Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
(٣٩) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ غُرُوبُ الشَّمْسِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٤١)
أيوب غازياً، وعقبة بن عامر يومئذ على مِصْرَ، فأخَّر المغرب، فقام إليه أبو
أيوب، فقال له: ما هذه الصلاة يا عقبة؟ فقال: شُغِلنا، قال: أما سمعت
رسول الله ﴿ يقول: ((لا تزال أمتي بخير، أو قال: على الفطرة، ما لم
يؤخروا المغرب، إلى أن تشتبك النجوم))؟(١).
[تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ بلفظ: ((كنّا نصلّي مع النبيّ ◌َّ المغرب
إذا توارت بالحجاب))، قال في ((الفتح)): قوله: ((إذا توارت بالحجاب)): أي
استترت، والمراد الشمس، قال الخطابيّ: لم يذكرها اعتماداً على أفهام
السامعين، وهو كقوله في القرآن: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِاُلِجَابِ﴾. انتهى.
وقد رواه مسلم من طريق حاتم بن إسماعيل، عن يزيد بن أبي عبيد،
بلفظ: ((إذا غربت الشمس، وتوارت بالحجاب))، فدلّ على أن الاختصار في
المتن من شيخ البخاريّ، وقد صرَّح بذلك الإسماعيليّ، ورواه عبد بن حميد،
عن صفوان بن عيسى، وأبو عوانة، والإسماعيليّ، من طريق صفوان أيضاً عن
يزيد بن أبي عبيد، بلفظ: ((كان يصلي المغرب ساعةَ تَغْرُب الشمس، حين
يغيب حاجبها))، والمراد حاجبها الذي يبقى بعد أن يغيب أكثرها، والرواية التي
فيها ((توارت)) أصرح في المراد.
قال: واستُدِلّ بهذه الأحاديث على ضعف(٢) حديث أبي بَصْرَة -
بالموحدة، ثم المهملة - رفعه في أثناء حديث: ((ولا صلاة بعدها حتى يُرَى
الشاهد، والشاهد النجم)). انتهى (٣).
وقال الحافظ ابن رجب تَخَّتُهُ: قوله: ((توارت)) الضمير يعود إلى غير
مذكور، وهو الشمس، وقرينة صلاة المغرب يدلّ عليه، وهو كقوله تعالى في
قصّة سليمان علّلا: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِّ الصَّفِنَتُ لْلِيَادُ ﴿ فَقَالَ إِّ أَحَْبْتُ حُبَّ
الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِ حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ
(٣٢) ﴾ [ص: ٣١ - ٣٢]، فحذف ذكر
الشمس؛ لدلالة العشيّ عليها .
(١) حديث صحيح، صححه الحاكم، ووافقه الذهبيّ.
(٢) دعوى ضعفه فيه نظر؛ لأنه أخرجه مسلم، وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
٠
(٣) ((فتح الباري)) ٤٣/٢.

٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
والمعنى بتواريها بالحجاب تواري قُرصها عن أعين الناظرين بما حجبها
عنها من الأرض. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سلمة بن الأكوع
هذا متّفق عليه .
عنه
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤٤١/٣٩] (٦٣٦)، و(البخاريّ) في ((مواقيت
الصلاة)) (٥٦١)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٤١٧)، و(الترمذيّ) فيها (١٦٤)،
و(ابن ماجه) فيها (٦٨٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٥٤/٤)، و(الدارميّ) في
(سننه)) (٢٩٧/١)، و(ابن حبّان) في («صحيحه)) (١٥٢٣)، و(أبو عوانة) في
(مسنده)) (١٠٦٢ و١٠٦٣ و١٠٦٤)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٤١٦)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٤٦/١)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٣٧٢)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال الحافظ ابن رجب تَّتُهُ ما حاصله: هذا الحديث،
ومثله حديث جابر نظُبه - يعني الآتي لمسلم (٦٤٦) -: ((والمغرب إذا وجبت))،
أي يصلي المغرب إذا غربت الشمس يدلان على أن مجرّد غيبوبة القرص يدخل
به وقت صلاة المغرب، كما يُفطر به الصائم، وهذا إجماع من أهل العلم،
حكاه ابن المنذر وغيره.
قال العلماء: ولا عبرة ببقاء الحمرة الشديدة في السماء بعد سقوط قرص
الشمس، وغيبوبته عن الأبصار، ومنهم من حكى رواية عن أحمد باعتبار غيبوبة
هذه الحمرة، وبه قال الماورديّ من الشافعيّة، ولا يصحّ ذلك.
وأما إن بقي شيء من شُعاعها على الجدران، أو الجبال، فلا بدّ من
ذهابه، وحكى الطحاويّ عن قوم أنهم اعتبروا مع مغيب الشمس طلوع النجم،
(١) ((فتح الباري)) لابن رجب ٣٥١/٤ - ٣٥٢.

٦٣
(٣٩) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ غُرُوبُ الشَّمْسِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٤١)
ولم يسمّهم، والظاهر أنه قول طائفة من أهل البدع، كالروافض، ونحوهم،
ولم يقل ذلك أحدٌ من العلماء المعتدّ بهم.
ورَوَى أبو نعيم الفضل بن دُكين: ثنا إسرائيل، عن طارق، عن سعيد بن
الْمُسيِّب، قال: كَتَبَ عمر إلى أمراء الأمصار: لا تصلّوا المغرب حتى تشتبك
النجوم، وهذا إنما يدلّ على استحباب ذلك، وقد رُوي عن عمر خلاف ذلك
موافقةً لجمهور الصحابة څ.
والأحاديث، والآثار في كراهة التأخير حتى يطلع النجم كثيرة جدّاً، ومن
أجودها ما روى محمد بن إسحاق، حدّثني يزيد بن أبي حبيب، عن مَرْثد بن
عبد الله، قال: لَمّا قَدِم علينا أبو أيوب غازياً، وعقبة بن عامر يومئذ على
مصر، فأَخَّر المغرب، فقام إليه أبو أيوب، فقال له: ما هذه الصلاة يا عقبة؟
فقال: شُغِلنا، قال: أما سمعت رسول الله وص له يقول: ((لا تزال أمتي بخير - أو
قال: على الفطرة - ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم))، أخرجه
أحمد، وأبو داود، وابن خزيمة في ((صحيحه))، والحاكم وصحّحه.
وقد خولف ابن إسحاق في إسناده، فرواه حيوة بن شُريح، عن يزيد بن
أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران، عن أبي أيوب، قال: ((كنّا نصلي المغرب
حين تجب الشمس))(١)، ورواه ابن لَهِيعة، عن يزيد، ورفعه إلى النبيّ ◌َّ،
وقال أبو زرعة: حديث حيوة أصحّ.
وأخرج الإمام أحمد معناه من حديث السائب بن يزيد، عن النبيّ
وأخرجه ابن ماجه من حديث العباس بن عبد المطلب، عن النبيّ وَل.
وقد رُوي عن عمر بن عبد العزيز أنه أخّر ليلة المغرب حتى طلع نجمان،
فأعتق رقبتين كفّارةً لتأخيره، ذكر هذا كله الحافظ ابن رجب تَظّهُ(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من الأدلّة أن تعجيل صلاة
المغرب هو المستحبّ، وقد تقدّم أن هذا مجمع عليه، ولا اعتداد بمن خالف
في ذلك، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - الكلام على حديث: ((ولا صلاة بعدها
(١) رواه الطبراني في ((الكبير)) ١٧٦/٤.
(٢) ((فتح الباري)) لابن رجب ٣٥٢/٤ - ٣٥٤.

٦٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
حتى يطلُع الشاهد))، في ((باب الأوقات المنهيّ عن الصلاة فيها))، فإن للعلماء
أقوالاً في تأويله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٤٢] (٦٣٧) - (وَحَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ
مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا (٢) الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو النَّجَاشِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ
يَقُولُ: كُنَّا نُصَلِّ الْمَغْرِبَ، مَعَ رَسُولِ اللهِ وَهِ، فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا، وَإِنَّهُ لَيُبْصِرَّ
مَوَاقِعَ نَيْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ) أبو جعفر الجمّال، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٣٩) أو التي قبلها (خ م د) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٢/٢٦.
٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ كثير
التدليس والتسوية [٨] (ت٤ أو١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٨/١٠.
٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه،
ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت١٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٤ - (أَبُو النَّجَاشِيّ) - بفتح النون، وتخفيف الجيم، وبالشين المعجمة -
عطاء بن صُهيب - بضم الصاد المهملة - الأنصاريّ، ثقةٌ [٤] (خ م س ق) تقدم
في ((المساجد)) ١٤١٧/٣٤.
٥ - (رَافِعُ بْنُ خَدِيج) - بفتح الخاء المعجمة، وكسر الدال المهملة،
وبالجيم - ابن عديّ الحارثيّ الأوسيّ الأنصاريّ الصحابيّ الشهير، أول مشاهده
أحدٌ، ثم الخندق، مات ◌َظ ◌ُبه سنة (٣ أو ٧٤) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدم في
((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٨٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َخَّلهُ.
(١) وفي نسخة: ((حدّثنا)).
(٢) وفي نسخة: ((حدّثني)).

٦٥
(٣٩) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ غُرُوبُ الشَّمْسِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٤٢)
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والسماع إلى آخره.
٣ - (ومنها): أنه مما اتّفق عليه الشيخان، فإن البخاريّ نَظُّ رواه أيضاً
عن محمد بن مهران شيخ المصنّف بسنده.
٤ - (ومنها): أنه ما بين رازيّ، وهو شيخه، وشاميينٍ، وهما: الوليد،
والأوزاعيّ، ومدنيينٍ، وهما أبو النجاشيّ، ورافع
أعلم.
أجمعين، والله تعالى
شرح الحديث:
عن أبي النجاشيّ، عطاء بن صُهيب أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ
خَدِيج) رَّبُهُ (يَقُولُ: كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ، مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا)
أي يسَّلّم من الصلاة، ويرجع إلى أهله (وَإِنَّهُ) الواو للحال (لَيُبْصِرُ) بضمّ أوله،
مبنيّاً للفاعل، من الإبصار، واللام للتأكيد، والجملة حال من ((أحدُنا)) وقوله:
(مَوَاقِعَ نَبْلِهِ) منصوب على المفعوليّة لـ((يُبْصِرُ))، وهو جمع موقع، وهو موضع
الوقوع، و((النَّبْلُ)) - بفتح النون، وسكون الموحّدة، آخره لام -: السهام
العربيّة، وهي مؤنّثة، ولا واحد لها من لفظها، بل الواحد سَهْمٌ، فهي مفردة
اللفظ مجموعة المعنى(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((وإنه لَيُبْصِر مواقع نبله)): أي المواضع التي
تَصِلُ إليها سهامه إذا رَمَى بها، و((النبل)) - بفتح النون، وسكون الموحّدة -: هي
السهام العربية، وهي مؤنثة، لا واحد لها من لفظها، قاله ابن سِيدَهْ، وقيل:
واحدها نَبْلٌ، مثل تَمْرٍ وتَمْرة.
ورَوَى أحمد في ((مسنده)) من طريق عليّ بن بلال، عن ناس من
الأنصار، قالوا: ((كنا نصلي مع رسول الله وَّ ر المغرب، ثم نرجع فنترامى،
حتى نأتي ديارنا، فما يخفى علينا مواقع سهامنا))، وإسناده حسن.
ومقتضاه المبادرة بالمغرب في أول وقتها، بحيث إن الفراغ منها يقع
والضوء باقٍ. انتهى(٢).
(١) راجع: ((المصباح المنير)) ٥٩١/٢.
(٢) ((الفتح)) ٢/ ٥٠.

٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وقال النوويّ تَخْتُهُ: معناه أنه يُبَكِّر بها في أول وقتها بمجرد غروب
الشمس، حتى ننصرف، ويرمى أحدنا النبل عن قوسه، ويبصر موقعه؛ لبقاء
الضوء.
وقال في ((العمدة)): معنى الحديث أنه يُبَكِّر بالمغرب في أول وقتها
بمجرد غروب الشمس، حتى ينصرف أحدنا، ويرمي النبل عن قوسه، ويبصر
موقعه لبقاء الضوء.
قال: ودلّ الحديث المذكور على أنه وس18- صلى المغرب عند غروب
الشمس، وبادر بها بحيث إنه لَمّا فَرَغ منها كان الضوء باقياً.
وهو مذهب الجمهور، وذهب طاووس، وعطاء، ووهب بن منبه إلى أن
أول وقت المغرب حين طلوع النجم، واحتجُّوا في ذلك بحديث أبي بَصْرَةٍ(١)
الغفاريّ رَُّه قال: صلى بنا رسول الله وَّ العصر بالْمَحْمَض(٢)، فقال: ((إن
هذه الصلاة عُرِضت على من كان قبلكم، فَضَيَّعوها، فمن حافظ عليها كان له
أجره مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يَطْلُع الشاهد)»، والشاهد النجم، أخرجه
مسلم، والنسائيّ، والطحاويّ.
وأجاب الطحاويّ عنه بأن قوله: ((ولا صلاة بعدها حين يرى الشاهد))،
يَحْتَمِل أن يكون هو آخر قول النبيّ وَّ ر كما ذكره الليث، ولكن الذي رواه غيره
تأوَّل أن الشاهد هو النجم، فقال ذلك برأيه، لا عن النبيّ وَّر على أن الآثار
قد تواترت عن النبيّ وَلقول أنه كان يصلي المغرب إذا توارت الشمس بالحجاب.
(٣)
انتھی(٣).
(١) و((أبو بَصْرَة)) - بفتح الباء الموحدة، وسكون الصاد المهملة - واسمه حُمَيل - بضم
الحاء المهملة، وفتح الميم، وسكون الياء، آخر الحروف، وقيل: جَمِيل بالجيم،
والأول أصح. انتهى. ((عمدة القاري)) ٥٥/٥.
(٢) و((الَمَحْمَض)) - بفتح الميمين، وسكون الحاء المهملة، وفي آخره ضاد معجمة -
وهو الموضع الذي تَرْعَى فيه الإبل الحمض، وهو ما حَمُضَ، ومَلُح، وأمرَّ من
النبات، كالرمث، والأثل، والطرفاء، ونحوها، والخلة من النبت ما كان حُلْواً،
تقول العرب: الخلة خبز الإبل، والحمض فاكهتها. انتهى. ((العمدة)) ٥٥/٥.
(٣) ((عمدة القاري)) ٥٥/٥.

٦٧
(٣٩) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ غُرُوبُ الشَّمْسِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٤٢)
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي الكلام على حديث أبي بَصْرة
الغفاريّ رَُّبه، في محلّه - إن شاء الله تعالى -.
[تنبيه]: حديث رافع بن خديج ربه هذا قد تقدّم للمصنّف في ((باب
استحباب التبكير بالعصر)) بسياق آخر، ونصّه:
(٦٢٥) حدّثنا محمد بن مِهْران الرازيّ، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا
الأوزاعيّ، عن أبي النجاشيّ، قال: سمعت رافع بن خديج يقول: ((كنا نصلي
العصر مع رسول الله ◌َّ﴿ ثم تنحر الجزور، فتقسم عشر قِسَم، ثم تطبخ، فنأكل
لحماً نضيجاً قبل مغيب الشمس)).
حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عيسى بن يونس، وشعيب بن إسحاق
الدمشقيّ قالا: حدّثنا الأوزاعيّ، بهذا الإسناد، غير أنه قال: ((كنا ننحر الجزور
على عهد رسول الله (َّ، بعد العصر))، ولم يقل: كنا نصلي معه. انتهى،
ولتُراجع شرحه، ومسائله هناك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث رافع بن خَدِيج ◌َُّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤٤٢/٣٩ و١٤٤٣] (٦٣٧)، و(البخاريّ) في
((مواقيت الصلاة)) (٥٥٩)، و(ابن ماجه) في ((الصلاة)) (٦٨٧)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (١٤١٧)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٤٤٢٢)، وفوائد الحديث
تقدّمت.
(المسألة الثالثة): في ذكر اختلاف ألفاظ هذا الحديث، واختلاف رواته:
(اعلم): أنه رُوي معنى هذا الحديث عن غير واحد من الصحابة رضيها في
صلاتهم مع النبيّ وَّر المغرب، إلا أنه لم يخرّج في ((الصحيحين)) من غير هذه
الطريق، قاله ابن رجب فَقَّتْهُ(١).
(١) (فتح الباري)) لابن رجب ٣٤٨/٤.

٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
أخرج أبو داود بإسناد صحيح، عن أنس بن مالك، قال: ((كنا نصلي
المغرب مع النبيّ ◌َّ، ثم نرمي، فیری أحدنا موضع نبله)).
وأخرج النسائيّ بإسناد صحيح أيضاً عن حسان بن بلال، عن رجل من
أسلم، من أصحاب النبيّ وَلير: ((أنهم كانوا يصلون مع نبيّ الله وَّ المغرب،
ثم يرجعون إلى أهاليهم إلى أقصى المدينة، يرمون، ويُبصرون مواقع سهامهم)).
وروى الإمام أحمد، عن هشيم، عن أبي بشر، عن عليّ بن بلال، عن
ناس من الأنصار، قالوا: ((كنا نصلي مع رسول الله ◌َليل المغرب، ثم ننصرف،
فنترامى، حتى نأتي ديارنا، فما يخفى علينا مواقع سهامنا)).
ورواه عن أبي عوانة، قال: حدثنا أبو بشر، عن علي بن بلال الليثيّ،
قال: صليت مع نفر من أصحاب رسول الله وسلم، فحدثوني أنهم: ((كانوا
يصلون المغرب، مع رسول الله قلية، ثم ينطلقون يترامون، لا يخفى عليهم
مواقع سهامهم، حتى يأتون ديارهم في أقصى المدينة)).
وأخرج أحمد، وابن خزيمة في ((صحيحه)) من حديث جابر بن عبد الله
قال: ((كنا نصلي مع رسول الله وَّ﴿ المغرب، ثم نأتي بني سَلِمَة، ونحن نبصر
مواقع النبل)).
وأخرجه أحمد من رواية عبد الله بن محمد بن عَقِيل، عن جابر بن
عبد الله، قال: (كنا نصلي مع النبيّ وَّر المغرب، ثم نرجع إلى منازلنا، وهي
ميل، وأنا أبصر مواقع النبل)).
وعند الطبراني في ((المعجم الكبير)) من حديث زيد بن خالد نظر اته قال:
((كنا نصلي مع النبيّ ◌َّ المغرب، ثم ننصرف، حتى نأتي السوق، وإنَّا لنرى
مواضع النبل)).
وعن كعب بن مالك نظراته: ((كان النبيّ وَل يصلي المغرب، ثم يرجع
الناس إلى أهليهم ببني سَلِمة، وهم يُبصِرون مواقع النبل حين يرمى بها))، قال
أبو حاتم: صحیح مرسلٌ.
قال ابن رجب تَخّتُهُ: وهذا كلّه يدلّ على شدّة تعجيل النبيّ وَلّ الصلاة
المغرب، ولهذا كانت تُسمّى صلاة البصر، كما أخرجه الإمام أحمد، من رواية
أبي طَرِيف الهذليّ رَُّّه قال: كنت مع النبيّ وَّه حين جاء خبر أهل الطائف،

٦٩
(٣٩) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ غُرُوبُ الشَّمْسِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٤٣)
فكان يصلي بنا صلاة البصر، حتى لو أن رجلاً رَمَى لرأى موقع نبله (١).
قال أحمد بن حنبل: صلاة البصر المغرب(٢).
وعن أم حبيبة بنت أبي سفيان نحوه، ذكره أبو عليّ الطوسيّ في ((الأحكام)).
قال في ((العمدة)): فإن قلت: وردت أحاديث تدلّ على تأخيره إلى قرب
سقوط الشفق، قلت: هذه لبيان جواز التأخير. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٤٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا (٤) إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا(٥)
شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي (٦) أَبُو النَّجَاشِيِّ، حَدَّثَنِي
رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّ الْمَغْرِبَ، بِنَحْوِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٢ - (شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ الدِّمَشْقِيُّ) ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن راشد
الدِّمَشقيّ الأمويّ مولى رَمِلة بنت عثمان، أصله من البصرة، ثقةٌ رُمي بالإرجاء،
من كبار [٩] (ت١٨٩) (خ م د س ق) تقدم في ((المساجد)) ١٤١٨/٣٤.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (بِنَحْوِهِ) يعني أن شُعيب بن إسحاق حدّث عن الأوزاعي، بنحو
حديث الوليد، عنه المتقدّم.
[تنبيه]: شعيب بن إسحاق، عن الأوزاعيّ هذه لم أجد من ساقها تامّةً،
فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلِهِ عَلَيْهِ نَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١) «فتح الباري)) لابن رجب ٣٤٨/٤ - ٣٥١.
(٢) وفسّر بعضهم صلاة البصر بصلاة الفجر، قال ابن التركماني في ((الجوهر النقي))
(٤٤٦/١ - ٤٤٧): الأظهر أن صلاة البصر صلاة الفجر. انتهى.
(٣) ((عمدة القاري)) ٥٥/٥ - ٥٦.
(٤) وفي نسخة: ((حدّثنا)).
(٥) وفي نسخة: ((حدّثنا)).
(٦) وفي نسخة: ((حدّثنا)).

٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
(٤٠) - (بَابُ بَيَانِ اسْتِحْبَابِ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّلهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٤٤٤] (٦٣٨) - (وَحَدَّثَنَا (١) عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ
يَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَتْ: أَعْتَمَّ رَسُولُ اللهِ وَلَ
لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي بِصَلَاةِ الْعِشَاءِ، وَهِيَ الَّتِي تُدْعَى الْعَتَمَةَ، فَلَمْ يَخْرُجْ رَسُولُ اللهِ لَهـ
حَتَّى قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَقَالَ
لِأَهْلِ الْمَسْجِدٍ، حِينَ خَرَجَ عَلَيْهِمْ: ((مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ غَيْرُكُمْ))،
وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ الْإِسْلَامُ فِي النَّاسِ، زَادَ حَرْمَلَهُ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ:
وَذُكِرَ لِي أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تَنْزُرُوا رَسُولَ اللهِنَّهِ عَلَّى
الصَّلَاةِ(٢))، وَذَاَكَ (٣) حِينَ صَاحَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ) - بتشديد الواو - ابن الأسود بن عمرو
أبو محمد المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت٢٤٥) (م د س ق) تقدم في ((الإيمان))
٢٣٩/٣٤.
٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) بن حرملة بن عمران النُّجِيبيّ، أبو حفص
المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في
((المقدمة)) ١٤/٣.
٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
(١) وفي نسخة: ((حدّثنا)).
(٣) وفي نسخة: ((وذلك)).
(٢) وفي نسخة: ((للصلاة)).

٧١
(٤٠) - بَابُ بَيَانِ اسْتِحْبَابٍ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ - حديث رقم (١٤٤٤)
٤ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم،
ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت١٥٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، أبو بكر المدنيّ، ثقةٌ ثبتُ إمامٌ
فقيه حجة، رأس [٤] (ت١٢٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٤٨.
٦ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوام بن خُويلد الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ،
ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت٩٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٠٧.
٧ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق أم المؤمنين، ماتت سنة (٥٧) على الصحيح
(ع) تقدّمت في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَّلُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما أسلفته آنفاً.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، والقول.
٤ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٦ - (ومنها): أن فيه عروة أحد الفقهاء السبعة.
٧ - (ومنها): أن فيه عائشة فيها الصدّيقة بنت الصدّيق حبيبة
رسول الله وَل*، بنت حبيبه ضيها، أفقه نساء الأمة، ومن الفقهاء السبعة، روت
من الأحاديث (٢٢١٠)، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ (أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ نََّ)ِ ◌ُِّهَا (قَالَتْ: أَعْتَمَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ﴾ أي أخّرها حتى اشتدّت عَتَمَةُ الليل، وهي ظلمته، قاله
النوويّ كَُّ(١)، وقال في ((المصباح)): أَعْتَمَ: إذا دخل في العَتَمَة، مثل أصبح:
إذا دخل في الصباح. انتهى.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣٧/٥.

٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
و((العَتَمَةُ)) محرَّكَةً: ثلثُ الليل الأول بعد غيبوبة الشفق، وقيل: عبارة عن
وقت صلاة العشاء الآخرة، وقيل: هي بقية الليل، أفاده في ((العمدة))(١).
(لَيْلَةً) منصوبٌ على الظرفيّة متعلّق بـ((أعتم)) (مِنَ اللَّيَالِي) متعلّق بصفة
لـ(ليلةً)) (بِصَلَاةِ الْعِشَاءِ) متعلق بـ((أَعتم))، أي دَخَلَ بصلاة العشاء العَتَمَةَ، أي
أخّر أداءها .
قال القرطبيّ تَخَذَتُهُ: هذا يدلّ على أن غالب أحواله ول﴿ تقديمها؛ رفقاً
بهم؛ لئلا يشقّ عليهم، كما بيّنه في آخر الحديث.
وقال الخطّابِيّ رَّهُ: إنما أخّرهم ليقلّ حظّ النوم، وتطول مدّة الصلاة،
فيكثر أجرهم؛ لأنهم في صلاة ما داموا ينتظرونها .
وقال بعض الحكماء: النوم المحمود مقدار ثمان ساعات. انتهى (٢).
وقوله: (وَهِيَ الَّتِي تُدْعَى) بالبناء للمفعول، أي يسمّيها الناس (الْعَثَمَةَ) فيه
إشارة إلى أن هذا الاسم مشهور بينهم، وفي ((المصنّف)): حدّثنا وكيع، حدّثنا
شريكٌ، عن أبي فزارة، عن ميمون بن مِهْرَان، قال: قلت لابن عمر: من أول
من سمّاها العتمة؟ قال: الشيطان، أفاده في ((العمدة))(٣).
وسيأتي حديث النهي عن تسمية العشاء بالعتمة آخر الباب - إن شاء الله
تعالى -.
(فَلَمْ يَخْرُجْ رَسُولُ اللهِ وََّ) أي من حجرته إلى المسجد (حَتَّى قَالَ عُمَرُ
بْنُ الْخَطَّابِ) رَبِهِ (نَامَ النِّسَاءُ) بالكسر، ومثله النِسْوَة، بكسر النون أيضاً،
أفصح من النُّسوة بضمها، اسمان لجماعة إناث الأناسيّ، الواحدة امرأة من غير
لفظ الجمع، أفاده في ((المصباح)).
(وَالصِّبْيَانُ) بكسر الصاد، وتضم: جمع صَبِيّ، وهو من لدن يُولد إلى أن
يُفْطَم، قاله في ((اللسان))، وقال في ((القاموس)): الصَّبِيّ مَن لم يُفْطَم بعد،
جمعه أصْبِيَةٌ، وَأصْبٍ، وَصِبْوَة - بالكسر - وصَبْيَةٌ، بالفتح، وصِبْيَةٌ، وصُبْوانٌ،
وصُبْيَانٌ بكسر الثلاثة، وتضم. انتهى بإيضاح.
(١) راجع: ((عمدة القاري)) ٦٣/٥.
(٣) راجع: ((عمدة القاري)) ٦٣/٥.
(٢) ((المفهم)) ٢/ ٢٦٤.

٧٣
(٤٠) - بَابُ بَيَانِ اسْتِحْبَابٍ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ - حديث رقم (١٤٤٤)
وأراد عمر رضيالله النساء والصبيان الحاضرين في المسجد، لا النائمين في
بيوتهم، وإنما خَصّ هؤلاء بالذكر؛ لأنهم مَظِّنّة قلة الصبر على النوم، ومحل
الشفقة والرحمة بخلاف الرجال.
قال النوويّ تَّتُهُ: قوله: ((نام النساء والصبيان)): أي مَن ينتظر الصلاة
منهم في المسجد، وإنما قال عمر ظُه: ((نام النساء والصبيان))؛ لأنه ظنَّ أن
النبيّ وَلّ﴿ إنما تأخر عن الصلاة ناسياً لها، أو لوقتها. انتهى(١).
(فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَّ﴾ أي من حجرته إلى المسجد (فَقَالَ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ،
حِينَ خَرَجَ عَلَيْهِمْ: ((مَا) نافيةٌ (يَنْتَظِرُهَا) أي صلاة العشاء في هذه الساعة (أَحَدٌ)
بالرفع على الفاعليّة (مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ غَيْرُكُمْ))) أي غير أهل المدينة، فقوله:
((غيركم)) بالرفع صفة لـ((أحدٌ))، ووقع صفة لنكرة؛ لأنه لا يتعرف بالإضافة إلى
المعرفة، لِتَوغَّلِهِ في الإبهام، اللهم إلا إذا أضيف إلى المشتهر بالمغايرة،
ويجوز أن يكون بدلاً من لفظ ((أحد))، ويجوز أن ينتصب على الاستثناء، قاله
في ((العمدة))(٢).
ثم بيّن سبب عدم انتظار غير أهل المدينة لهذه الصلاة بقوله: (وَذَلِكَ قَبْلَ
أَنْ يَفْشُوَ الْإِسْلَامُ فِي النَّاسِ) وفي رواية للبخاريّ: ((قال: ولا تُصلَّى يومئذ إلا
بالمدينة))، ولفظ النسائيّ: ((ولم يكن يومئذ أحدٌ يصلي غيرُ أهل المدينة)).
والمراد به أنها لا تُصَلَّى بالهيئة المخصوصة، وهي الجماعة إلا بالمدينة،
وبه صرَّح الداوديّ؛ لأن مَنْ كَانَ بمكة من المستضعفين لم يكونوا يصلون إلا
سِرّاً، وأما غير مكة والمدينة من البلاد، فلم يكن الإسلام دخلها، قاله في
(٣)
((الفتح))(٣).
زاد في رواية البخاريّ: ((وكانوا يصلّون فيما بين أن يغيب الشفق إلى
ثلث الليل الأول))، قال في ((الفتح)): قوله: ((وكانوا)) أي النبيّ ◌ُالر وأصحابه،
وفي هذا بيان الوقت المختار لصلاة العشاء؛ لما يشعر به السياق من المواظبة
على ذلك، وقد ورد بصيغة الأمر في هذا الحديث عند النسائيّ، من رواية
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣٧/٥.
(٣) راجع: ٦٧/٢.
(٢) ((عمدة القاري)) ٦٤/٥.

٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
إبراهيم بن أبي عَبْلَةَ، عن الزهريّ، ولفظه: ((ثم قال: صَلَّوها فيما بين أن يغيب
الشفق إلى ثلث الليل))، وليس بين هذا وبين قوله في حديث أنس: ((إنه أخّر
الصلاة إلى نصف الليل))، معارضة؛ لأن حديث عائشة محمول على الأغلب
من عادته . انتهى(١).
(زَادَ حَرْمَلَةُ) بن يحيى (فِي رِوَايَتِهِ)، وقوله: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) مفعول به
لـ((زاد)) محكيّ؛ لقصد لفظه، وقوله: (وَذُكِرَ لِي) بالبناء للمفعولَ مقولُ ((قال))
(أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تَنْزُرُوا) هو بتاء مثناة من فوقُ
مفتوحة، ثم نون ساكنة، ثم زاء مضمومة، ثم راء: أي تُلِحُوا عليه، ونقل
القاضي عن بعض الرواة أنه ضبطه («تُبْرِزُوا)) - بضم التاء، وبعدها باء موحدة،
ثم راء مكسورة، ثم زاي ــ من الإبراز، وهو الإخراج، والرواية الأولى هي
الصحيحة المشهورة التي عليها الجمهور.
وقال القرطبيّ كَخَُّهُ: قوله: ((أن تُبْرِزوا)) رواه الرازيّ بالباء، وتقديم الراء،
وضمّ التاء، وكسر الراء، من الإبراز، وهو الإخراج، ورواه سائر الرواة:
(تَنْزُرُوا)) بفتح التاء، وبالنون، وتقديم الزاي، وضمّها، وهو الصحيح، ومعناه
الإلحاح عليه في الخروج، وهذا إنما قاله وَ ل﴿ مؤدّباً لهم، ومعلِّماً لَمّا صاح
عمر نظره: ((نام النساء والصبيان))، والله تعالى أعلم. انتهى(٢).
(رَسُولَ اللهِ نَّهِ) بالنصب على المفعوليّة لـ«تنزُروا)) (عَلَى الصَّلَاةِ)) وفي
نسخة: (للصلاة)) (وَذَاكَ) وفي نسخة: ((وذلك)) أي قول النبيّ بَّه: ((وما كان
لكم أن تنزُروا ... إلخ)) (حِينَ صَاحَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) أي بقوله: ((نام النساء
والصبيان)).
[تنبيه]: قول ابن شهاب تَخّتُ: ((وذُكر لي ... إلخ))، مرسلٌ؛ لم يذكر من
ذكره له، قال الحافظ الرشيد العطّار كثّتُهُ: هكذا هو في كتاب مسلم، وقد
أخرجه البخاريّ في ((صحيحه))، والنسائيّ في ((سننه))، فلم يذكرا هذه الزيادة
التي في آخره من قول الزهريّ، ولا أعلم الآن من أسندها من الرواة، والله رَّ
(١) ((الفتح)) ٦٠/٢.
(٢) ((المفهم)) ٢٦٦/٢.

٧٥
(٤٠) - بَابُ بَيَانِ اسْتِحْبَابٍ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ - حديث رقم (١٤٤٤)
أعلم. انتهى كلام العّار(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة غَّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠ /١٤٤٤ و١٤٤٥ و١٤٤٦] (٦٣٨)،
و(البخاريّ) في (مواقيت الصلاة)) (٥٦٦ و٥٦٩)، وفي ((الأذان)) (٨٦٢) وفي
(٨٦٤)، و(النسائيّ) في ((الصلاة)) (٤٨٢)، وفي ((المواقيت)) (٥٣٥ و٥٣٦)،
وفي ((الكبرى)) (٣٨٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٩٩/٦ و٢١٥ و٢٧٢)، و(ابن
خزيمة) في ((صحيحه)) (٣٤٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٥٣٥)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (١٠٧٥ و١٠٧٦)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٤١٨
و١٤١٩ و١٤٢٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٧٤/١)، و(البغويّ) في ((شرح
السنّة)) (٣٧٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب تأخير صلاة العشاء.
٢ - (ومنها): مشروعية الإعلام للإمام؛ ليخرج إلى الصلاة.
٣ - (ومنها): مشروعيّة تنبيه الصغير للكبير إذا ظنّ أنه غفل عن الصلاة.
٤ - (ومنها): أنه استَدَلَّ به من ذهب إلى أن النوم لا ينقض الوضوء.
قال في ((الفتح)): ولا دلالة فيه؛ لاحتمال أن يكون الراقد منهم كان
قاعداً متمكناً، أو لاحتمال أن يكون مضطجعاً لكنه توضأ، وإن لم ينقل،
اكتفاءً بما عُرِف من أنهم لا يصلون على غير وضوء.
٥ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة
من اهتمامهم بصلاة
الجماعة؛ حتى يحضر النساء والصبيان.
(١) راجع: ((قرّة عين المحتاج في شرح مقدمة صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج))
١٣٣/١.

٧٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
٦ - (ومنها): ما قاله النوويّ نَّتُهُ: إن التأخير المذكور في هذا الحديث
وما بعده كلَّه تأخير لم يَخرُج به عن وقت الاختيار، وهو نصف الليل، أو ثلث
الليل على الخلاف المشهور الذي قدّمنا بيانه في أول المواقيت. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد قدّمنا أن الراجح أن نصف الليل هو آخر
وقت العشاء، فلا وقت لها بعده، وإن قال به الجمهور؛ لحديث عبد الله بن
عمرو ضيها، مرفوعاً: ((ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل))، فتنبّه، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّهُ المذكورِ أولَ الكتاب قال:
[١٤٤٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي،
عَنْ جَدِّي، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ
الزُّهْرِيِّ: وَذُكِرَ لِي، وَمَّا بَعْدَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ) الْفَهميّ مولاهم، أبو عبد الله
المصريّ ثقةٌ [١١] (ت٢٤٨) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢١١/٢٦.
٢ - (أَبُوهُ) شُعيب بن الليث بن سعد الْفَهميّ مولاهم، أبو عبد الملك
المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ نَبِيهٌ، من كبار [١٠] (ت ١٩٩) (م د س) تقدم في ((الإيمان))
٢١١/٢٦.
٣ - (جَدُّهُ) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهميّ مولاهم، أبو الحارث
المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] (ت١٧٥) تقدّم في ((شرح المقدّمة))
جـ٢ ص٤١٢.
٤ - (عُقَيْل) - بالضمّ - ابن خالد بن عَقِيل - بالفتح - الأيليّ أبو خالد
الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، سكن المدينة، ثمّ الشام، ثم مصر [٦] (ت١٤٤)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٣/٨.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد ابن شهاد الماضي، وهو: عن عروة،
بينيج]
عن عائشة
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣٧/٥ - ١٣٨.

(٤٠) - بَابُ بَيَانِ اسْتِحْبَابٍ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ - حديث رقم (١٤٤٦)
وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل حديث يونس، يعني أن الليث بن سعد حدّث عن
ابن شهاب، مثل حديث يونس عنه، لكنه لم يذكر كلام الزهريّ الأخير.
[تنبيه]: رواية الليث هذه ساقها البخاريّ تَخُّْ في ((صحيحه))، فقال:
(٥٦٦) حدّثنا يحيى بن بكير، قال: حدّثنا الليث، عن عُقيل، عن ابن
شهاب، عن عروة، أن عائشة أخبرته، قالت: أعتم رسول الله وَّه ليلةً
بالعشاء، وذلك قبل أن يفشو الإسلام، فلم يخرج حتى قال عمر: نام النساء
والصبيان، فخرج، فقال لأهل المسجد: ((ما ينتظرها أحد من أهل الأرض
غيركم)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٤٦] ( .. ) - (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، كِلَاهُمَا
عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ بَكْرٍ ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا خُجَّاجُ بْنُ
مُحَمَّدٍ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ
الرَّزَّاقِ، وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ، قَالُوا جَمِيعاً: عَنِ ابْنٍ جُرَيْجَ: قَالَ: أَخْبَرَنِي
الْمُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتٍ(١) أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهَا أَخَّبَرَتْهُ عَنْ عَائِشَةَ،
قَالَتْ: أَعْتَمَ النَّبُِّّ ◌َّهِ ذَاتَ لَيْلَّةٍ، حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ، وَحَتَّى نَامَ أَهْلُ
الْمَسْجِدِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَصَلَّى، فَقَالَ: ((إِنَّهُ لَوَقْتُهَا، لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي))، وَفِي
حَدِيثٍ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: (لَوْلَا أَنَّ يَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي))).
رجال هذا الإسناد: اثنا عشر:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوقٌ
فاضلٌ، ربّما وَهِمَ [١٠] (ت٥َ أو ٢٣٦) (ح د) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٤.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْر) بن عثمان الْبُرْسانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ
[٩] (ت٢٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٩/٦٥.
(١) وفي نسخة: (ابنة)).

٧٨
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
٤ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن مروان الحمّال البزّاز، أبو موسى البغداديّ،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣) (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦١/٦٤.
٥ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الْمِصْيصيّ الأعور، أبو محمد، ترمذيّ
الأصل، نزل بغداد، ثم الْمِصِّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط في آخره [٩] (ت٢٠٦)
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩٤/٦.
٦ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجّاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجّاج
الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٥٩) (مد) تقدم في (المقدمة)) ٤٠/٦.
٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) القشيريّ مولاهم، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ
حافظٌ عابدٌ [١١] (ت٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٨ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر
الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّفٌ شهير، عَمِي فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١)
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٩ - (ابْنُ جُرَيْج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ
مولاهم، أبو خالد، وَأبو الوليد المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، كان يدلّس ويرسل
[٦] (ت١٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦.
١٠ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ حَكِيم) الصنعانيّ الأَبناويّ، ثقة [٤].
رَوَى عن أبيه، وابن عَّمر، وأبي هريرة، ووهب بن مُنَبِّه، وعبد الله بن
سعد بن خيثمة الأنصاريّ، وعمر بن عبد العزيز، وطاووس، وصفية بنت شيبة،
وفاطمة بنت عبد الملك بن مروان، وأم كلثوم بنت أبي بكر الصديق.
ورَوَى عنه مجاهد، وهو أكبر منه، ونافع مولى ابن عمر، وهو من
أقرانه، وعمرو بن شعيب، وبُدَيل بن ميسرة، وصدقة بن يسار، وجرير بن
حازم، وابن جريج، وأبو الْعُمَيس، وإبراهيم بن عمر بن كيسان الصنعانيّ،
وآخرون.
قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وكذا قال النسائي،
والعجلي. وقال الدُّورِيُّ: هو الذي روى عنه ابن جريج، وجرير بن حازم،
ليس مغيرة غيره.
وقال عُبَيد بن عمير، عن نافع: سألني عمر بن عبد العزيز عن زكاة

٧٩
(٤٠) - بَابُ بَيَانِ اسْتِحْبَابٍ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ - حديث رقم (١٤٤٦)
العسل؟ فقلت: أخبرني المغيرة بن حكيم أنه ليس فيه زكاة، فقال: عَدْلٌ
مَرْضِيٌّ، فكتب إلى الناس بذلك.
وقال الآجريّ عن أبي داود: المغيرة بن حكيم: أحد الآخذين، وذكره
ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج البخاريّ في التعاليق، والمصنّف هذا الحديث فقط، والترمذيّ،
والنسائيّ، وله حديثان، حديث الباب، وحديث: ((لا يُقطَعُ الوادي إلا شَدّاً)).
١١ - (أُمُّ كُلْثُوم بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق، أمها حبيبة بنت خارجة، وتُوُفّي
أبوها، وهي حَمْلٌ، ثَّقة [٢] (بخ م س ق) تقدمت في ((الحيض)) ٢١/ ٧٩٢.
[فائدة]: وقع السؤال عن ((أم كلثوم)) هل يُمْنَع عجزه من الصرف؛ للعلمية
والتأنيث المعنويّ، كما منع في ((أبي هريرة))، و((أبي بكرة)) للتأنيث اللفظيّ؟.
فأجاب الشيخ محمد الدمياطيّ الخُضَريّ في ((حاشيته)) على ((ألفية ابن
مالك)) بالفرق بينهما بأن العلة الثانية، وهي التأنيث في ((هريرة)) تامة مستقلّة به قبل
التركيب وبعده، فانضمّت لجزء العلمية الحاصلة بعد التركيب، ومنعته، بخلاف
((كلثوم))، فإن فيه جزء كلّ من العلمية والتأنيث المعنويّ؛ لأنه مدلولٌ لمجموع
الجزأين، لا للعجز وحده، فالظاهر أن لا يُمْنَعَ، وهو الجاري على ألسنة
المحدثين كما في الدمامينيّ على ((المغني))؛ لِتَجَزُّئِ كل من العلتين فيه. انتهى(١).
١٢ - (عَائِشَةُ) ◌َؤُّ ذُكرت قبله.
وقوله: (أَعْتَمَ النَّبِيُّ وَّهِ) أي أخّر العشاء الأخيرة إلى عَتَمة الليل، وهي
ظلمته .
وقوله: (ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي ليلةً من الليالي.
وقوله: (حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ) قال النوويّ: أي كثير منه، وليس المراد
أكثره، ولا بدّ من هذا التأويل، لقوله وَله: (إنه لوقتها))، ولا يجوز أن يكون
المراد بهذا القول ما بعد نصف الليل؛ لأنه لم يقل أحد من العلماء أن تأخيرها
إلى ما بعد نصف الليل أفضل. انتهى(٢).
(١) راجع: ((حاشية الخضري على شرح ابن عقيل لألفية ابن مالك)) ١٠٢/٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٣٩/٥.

٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
قال الجامع عفا الله عنه: بل الأدلة الصحيحة قاضيةٌ بأنَّ ما بعد النصف
ليس وقتاً لها، فلا بدّ من التأويل المذكور؛ جمعاً بين الأدلة، فتبصر، والله
أعلم.
وقوله: ((إِنَّهُ لَوَقْتُهَا) قال القرطبيّ تَخُّْ: يعني الأفضل، ولهذا وشبهه قال
مالك: إن تأخير العشاء أفضل، وقيل عنه: تعجلها أفضل أخذاً بالتخفيف،
ولأن التعجيل كان غالب أحوال رسول الله وَ له، وقد اختار بعض أصحابنا
تقديمها إذا اجتمعوا، وتأخيرها إذا أبطئوا؛ أخذاً بحديث جابر نظره الآتي.
انتھی .
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله هذا البعض هو الحقّ؛ لقوّة
دليله، وسيأتي تحقيق ذلك - إن شاء الله تعالى -.
وقوله: (لَوْلًا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي))) قال النوويّ تَخْذَتُهُ: معناه إنه لوقتها
المختار، أو الأفضل، ففيه تفضيل تأخيرها، وأن الغالب كان تقديمها، وإنما
قدَّمها للمشقة في تأخيرها، ومن قال بتفضيل التقديم، قال: لو كان التأخير
أفضل لواظب عليه، ولو كان فيه مشقة، ومن قال بالتأخير قال: قد نَبَّه على
تفضيل التأخير بهذا اللفظ، وصَرَّح بأن ترك التأخير إنما هو للمشقة، ومعناه -
والله أعلم - أنه خَشِي أن يواظبوا عليه، فيفرض عليهم، ويتوهموا إيجابه،
فلهذا تركه كما ترك صلاة التراويح، وعَلَّل تركها بخشية افتراضها، والعجز
عنها، وأجمع العلماء على استحبابها؛ لزوال العلة التي خيف منها، وهذا
المعنى موجود في العشاء، قال الخطابيّ وغيره: إنما يستحب تأخيرها؛ لتطول
مدة انتظار الصلاة، ومنتظر الصلاة في صلاة. انتهى(١).
وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٤٧] (٦٣٩) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ
إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ نَافِعِ،
(١) ((شرح النووي)) ١٣٨/٥.