر، أو
منصوب على الإغراء، أي وعليك قرآنَ الفجر، على رأي من يقول: إن أسماء
الأفعال تَعْمَل مقدَّرةً، ويقدر على رأي غيرهم: الْزَمْ قرآنَ الفجر (﴿إِنَّ قُرْءَانَ
اٌلْفَجْرِ﴾) أي صلاة الصبح، سميت قرآناً، وهو القراءة؛ لأنها ركن منها، لا
تجوز الصلاة إلا بها، كما سميت ركوعاً، وسجوداً، وقنوتاً؛ أي قياماً، وإنما
خص القراءة بالتسمية هنا للحثّ على تطويل القراءة فيها .
(﴿ كَانَ مَشْهُودًا﴾) أي محضوراً؛ تحضره الملائكة.
قال السنديّ تَّتُهُ: ولا يخفى أن طائفة من الملائكة على البدلية تشهد
الصلوات كلها، وكلتا الطائفتين لا يحضرون صلاة الفجر أو العصر بتمامهما

١٩٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
أيضاً؛ لقولهم: ((تركناهم وهم يصلون))، فكأنهم يشهدون القرآن جميعاً، ثم
تذهب طائفة عند تمام الركعة الثانية من الفجر، أو الرابعة من العصر قبل الفراغ
من الصلاة، فليتأمل، والله تعالى أعلم. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رُّه هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤٧٣/٤٣ و١٤٧٤ و١٤٧٥ و١٤٧٦ و١٤٧٧]
(٦٤٩)، و(البخاريّ) في ((الأذان)) (٦٤٨) و((التفسير)) (٤٧١٧)، و(الترمذيّ) في
((الصلاة)) (٢١٦)، و(النسائيّ) فيها (٤٨٦ و٨٣٨) وفي ((الكبرى)) (٤٦١
و٩١٢)، و(ابن ماجه) فيها (٧٨٧)، و(مالك) في ((الموطأ)) (١٢٩/١)، و(ابن
أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٨٠/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٦٤/٢)، و(ابن
خُزيمة) في ((صحيحه)) (١٤٧٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٠٥١ و٣٠٥٣)،
و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٢٤٥ و١٢٤٦ و١٢٤٧ و١٢٤٨)، و(أبو نعيم) في
((مستخرجه)) (١٤٤٤ و١٤٤٥ و١٤٤٦ و١٤٤٧ و١٤٤٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تأكيد صلاة الجماعة، وفضلها، والحثّ عليها.
٢ - (ومنها): أن فيه بيان أن أقل الجماعة اثنان؛ لأنه جعل هذا الفضل
لغير المنفرد، وما زاد على المنفرد فهو جماعة، وقد يقال: إنما رتب هذا
الفضل لصلاة الجماعة، وليس فيه تعرّض لنفي درجة متوسطة بين المنفرد
والجماعة، كصلاة الاثنين مثلاً، ولكن قد ورد في غير حديثٍ التصريح بكون
الاثنين جماعة، فقد روى ابن ماجه، من حديث أبي موسى الأشعريّ رهـ
قال: قال رسول الله وَله: (اثنان فما فوقهما جماعة))، ورواه البيهقيّ أيضاً من
حديث أنس رضيته، وفيهما ضعف، لكن استُدلّ لذلك بما رواه الشيخان من
حديث مالك بن الحويرث ظه: ((إذا حضرت الصلاة، فأذِّنا وأقيما، ثم
ليؤمكما أكبركما))، وقد بَوَّب عليه الإمام البخاريّ تَظُْ في ((صحيحه))، فقال:

١٩١
(٤٣) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٧٤)
(باب اثنان فما فوقهما جماعة))، قال النوويّ في ((الخلاصة)): ويُستَدَلّ فيه أيضاً
بالإجماع، قال العراقيّ: وفي الإجماع نظرٌ، وقد حكى ابن الرفعة في ((الكفاية))
خلافاً في أن أقل الجماعة ثلاثة، وهو ضعيف، وحكاه ابن بطال في ((شرح
البخاريّ))، عن الحسن البصريّ. انتهى(١).
٣ - (ومنها): أن فيه الردّ على من جعل الجماعة من شروط صحّة
الصلاة، وهو داود الظاهريّ، ووجه دلالته أنه وَل﴾ أثبت لمن صلّى وحده
صلاةً، فلو كانت الجماعة شرطاً لما صحّت صلاته، وقد قال وَله: ((صلاة
الجماعة أفضل من صلاة الفذّ))، وقال: ((تفضل صلاة الجماعة على صلاة
الرجل وحده))، فجعل لمن صلّى وحده صلاة صحيحة، لها ثواب دون ثواب
من صلّى مع الجماعة، والله تعالى أعلم.
وأما قول العراقيّ تَّتُهُ: فيه ردّ على داود الظاهريّ، وأبي ثور، وابن
المنذر، وابن خزيمة، فيما ذهبوا إليه من أن الجماعة فرض عين، وحُكي أيضاً
عن أحمد، وعزاه بعضهم قولاً للشافعي فيما حكاه الرافعيّ.
ففيه نظر لا يخفى؛ لأن الحقّ مع هؤلاء في كون الجماعة فرض عين،
على ما سيأتي تحقيقه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٤ - (ومنها): أنه استدَلَّ به بعض المالكية للمشهور عن مالك، أنه لا
فضل لجماعة على جماعة؛ لأنه جعل الجماعات كلها بسبع وعشرين، وخمس
وعشرين، ولم يفرِّق بين جماعة وجماعة.
وذهب الشافعيّ، والجمهور إلى أن الجماعات تتفاوت؛ لما روى أبو
داود، والنسائيّ، وابن ماجه، بإسناد حسن، من حديث أُبَيّ بن كعب ◌َظُله أن
رسول الله يقر قال: ((صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته
مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثُر فهو أحب إلى الله تعالى)) (٢).
وليس في حديث الباب حجةٌ لمن تعلق به في تساوي الجماعات؛ لأنا
(١) ((طرح التثريب)) ٢٩٦/٢.
(٢) حديث حسنٌ، أخرجه أبو داود في ((سننه)) برقم (٥٥٤)، والنسائيّ في ((المجتبى))
برقم (٨٤٣).

١٩٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
نقول أقل ما تحصل به الجماعة محصل للتضعيف، ولا مانع من تضعيف آخر
بسبب آخر، من كثرة الجماعة، أو شرف المسجد، أو بُعْد طريق المسجد، أو
غير ذلك، قاله العراقيّ كَُّهُ(١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ.
٥ - (ومنها): ما قاله العراقيّ كَخْلُ: هل هذا الفضل المذكور للجماعة
مقيّد بكونها في المسجد، أو التضعيف حاصل بمطلق الجماعة، في أيّ موضع
كانت؟، حَكَى صاحب ((المفهم)) فيه خلافاً، قال: والظاهر الإطلاق؛ لأن
الجماعة هو الوصف الذي عُلِّق عليه الحكم.
قال العراقيّ: ولكن ظاهر الرواية المذكورة في ((الصحيحين)) في آخر
الباب يقتضي التقييد بالمسجد؛ لما فيه من الإشارة إلى العلة، فإنه لما ذكر أنها
تفضل بخمسة وعشرين ضعفاً، أو ببضع وعشرين درجةً قال: ((وذلك أنه إذا
توضأ، فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة ... »،
فذكر الحديث، فعَلَّل ما ذكر من الثواب أوّلاً بما ذكره ثانياً، وفيه الخروج إلى
المسجد، وكذا قوله في أول الحديث: ((تزيد على صلاته في بيته، وفي
سوقه))، وربما كانت صلاته في بيته أو في سوقه جماعةً، فرَتَّب عليها الفضل
بالتضعيف المذكور. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم صلاة الجماعة:
قال الإمام البخاريّ كَّلُهُ في ((صحيحه)): ((باب وجوب صلاة الجماعة))،
وقال الحسن: إن منعته أمه عن العشاء في الجماعة شفقةً عليه لم يطعها، ثم
أورد حديث أبي هريرة ربه الآتي في الباب: «لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي
بالناس ... )) الحديث.
قال الحافظ تَخْلُهُ: هكذا بَتّ الحكم في هذه المسألة، وكأن ذلك لقوة
دليلها عنده، لكن أطلق الوجوب، وهو أعمّ من كونه وجوب عين، أو كفاية،
إلا أن الأثر الذي ذكره عن الحسن يشعر بكونه يريد أنه وجوب عين؛ لما عُرف
(١) ((طرح التثريب)) ٣٠٠/٢ - ٣٠١.
(٢) ((طرح التثريب)) ٢٩٨/٢ - ٢٩٩.

١٩٣
(٤٣) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٧٤)
من عادته أنه يَستعمل الآثار في التراجم لتوضيحها، وتكميلها، وتعيين أحد
الاحتمالات في حديث الباب.
وأثر الحسن وصله الحسين بن الحسن المروزيّ في كتاب ((الصيام)) بإسناد
صحيح عن الحسن في رجل يصوم - يعني تطوعاً - فتأمره أمه أن يفطر، قال:
فليفطر، ولا قضاء عليه، وله أجر الصوم، وأجر البر، قيل: فتنهاه أن يصلي
العشاء في جماعة؟ قال: ليس ذلك لها، هذه فريضة.
وأما حديث الباب فظاهر في كونها فرض عين؛ لأنها لو كانت سنّة لم
يهدَّد تاركها بالتحريق، ولو كانت فرض كفاية لكانت قائمة بالرسول وَل* ومن
معه .
ويَحْتَمل أن يقال: التهديد بالتحريق المذكور يمكن أن يقع في حق تاركي
فرض الكفاية كمشروعية قتال تاركي فرض الكفاية، وفيه نظر؛ لأن التحريق
الذي قد يفضي إلى القتل أخص من المقاتلة؛ ولأن المقاتلة إنما تشرع فيما إذا
تمالأ الجميع على الترك.
وإلى القول بأنها فرض عين ذهب عطاء، والأوزاعيّ، وأحمد، وجماعة
من محدثي الشافعية، كأبي ثور، وابن خزيمة، وابن المنذر، وابن حبان، وبالغ
داود، ومن تبعه، فجعلها شرطاً في صحة الصلاة، وأشار ابن دقيق العيد إلى
أنه مبني على أن ما وجب في العبادة كان شرطاً فيها، فلما كان الهم المذكور
دالاً على لازمه، وهو الحضور، ووجوب الحضور دليلاً على لازمه، وهو
الاشتراط، ثبت الاشتراط بهذه الوسيلة، إلا أنه لا يتم إلا بتسليم أن ما وجب
في العبادة كان شرطاً فيها، وقد قيل: إنه الغالب.
ولما كان الوجوب قد ينفك عن الشرطية، قال أحمد: إنها واجبة غير
شرط. انتهى.
وظاهر نص الشافعي أنها فرض كفاية، وعليه جمهور المتقدمين من
أصحابه، وقال به كثير من الحنفية، والمالكية، والمشهور عند الباقين أنها سنة
مؤكدة، وقد أجابوا عن ظاهر حديث الباب بأجوبة:
(منها): ما تقدم.
(ومنها) : - وهو ثانيها -: ونقله إمام الحرمين، عن ابن خزيمة، والذي

١٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
نقله عن النوويّ الوجوب حسبما قال ابن بزيزة: إن بعضهم استنبط من نفس
الحديث عدم الوجوب لكونه ﴿ هَمّ بالتوجه إلى المتخلفين، فلو كانت
الجماعة فرض عين ما همّ بتركها إذا توجه.
وتُعُقِّب بأن الواجب يجوز تركه لما هو أوجب منه، قال الحافظ: وليس
فيه أيضاً دليل على أنه لو فعل ذلك لم يتداركها في جماعة آخرين.
(ومنها) : - وهو ثالثها -: ما قال ابن بطال وغيره: لو كانت فرضاً لقال
حين توعد بالإحراق من تخلف عن الجماعة: لم تجزئه صلاته؛ لأنه وقت
البيان.
وتعقبه ابن دقيق العيد بأن البيان قد يكون بالتنصيص، وقد يكون
بالدلالة، فلما قال ◌َ: ((لقد هممت ... إلخ))، دل على وجوب الحضور،
وهو كاف في البيان.
(ومنها) : - وهو رابعها -: ما قال الباجيّ وغيره: إن الخبر ورد مورد
الزجر، وحقيقته غير مرادة، وإنما المراد المبالغة، ويرشد إلى ذلك وعيدهم
بالعقوبة التي يعاقب بها الكفار، وقد انعقد الإجماع على منع عقوبة المسلمين
بذلك.
وأجيب: بأن المنع وقع بعد نسخ التعذيب بالنار، وكان قبل ذلك جائزاً
بدليل حديث أبي هريرة ﴿به الآتي في ((الجهاد)) (١) الدال على جواز التحريق
بالنار، ثم على نسخه، فحَمْلُ التهديد على حقيقته غير ممتنع.
(ومنها) : - وهو خامسها -: كونه ◌َ﴾ ترك تحريقهم بعد التهديد، فلو كان
واجباً ما عفا عنهم.
(١) هو ما أخرجه البخاريّ في ((كتاب الجهاد من ((صحيحه)) (٣٠١٦) عن أبي
هريرة رضيه أنه قال: بعثنا رسول الله وَ﴿ في بعث، فقال: ((إن وجدتم فلاناً
وفلاناً، فأحرقوهما بالنار))، ثم قال رسول الله وَّر حين أردنا الخروج: ((إني
أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وفلاناً، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما
فاقتلوهما)).

١٩٥
(٤٣) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٧٤)
قال القاضي عياض ومن تبعه: ليس في الحديث حجةٌ؛ لأنه وَّ هَمّ ولم
يفعل، زاد النووي: ولو كانت فرض عين لما تركهم.
وتعقبه ابن دقيق العيد، فقال: هذا ضعيف؛ لأنه ◌َلو لا يهم إلا بما
يجوز له فعله لو فعله، وأما الترك فلا يدل على عدم الوجوب؛ لاحتمال أن
يكونوا انزجروا بذلك، وتركوا التخلف الذي ذمهم بسببه، على أنه قد جاء في
بعض الطرق بيان سبب الترك، وهو فيما رواه أحمد من طريق سعيد المقبريّ،
عن أبي هريرة ره بلفظ: ((لولا ما في البيوت من النساء والذرية لأقمت
العشاء، وأمرت فتياني يحرقون ... )) الحديث.
(ومنها) : - وهو سادسها -: أن المراد بالتهديد قوم تركوا الصلاة رأساً،
لا مجرد الجماعة. وهو متعقّب بأن في رواية مسلم: ((لا يشهدون
الصلاة، ... ))، أي لا يحضرون.
وفي رواية عجلان عن أبي هريرة ظله عند أحمد: ((لا يشهدون العشاء
في الجميع))، أي في الجماعة.
وفي حديث أسامة بن زيد طيها عند ابن ماجه مرفوعاً: ((لينتهين رجال عن
تركهم الجماعات، أو لأحرقن بيوتهم)).
(ومنها) : - وهو سابعها ـ: أن الحديث ورد في الحثّ على مخالفة فعل
أهل النفاق، والتحذير من التشبه بهم، لا لخصوص ترك الجماعة، فلا يتم
الدليل، أشار إليه الزين ابن الْمُنَيِّر، وهو قريب من الوجه الرابع.
(ومنها) : - وهو ثامنها -: أن الحديث ورد في حق المنافقين، فليس
التهديد لترك الجماعة بخصوصه، فلا يتم الدليل.
وتُعُقِّب باستبعاد الاعتناء بتأديب المنافقين على تركهم الجماعة مع العلم
بأنه لا صلاة لهم، وبأنه كان مُعْرِضاً عنهم، وعن عقوبتهم مع علمه بطويّتهم،
وقد قال: ((لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه)).
وتَعَقَّب ابن دقيق العيد هذا التعقب بأنه لا يتم إلا إذا ادُّعِي أن ترك
معاقبة المنافقين كان واجباً عليه، ولا دليل على ذلك، فإذا ثبت أنه كان
مخيّراً، فليس في إعراضه عنهم ما يدل على وجوب ترك عقوبتهم. انتهى.

١٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
قال الحافظ: والذي يظهر لي أن الحديث ورد في المنافقين؛ لقوله في
صدر حديث أبي هريرة ربه: ((ليس صلاة أثقل على المنافقين من العشاء
والفجر ... )) الحديث، ولقوله: ((لو يعلم أحدهم ... إلخ))؛ لأن هذا الوصف
لائق بالمنافقين، لا بالمؤمن الكامل، لكن المراد به نفاق المعصية، لا نفاق
الكفر، بدليل قوله في رواية عجلان: ((لا يشهدون العشاء في الجميع))، وقوله
في حديث أسامة: ((لا يشهدون الجماعة)).
وأصرح من ذلك قوله في رواية يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة رضيبته،
عند أبي داود: ((ثم آتي قوماً يصلون في بيوتهم، ليست بهم علة))، فهذا يدل
على أن نفاقهم معصية، لا كفر؛ لأن الكافر لا يصلي في بيته، إنما يصلي في
المسجد رياء وسمعة، فإذا خلا في بيته كان كما وصفه الله به من الكفر
والاستهزاء، نَبَّه عليه القرطبيّ.
وأيضاً فقوله في رواية المقبريّ: ((لولا ما في البيوت من النساء والذرية))
يدل على أنهم لم يكونوا كفاراً؛ لأن تحريق بيت الكافر إذا تعيّن طريقاً إلى
الغلبة عليه، لم يمنع ذلك وجود النساء والذرية في بيته، وعلى تقدير أن يكون
المراد بالنفاق في الحديث نفاق الكفر، فلا يدل على عدم الوجوب؛ لأنه
يتضمن أن ترك الجماعة من صفات المنافقين، وقد نهينا عن التشبه بهم،
وسياق الحديث يدل على الوجوب من جهة المبالغة في ذم من تخلف عنها.
قال الطيبيّ: خروج المؤمن من هذا الوعيد ليس من جهة أنهم إذا سمعوا
النداء جاز لهم التخلف عن الجماعة، بل من جهة أن التخلف ليس من شأنهم،
بل هو من صفات المنافقين، ويدل عليه قول ابن مسعود ظه: ((لقد رأيتنا،
وما يتخلف عن الجماعة إلا منافق)). رواه مسلم. انتهى كلامه.
وروى ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور بإسناد صحيح عن أبي عمير بن
أنس، حدثني عمومتي من الأنصار، قالوا: قال رسول الله وَعليه: ((ما يشهدهما
منافق)) يعني العشاء والفجر.
ولا يقال: فهذا يدل على ما ذهب إليه صاحب هذا الوجه لانتفاء أن
يكون المؤمن قد يتخلف، وإنما ورد الوعيد في حق من تخلف؛ لأني أقول:
بل هذا يقوّي ما ظهر لي أولاً، أن المراد بالنفاق: نفاق المعصية، لا نفاق

١٩٧
(٤٣) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٧٤)
الكفر، فعلى هذا الذي خرج هو المؤمن الكامل، لا العاصي الذي يجوز
إطلاق المنافق عليه مجازاً؛ لما دل عليه مجموع الأحاديث.
(ومنها) : - وهو تاسعها -: ما ادّعاه بعضهم أن فرض الجماعة كانت في
أول الإسلام لأجل سدّ باب التخلف عن الصلاة على المنافقين، ثم نُسخ،
حكاه عياض، ويمكن أن يتقوى بثبوت نسخ الوعيد المذكور في حقهم، وهو
التحريق بالنار، وكذا ثبوت نسخ ما تضمنه التحريق من جواز العقوبة بالمال،
ويدل على النسخ الأحاديث الواردة في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذّ؛
لأن الأفضلية تقتضي الاشتراك في أصل الفضل، ومن لازم ذلك الجواز.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وفيه نظر؛ إذ القول بالفرضية لا ينافي
جواز صلاة المنفرد، إلا عند من يرى اشتراط الجماعة لصحة الصلاة،
والمختار القول بفرضيتها دون اشتراطها للصحة، فتبصر، والله تعالى أعلم.
(ومنها) : - وهو عاشرها - أن المراد بالصلاة الجمعة، لا باقي
الصلوات، ونصره القرطبيّ.
وتُعُقِّب بالأحاديث المصرِّحة بالعشاء، وفيه بحث؛ لأن الأحاديث
اختلفت في تعيين الصلاة التي وقع التهديد بسببها، هل هي الجمعة، أو
العشاء، أو الفجر، أو العشاء والفجر معاً؟ فإن لم تكن أحاديث مختلفة، ولم
يكن بعضها أرجح من بعض، وإلا وقف الاستدلال؛ لأنه لا يتم إلا إن تعيّن
كونها غير الجمعة، أشار إليه ابن دقيق العيد، ثم قال: فليتأمل الأحاديث
الواردة في ذلك. انتهى.
قال الحافظ تَّتُهُ: قد تأملتها، فرأيت التعيين ورد في حديث أبي هريرة،
وابن أم مكتوم، وابن مسعود ظه، فحديث الباب من رواية الأعرج عنه، يومئ
إلى أنها العشاء لقوله في آخره: (لَشَهِد العشاء))، وفي رواية مسلم: ((يعني
العشاء)»، ولهما من رواية أبي صالح عنه أيضاً الإيماء إلى أنها العشاء والفجر،
وعيّنها السرّاج في رواية له من هذا الوجه العشاء؛ حيث قال في صدر
الحديث: ((أخَّر العشاء ليلة، فخرج، فوجد الناس قليلاً، فغضب))، فذكر
الحديث، وفي رواية ابن حبان من هذا الوجه: ((يعني الصلاتين، العشاء

١٩٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
والغداة))، وفي رواية عجلان، والمقبري عند أحمد التصريح بتعيين العشاء، ثم
سائر الروايات عن أبي هريرة على الإبهام.
وقد أورده مسلم من طريق وكيع، عن جعفر بن برقان، عن يزيد بن
الأصم، عنه، فلم يسق لفظه، وساقه الترمذي وغيره من هذا الوجه بإيهام
الصلاة، وكذلك رواه السرّاج وغيره من طرق عن جعفر، وخالفهم معمر، عن
جعفر، فقال: ((الجمعة)) أخرجه عبد الرزاق عنه، والبيهقي من طريقه، وأشار
إلى ضعفها؛ لشذوذها .
ويدلّ على وهمه فيها رواية أبي داود، والطبراني في ((الأوسط)) من طريق
يزيد بن يزيد بن جابر، عن يزيد بن الأصم، فذكر الحديث، قال يزيد: قلت
ليزيد بن الأصم: يا أبا عوف الجمعة عنى، أو غيرها؟ قال: صُمَّت أذناي إن
لم أكن سمعت أبا هريرة يأثره عن رسول الله بصير، ما ذكر جمعة، ولا غيرها.
فظهر أن الراجح في حديث أبي هريرة أنها لا تختص بالجمعة.
وأما حديث ابن أم مكتوم ظبه فسأذكره قريباً، وأنه موافق لأبي
هريرة قالله .
وأما حديث ابن مسعود ظُه فأخرجه مسلم، وفيه الجزم بالجمعة، وهو
حديث مستقلّ؛ لأن مخرجه مغاير لحديث أبي هريرة، ولا يقدح أحدهما في
الآخر، فيُحْمَل على أنهما واقعتان، كما أشار إليه النوويّ، والمحب الطبريّ.
وقد وافق ابن أم مكتوم أبا هريرة ظبه على ذكر العشاء، وذلك فيما
أخرجه ابن خزيمة، وأحمد، والحاكم من طريق حصين بن عبد الرحمن، عن
عبد الله بن شداد، عن ابن أم مكتوم: أن رسول الله وَطّر استقبل الناس في
صلاة العشاء، فقال: ((لقد هممت أني آتي هؤلاء الذين يتخلفون عن الصلاة
فأحرق عليهم بيوتهم))، فقام ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله، قد علمت ما
بي، وليس لي قائد، زاد أحمد: وأن بيني وبين المسجد شجراً، أو نخلاً، ولا
أقدر على قائد كل ساعة، قال: ((أتسمع الإقامة؟)) قال: نعم. قال:
((فاحضرها))، ولم يرخِّص له.
ولابن حبان من حديث جابر وظيفته، قال: ((أتسمع الأذان؟)) قال: نعم،
قال: ((فأتها ولو حَبْواً)).

١٩٩
(٤٣) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٧٤)
وقد حمله العلماء على أنه كان لا يشقّ عليه التصرف بالمشي وحده
ككثير من العميان.
واعتمد ابن خزيمة وغيره حديث ابن أم مكتوم هذا على فرضية الجماعة
في الصلوات كلها، ورجحوه بحديث الباب، وبالأحاديث الدالة على الرخصة
في التخلف عن الجماعة، قالوا: لأن الرخصة لا تكون إلا عن واجب، وفيه
نظر.
ووراء ذلك أمر آخر، ألزم به ابن دقيق العيد من يتمسك بالظاهر، ولا
يتقيد بالمعنى، وهو أن الحديث ورد في صلاة معينة، فيدل على وجوب
الجماعة فيها دون غيرها، وأشار للانفصال عنه بالتمسك بدلالة العموم، لكن
نوزع في كون القول بما ذكر أولاً ظاهرية محضة، فإن قاعدة حمل المطلق على
المقيد تقتضيه، ولا يستلزم ذلك ترك اتباع المعنى؛ لأن غير العشاء والفجر
مظنة الشغل بالتكسب وغيره، أما العصران فظاهر، وأما المغرب فلأنها في
الغالب وقت الرجوع إلى البيت، والأكل، ولا سيما للصائم، مع ضيق وقتها،
بخلاف العشاء والفجر، فليس للمتخلف عنهما عذر غير الكسل المذموم، وفي
المحافظة عليهما في الجماعة أيضاً الألفة بين المتجاورين في طرفي النهار،
وليختموا النهار بالاجتماع على الطاعة، ويفتتحوه كذلك.
وقد وقع في رواية عجلان عن أبي هريرة مظلته عند أحمد تخصيص
التهديد بمن حول المسجد.
قال الحافظ تَّتُهُ: وقد أطلت في هذا الموضع لارتباط بعض الكلام
ببعض، واجتمع من الأجوبة لمن لم يقل بالوجوب عشرة أجوبة، لا توجد
مجموعة في غير هذا الشرح. انتهى كلامه قلبه .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذكره من حمل المطلق على المقيد غير
صحيح؛ لأن قاعدة حمل المطلق على المقيد إنما تتمشى إذا لم يكن هناك دليل
يمنع من ذلك، وهنا أدلة المنع ظاهرة، كحديث الأعمى المذكور، وكحديث:
((من سمع النداء، فلم يأت، فلا صلاة له، إلا من عذر)).
والحاصل أن القول بفرضية الجماعة هو الراجح، وما استدل به القائلون
على عدم الفرضية قد عرفت ما فيها من الخدشات، فيما تقدم من كلام

٢٠٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
الحافظ نظرته، وإن كان آخر كلامه يميل إلى رأيهم، لكنه ما ذكر حجة مقنعة
لذلك، فتبصر.
ومن أدلة القائلين بالفرضية حديث أبي هريرة رضيه الآتي في الباب: ((لقد
هممت ... )) الحديث.
ومنها: ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة ته، قال: أتى النبيّ وَلّ أعمى،
فقال: يا رسول الله، ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله وعليه
أن يرخص له، فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى، دعاه، وقال له: ((هل
تسمع النداء بالصلاة؟)) قال: نعم، قال رسول الله وَله: ((فأجب)).
ومنها: حديث ابن عباس ظه: أن النبيّ وَّ قال: ((من سمع النداء، فلم
يجب، فلا صلاة له، إلا من عذر))، أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح، وصححه
الحاكم، على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي(١).
ومنها: حديث ابن عباس، وابن عمر ﴿ه، أنهما سمعا النبيّ وَّل يقول
على أعواده: ((لينتهين أقوام عن ودعهم الجماعات، أو ليختمن الله على
قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين))، أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح، وأخرجه
مسلم بلفظ ((الجمعة)).
فهذه النصوص تدلّ دلالة واضحة على فرضية الجماعة للصلوات
المكتوبات.
وقد نقل عن جماعة من السلف ما يوافق النصوص المذكورة، فعن أبي
هريرة ربه، أنه رأى إنساناً خرج من المسجد بعد النداء، فقال: ((أما هذا فقد
عصى أبا القاسم (وَلآي))، رواه أبو داود، وروى مسلم نحوه.
وعن ابن مسعود ظه، أنه قال: ((حافظوا على هذه الصلوات الخمس
حيث ينادى بهن ... )) الحديث.
وعن أبي موسى الأشعريّ ظُه قال: ((من سمع المنادي، فلم يجب من
غير عذر، فلا صلاة له))، صححه الحاكم، ووافقه عليه الذهبي، وعن ابن
مسعود قڅله مثله.
(١) انظر: تعليق العلامة أحمد محمد شاكر على ((المحلّى)) ١٩٠/٤.