Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ (٤٠) - بَابُ بَيَانِ اسْتِحْبَابٍ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ - حديث رقم (١٤٤٧) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: مَكَثْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ، نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللهِ وَِّ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْنَا (١) حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، أَوْ بَعْدَهُ، فَلَا نَدْرِي أَشَيْءٌ شَغَلَهُ فِي أَهْلِهِ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ حِينَ خَرَجَ: ((إِنَّكُمْ لَتَنْتَظِرُونَ صَلَةً، مَا يَنْتَظِرُهَا أَهْلُ دِينٍ غَيْرُكُمْ، وَلَوْلَا أَنْ يَثْقُلَ عَلَى أُمَّتِي، لَصَلَّيْتُ بِهِمْ هَذِهِ السَّاعَةَ))، ثُمَّ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ، فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَصَلَّى). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ذُكر في السند الماضي. ٣ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرط الضبّيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠. ٤ - (مَنْصُور) بن المعتَمِر بن عبد الله السَّلَمي، أبو عَتَّاب الكوفي، ثقة ثبت [٦] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٦. ٥ - (الْحَكَمُ) بن عُتَيبَةَ، أبو محمد الكِنْدِي الكوفي، ثقة ثبت فقيه، ربما دلّس [٥] (ت١١٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٦ - (نَافِع) مولى ابن عمر العدويّ، أبو عبد الله المدني، ثقة ثبت فقيه مشهور [٣] (ت ١١٧) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨. ٧ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ◌َ﴿ه، مات (٧٣) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٢/١. لطائف الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف نَّتُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات نبلاء، وأنه اتفق الأئمة بالتخريج لهم، إلا شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن زهيراً نسائيّ، ثم بغداديّ، وإسحاق مروزيّ، ثم نيسابوريّ، وجريراً كوفيّ، ثم رازيّ، ومنصوراً والحكم كوفيان، ونافعاً وابن عمر مدنيان. (١) وفي نسخة: ((علينا)). ٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن ابن عمر هما أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) ﴾ما أنه (قَالَ: مَكَثْنَا) - بفتح الكاف، وضمها ۔ قال في ((المصباح)): مَكَثَ مَكْثاً، من باب قَتَلَ: أقام، ولَبِثَ، فهو ماكِثٌ، ومَكُثَ مُكْثَاً، فهو مَكِيثٌ، مثل قَرُبَ قُرْباً، فهو قريبٌ، لغة، وقرأ السبعة: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢] باللغتين، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أمكثه، وتَمَكَّث في أمره، إذا لم يَعْجَل فيه. انتهى: أي لَبِثنا في المسجد (ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي ليلةً من الليالي (نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللهِ وََّ) جملة فعليّةٌ في محلّ نصب على الحال من فاعل ((مَکَثَ)). (لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ) أي لأجل صلاة العشاء الآخرة، قال النوويّ ◌َُّهُ: فيه دليل على جواز وصف العشاء بالآخرة، وأنه لا كراهة فيه؛ خلافاً لما حُكِيَ عن الأصمعيّ من كراهة هذا، وقد سبق بيان المسألة. انتهى (١). (فَخَرَجَ إِلَيْنَا) وفي نسخة: ((فخرج علينا))، أي من الحجرة الشريفة (حِينَ ذَهَبَ) أي مضى (ثُلُثُ اللَّيْلِ، أَوْ) للشك من الراوي (بَعْدَهُ) أي بعد الثلث (فَلَا نَدْرِي أَشَيْءٌ شَغَلَهُ فِي أَهْلِهِ) أي لا نعلم سبب تأخّره إلى ذلك الوقت، هل شيء يتعلّق بأهله؟، کمرض، أو نحو ذلك. لكن بيّن سببه الإمام أحمد في روايته، فقد أخرج الحديث من رواية أفلح، عن نافع، عن ابن عمر ﴿ّ، أن رسول الله،وَ لَ﴿ل أخَّر ليلةً العشاء، حتى رقدنا، ثم استيقظنا، ثم رقدنا، ثم استيقظنا، وإنما حبسنا لوفد جاءه، ثم خرج، فذكر الحديث(٢). فتبيّن بهذا أن سبب تأخّره هو اشتغاله بالوفد. وأخرج الإمام أحمد أيضاً من رواية الأعمش، عن أبي سفيان، عن (١) ((شرح النووي)) ١٣٨/٥ - ١٣٩. (٢) راجع: ((المسند)) ١٢٦/٢. ٨٣ (٤٠) - بَابُ بَيَانِ اسْتِحْبَابٍ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ - حديث رقم (١٤٤٧) جابر ظُلُه قال: جهّز رسول الله وَ له جيشاً ليلةً حتى ذهب نصف الليل، أو بلغ ذلك، ثم خرج، فقال: ((قد صَلَّى الناس، ورقدوا، وأنتم تنتظرون هذه الصلاة، أما إنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتموها))(١). (أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ؟) كأن ينزل عليه وحي (فَقَالَ) وَ (حِينَ خَرَجَ) من الحجرة إلى المسجد ((إِنَّكُمْ لَتَنْتَظِرُونَ صَلَاةً، مَا) نافيةٌ (يَنْتَظِرُهَا أَهْلُ دِينِ غَيْرُكُمْ) بالرفع على البدل لـ((أهلُ))، وبالنصب على الاستثناء، والأول المختار، قاله القاري تَخْلُ، قال في ((الخلاصة)): وَاسْتَثْنِ مَجْرُوراً بِغَيْرٍ مُعْرَبَا بِمَا لِمُسْتَثْنَّى بِإِلا نُسِبَا وقد بَيَّن قبله حكم المستثنى بـ((إلا)) بقوله: مَا اسْتَثْنَتِ ((إلَّا)) مَعْ تَمَامِ يَنْتَصِبْ وَبَعْدَ نَفْي أَوْ كَنَفْي انْتُخِبْ وَعَنْ تَمِيِّمٍ فِيهِ إِنَّدَالٌ وَقَعْ إِنْبَاعُ مَا اتَّصَلَ وَانْصِبْ مَّا انْقَطَعْ يعني أن انتظار هذه الصلاة من بين سائر الأمم من خصوصياتكم التي اختصكم الله بها، فكلما زدتم يكون الأجر أكمل، مع أن الوقت يقتضي الاستراحة، فالمثوبة على قدر المشقة، قاله القاري تَخْذَثُهُ. وفيه أنه يستحب للإمام والعالم إذا تأخر عن أصحابه، أو جرى منه ما يَظُنُّ أنه يشقّ عليهم أن يعتذر إليهم، ويقول: لكم في هذا مصلحة من جهة كذا، أو كان لي عذر، أو نحو هذا، قاله النوويّ تَظَتُهُ(٢). (وَلَوْلَا أَنْ يَثْقُلَ عَلَى أُمَّتِي) ((يَثْقُلَ)): بالياء، وهكذا عند المصنّف، والنسائيّ، والضمير يعود إلى التأخير، أو الفعل، أي لولا أن يثقل التأخير، أو هذا الفعلُ، وعند أبي داود: ((تثقل)) بالتاء، أي الصلاة في هذه الساعة (لَصَلَّيْتُ بِهِمْ) أي دائماً (هَذِهِ السَّاعَةَ))) قال الطيبيّ تَخُّْ: أي ◌َزِمت على صلاتها في مثل هذه الساعة. وفيه تصريح بأن ترك التأخير إنما هو للمشقّة، والثقل على الأمة، وقد تقدم بيان اختلاف العلماء في الأفضل من التقديم والتأخير، وترجيح القول بأفضلية تأخير العشاء إذا لم تكن مشقة، قريباً فراجعه. (١) راجع: ((المسند)) ٣٦٧/٣. (٢) ((شرح النووي)) ١٣٩/٥. ٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة (ثُمَّ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ، فَأَقَامَ الصَّلَاةَ) الظاهر أن الأذان تقدّم قبل خروجه، وهو الذي يدلّ عليه قول عمر نظُّله: ((الصلاة))، في حديث عائشة ظنّا المتقدّم، ويَحْتَمِل أن يكون تقدير الكلام، فأمر المؤذن بالأذان، فأذّن، ثم بالإقامة، فأقام (وَصَلَّى) أي العشاء، ولفظ النسائيّ: ((ثم صلّى))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ◌ّ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٤٤٧/٤٠ و١٤٤٨] (٦٣٩)، و(البخاريّ) في (المواقيت)) (٥٧٠)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٤٢٠)، و(النسائيّ) في ((المواقيت)) (٥٣٧)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢١١٦)، (وابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٣١/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٨٨/٢ و١٢٦)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٣٤٣ و٣٤٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٠٩٩ و١٥٣٦)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٣٧٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٠٨٣ و١٠٨٤ و١٠٨٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٤٢١ و١٤٢٢)، وفوائد الحديث، تعرف مما سبق، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في استحباب تعجيل العشاء وتأخيرها : قال الإمام ابن المنذر تَخْتُ: اختلفوا في ذلك، فقالت طائفة: تأخيرها أفضل، كان ابن عباس يرى أن تأخيرها أفضل، ويقرأ: ﴿وَزُلَفًا مِّنَ الَّيْلِّ﴾ الآية [هود: ١١٤]، ورَوَينا عن ابن مسعود أنه كان يؤخر العشاء، وقال مالك: أما العشاء فتؤخر بعد غيبوبة الشفق أحبّ إليّ. وكان الشافعيّ يقول: وأُحِبّ أن يؤخرها الإمام ساعةً لا يبلغ فيها المشقة على الناس. وقال أصحاب الرأي: أحب إلينا أن يؤخرها ما بينه وبين ثلث الليل. وقال أبو ثور كنحو قول الشافعي. ٨٥ (٤٠) - بَابُ بَيَانِ اسْتِحْبَابٍ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ - حديث رقم (١٤٤٧) ومن حجة من يقول بهذا القول الأخبار الثابتة عن النبيّ وَّر، فمن ذلك حديث جابر بن سمرة ظُه الآتي: ((كان رسول الله وَليه يؤخر العشاء الآخرة)). وحديث أبي بَرْزَة الأسلميّ ◌َظُبه مرفوعاً: ((وكان يَستحبّ أن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة))، متفق عليه، وهذا لفظ البخاريّ. وحديث أبي هريرة عنه قال: قال رسول الله وَ له: (لولا أن أشُقّ على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء، والسواك لكل صلاة))، رواه أحمد، وأصحاب السنن بإسناد صحيح. وقال آخرون: تعجيلها أفضل، وقال قائل ذلك بعد أن يغيب البياض؛ لأنهم مجمعون على دخول الوقت إذا غاب البياض. واحتَجّ من رأى تعجيل العشاء بعد دخول الوقت أفضل بالأخبار التي وردت في تعجيل الصلوات في أوائل أوقاتها، وبحديث جابر بن عبد الله لما سئل عن صلاة رسول الله وَله، فذكر العشاء، قال: ((كان إذا كثر الناس عَجّل، وإذا قَلُّوا أَخَر))، متّفق عليه. وقال: إن الأخبار التي رُويت عن رسول الله وَّه في تأخير العشاء دالّة على أنه إنما فَعَل ذلك ليلة واحدة؛ لعارض عَرَض له، شَغَله ذلك عنه، فأخّر العشاء في تلك الليلة، وذكر أخباراً تدل على ما قال، فمنها حديث ابن عمر ◌ًا المذكور هنا: ((أن النبيّ وَلّ شُغِل عنها ليلة، فأخّرها، حتى رقدنا ... )) الحديث(١). قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي أن التأخير هو الأفضل إلا لأجل المشقة، بأن كان إمام جماعة يشُقّ عليهم التأخير، فيكون في حقه التقديم أفضل، وهو الذي كان عليه النبيّ وَّ، حيث إنه بيّن أن تأخيرها هو الأولى، فقال في حديث عائشة رضيّا: ((إنه لوقتها لولا أن أشُقّ على أمتي))، رواه مسلم، وقال في حديث جابر بن سمرة ربه: ((كان رسول الله ولو يؤخر العشاء الآخرة))، رواه مسلم، وفي حديث أبي برزة ظُه: ((وكان يَستحبّ أن يؤخر العشاء))، متّفقٌ عليه، وقال: ((لولا أن أشُقّ على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء)) (١) راجع: ((الأوسط)) ٣٦٩/٢ - ٣٧٣. ٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة الحديث، وهو حديث صحيح رواه أحمد، وأصحاب السنن، وفي حديث ابن عبّاس ◌ِّ الآتي: (لولا أن يشقّ على أمتي لأمرتهم أن يصلّوها هكذا))، متّفقٌ عليه . فهذه الأحاديث الصحيحة، نصوص صريحة، بيّنة المبنى، واضحة المعنى، لا تقبل التأويل، تدلّ دلالةً واضحة كالشمس في رابعة النهار على أن تأخير العشاء لمن لا يشقّ عليه هو الأفضل. وبهذا تجتمع الأدلة بدون إهمال لبعضها، وأما ما ورد من أفضلية أول الوقت على العموم، فأحاديث الباب خاصّة، فتقدم عليه، كما بيّنه العلامة الشوكانيّ تَذَتُهُ(١) . والحاصل أن التأخير لمن لا يشُقّ عليه هو الأفضل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٤٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا(٢) ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرٍّ، أَنَّ رَسُولَ الهِنَّهِ شُغِلَ عَنْهَا لَيْلَةً، فَأَخَّرَهَا، حَتَّى رَقَدْنَا فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا، ثُمَّ رَقَدْنَا، ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ لَّهِ، ثُمَّ قَالَ: ((لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ اللَّيْلَةَ، يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ غَيْرُكُمْ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : كلّهم تقدّموا في السند الماضي، والذي قبله. وقوله: (شُغِلَ) بالبناء للمفعول، قال الجوهريّ: يقال: شُغِلتُ عنك بكذا، على ما لم يُسمّ فاعله. وقوله: (عَنْهَا لَيْلَةً) الضمير للعشاء، أي عن أدائها في أول وقتها . وقوله: (حَتَّى رَقَدْنَا فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا، ثُمَّ رَقَدْنَا، ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا) وفي رواية عائشة ﴿ّا المتقدّم: ((نام أهل المسجد)). (١) راجع: ((نيل الأوطار)) ٦٤/٢. (٢) وفي نسخة: ((حدّثنا)). ٨٧ (٤٠) - بَابُ بَيَانِ اسْتِحْبَابٍ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ - حديث رقم (١٤٤٩) قال القرطبيّ ◌َقْتُهُ: يعني به نوم الجالس المحتبي، وخطرات السنات، لا نوم المستغرق، كما قال في الحديث الآخر: ((كان أصحاب رسول الله وَله ينامون حتى تَخفق رؤوسهم، ثم يصلّون، ولا يتوضّؤون))، رواه مسلم، وأبو داود، والترمذيّ. انتهى(١) . وقال النوويّ رَّتُهُ: هذا محمول على نوم لا ينقض الوضوء، وهو نوم الجالس ممكِّناً مقعده، وفيه دليل على أن نوم مثل هذا لا ينقض، وبه قال الأكثرون، وهو الصحيح في مذهبنا، وقد سبق إيضاح هذه المسألة في آخر (كتاب الطهارة)). انتهى(٢). والحديث متّفقٌ عليه، وتمام شرحه، ومسائله تقدّمت في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج كَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٤٩] (٦٤٠) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، أَنَّهُمْ سَأَلُوا أَنَساً عَنْ خَاتَم رَسُولِ اللهِ وَِّ، فَقَالَ: أَخَّرَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ الْعِشَاءَ ذَاتَ لَيْلَةٍ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ، أَوْ كَادَ يَذْهَبُ شَطْرُ اللَّيْلِ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: ((إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَنَامُوا، وَإِنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ، مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ»، قَالَ أَنَسٌ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصٍٍ خَاتَمِهِ مِنْ فِضَّةٍ، وَرَفَعَ إِصْبَعَهُ الْيُسْرَى بِالْخِنْصِرِ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ الْعَبْدِيُّ) هو: محمد بن أحمد بن نافع البصريّ، صدوقٌ، من صغار [١٠] مات بعد (٢٤٠) (م ت س) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٨/١٢. ٢ - (بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ الْعَمِّيُّ) أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد (٢٠٠) وقيل: قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٢/٣. ٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، أثبت (١) ((المفهم)) ١٦٥/٢ - ١٦٦. (٢) ((شرح النووي)) ١٣٩/٥. ٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة الناس في ثابت، وتغيّر بآخره، من كبار [٨] (ت١٦٧) (خت م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٨٠/٦. ٤ - (َابِت) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع (١٢٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠. ٥ - (أَنَس) بن مالك بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ الخادم الشهير، مات رظُه سنة (٢ أو٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. لطائف هذا الإسناد : ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَُّهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو والترمذيّ، والنسائيّ، وحمّاد علّق له البخاريّ، بل قيل: أخرج له حديثاً واحداً في ((الرقاق)). ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أن حمّاداً أثبت الناس في ثابت، وثابتٌ ألزم الناس لأنس ظُه، لزمه أربعين سنة. ٥ - (ومنها): أن أنساً ظ ◌ُه خدم النبيّ عشر سنين، ودعا له بطول مَالله وَشَـ العمر، والأموال والأولاد، فاستجيب له، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ ثَابِتٍ) الْبُنَانِيّ (أَنَّهُمْ) أي التابعون الذين حضروا مجلس أنس (سَأَلُوا أَنَساً) رَظُه (عَنْ خَاتَم رَسُولِ اللهِ نََّ) وفي رواية النسائيّ: ((سئل أنس: هل اتّخذ النبيّ وَل﴿ خاتماً؟ قال: نعم))، وعند ابن حبّان: ((قالوا لأنس بن مالك: هل كان لرسول الله ﴿ ﴿ خاتم؟))، وعند أبي عوانة: ((أنهم سألوا أنس بن مالك عن خاتم رسول الله ولاير: هل كان لرسول الله وَّ خاتم؟ قال: نعم)). و(الخاتم)): حَلْيٌ للأصبع، كما في ((القاموس))، وفي ((المصباح)): حلقة ذات فَصِّ من غيرها، فإن لم يكن لها فَصّ، فهي فَتَخَةٌ، بفاء وتاء مثناة من فوق، وخاء معجمة، وزان قَصَبَة. انتهى. وفيه لغات: الخاتَم بفتح التاء، وكسرها، والخَاتَام، والْخِيْتَامُ بفتح ٨٩ (٤٠) - بَابُ بَيَانِ اسْتِحْبَابٍ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ - حديث رقم (١٤٤٩) الخاء، وكسرها، والخَتَمُ مُحَرَّكَةً، والخَاتِيَام، وجمعه خَوَاتِم، وخَوَاتِيم، قاله المجد . وقد نظم الحافظ العراقيّ تَخّتُهُ لغاته، بقوله [من البسيط]: ثَمَانِياً مَا حَوَاهَا قَبْلُ نَظَّامُ خُذْ عَدَّ نَظْم لُغَاتِ الْخَاتَمِ انْتَظَمَتْ خَاتَامُ خَاتَمُ خَتْمٌ خَاتَمٌ وَخِتَا مٌ خَاتِيَامٌ وَخَيْتُومٌ وَخَيْتَامُ سَاغَ الْقِيَاسُ أَتَمَّ الْعَشْرَ خَأْتَامُ وَهَمْزُ مَفْتُوحِ تَاءٍ تَاسِعٌ وَإِذَا قال المرتضى تَُّ: ولم يذكر الناظم خَتَماً محركة، وقد ذكره صاحب ((القاموس)) وابن سيده، وابن هشام في ((شرح الكعبية)). انتهى (١). أي فتصير اللغات مع ما قاله الناظم إحدى عشرة لغةً(٢). وقد بَيَّن سبب اتخاذه وَلّ الخاتم فيما أخرجه الشيخان من طريق قتادة، عن أنس وظُبه قال: ((كتب النبيّ وَل﴿ل كتاباً - أو أراد أن يكتب - فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتاباً إلا مختوماً، فاتخذ خاتماً من فضة، نقشه محمد رسول الله، كأني أنظر إلى بياضه في يده)). ضرعيه رَّهُ (أَخَّرَ رَسُولُ اللهِ وَلِ) جملة مستأنفة، أتى بها أنس (فَقَالَ) أنس لبيان كونه شاهد النبيّ وهل# لابساً خاتماً في تلك الليلة. (الْعِشَاءَ) ولفظ النسائيّ: ((صلاة العشاء الآخرة)) (ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي ليلة من الليالي (إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ) أي نصفه (أَوْ كَادَ) من باب تَعِبَ: أي قارب (يَذْهَبُ شَطْرُ اللَّيْلِ) كون خبر ((كاد)) بدون ((أن)) هو الغالب، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾، وقد يقترن بها بقلّة، كقوله [من الخفيف]: كَادَتِ النَّفْسُ أَنْ تَفِيضَ عَلَيْهِ إِذْ فَدَا حَشْوَ رَيْطَةٍ وَبُرُودٍ وهذا بعكس ((عسى))، فإن الغالب فيها اقتران خبرها بـ((أن))، وإلى هذا أشار ابن مالك في ((الخلاصة)) بقوله: وَكَوْنُهُ بِدُونِ ((أَنْ)) بَعْدَ ((عَسَى)) نَزْرٌ وَ((كَادَ)) الأَمْرُ فِيهِ عُكِسَا قال القرطبيّ نَّثُهُ: وهذا كقوله في حديث ابن عمرو: ((ووقتُ العشاء إلى (١) (تاج العروس)) ٢٦٦/٨. (٢) تقدّم ذكر هذه الأبيات، وإنما أعدت؛ لطول العهد به. ٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة نصف الليل))، فكلاهما حجة لِمَا صار إليه ابن حبيب من أن آخر وقت العشاء الآخرة نصف الليل. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن أرجح المذاهب أن آخر وقت العشاء هو نصف الليل، لا وقت لها بعده؛ لظاهر النصوص، وقد تقدّم القائلون بهذا القول، وهو أيضاً مذهب الإمام البخاريّ تَظْلَتُهُ، فقد ترجم في ((صحيحه)) بقوله: ((بابٌ وقتُ العشاء إلى نصف الليل)). وقال الحافظ ابن رجب تَّتُهُ بعد ذكر قول من قال بامتداد وقت العشاء إلى طلوع الفجر ما نصّه: والأحاديث كلّها تدلّ على ذلك، مثل أحاديث صلاة جبريل بالنبيّ وَّ عند مغيب الشفق في اليوم الأول، وفي الثاني إلى ثلث الليل، وقوله: ((الوقت ما بين هذين)). ومثلُ حديث بُريدة تظ له الذي فيه أن سائلاً سأل النبيّ وَّل عن وقت الصلاة، فأمره أن يشهد معه الصلاة، فصلى بهم في أول مرّة العشاء لَمّا غاب الشفق، وفي الثانية إلى ثلث الليل، وقال: ((ما بين هذين وقتٌ))، وقد أخرجه مسلم، وأخرج نحوه من حديث أبي موسى وأخرج أيضاً من حديث عبد الله بن عمرو رضيًّا أن النبيّ وٌَّ قال: ((وقتُ العشاء إلى نصف الليل)). قال: وهذا كلّه يدلّ على أن ما بعد ذلك ليس بوقت، والمراد أنه ليس بوقت اختيار، بل وقت ضرورة، وذهب الإصطخريّ من أصحاب الشافعيّ إلى أن الوقت بالكليّة يخرُج بنصف الليل، أو ثلثه، ويبقى قضاءً، وقد قال الشافعيّ: إذا ذهب ثلث الليل لا أراها إلا فائتةً، وحمله عامّة أصحابه على فوات وقت الاختيار خاصّةً. انتهى كلام ابن رجب ◌َّتُهُ(٢). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره ابن رجب بعد ذكر الأدلة أن ما بعد النص ليس بوقت تحقيقٌ نفيس، وأما قوله بعده دَّتُهُ: ((والمراد أنه ليس بوقت اختيار ... إلخ))، فمحلّ نظر؛ لأنه نقض لما بناه أوّلاً . (١) ((المفهم)) ٢٦٦/٢. (٢) ((فتح الباري)) لابن رجب ٤١٠/٤ - ٤١١. ٩١ (٤٠) - بَابُ بَيَانِ اسْتِحْبَابٍ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ - حديث رقم (١٤٤٩) فالحقّ أن ما بعد النص ليس وقتاً أصلاً، وإنما هو قضاء، وقد مرّ البحث مستوفَّى، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ جَاءَ) أي النبيّ وََّ من بيته إلى المسجد (فَقَالَ) أي بعد أن صلّى، ففي رواية النسائيّ: ((فلما أن صلى أقبل النبيّ وَّ علينا بوجهه، ثم قال: إنكم لن تزالوا في صلاة ... )) ((إِنَّ النَّاسَ) أي الذين لم يحضروا المسجد (قَدْ صَلَّوْا وَنَامُوا، وَإِنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ) أي في ثوابها وأجرها المستمرّ (مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ)) ((ما)) مصدريّة ظرفيّة، أي مدّة انتظاركم الصلاة (قَالَ أَنَسٌْ) ◌َبه (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصٍ خَاتَمِهِ) ((الوبيص)) بفتح الواو، وكسر الموحّدة، آخره صاد مهملة: البَرِيق واللَّمَعَانُ (مِنْ فِضَّةٍ) فيه جواز لبس خاتم الفضّة، وهو إجماع المسلمين، قاله النوويّ (١). (وَرَفَعَ) أي أنس ◌َُه، ولفظ ابن حبّان: ((ورفع أنس يده اليسرى))، ومثله لأبي نعيم في ((مستخرجه)) (إِصْبَعَهُ) فيه عشر لغات: تثليث الهمزة، مع تثليث الباء، فيكون تسعة، والعاشرة أَصْبُوع، وأفصحهنّ كسر الهمزة، وفتح الموحّدة (الْيُسْرَى بِالْخِنْصِرِ) قال النوويّ كَّتُهُ: هكذا هو في الأصول ((بالخنصر))، وفيه محذوف، تقديره: مشيراً بالخنصر، أي أن الخاتم كان في خنصر اليد اليسرى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ظُّه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٤٤٩/٤٠ و١٤٥٠ و١٤٥١] (٦٤٠)، و(البخاريّ) في ((المواقيت)) (٥٧٢ و٦٠٠)، و((الأذان)) (٦٦١ و٨٤٧)، و((اللباس)) (٥٨٦٩)، و(النسائيّ) في ((المواقيت)) (٥٢٩)، و((الكبرى)) (١٥١٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٨٢/٣ و١٨٩ و٢٠٠ و٢٦٧)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٥٧/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٠٧٠ و١٠٧١)، و(أبو (١) ((شرح النووي)) ١٣٩/٥ - ١٤٠. ٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة نعيم) في ((مستخرجه)) (١٤٢٣ و١٤٢٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٥٣٧)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٣٧٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب تأخير صلاة العشاء إلى قريب نصف الليل وقد تقدم تمام البحث فيه قريباً . ٢ - (ومنها): بيان جواز اتخاذ الخاتم من الفضة للرجال، قال القاضي عياض تَخْتُهُ: أجمع العلماء على جواز اتخاذ الخواتم من الورق - وهي الفضة - للرجال، إلا ما رُوي عن بعض أهل الشام من كراهة لبسه إلا لذي سلطان، وهو شاذ مردود، وأجمعوا على تحريم خاتم الذهب على الرجال، إلا ما رُوي عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم من إباحته، ورُوي عن بعضهم كراهته، قال النوويّ رَّتُهُ: هذان النقلان باطلان. وحَكَى الخطابيّ: أنه يكره للنساء التختم بالفضة؛ لأنه من زِيِّ الرجال، ورُدَّ عليه ذلك، قال النوويّ: الصواب أنه لا يكره لها ذلك، وقول الخطابيّ ضعیف، أو باطل، لا أصل له. ٣ - (ومنها): بيان مشروعيّة لبس الخاتم في اليد اليسرى، قال القرطبيّ تَّهُ: وهو الأفضل، والأحسن عند مالك، وسيأتي الكلام على ذلك. انتهى (١). ٤ - (ومنها): أن في قوله: ((فاتخذ خاتماً من فضة، نقشه: محمد رسول الله)) جواز نقش الخاتم، ونقش اسم صاحبه، ونقش اسم الله - تعالى - فيه؛ بل فيه: كونه مندوباً، وهو قول مالك، وابن المسيِّب، وغيرهما، وكرهه ابن سيرين، وأما نهيه وَّر أن ينقش أحد على نقش خاتمه، فلأنه إنما نَقَشَ فيه ذلك ليختم به كُتُبَهُ إلى الملوك، فلو نُقِش على نقشه لدخلت المفسدة، وحصل الخلل، قاله في ((العمدة))(٢). ٥ - (ومنها): استحباب انتظار الصلاة بعد الصلاة، وفيه فضل عظيم، وسماه النبيّ ◌َلّ الرِّباط. (١) ((المفهم)) ٢٦٧/٢. (٢) ((عمدة القاري)) ٣٠/٢. ٩٣ (٤٠) - بَابُ بَيَانِ اسْتِحْبَابٍ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ - حديث رقم (١٤٥٠) ٦ - (ومنها): بيان مشروعية إقبال الإمام على المأمومين عند إرشادهم، أو بيان فضل العبادة لهم؛ ليكون صوته مسموعاً للجميع، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٤٥٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي(١) حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ، سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: نَظَرْنَا رَسُولَ اللهِ وَ﴿ لَيْلَةً، حَتَّى كَانَ قَرِيبٌ(٢) مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ جَاءَ، فَصَلَّى، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصٍ خَاتَمِهِ فِي يَدِهِ مِنْ فِضَّةٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) تقدّم في الباب. ٢ - (أَبُو زَيْدٍ، سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيع) العامريّ الْحَرَشيّ الْهَرَويّ البصريّ، كان يبيع الثياب الهروية، ثقةٌ، من صغار [٩] (ت٢١١) وهو أقدم شيخ للبخاريّ وفاةً . رَوَى عن شعبة، وقُرّة بن خالد، وهشام الدستوائيّ، وسعيد بن أبي عروبة، وعلي بن المبارك، وعبد القدوس بن حبيب الشاميّ. ورَوَى عنه البخاريّ، ورَوَى له هو ومسلم، والترمذيّ بواسطة محمد بن عبد الرحيم البزار، وحجاج بن الشاعر، وبندار، وعبد بن حُميد، وعبد الله بن إسحاق الجوهريّ، ومحمد بن إسحاق الصغاني، وأحمد بن سفيان النسائيّ، وإبراهيم الجوزجاني، وزيد بن أخرم الطائي، وأبو داود الحرانيّ، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: شيخ ثقةٌ، لم أسمع منه شيئاً، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال البخاريّ وغيره: مات سنة إحدى عشرة ومائتين. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا (١) وفي نسخة: ((حدّثنا)). (٢) وفي نسخة: ((قريباً)). ٩٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٦٤٠) وحديث (١٠١٨): ((أمرنا بالصدقة، قال: كنا نحامل ... )). ٣ - (قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ) السَّدُوسيّ البصريّ، ثقةٌ ضابطٌ [٦] (ت١٥٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٦/٦. ٤ - (قَتَادَةُ) بن دعامة السدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس، رأس [٤] (١١٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠. ٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) تقدم. وقوله: (نَظَرْنَا رَسُولَ اللهِ وَلَّ) أي انتظرناه، يقال: نظرته، وانتظرته بمعنى واحد . وقوله: (حَتَّى كَانَ قَرِيبٌ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ) قال النوويّ تَخْتُهُ: هكذا هو في بعض الأصول ((قريبٌ)) بالرفع، وفي بعضها ((قريباً))، وكلاهما صحيح، وتقدير المنصوب: حتى كان الزمانُ قريباً . قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما أشار إليه النوويّ تَُّ أن ((قريبٌ)) رُوي بالرفع والنصب، ووجه الرفع أن ((كان)) تامّة، أي إلى أن جاء قريبٌ من نصف الليل، ووجه النصب أنها ناقصة، واسمها ضمير يعود إلى الزمان المفهوم من السياق. والحديث متّفقٌ عليه، وتمام شرحه، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٤٥١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ الصَّبَّاحِ(١) الْعَطَّارُ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: ((ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ))). (١) وفي نسخة: ((عبد الله بن صبّاح)). ٩٥ (٤٠) - بَابُ بَيَانِ اسْتِحْبَابٍ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ - حديث رقم (١٤٥١) رجال هذا الإسناد: ثلاثة : ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الصَّبَّاحِ) بن عبد الله الهاشميّ العطار البصريّ الْمِرْبدِيّ، مولى بني هاشم، ثقةٌ، من كبار [١٠]. رَوَى عن معتمر بن سليمان، ومحبوب بن الحسن، ويزيد بن هارون، وبَدَل بن الْمُحَبَّر، وسعد بن عامر الضبعيّ، وأبي قتيبة، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، وعبد العزيز العميّ، وعبيد الله بن عبد المجيد، وغيرهم. ورَوَى عنه الجماعة، سوى ابن ماجه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وابن أبي الدنيا، وأبو بكر البزار، وابن خزيمة، وابن أبي عاصم، ويحيى بن محمد بن صاعد، وغيرهم. قال أبو حاتم: صالحٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). قال أبو بكر بن أبي عاصم: مات سنة خمسين ومائتين، وقال السراج: مات سنة (٢٥١)، وقال ابن حبان: مات سنة خمس وخمسين ومائتين. روى عنه البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط(١). ٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الْحَتَفِيُّ) أبو عليّ الحنفيّ البصريّ، صدوقٌ [٩]. رَوَى عن عكرمة بن عمار، وإسرائيل، وإسماعيل بن مسلم، ورَباح بن أبي معروف، وسَلْم بن زَرِير، وسَلِيم بن حيان، وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، وقرة بن خالد، وابن أبي ذئب، ومالك بن مِغْوَل، ومالك بن أنس، وهمام، وغيرهم. ورَوَى عنه علي ابن المدينيّ، وأبو خيثمة، وأبو موسى، وبندار، وعمرو بن عليّ، وإسحاق بن منصور، وأحمد بن سعيد الدارميّ، وعبد الله بن الصباح العطار، وحجاج بن الشاعر، وإبراهيم بن يعقوب الْجُوزَجانيّ، والذُّهْلِيّ، وآخرون. (١) هكذا ثبت في ((برنامج الحديث))، ولكن نقل في ((تهذيب التهذيب)) عن ((الزهرة): روى عنه البخاريّ ستة أحاديث، ومسلم وثلاثةً. انتهى، فليُنظر. ٩٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج .- كتاب المساجد ومواضع الصلاة وقال الدارميّ، عن ابن معين، وأبو حاتم: ليس به بأسٌ، ذكره ابن حبان في ((الثقات))، ووثقه العجليّ، والدارقطنيّ، وابن قانع، وضعفه العُقَيليّ، ورَوَى عن ابن معين أنه قال: ليس بشيء، ولم يثبت هذا عن ابن معين. وقال ابن حبّان، والْكُدَيميّ: مات سنة تسع ومائتين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم (٦٤٠) و(٦٨٢) و(٧٠٦) وأعاده في ((كتاب الفضائل))، و(١١٨٠) و(١٢٢٦) و(١٥٣٦) وأعاده بعده، و(١٨٠٧). وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد قرّة بن خالد السابق، وهو: عن قتادة، عن أنس بن مالك. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ ... إلخ) الفاعل ضمير عبيد الله بن عبد المجيد. [تنبيه]: رواية عبيد الله بن عبد المجيد هذه ساقها أبو نعيم، في ((مستخرجه)) (٢٣٦/٢) فقال: (١٤٢٤) حدّثنا محمد بن علي بن حُبيش، ثنا القاسم بن زكريا، ثنا الحسن بن يونس، ومحمد بن حسان الأزرق، قالا: ثنا عمرو بن الهيثم، عن قُرّة بن خالد (ح) قال: وحدّثنا القاسم بن زكريا، ثنا يزيد بن عمرو بن البراء، ثنا عبيد الله بن عبد المجيد (ح) وحدّثنا أبو محمد بن حيان، ثنا أبو بكر بن أبي عاصم، حدّثنا عبد الله بن الصباح، ثنا عبيد الله بن عبد المجيد، ثنا قُرّة بن خالد، عن قتادة، عن أنس، قال: ((انتظرنا النبيّ وَّ حتى كان قريباً من نصف الليل، فجاء النبيّ ونَ﴾، فصلى لنا، وكأنما أنظر إلى وبيص خاتمه، حلقة فضة)) . قال: لفظ عبيد الله بن عبد المجيد، عن ابن حبيش. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٥٢] (٦٤١) - (وَحَدَّثَنَا(١) أَبُو عَامِرِ الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: كُنْتُ أَنَا (١) وفي نسخة: ((حدّثنا)). ٩٧ (٤٠) - بَابُ بَيَانِ اسْتِحْبَابٍ تَأْخِيرٍ صَلَاةِ الْعِشَاءِ - حديث رقم (١٤٥٢) وَأَصْحَابِي الَّذِينَ قَدِمُوا مَعِي فِي السَّفِينَةِ نُزُولاً فِي بَقِيعِ بُطْحَانَ، وَرَسُولُ اللهِ وَهـ بِالْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَتَنَاوَبُ رَسُولَ اللهِ وَهِ عِنْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ كُلَّ لَيْلَةٍ نَفَرٌ مِنْهُمْ، قَالَ أَبُو مُوسَى: فَوَافَقْنَا رَسُولَ اللهِ نَّهِ أَنَا وَأَصْحَابِي، وَلَهُ بَعْضُ الشُّغْلِ فِي أَمْرِهِ، حَتَّى أَعْتَمَ بِالصَّلَاةِ، حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ، ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ، فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، قَالَ لِمَنْ حَضَرَهُ: ((عَلَى رِسْلِكُمْ، أُعْلِمُكُمْ، وَأَبْشِرُوا أَنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيْكُمْ، أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ(١) غَيْرُكُمْ))، أَوْ قَالَ: ((مَا صَلَّى هَذِهِ السَّاعَةَ أَحَدٌ غَيْرُكُمْ))، لَا نَدْرِي أَّ الْكَلِمَتَيْنِ قَالَ. قَالَ أَبُو مُوسَى: فَرَجَعْنَا فَرِحِينَ بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ وَ﴿). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو عَامِرِ الْأَشْعَرِيُّ) عبد الله بن برّاد بن يوسف بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، صدوقٌ [١٠] (خت م) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٤٧) وهو ابن (٨٧) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤. ٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم، الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت٢٠١) وهو ابن (٨٠) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦. ٤ - (بُرَيْد) بن عبد الله بن أبي بُردة بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، ثقةٌ يُخطئ قليلاً [٦] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧١/١٦. ٥ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقةٌ [٣] (ت١٠٤) وقيل: غير ذلك، وقد جاوز (٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧١/١٦. ٦ - (أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار الأشعريّ الصحابيّ الشهير، مات رضائه سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧١/١٦. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف نَّتُهُ، وله فيه شيخان قرن بينهما . (١) وفي نسخة: ((يصلي هذه الصلاة الساعة)). ٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي عامر، فانفرد به هو، وعلّق له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أن شيخه أبا كريب، أحد التسعة الذين روى عنهم الأئمة الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، من أوله إلى آخره. ٥ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكنى، سوى بُريد، وكنيته أبو بردة، كجدّه. ٦ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن جدّه، عن أبيه، بريد، عن أبي بُردة، عن أبي موسى ظُله، والله تعالى أعلم. (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريّ ◌َبه أنه (قَالَ: كُنْتُ أَنَا) أكّد الضمير المتّصل بالمنفصل؛ ليعطف عليه ما بعده، كما قال في ((الخلاصة)): عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ وَإِنْ عَلَى ضَمِيرٍ رَفْعِ مُتَّصِلْ فِي النَّظْمِ فَاشِياً وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ أَوْ فَاصِلٍ مَّا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ (وَأَصْحَابِي الَّذِينَ قَدِمُوا مَعِي فِي السَّفِينَةِ) كان قدومهم عند فتح خيبر لَمّا قَدِم جعفر بن أبي طالب من الحبشة، وقيل: إن أبا موسى قدم على النبيّ وَّر، وهو بمكة قبل الهجرة، ثم كان ممن هاجر إلى الحبشة الهجرة الأولى، ثم قَدِمَ الثانية صحبةَ جعفر، والصحيح أنه خرج طالباً المدينة في سفينة، فألقتهم الريح إلى الحبشة، فاجتمعوا هناك بجعفر، ثم قَدِموا صحبته، وذلك سنة سبع من الهجرة، عند فتح خيبر، أفاده في ((الفتح))(١) . (نُزُولاً) جمع نازل، كشُهُود جمع شاهد (فِي بَقِيعِ بُطْحَانَ) ((البقيع)) - بفتح الباء الموحّدة، وكسر القاف، وسكون الياء، آخر الحروف، وبالعين المهملة - وهو من الأرض: المكانُ الْمُتَسِع، ولا يسمى بقيعاً إلا وفيه شجرٌ، أو أصولها . و((بُطحان)) - بضم الباء الموحّدة، وسكون الطاء المهملة، وبالحاء المهملة - غير منصرف، أحد أودية المدينة المشهورة، وهي ثلاثة: بطحان، والعقيق، وقَنَاة (٢)، وقال ابن قرقول: ((بطحان)) بضم الباء، يرويه المحدثون (١) ((الفتح)) ٧/ ٧٠٠ ((كتاب المغازي)) رقم (٤٣٨٦ - ٤٣٩٠). (٢) راجع: ((فتح الباري)) لابن رجب ٤/ ٣٧٧. ٩٩ (٤٠) - بَابُ بَيَانِ اسْتِحْبَابٍ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ - حديث رقم (١٤٥٢) أجمعون، وحَكَى أهل اللغة فيه بَطِحان - بفتح الباء، وكسر الطاء - ولذلك قَيَّده أبو المعالي في ((تاريخه))، وأبو حاتم، وقال البكريّ: بفتح أوله، وكسر ثانيه، على وزن فَعِلان لا يجوز غيره، قاله في ((العمدة))(١). وقال في ((النهاية)): (بَظْحان)) بفتح الباء: اسم وادي المدينة، والبطحانّون منسوبون إليه، وأكثرهم يضمّون الباء، ولعله الأصحّ. انتهى (٢). (وَرَسُولُ اللهِ نَّهِ بِالْمَدِينَةِ) جملة اسميّة في محلّ نصب على الحال من ((نزولاً))، والرابط الواو (فَكَانَ يَتَنَاوَبُ رَسُولَ اللهِ ﴾ بنصب ((رسولَ)) على المفعوليّة، مقدّماً على الفاعل، وهو ((نفرٌ)) (عِنْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ) ظرف متعلّق بـ(يتناوب))، وكذا قوله: (كُلَّ لَيْلَةٍ) وقوله: (نَفَرِّ) بالرفع فاعل ((يتناوب))، و((النفر)) بفتحتين: جماعةُ الرجال، من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: إلى سبعة، ولا يقال: نفرٌ فيما زاد على العشرة، قاله الفيّوميّ(٣). (مِنْهُمْ) أي من أصحابه الذين ، (فَوَافَقْنَا) بلفظ المتكلّم، فقوله: قَدِموا معه (قَالَ أَبُو مُوسَى) الأشعريّ (رَسُولَ اللهِ وَ لِ﴿) منصوب على المفعوليّة، وقوله: (أَنَا وَأَصْحَابِي) توكيد للفاعل، وهو لفظ ((نا)) (وَلَهُ بَعْضُ الشُّغْلِ فِي أَمْرِهِ) جملة حاليّة من ((رسولَ اللهِ وَلَ)) وجاء تفسير بعض الشغل المذكور فيما رواه الطبرانيّ في ((معجمه)) من وجه صحيح، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر أنه كان في تجهيز جيش، أفاده في ((الفتح))(٤). (حَتَّى أَعْتَمَ بِالصَّلَاةِ) أي أَخَّرها عن أول وقتها، وفيه دلالةٌ على أن تأخير النبيّ ◌َ ﴾ إلى هذه الغاية لم يكن قصداً، ومثله قوله في حديث ابن عمر رض الماضي: ((شُغِلَ عنها ليلةً))، وكذا قوله في حديث عائشة ﴿ّا الماضي أيضاً: ((أعتم النبيّ وَّه بالصلاة ذات ليلةٍ)) كلُّ ذلك يدلّ على أن ذلك لم يكن من شأنه، والفيصل في هذا حديث جابر رَُّه: ((كانوا إذا اجتمعوا عَجَّلَ، وإذا أبطئوا أَخَّرَ))، متّفقٌ عليه(٥). (١) ((عمدة القاري)) ٦٥/٥. (٣) ((المصباح المنير)) ٦١٧/٢. (٥) راجع: ((الفتح)) ٥٨/٢. (٢) ((النهاية)) ١٣٥/١. (٤) ((الفتح)) ٥٨/٢. ١٠٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة (حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ) - بتشديد الراء -، على وزن افعالّ، كاحمارّ، ومعناه: انتصف، وعن سيبويه: كثرت ظلمته، وابْهَارَّ القمرُ: كثر ضوؤه، ذكره في ((الموعب))، وفي ((المحكم)): ابهارَّ الليلُ: إذا تراكمت ظلمته، وقيل: إذا ذهبت عامّته، وفي ((كتاب الواعي)): ابْهِيرَارُ الليلِ: طلوعُ نجومه، وفي (الصحاح)): ابهارّ الليلُ ابهيراراً: إذا ذهب معظمه وأكثره، وابهارّ علينا الليل: أي طال، قاله في ((العمدة))(١) . وقال في ((الفتح)): قوله: ((حتى ابهارّ الليل)) - بالموحّدة، وتشديد الراء -: أي طلعت نجومه، واشتَبَكَت، والباهر الممتلئ نوراً، قاله أبو سعيد الضرير، وعن سيبويه: ابهارّ الليل: كَثُرَت ظلمته، وابهارّ القمرُ: كثر ضوؤه، وقال الأصمعيّ: ابهارّ: انتصف، مأخوذ من بُهْرَة الشيء: وهو وسطه، ويؤيِّده أن في بعض الروايات: ((حتى إذا كان قريباً من نصف الليل))، كما سبق في حديث أنس ظُه، وفي ((الصحاح)): ابهارّ الليل: ذهب معظمه وأكثره، وعند مسلم من رواية أم كلثوم، عن عائشة هنا: ((حتى ذهب عامة الليل)). انتهى ببعض تصرّف(٢). وقال ابن رجب رَُّ: وقيل: معنى ابهارّ: استنار الليل باستهام طلوع نجومه بعد أن يذهب فَحمة الليل وظلمته بساعة، وهذا بعيدٌ. انتهى (٣). (ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ﴾ أي من حجرته إلى المسجد (فَصَلَّى بِهِمْ) أي صلّى العشاء إماماً لهم (فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ) أي انتهى منها، وسلم (قَالَ لِمَنْ حَضَرَهُ: ((عَلَى رِسْلِكُمْ) - بكسر الراء وفتحها، لغتان، والكسر أفصح -: أي تأنَّوْا (أُعْلِمُكُمْ) بضمّ الهمزة، وكسر اللام المخفّفة، من الإعلام، أو بتشديد اللام، من التعليم، ثُمّ يَحْتَمل أن يكون مجزوماً على أنه جواب الأمر، ويَحْتَمل أن يكون مرفوعاً، على أنه جملة مستأنفة، ذكرت تعليلاً لأمره بالتأني (وَأَبْشِرُوا) بقطع الهمزة، ووصلها، أمرٌ من بَشَرَ، أو من أبشر إبشاراً: يقال: بَشَرتُ الرجل، من باب نصر، وأبشرته، وبَشَّرته بالتشديد، ثلاث لغات، (١) ((عمدة القاري)) ٦٥/٥. (٣) ((فتح الباري)) لابن رجب ٤/ ٣٧٧. (٢) راجع: ((الفتح)) ٥٨/٢.