Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
(٤٠) - بَابُ بَيَانِ اسْتِحْبَابٍ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ - حديث رقم (١٤٥٦)
٥٨]، وهذا قول كثير من العلماء، أو أكثرهم، وهو ظاهر كلام أحمد، وقول
أكثر أصحابه، وكذا قال الشافعيّ في ((الأمّ)): أحبُّ إليّ أن لا تُسمّى العشاء
الآخرة عتمةً، وهو قول كثير من أصحابه، أو أكثرهم.
ومنهم من قال: يكره أن تسمّى عتمةً، وهو وجه ضعيفٌ لأصحابنا، وقد
روي عن طائفة من السلف منهم ابن عمر، وكان يكرهه كراهةً شديدةً، ويقول:
أول من سمّاها بذلك الشيطان، وكرهه أيضاً ابنه سالم، وابن سيرين.
قال: وقد حمله - يعني حديث: ((لا تغلبنّكم الأعراب ... إلخ)) - بعض
أصحابنا على كراهة نفي الكمال دون الكراهة، وحمله بعضهم على كراهة
هجران اسم العشاء، وغلبة اسم العتمة عليها كفعل الأعراب، وتسميتها في
كتاب الله بالعشاء، لا يدلّ على كراهة تسميتها بغيره، كما أن الله تعالى سمّى
صلاة الصبح صلاة الفجر، ولا يُكره تسميتها صلاة الصبح. انتهى كلام ابن
رجب رَّقُ(١).
وقال في ((الفتح)): واختَلَف السلف في ذلك، فمنهم من كرهه، كابن
عمر راوي الحديث، ومنهم من أطلق جوازه، نقله ابن أبي شيبة عن أبي بكر
الصديق وغيره، ومنهم من جعله خلاف الأولى، وهو الراجح، وكذلك نقله
ابن المنذر، عن مالك، والشافعيّ، واختاره.
وقال أيضاً بعد ذكره أنه ورد تسميتها بالعتَمَة في حديث ابن عمر، وأبي
برزة، وعائشة ﴿ه ما نصّه: وفي كل ذلك إشعار بغلبة استعمالهم لها بهذا
الاسم، فصار مَن عَرَفَ النهي عن ذلك يَحتاج إلى ذكره؛ لقصد التعريف.
قال النوويّ وغيره: يُجْمَع بين النهي عن تسميتها عَتَمَةً وبين ما جاء من
تسميتها عتمة بأمرين :
[أحدهما]: أنه استَعْمَل ذلك لبيان الجواز، وأن النهي للتنزيه، لا
للتحريم.
[والثاني]: بأنه خاطب بالعَتَمَة مَن لا يعرف العشاء؛ لكونه أشهر عندهم
من العشاء، فهو لقصد التعريف، لا لقصد التسمية.
(١) ((فتح الباري)) لابن رجب ٣٦٣/٤ - ٣٦٥.

١٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
ويَحْتَمِل أنه استَعْمل لفظ العتمة في العشاء؛ لأنه كان مشتهراً عندهم
استعمال لفظ العشاء للمغرب، فلو قال: ((لو يعلمون ما في الصبح والعشاء))
لتوهموا أنها المغرب.
قال الحافظ: وهذا ضعيف؛ لأنه قد ثبت في نفس هذا الحديث: ((لو
يعلمون ما في الصبح والعشاء))، فالظاهر أن التعبير بالعشاء تارةً، وبالعتمة تارةً
من تصرف الرواة.
وقيل: إن النهي عن تسمية العشاء عَتَمَةً نسخ الجواز.
وتُعُقّب بأن نزول الآية كان قبل الحديث المذكور، وفي كل من القولين
نظر؛ للاحتياج في مثل ذلك إلى التاريخ، ولا بُعْد في أن ذلك كان جائزاً،
فلما كَثُر إطلاقهم له نُهُوا عنه؛ لئلا تغلب ألسنة الجاهلية على السنّة
الإسلامية(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق من ذكر أقوال أهل العلم،
وأدلّتها أن الأرجح أنه يجوز إطلاق اسم العتمة على العشاء؛ لصحّة الأحاديث
بذلك، كحديث أبي هريرة رضيبه مرفوعاً: ((لو يعلمون ما في الصبح والعتمة
لأتوهما ولو حبواً))، متّفقٌ عليه، وغير ذلك، وأيضاً فإن الصحابة الذين رووا
النهي استعملوا التسمية المذكورة، فدلّ على جواز ذلك، لكن الأولى اجتنابه؛
لحديث ابن عمر ها المذكور في الباب، وبهذا تجتمع الأدلّة دون تخالف
وتعارض، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): أنه ورد النهي أيضاً عن تسمية المغرب بالعشاء:
قال الإمام البخاريّ تَظْلُ في ((صحيحه)): ((باب من كِره أن يقال للمغرب:
العشاء)).
قال الزين ابن الْمُنِّير تَخْذَقُ: عَدَلَ البخاريّ تَظْلُ عن الجزم كأن يقول:
باب كراهية كذا؛ لأن لفظ الخبر لا يقتضي نهياً مطلقاً، لكن فيه النهي عن غلبة
الأعراب على ذلك، فكأن المصنف رأى أن هذا القدر لا يقتضي المنع من
إطلاق العشاء عليه أحياناً، بل يجوز أن يُطلَق على وجه لا يُتْرَك له التسمية
(١) راجع: ((الفتح)) ٤٦/٢.

١٢٣
(٤٠) - بَابُ بَيَانِ اسْتِحْبَابٍ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ - حديث رقم (١٤٥٦)
الأخرى، كما ترك ذلك الأعراب وقوفاً مع عادتهم، قال: وإنما شُرِع لها
التسمية بالمغرب؛ لأنه اسم يُشعِر بمسماها، أو بابتداء وقتها، وكَرِهِ إطلاق
اسم العشاء عليها؛ لئلا يقع الالتباس بالصلاة الأخرى، وعلى هذا لا يكره
أيضاً أن تسمى العشاء بقيد، كأن يقول: العشاء الأولى، ويؤيِّده قولهم: العشاء
الآخرة، كما ثبت في الصحيح.
ونَقَلَ ابن بطال عن غيره أنه لا يقال للمغرب: العشاء الأولى، ويحتاج
إلى دليل خاصّ، أما من حديث الباب فلا حجة له، قاله في (الفتح)).
ثمّ أخرج البخاريّ بسنده عن عبد الله بن مُغَفَّل ◌َه أن النبيّ وَّ قال:
((لا تغلبنَّكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب))، قال: ((وتقول الأعراب:
هي العشاء))، وأخرجه أحمد، وابن خزيمة.
قال الطيبيّ تَخْتُ: يقال: غلبه على: غصبه منه، أو أخذه منه قهراً،
والمعنى: لا تتعرضوا لما هو من عادتهم من تسمية المغرب بالعشاء، والعشاء
بالعتمة، فَيَغْصِبَ منكم الأعراب اسمَ العشاء التي سماها الله بها، قال: فالنهي
على الظاهر للأعراب، وعلى الحقيقة لهم.
وقال غيره: معنى الغلبة أنكم تسمونها اسماً، وهم يسمونها اسماً، فإن
سميتموها بالاسم الذي يسمونها به وافقتموهم، وإذا وافق الخصم خصمه:
صار كأنه انقطع له حتى غلبه، ولا يحتاج إلى تقدير غصب، ولا أخذ.
وقال التوربشتيّ تَكْثُهُ: المعنى: لا تطلقوا هذا الاسم على ما هو متداول
بينهم، فَيَغْلِبَ مصطلحُهم على الاسم الذي شرعته لكم. انتهى (١).
وقال الحافظ ابن رجب كَّتُهُ: قد استدلّ بحديث ابن مغفّل به هذا من
كره تسمية المغرب العشاء، وهو قول أصحاب الشافعيّ وغيرهم، وقال
أصحابنا - يعني الحنابلة -: لا يُكره ذلك، واستدلَّوا بأن العشاء تسمّى العشاء
الآخرة، كما قال النبيّ وَله: ((أيّما امرأة أصابت بَخُوراً فلا تشهد معنا العشاء
الآخرة))، رواه مسلم، فهذا يدلّ على أن المغرب العشاء الأولى.
(١) ((الفتح)) ٥٢/٢.

١٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وأجاب بعضهم بأن وصف العشاء بالآخرة؛ لأنها آخر الصلوات، لا لأن
قبلها عشاء أخرى.
وقد حُكي عن الأصمعيّ أنه أنكر تسميتها العشاء الآخرة، ولا يُلتَفت إليه.
وفي ((صحيح مسلم)) عن عليّ رَظُه أن النبيّ وَّ صلى العصر يوم
الأحزاب بين العشاءين: المغرب والعشاء.
قال أصحابنا - يعني الحنابلة -: وحديث ابن مُغفَّل ◌َظُبه يدلّ على أن
تسميتها بالمغرب أفضل، ونحن نقول بذلك، ومن متأخّريهم من قال: حديث
ابن مغفَّل إنما يدلّ على النهي عن أن يغلب اسم العشاء على المغرب، حتى
يُهجَر اسم المغرب، أو يقِلّ تسميتها بذلك، كما هي عادة الأعراب، فأما إذا
لم يغلب عليها هذا الاسم فلا يتوجّه النھي حينئذ إليه.
وقد تقدّم أنها تُسمّى صلاة البصر أيضاً، فإذا سُمّيت بذلك من غير أن
يُهجر تسميتها بالمغرب، ويَغلب تسميتها بذلك جاز. انتهى كلام ابن
رجب رَّتُهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق من ذكر الأقوال وأدلّتها أن
الأرجح جواز تسمية المغرب بالعشاء؛ لصحّة الأحاديث بذلك، لكن الأولى
تسميتها بالمغرب؛ لحديث عبد الله بن مغفّل ﴿به، كما سبق القول في تسمية
العشاء بالعتمة، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٥٧] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا(٢) أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي لَبِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمُ صَلَائِكُمُ الْعِشَاءِ، فَإِنَّهَا
فِي كِتَابِ اللهِ الْعِشَاءُ، وَإِنَّهَا تُعْتِمُ بِحِلَابِ الْإِبِلِ))).
(١) ((فتح الباري)) لابن رجب ٣٦١/٤ - ٣٦٢.
(٢) وفي نسخة: ((حدّثنا)).

١٢٥
(٤١) - بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّقْلِيسِ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٥٨)
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (وَكِيع) بن الجرّاحِ بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ
حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٢ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ فقيهٌ
حجةٌ إمامٌ، رأس [٤] (ت١٦١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (وَإِنَّهَا تُعْتِمُ بِحِلَابِ الْإِبِلِ) أي إن الأعراب تؤخّر حلب إبلها إلى
شدّة الظلام، فمن ثمّ يسمّون العشاءَ العتمة، وتمام شرح الحديث، ومسائله
تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٤١) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّغْلِيسِ بِصَلَاةِ الصُّبْح،
وَبَيَانِ قَدْرِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٤٥٨] (٦٤٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ
حَرْبٍ، كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ عَمْرٌو(١): حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ كُنَّ يُصَلِّينَ الصُّبْحَ، مَعَ
النَّبِّ ◌َّهِ، ثُمَّ يَرْجِعْنَ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، لَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة
إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ ثبتٌ حافظ، صاحب تصانيف
[١٠] (ت٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
(١) وفي نسخة: ((عن سفيان، قال عمرو)).

١٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ،
نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٢) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤.
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْب) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ
ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٤) عن (٧٤) سنةً (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، نزيل
مكة، ثقةٌ ثبتٌ حافظُ حجةٌ إمامٌ، رأس [٨] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) ج١ ص٣٨٣.
٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، أبو
بكر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ فقيهٌ إمامٌ، رأس [٤] (ت١٢٥) (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) ج١ ص٣٤٨.
٦ - (عُرْوَةُ) بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ
فقيهٌ [٣] (ت٩٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٠٧.
٧ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق ◌ِظَهَا، ماتت سنة (٥٧) على الصحيح (ع)
تقدّمت في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف رَّتُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول والثالث
ما أخرج لهما الترمذيّ، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من الزهريّ، وسفيان مكيّ، وأبو
بکر کوفیّ، والباقيان بغدادیّان.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن عروة أحد الفقهاء السبعة، وعائشة ,
عليها من المكثرين
السبعة، روت من الأحاديث (٢٢١٠)، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث :
(عَنْ عَائِشَةَ) ◌ِؤُّا (أَنَّ نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ) قال النوويّ تَخْتُ: صورته صورة
إضافة الشيء إلى نفسه، واختُلِف في تأويله وتقديره، فقيل: تقديره: نساء

١٢٧
(٤١) - بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّغْلِيسِ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٥٨)
الأنفس المؤمنات، وقيل: نساء الجماعات المؤمنات، وقيل: إن ((نساء)) هنا
بمعنى الفاضلات، أي فاضلات المؤمنات، كما يقال: رجال القوم: أي
فضلاؤهم، ومقدموهم. انتهى(١). (كُنَّ يُصَلِّينَ الصُّبْحَ، مَعَ النَّبِيِّ وَلَِّ) وفي
الرواية التالية: ((لقد كان نساء المؤمنات يشهدن الفجر مع رسول الله وَليه (ثُمَّ
يَرْجِعْنَ) أي إلى بيوتهنّ (مُتَلَفِّعَاتٍ) بالعين المهملة بعد الفاء: أي متجلّلات،
ومتلفّفات، وهو منصوب على الحال من ((نساء المؤمنات))، اسم فاعل من
التَّلَفُّع - بالفاء والعين المهملة - أي ملتحفات، ورُويَ بالفاء المكررة، بدل
العين، والأكثرون على خلافه.
قال الأصمعي: التلفع بالثوب أن يَشتمل به حتى يُجَلِّل به جسده، وهو
اشتمال الصماء عند العرب؛ لأنه لم يرفع جانباً منه، فيكون فيه فُرْجَة، وهو
عند الفقهاء مثل الاضطباع، إلا أنه في ثوب واحد، وعن يعقوب: اللِّفَاعُ:
الثوبُ، تَلْتَفِعُ به المرأة، أي تلتحف به، فيُغَيِّبُهَا، وعن كُرَاعٍ: وهو المِلْفَع
أيضاً.
وعن ابن دُرَيدٍ: اللِّفَاعِ الْمِلْحَفَةُ، أو الكِسَاء، وقال أبو عمرو: وهو
الكساء، وعن صاحب ((العين)): تَلَفَّعَ بثوبه: إذا اضطبع به، وتلفع الرجل
بالشيب: كأنه غطى سواد رأسه، ولحيته.
وفي ((شرح الموطأ)): التلفع أن يُلْقِيَ الثوب على رأسه، ثم يلتف به، لا
يكون الالتفاع إلا بتغطية الرأس، وقد أخطأ من قال: الالتفاع مثل الاشتمال،
وأما التلفُّف فيكون مع تغطية الرأس وكشفه.
وفي ((المحكم)): الملْفَعَة ما يُلْفَعُ به من رِدَاء، أو لِحَافٍ، أو قِنَاعِ، وفِي
((المُغِيث)): وقيل: اللَّفَاع: النطع، وقيل: الكساء الغليظ. وفي ((الصحاحَ)): لَفْعَ
رأسه تَلْفِيعاً: أي غطاه، قاله في ((العمدة))(٢).
(بِمُرُوطِهِنَّ) أي بأكسيتهنّ، وهو: جمع مِرْط - بكسر الميم - قال القزاز:
المِرْط: مِلْحَفَة يُتَّزَرُ بها، والجمع أمْرَاط، ومُرُوط، وقيل: يكون المِرْطُ كِساءً
من خَزٍّ، أو صوف، أو كَتَّان، وفي ((المحكم)): وقيل: هو الثوب الأخضر،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤٣/٥.
(٢) ((عمدة القاري)) ٨٩/٤.

١٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وفي ((مجمع الغرائب)): أكسية من شعر أسود، وعن الخليل: هي أكسية معلمة،
وقال ابن الأعرابي: هو الإزار، وقال النضر بن شميل: لا يكون المرط إلا
درعاً، وهو من خَزّ أخضر، ولا يسمى إلا أخضر، ولا يلبسه إلا النساء، وقال
عبد الملك بن حبيب في ((شرح الموطأ)): هو كساء صوف رقيق، خفيف،
مربع، كُنّ النساء في ذلك الزمان يتزرن به، ويتلفعن، أفاده في ((العمدة)).
(لَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ) أي من شدّة الغَلَس، قال في ((الفتح)): قال الداوديّ:
لا يُعْرَفن أنساء هنّ أم رجال؟، فلا يظهرن للرائي، إلا أشخاصاً خاصة.
وقيل: لا يُعْرَف أعيانهن، فلا يفرق بين خديجة، وزينب، وضعّفه
النوويّ؛ لأن المتلفعة في النهار، لا تُعْرَف عينها، فلا تبقى في الكلام فائدة.
قال الحافظ: يريد لا تبقى فائدة للتقييد بمتلفعات، وهذا بناء على أن
عدم معرفتهنّ لأجل التلفع، وليس كذلك، بل عدم المعرفة للغلس، وإلا لم
يكن الحديث حجة على التغليس، وإنما ذكرت عائشة التلفع بياناً للواقع.
قال: وتعقب - يعني كلام النوويّ - بأن المعرفة إنما تعلق بالأعيان، ولو
كان المراد الأول لعبر بنفي العلم، وما ذكره من أن المتلفعة بالنهار لا تعرف
عينها فيه نظر؛ لأن لكل امرأة هيئة غير هيئة الأخرى في الغالب، ولو كان
بدنها مُغَطّى.
وقال الباجيّ: هذا يدل على أنهن كنّ سافرات؛ إذ لو كن متغطيات لمنع
تغطية الوجه معرفتهن، لا التغليس، وفيه ما فيه؛ لأنه مبني على الاشتباه الذي
أشار إليه النووي، وأما إذا كان لكل واحدة منهن هيئة غالباً ففيه ما سلف.
انتھی(١).
قال الصنعانيّ: نعم قد يسلم للحافظ مُدّعاه فيمن تطول مصاحبته من
الأهل ونحوهم، فيعرف الهيئة والمشي المعين، كما قال عمر لسودة: قد
عرفناك يا سودة، مع أنها كانت متلفعة، ولكن الكلام في أعم من ذلك.
قال الجامع عفا الله عنه: فيما قال الصنعانيّ تَُّ في سودة: ((مع أنها
(١) ((فتح الباري)) ٦٦/٢ - ٦٧.

١٢٩
(٤١) - بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّغْلِيسِ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٥٨)
كانت متلفعة)) نظر؛ لأن القصة كانت قبل الأمر بالحجاب فلا يُعْلَم كونها
متلفعة، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا مُتّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤١ /١٤٥٨ و١٤٥٩ و١٤٦٠] (٦٤٥)،
(والبخاريّ) في ((الصلاة)) (٣٧٢)، و((المواقيت)) (٥٧٨)، و((الأذان)) (٨٦٧
و٨٧٢)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٤٢٣)، و(الترمذيّ) فيها (١٥٣)،
و(النسائيّ) في ((المواقيت)) (٥٤٥)، وفي ((الكبرى)) (١٥٢٨)، و(ابن ماجه)
في ((الصلاة)) (٦٦٩)، و(مالك) في ((الموظّأ)) (٥/١)، و(الشافعيّ) في
(المسند)) (٥٠/١)، و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (١٤٥٩)، و(الحميديّ) في
((مسنده)) (١٧٤)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٢٠/١)، و(أحمد) في
(مسنده)) (١٧٨/٦ و١٧٩)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (٣٥٠)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (١٤٩٩)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١/
١٧٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٠٩١ و١٠٩٢ و١٠٩٣ و١٠٩٤ و١٠٩٥
و١٠٩٦)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٤٣١ و١٤٣٢ و١٤٣٣)، و(البيهقيّ)
في ((الكبرى)) (٤٥٤/١)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٣٥٣)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب التغليس بصلاة الصبح، وفيه خلاف العلماء
سيأتي تحقيقه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): بيان جواز خروج النساء إلى المساجد لشهود الصلاة بالليل
مع الرجال، وليس في الحديث ما يدلّ على كونهن عُجُزاً، أو شوابٌ، وكَرِهَ
بعضهم الخروج للشوابّ، وهو رأي ابن عمر، وجماعة من السلف، قال
الصنعاني: ويحسن حمله على خشية الفتنة عليهن، أو بهن، فإنها مفسدة تربو

١٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
على مصلحة حضور الجماعة، ودفع المفاسد أهمّ من جلب المصالح.
انتھی(١).
وقال الحافظ تَخَّلهُ: ويؤخذ منه جوازه في النهار من باب أولى؛ لأن
الليل مظنة الريبة أكثر من النهار، ومحل ذلك إذا لم يُخشَ عليهن، أو بهن
فتنة. انتهى.
قال الصنعانيّ تَخّْتُهُ: ويقال: الفتنة بالنهار أكثر؛ لظهور محاسنهن، ولذا
كان نساؤه وَّيه لا يخرجن لقضاء حاجتهن إلا ليلاً، كما أفاده حديث عائشة في
قصة الإفك. انتهى، وستأتي المسألةُ في بابها - إن شاء الله تعالى -.
٣ - (ومنها): أنه استَدَلّ به بعضهم على جواز صلاة المرأة مختمرة
الأنف والفم، فكأنه جعل التلفع صفة لشهود الصلاة.
وتعقبه عياض بأنها إنما أخبرت عن هيئة الانصراف، قاله في ((الفتح)).
قال الصنعانيّ كَّهُ: رواية البخاريّ التي ذكرناها أولاً، ورواية مسلم -
يعني قوله: ((كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله وير صلاة الفجر متلفعات
بمروطهن)) - يدل لما قاله ذلك البعض؛ لأنه جعل متلفعات حالاً من فاعل
شهود الصلاة، والحال قيد في عاملها، أي شهدنها حال كونهن متلفعات فهو
صريح في صلاتهن متلفعات، أي يحضرنها معه على تلك الحال، نعم إحدى
الروايات ليست على اللفظ - يعني رواية النسائي - إلا أنه قد يقال: من أين
يلزم منه تغطية الأنف والفم؟ إلا أن يكون عرف ذلك العصر كذلك. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أصرح الروايات في ذلك رواية النسائيّ
بلفظ: ((كُنَّ النساءُ يصلين مع رسول الله وَّ الصبح متلفعات بمروطهنّ))، فهذه
رواية صريحة في كون الصلاة مع التلفع، فالظاهر جواز صلاتها مختمرةً؛
لظاهر هذا النصّ، مع أنه ليس في المنع دليل مرفوع، فتبصّر، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في بيان اختلاف أهل العلم في التغليس بصلاة
الصبح :
(١) ((العدة حاشية العمدة)) ٢/ ٧٠.
(٢) ((العدة)) ٢٢/٢.

١٣١
(٤١) - بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّقْلِيسِ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٥٨)
ذهب أكثرهم إلى أن الأفضل فيها التغليس، وهو مذهب عمر، وعثمان،
وابن الزبير، وأنس، وأبي موسى، وأبي هريرة ﴿ه، ونقله الحازميّ عن بقية
الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وأبي مسعود الأنصاري، وأهل الحجاز، وبه
قال الأوزاعيّ، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وجمهور العلماء.
وذهب بعضهم إلى أن الإسفار أفضل من التغليس، وهو مذهب النخعيّ،
والثوريّ، وأبي حنيفة، وأصحابه، والحسن بن حَيٍّ، وأكثر العراقيين، وهو
مرويّ عن عليّ، وابن مسعود
قال النوويّ: احتَجّ هؤلاء بحديث رافع بن خَدِيج ◌ُه قال: سمعت
رسول الله وسلم يقول: ((أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر))، رواه أبو داود،
والترمذي، وقال: حسن صحيح وهذا لفظ الترمذي، وفي رواية أبي داود:
((أصبحوا بالصبح، فإنه أعظم للأجر)).
وعن عبد الله بن مسعود مظ انه قال: ((ما رأيت رسول الله وَ له صلى صلاة
لغير ميقاتها، إلا صلاتين: جمع بين المغرب والعشاء بجمع - يعني بالمزدلفة -
وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها))، رواه البخاريّ، ومسلم، قالوا: ومعلوم أنه
لم يصلها قبل طلوع الفجر، وإنما صلاها بعد طلوعه مغلساً بها، فدل على أنه
كان يصليها في جميع الأيام غير ذلك اليوم مسفراً بها، قالوا: ولأن الإسفار
يفيد كثرة الجماعة، واتصال الصفوف، ولأن الإسفار يتسع به وقت التنفل
قبلها، وما أفاد كثرة النافلة كان أفضل.
واحتَجَّ الأولون القائلون بأفضلية التغليس بقول الله تعالى: ﴿حَفِظُواْ عَلَى
الضَلَوَتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ومن المحافظة تقديمها في أول الوقت؛ لأنه إذا
أخرها عَرَّضَهَا للفوات، وبقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [آل
عمران: ١٣٣]، والصلاة تُحَصِّل ذلك، وبقوله تعالى: ﴿فَأَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِ﴾
[المائدة: ٤٨].
وبحديث عائشة ظّها هذا، وهو مُتَّفقٌ عليه، وبحديث أبي برزة
عنه
المذكور في هذا الباب، وفيه: ((وكان يصلي الصبح، فينصرف الرجل إلى وجه
جليسه الذي يعرف، فيعرفه، قال: وكان يقرأ فيها بالستين إلى المائة))، مُتّفق
علیه .

١٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج .- كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وبحديث جابر بنظ به الآتي بعد هذا قال: ((والصبح كان النبيّ وَل يصليها
بغلس))، مُتَّفق علیه.
وبحديث أنس رُه قال: ((تسحّر نبيّ الله وَّل، وزيد بن ثابت، فلما فرغا
من سحورهما، قام نبي الله وَلّ، فصلى، قال قتادة: قلت لأنس: كم كان بين
فراغهما من سحورهما، ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل
خمسين آية))، رواه البخاري بلفظه، ومسلم بمعناه.
وعن سهل بن سعد ظُه قال: ((كنت أتسخّر في أهلي، ثم يكون سُرْعَةٌ
بي أن أدرك صلاة الفجر مع رسول الله (وَّ))، رواه البخاريّ.
وعن أبي مسعود البدريّ ◌َظُبه أن رسول الله وَل صلى الصبح مرة بغلس،
ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس، حتى مات
لم يَعُدْ إلى أن يسفر))، رواه أبو داود بإسناد حسن، قال الخطابيّ: هو صحيح
الإسناد.
وعن مغيث بن سُمَيّ، قال: ((صليت مع ابن الزبير صلاة الفجر، فصلى
بغلس، وكان يُسْفِرُ بها، فلما سلّم قلت لابن عمر: ما هذه الصلاة؟ وهو إلى
جانبي، فقال: هذه صلاة رسول الله وَّر، وأبي بكر، وعمر، فلما قُتل عمر
أسفر بها عثمان رضيه))، قال الترمذيّ في ((كتاب العلل)): قال البخاريّ: هذا
حديث حسن.
وأما الجواب عن حديث رافع بن خديج قاته، فمن وجهين:
أحدهما: أن المراد بالإسفار طلوع الفجر، وهو ظهوره، يقال: سَفَرت
المرأة، أي كشفت وجهها، فإن قيل: لا يصح هذا التأويل، لقوله وَله: ((فإنه
أعظم للأجر))؛ لأن هذا يدل على صحة الصلاة قبل الإسفار، لكن الأجر فيها
أقل، فالجواب أن المراد أنه إذا غلب على الظن دخول الوقت، ولم يتيقنه
جازت الصلاة، ولكن التأخير إلى إسفار الفجر، وهو ظهوره الذي يتيقن به
طلوعه أفضل، وقيل: يَحْتَمِل أن يكون الأمر بالإسفار في الليالي المقمرة، فإنه
لا يتيقن فيها الفجر إلا باستظهار في الإسفار.
والثاني: ذكره الخطابيّ أنه يَحْتَمِل أنهم لما أمروا بالتعجيل صلوا بين

١٣٣
(٤١) - بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّغْلِيسِ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٥٨)
الفجر الأول، والثاني طلباً للثواب، فقيل لهم: صلوا بعد الفجر الثاني،
وأصبحوا بها، فإنه أعظم لأجركم.
فإن قيل: لو صلَّوا قبل الفجر لم يكن فيها أجر، فالجواب أنهم يؤجرون
على نيتهم، وإن لم تصح صلاتهم، لقوله وَله: ((إذا اجتهد الحاكم، فأخطأ فله
أجر)).
وأما الجواب عن حديث ابن مسعود ره فمعناه أن النبيّ وَّ صلى
الفجر في هذا اليوم قبل عادته في باقي الأيام، وصلى في هذا اليوم أول طلوع
الفجر، ليتسع الوقت لمناسك الحج، وفي غير هذا اليوم كان يؤخر عن طلوع
الفجر قدر ما يتوضأ الْمُحْدِث، ويغتسل الجنب، ونحوه، فقوله قبل ميقاتها
معناه قبل ميقاتها المعتاد بشيء يسير، والجواب عن قولهم: الإسفار يفيد كثرة
الجماعة، ويتسع به وقت النافلة: إن هذه الفائدة لا تلحق بفائدة فضيلة أول
الوقت، ولهذا كان رسول الله ﴿ يُغَلِّس بالفجر، ذكر هذا كلّه النوويّ تَخْتُ في
(شرح المهذّب))(١).
قال الجامع عفا الله عنه: في بعض هذه الأجوبة تعسُّفٌ ظاهر، وأحسن
الأجوبة عندي، وأولاها في الجمع بين الأحاديث جواب من أجاب بأن حديث
الإسفار معناه مَدّ القراءة إلى الإسفار، فيكون الدخول في القراءة في الغلس،
والخروج في الإسفار.
قال العلامة ابن القيّم تَّهُ بعد ذكر حديث رافع بن خَدِيج ◌َُّه ما لفظه:
وهذا بعد ثبوته إنما المراد به الإسفار دواماً، لا ابتداءً، فيدخل فيها مُغَلِّساً،
ويخرج مُسْفِراً؛ كما كان يفعله بَّل، فقوله موافق لفعله، لا مناقضٌ له، وكيف
يُظَنُّ به المواظبة على فعل ما الأجر الأعظم في خلافه؟ !. انتهى.
وهذا هو الذي اختاره الطحاويّ في ((شرح معاني الآثار))، وقد بسط
الكلام فيه، وقال في آخره: فالذي ينبغي الدخول في الفجر في وقت التغليس،
والخروج منها في وقت الإسفار، على موافقة ما روينا عن رسول الله وَ له،
(١) راجع: ((المجموع شرح المهذب)) ٥١/٣ - ٥٤ نُقل عنه بتصرف يسير.

١٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
﴿ه، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن(١).
وأصحابه
انتھی .
وأصرح حديث يدلّ على هذا الجمع: ما أخرجه النسائيّ من حديث
أنس ظُه، وفيه (( .... ويصلي الصبح إلى أن ينفسح البصر))، ولفظ أحمد في
((مسنده))(٢): (( ... والصبح إذا طلع الفجر إلى أن ينفسح البصر))، ففيه دلالة
على أنه كان يدخل في الغلس، ويمدّ القراءة إلى أن يُسْفِرَ، والله تعالى أعلم.
والحاصل أن أرجح المذهبين في هذه المسألة مذهب الجمهور، وهو أن
الأفضل في صلاة الصبح التغليس؛ لقوة أدلّته، ولأنه واظب عليه النبيّ وَّ،
وأبو بكر، وعمر بعده، ولأن فيه العمل بالحديثين جميعاً، حيث يُحَمل حديث
الإسفار على مدّ القراءة حتى يسفر الصبح، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٤٥٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ بَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ
النَّبِيِّ نَّهِ قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ نِسَاءٌ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ، يَشْهَدْنَ الْفَجْرَ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَله
مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَنْقَلِيْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ، وَمَا يُعْرَفْنَ مِنْ تَغْلِيسِ رَسُولِ اللهِ
بِالصَّلَاةِ).
قد تقدّم هذا الإسناد بعينه في أول الباب الماضي، والحديث متّفقٌ عليه،
وشرحه، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) هكذا عزا الطحاويّ هذا المذهب إليهم، لكن المشهور عند الحنفيّة أنهم يقولون
باستحباب الإسفار دخولاً وخروجاً، انظر: ((الدرّ المختار)) مع حاشية ((ردّ المحتار))
٣٨٢/١، والله تعالى أعلم.
(٢) راجع: ((المسند)) ١٢٩/٣ و١٦٩.

١٣٥
(٤١) - بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّغْلِيسِ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٦٠)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٦٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى
الْأَنْصَارِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا مَعْنٌ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ
عَائِشَةَ، قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ، فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ، مُتَلَفِّعَاتٍ
بِمُرُوطِهِنَّ، مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ، وقَالَ الْأَنْصَارِيُّ فِي رِوَايَتِهِ: مُتَلَفِّفَاتٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، طُلِب للقضاء، فامتنع
[١٠] (ت٢٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ) الْخَطْميّ، أبو موسى المدنيّ، قاضي
نيسابور، ثقةٌ متقنٌ [١٠] (ت٢٤٤) (م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٢/٤٣.
٣ - (مَعْن) بن عيسى بن يحيى الأشجعيّ مولاهم، أبو يحيى القزّاز
المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، قال أبو حاتم: أثبت أصحاب مالك، من كبار [١٠]
(ت١٩٨) تقدم في ((الطهارة)) ٧ / ٥٦٣.
٤ - (مَالِك) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قبل بابين.
٥ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيد) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي،
ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت٢٤٤) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٦/٦.
٦ - (عَمْرَةُ) بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاريّة المدنيّة، ثقةٌ،
أكثرت عن عائشة ﴿هنا [٣] ماتت قبل المائة، وقيل: بعدها (ع) تقدمت في
((شرح المقدمة)) جـ٢ ص ٤١٧.
٧ - (عَائِشَةَ) فَوْنَا تقدمت في الباب.
وقوله: (إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ) ((إن)) مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير
الشأن محذوفاً، أي إنه كان ... إلخ.
وقوله: (مُتَلَفِّعَاتٍ) بالفاء والعين المهملة، من التلفّع، وهو تغطية الرأس
والجسد.
وقوله: (بِمُرُوطِهِنَّ) جمع: مِرْط بكسر الميم: وهو الكساء.
وقوله: (مَا يُعْرَفْنَ) بالبناء للمفعول.

١٣٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وقوله: (مِنَ الْغَلَسِ) أي من اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل، قال
الأزهريّ: الغَلَسُ: بقايا ظلمة الليل يخالطها بياض الفجر، وفي ((القاموس))
و((الصحاح)): الغَلَس محركةً: ظلمةُ آخر الليل(١).
فمن ابتدائية، أو تعليلية، ولا معارضة بين هذا، وبين حديث أبي برزة
الأسلمي السابق أنه كان ينصرف من الصلاة حين يعرف الرجل جليسه، لأن
هذا إخبار عن رؤية المتلفعات على بعد، وذاك إخبار عن رؤية الجليس. قاله
في ((الفتح)) (٦٧/٢).
وقوله: (وقَالَ الْأَنْصَارِيُّ فِي رِوَايَتِهِ) هو إسحاق بن موسى، شيخه الثاني.
(مُتَلَفِّفَاتٍ) بفاءين: ومعناه: متغطّيات، والحديث متّفقٌ عليه، وتمام
شرحه، ومسائله تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٦١] (٦٤٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ،
قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ(٢)، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ،
قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْحَجَّاجُ(٣) الْمَدِينَةَ، فَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ: كَانَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا
وَجَبَتْ، وَالْعِشَاءَ أَحْيَاناً يُؤَخِّرُهَا، وَأَحْيَاناً يُعَجِّلُ، كَانَ إِذَا رَآهُمْ قَدِ اجْتَمَعُوا
عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ قَدْ أَبْطَتُوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ كَانُوا، أَوْ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َِّ يُصَلِّيهَا
بِغَلَسٍ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم أول الباب.
(١) راجع: ((العدة حاشية العمدة)) للصنعانيّ ١٧/٢ بتصرف.
(٢) وفي نسخة: ((محمد بن جعفر، عن شعبة)).
(٣) وفي نسخة: ((قال: قدم الحجاج)).

١٣٧
(٤١) - بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّغْلِيسِ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٦١)
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى) الْعَنزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِنِ،
ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٣ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد بن بشار بُنْدَار، أبو بكر البصريّ، ثقة حافظ
[١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُنْدَر، أبو عبد الله البصريّ، ثقة، صحيح الكتاب
[٩] (ت١٩٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٥ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الورد الْعَتَكيّ مولاهم، أبو بِسْطام البصريّ
واسطيّ الأصل، ثقةٌ ثبتُ حافظٌ حجةٌ إمام عابدٌ [٧] (ت١٦٠) (ع) تقدّم في
((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨١.
٦ - (سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، قاضي
المدينة، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٥] (ت ١٢٥) وقيل: بعدها، وهو ابن (٧٢) سنةً (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ) بن أبي طالب، الهاشميّ، أبو
عبد الله المدنيّ، أمه رَمْلَة بنت عَقِيل بن أبي طالب، ثقة [٤].
رَوَى عن عمّة أبيه زينب بنت علي، وابن عباس، وجابر.
وروى عنه سعد بن إبراهيم، ومحمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زُرَارة،
وأبو الْجَحّاف داود بن أبي عوف، وعبد الله بن ميمون.
قال أبو زرعة، والنسائيّ، وابن خراش: ثقةٌ، وقال ابن أبي حاتم، عن
أبيه: ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله عند جميعهم
حديثان فقط، هذا الحديث، وحديث: ((ليس من البرّ الصوم في السفر))(١).
٨ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن
الصحابيّ ﴿ه، مات بعد (٧٠) وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
(١) سيأتي للمصنّف برقم (١١١٥).

١٣٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف تَخْتُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ،
فرّق بينهم بالتحويل؛ لاختلافهم في صيغ الأداء، فالأول قال: ((حدّثنا غندرٌ،
عن شعبة))، فذكر شيخه بلقبه، وعنعن في سبعة، والأخيران قالا: ((حدّثنا
محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة))، ذكرا شيخهما باسمه، وصرّحا بالتحديث في
شعبة .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى أبي بكر، فما أخرج له
الترمذيّ، ومحمد بن عمرو، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن شيخيه: ابن المثنّى، وابن بشّار من المشايخ التسعة
الذين يروي عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أن نصف السند الأول مسلسلٌ بالبصريين، سوى أبي بكر،
فكوفيّ، ونصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين.
٥ - (ومنها): أن فيه: روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ: سعد عن محمد، والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ) بن أبي طالب، وفي رواية
معاذ بن معاذ، عن شعبة التالية، عن سعد، سمع محمد بن عمرو بن الحسن
(قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْحَجَّاجُ) جواب ((لَمّا)) محذوف، تقديره: أخّر الصلوات، وفي
الرواية التالية: ((كان الحجّاج يؤخّر الصلوات))، وفي نسخة: ((قال: قَدِم
الحجّاجِ)) بإسقاط ((لَمّا)).
و ((الْحَجّاج - بفتح الحاء المهملة، وتشديد الجيم، آخره جيم - هو: ابن
يوسف الثقفيّ، قال الحافظ ◌َُّهُ: وزعم الكرمانيّ أن الرواية بضم أوله، قال:
وهو جمع حاجّ. انتهى. وهو تحريف بلا خلاف، فقد وقع في رواية أبي عوانة
في (صحيحه)) من طريق أبي النضر، عن شعبة: ((سألنا جابر بن عبد الله في
زمن الحجاج، وكان يؤخر الصلاة عن وقت الصلاة))، وفي رواية مسلم من
طريق معاذ، عن شعبة: ((كان الحجّاج يؤخر الصلوات)).

١٣٩
(٤١) - بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّغْلِيسِ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٦١)
(الْمَدِينَةَ) أي النبويّة، وكان قدوم الحجاج إليها أميراً عليها من قِبَلٍ
عبد الملك بن مروان سنة (٧٤) وذلك عَقِبَ قتل ابن الزبير، فَأَمَّرَهُ عبد الملك
على الحَرَمَينِ، وما معهما، ثم نقله بعد هذا إلى العراق، قاله في ((الفتح))(١).
(فَسَأَلْنَا) عطف على جواب ((لَمّا)) المقدّر (جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) لم يُبَيَّن
المسؤول عنه ما هو؟ وهو معلوم من الجواب، والأصل: سألناه عن مواقيت
الصلاة، وكيف كان النبيّ ◌َ ﴿ يصلي فيها؟، وقد جاء مفسراً في رواية أبي
عوانة المتقدمة، حيث قال: ((سألنا جابر بن عبد الله في زمن الحجاج، وكان
يؤخر الصلاة عن وقت الصلاة)) (فَقَالَ) جابر نَظُهُ (كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يُصَلِّي
الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ) هي شدّة الحرّ، والمراد بها نصف النهار بعد الزوال، سميت
بها؛ لأن الهجرة هي الترك، والناس يتركون التصرّف حينئذ لشدّة الحرّ؛ لأجل
القيلولة وغيرها، قاله في ((العمدة))(٢).
قال العلامة ابن دقيق العيد تَظْلَتُهُ ما حاصله: هذا يدلّ على تقديمها في
أول الوقت، فإنه قد قيل في الهاجرة والهَجِيرِ: إنهما شدّة الحرّ وقُوَّتُهُ،
ويعارضه ظاهر قوله وَلي: ((إذا اشتدّ الحرّ، فأبردوا)).
ويمكن الجمع بينهما بأن يكون أطلق اسم الهاجرة على الوقت الذي بعد
الزوال مطلقاً، فإنه قد يكون فيه الهاجرة في وقت، فيطلق على الوقت مطلقاً
بطريق الملازمة، وإن لم يكن وقت الصلاة في حرّ شديد، وفيه بُعْد، وقد
يقرب بما نُقِل عن صاحب ((العين))، أن الْهَجِير والهاجرة نصف النهار، فإذا
أخذ بظاهر هذا الكلام كان مطلقاً على الوقت. انتهى(٣).
والذي ارتضاه العلامة الصنعانيّ كَّلُهُ في ((حاشيته)) أن يقال: إن أحاديث
التهجير منسوخة كما قال أحمد، ودلّ له حديث المغيرة رَظُبه، وأنه كان أول
الأمر صلاته بالهاجرة، ثم نسخه بالإبراد، وهو خاصّ بأيام شدة الحرّ.
وقد يقال: إن الصحابيّ إذا عبَّر بعبارة تدلّ على أن هِجّيرَاهُ وعادته كان
(١) ((الفتح)) ٥٠/٢.
(٣) ((إحكام الأحكام)) ٢٣/٢ - ٢٤.
(٢) ((عمدة القاري)) ٥٦/٥.

١٤٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
التهجيرَ بالصلاة، فمراده الأغلبُ ذلك؛ إذ أيام شدّة الحرّ قليلة بالنسبة إلى
خلافها في المدينة. انتهى كلام الصنعانيّ ◌َُّهُ(١)، وهو جمع حسن، والله
تعالى أعلم.
(وَ) كان يصلي (الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ) وفي رواية النسائيّ: ((والشمس
بيضاءُ نقيّةٌ))، والجملة في محلّ نصب على الحال، والرابط الواو، ومعنى نَفِيَّةٌ:
خالصةٌ صافيةٌ، لم يدخلها بَعْدُ صفرةٌ، ولا تغيرٌ.
(وَ) كان يصلي (الْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ) أي غابت الشمس، وأصل الوجوب
السقوط، كما سبق، وحُذف ذكر الشمس؛ للعلم بها، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى
تَوَرَتْ بِاَلِجَابِ﴾، قاله النوويّ دَخَذَتُهُ(٢) .
وقال ابن رجب تَُّهُ: وجوبها سقوطها، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَتْ جُنُوبُهَا
فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ [الحج: ٣٦]، والمعنى: إذا سقط قُرص الشمس، وذهب في
الأرض، وغاب عن أعين الناس. انتهى (٣).
وقال في ((الفتح)): المراد سقوط قرص الشمس، وفيه دليلٌ على أن
سقوط قرص الشمس يدخل به وقت المغرب، ولا يخفى أن محلّه ما إذا كان
لا يحول بين رؤيتها غاربةً، وبين الرائي حائل. انتهى (٤).
(وَالْعِشَاءَ) مفعول مقدّم لـ((يؤخّرها))، وقوله: (أَحْيَاناً) ظرف له، وهو بفتح
الهمزة: جمع حِينٍ، وهو اسم مبهم يقع على القليل والكثير من الزمان، على
المشهور، وهو المراد هنا، وإن كان جاء بمعنى أربعين سنة، وبمعنى ستة
أشهر، قاله في ((العمدة))(٥) .
(يُؤَخِّرُهَا، وَأَحْيَاناً يُعَجِّلُ) بحذف المفعول، أي يعجّلها، والمعنى: أنه نَّهـ
كان يصلي العشاء في أوقات مختلفة، يقدِّم في بعضها، ويؤخِّر في بعضها، ثم
بيّن معنى قوله: ((أحياناً يعجّل)) بقوله: (كَانَ إِذَا رَآهُمْ) أي رأى الصحابة
(قَدِ اجْتَمَعُوا) في المسجد لصلاتها (عَجَّلَ) صلاة العشاء.
(١) ((العدة حاشية العمدة)) ٢٦/٢.
(٣) ((فتح الباري)) لابن رجب ٣٥١/٤.
(٥) ((عمدة القاري)) ٥٧/٥.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٤٥/٥ - ١٤٦.
(٤) ((الفتح)) ٥٠/٢.