Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
(٣٦) - بَابُ بَيّانِ أَدِلَّةٍ مَنْ قَالَ: إِنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى هِيَ الْعَصْرُ - حديث رقم (١٤٢٨)
المشركين شَغَلُوا رسول الله بَ ل عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من
الليل ما شاء الله، فأمر بلالاً، فأذّن، ثم أقام فصلّى الظهر، ثم أقام فصلّى
العصر، ثم أقام فصلّى المغرب، ثم أقام فصلّى العشاء))(١).
قال: وبهذه الأحاديث استدَلَّ جميع العلماء على أن من فاتته صلوات قضاها
مرتَّبةً كما فاتته إذا ذكرها في وقت واحد، واختلفوا إذا ذَكَر صلاةً فائتةً في ضيق
وقت حاضرة، هل يبدأ بالفائتة، وإن خرج وقت الحاضرة، أو يبدأ بالحاضر، أو
يتخيّر، فيقدّم أيتها شاء؟، ثلاثة أقوال، وبالأول قال مالك، والليث، والزهريّ،
وبالثاني قال الحسن، وابن المسيِّب، وفقهاء أصحاب الحديث، وأصحاب
الرأي، والشافعيّ، وابن وهب من المالكيّة، وبالثالث قال أشهب من المالكيّة.
وهذا ما لم تكثُر الصلوات، فلا خلاف عند جميعهم على ما حكاه
القاضي عياضٌ أنه يبدأ بالحاضرة مع الكثرة، واختلفوا في مقدار اليسير، فعن
مالك قال: إن الخمس فدونها من اليسير، وقيل: الأربع فدونها، ولم يختلف
المذهب أن الستّ كثير. انتهى كلام القرطبيّ تَظّثُ(٢)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٢٨] (٦٢٨) - (وَحَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ سَلَام الْكُوفِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
طَلْحَةَ الْيَامِيُّ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اَللهِ، قَالَ: حَبَسَ الْمُشْرِكُونَ
رَسُولَ اللهِ ◌ّهِ عَنْ صَلَةِ الْعَصْرِ، حَتَّى احْمَرَّتِ الشَّمْسُ، أَوِ اصْفَرَّتْ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى، صَلَاةِ الْعَصْرِ، مَلَأَ اللهُ أَجْوَافَهُمْ،
وَقُبُورَهُمْ نَاراً، أَوْ قَالَ: حَشَا اللهُ أَجْوَافَهُمْ، وَقُبُورَهُمْ نَاراً))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَوْنُ بْنُ سَلَّام (٣) الْكُوفِيُّ) أبو جعفر الكوفيّ، مولى بني هاشم، ثقةٌ
[١٠] (ت٢٣٠) (م) تقدمً في ((الإيمان)) ٢٢٨/٣٠.
(١) رواه الترمذيّ برقم (١٧٩).
(٢) ((المفهم)) ٢٥٦/٢ - ٢٥٧.
(٣) بتشديد اللام.

٥٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ الْيَامِيُّ) الكوفيّ، صدوقٌ له أوهامٌ [٧] (ت١٧٧)
(خ م د ت عس ق) تقدم في ((الإيمان) ٢٢٨/٣٠.
٣ - (زُبَيْد) بن الحارث بن عبد الكريم بن عمرو بن كعب الياميّ، أبو عبد الرحمن
الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٦] (ت١٢٢) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان) ٢٢٨/٣٠.
٤ - (مُرَّةُ) بن شَرَاحيل الْهَمْدانيّ، أبو إسماعيل الكوفيّ، يقال له: مرّة
الطيب، ثقةٌ عابدٌ [٢] (٧٦) أو بعد ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٥/٦.
٥ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود بن غافل بن حبيب الْهُذليّ، أبو عبد الرحمن
الصحابيّ الشهير، مات ◌َظُه سنة (٣٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف نَخْذّتُهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فقد تفرّد به هو،
وشيخ شيخه، فما أخرج له النسائيّ إلا في ((مسند عليّ ◌َظُّه)).
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ◌ُه جمّ المناقب، فهو من السابقين الأولين
إلى الإسلام، وأحد فقهاء الصحابة، وأقرؤهم، فقد أثنى النبيّ وَّر على قراءته،
وأمر أن يقرأ بها، فقد أخرج الإمام أحمد، وابن ماجه بسند صحيح، عن
عبد الله بن مسعود ظبه أن أبا بكر وعمر بشّراه أن رسول الله وَلو قال: ((من
أحب أن يقرأ القرآن غَضّاً، كما أُنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد)).
وأخرج أحمد أيضاً بإسناد حسن عن عبد الله، أن النبيّ وَّر أتاه بين أبي
بكر وعمر، وعبد الله يصلي، فافتتح النساء، فسَحَلَها، فقال النبيّ وَّ: ((من
أحبّ أن يقرأ القرآن غَضّاً كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد»، ثم تقدّم
يسأل، فجعل النبيّ وَ له يقول: ((سَلْ تعطه، سل تعطه، سل تعطه))، فقال فيما
سأل: ((اللهم إني أسألك إيماناً لا يرتدّ، ونعيماً لا يَنْفَد، ومرافقة نبيك
محمد ◌َ﴿في أعلى جنة الخلد))، قال: فأتى عمر ظُه عبد الله ليبشّره، فوجد
أبا بكر رظهبه قد سبقه، فقال: إن فعلتَ لقد كنت سَبّاقاً بالخير(١).
(١) حديث حسنٌ، أخرجه أحمد في ((مسنده)) برقم (٤٢٤٣).

٥٨٣
(٣٦) - بَابُ بَيَانِ أَدِلَّةٍ مَنْ قَالَ: إِنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى هِيَ الْعَصْرُ - حديث رقم (١٤٢٨)
وفي رواية: عن ابن مسعود قال: دخل رسول الله ﴿ ﴿ المسجد، وهو بين أبي
بكر وعمر، وإذا ابن مسعود يصلي، وإذا هو يقرأ ((النساء))، فانتهى إلى رأس
المائة، فجعل ابن مسعود يدعو، وهو قائم يصلي، فقال النبيّ وَليقول: ((اسأل تعطه،
اسأل تعطه))، ثم قال: ((مَن سَرّه أن يقرأ القرآن غَضّاً كما أُنزل، فليقرأه بقراءة ابن أم
عبد))، فلما أصبح غدا إليه أبو بكر رظُبه ليبشّره، وقال له: ما سألت الله البارحة؟
قال: قلت: ((اللهم إني أسألك إيماناً لا يرتدّ، ونعيماً لا ينفد، ومرافقة محمد في
أعلى جنة الخلد))، ثم جاء عمر رَظُه، فقيل له: إن أبا بكر قد سبقك، قال:
يرحم الله أبا بكر، ما سبقته إلى خير قط، إلا سبقني إليه(١)، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود رَظُبه أنه (قَالَ: حَبَسَ) من باب ضرب، أي منع
(الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللهِنَّهِ عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ) أي عن أدائها في وقتها (حَتَّى احْمَرَّتِ
الشَّمْسُ، أَوِ اصْفَرَّتْ) ظاهر أن وقتها لم يخرج، وهو مخالف لما سبق من
الأحاديث الصريحة بأن الشمس غربت، ويمكن أن يُجمع بحمل هذا على بعض
الأيام؛ لأن الخندق كان أياماً، والله تعالى أعلم (فَقَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((شَغَلُونَا عَنِ
الصَّلَاةِ الْوُسْطَى) أي منعونا عن أدائها في وقتها المستحبّ، وقوله: (صَلَاةِ الْعَصْرِ)
بالجرّ بدل، أو عطف بيان لـ((الصلاة الوسطى))، كما سبق بيانه (مَلَأَ اللهُ أَجْوَافَهُمْ)
بفتح الهمزة: جمع جوف، وهو بمعنى الرواية الأخرى: ((بطونهم)) (وَقُبُورَهُمْ نَاراً،
أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ: حَشَا) هو بمعنى ((ملأ))، يقال: حشوت الوسادة
وغيرها بالقطن أحشوه حَشْواً، من باب نصر: إذا ملأته (اللهُ أَجْوَافَهُمْ، وَقُبُورَهُمْ
نَاراً))) قال الحافظ رَّتُهُ: قد استُشكل هذا الحديث بأنه تضمّن دعاء صدر من
النبيّ وَّ على من يستحقّه، وهو من مات منهم مشركاً، ولم يقع أحد الشقّين، وهو
البيوت، أما القبور فوقع في حقّ من مات منهم مشركاً لا محالة.
ويُجاب بأن يُحمل على سكّانها، وبه يتبيّن رجحان الرواية بلفظ:
((قلوبهم، أو أجوافهم)) أي بدل بيوتهم. انتهى.
(١) أخرجه أحمد برقم (٤٣٢٨).

٥٨٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وفي هذا الحديث بيان أن الصلاة التي فاتت كانت العصر، وظاهره أنه
لم يفُت غيرها، وفي ((الموطأ)) أنها الظهر والعصر، وفي غيره أنه أخّر أربع
صلوات: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء حتى ذهب هويّ من الليل.
وطريق الجمع بين هذه الروايات أن وقعة الخندق بقيت أيّاماً، فكان هذا
في بعض تلك الأيام(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود رضيبه هذا من أفراد
المصنّف نَخْذَهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤٢٨/٣٦] (٦٢٨)، و(الترمذيّ) في ((الصلاة))
(١٨١)، و((التفسير)) (٢٩٨٥)، و(ابن ماجه) في ((إقامة الصلاة)) (٦٨٦)،
و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٣٦٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٩٢/١ و٤٠٣
و٤٠٤ و٤٥٦)، و(الحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٧٤/١)، و(الطبري) في
«تفسيره)) (٥٤٢٠ و٥٤٢١ و٥٤٣٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٧٤٦)،
و(أبو عوانة) في («مسنده)) (١٠٤٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٤٠٣)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٦١/١)، وفوائد الحديث تقدّمت قريباً، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٢٩] (٦٢٩) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى
مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي يُونُسَ، مَوْلَى عَائِشَةَ،
أَنَّهُ قَالَ: أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفاً، وَقَالَتْ: إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الْآيَةَ،
فَاخِنِّي: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الْضَلَوَتِ وَالضَّلَوَةِ الْوُسْطَى﴾، فَلَمَّا بَلَغْتُهَا (٢) آذَنْتُهَا، فَأَمْلَتْ
(١) راجع: ((المرعاة)) ٣٤٠/٢.
(٢) وفي نسخة: ((قال: فلمّا بلغتها)).

٥٨٥
(٣٦) - بَابُ بَيَانِ أَدِلَّةٍ مَنْ قَالَ: إِنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى هِيَ الْعَصْرُ - حديث رقم (١٤٢٩)
عَلَيَّ: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَلَوَتِ وَالضَلَوَةِ الْوُسْطَى - وَصَلَاةِ الْعَصْرِ - وَقُومُواْ لِلَّهِ
قَدْنِتِينَ﴾، قَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْبَى التَّمِيمِيُّ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مَالِك) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم في الباب الماضي أيضاً.
٣ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) الْعَدويّ، مولى عمر بن الخطاب، أبو عبد الله، أو أبو
أسامة المدنيّ، ثقة فقيهٌ، كان يرسل [٣] (ت١٣٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦/ ٢٥٠.
٤ - (الْقَعْقَاعُ بْنُ حَكِيم) الكِنَانيّ المدنيّ، ثقة [٤] (بخ م ٤) تقدم في
((الإيمان)) ٢٠٤/٢٥.
٥ - (أَبُو يُونُسَ) مولى عائشة زوج النبيّ وَِّ، ثقة [٣].
روى عن عائشة ﴿يا، وعنه زيد بن أسلم، وأبو طوالة الأنصاريّ،
والقعقاع بن حكيم، ومحمد بن أبي عَتِيق.
ذكره مسلم في الطبقة الأولى من المدنيين، وذكره ابن سعد في الطبقة
الثانية، وذكره ابن حبّان في ((الثقات)).
أخرج له البخاريّ في «الأدب المفرد)»، والمصنّف، وأبو داود،
والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب والسنن حديثان فقط، هذا برقم
(٦٢٩)، وحديث (١١١٠): ((إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله ... ))، وأخرج له
البخاريّ في ((الأدب المفرد)) حديثاً آخر.
٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﴿ّا، تقدّمت في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رَُّهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير القعقاع؛ فأخرج له البخاريّ في
((الأدب المفرد))، وأبي يونس؛ فما أخرج له البخاريّ في ((الصحيح))، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات المدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين رَوَى بعضهم عن بعض: زيد بن
أسلم، عن القَعْقَاع، عن أبي يونس.

٥٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
٥ - (ومنها): أن أبا يونس، هذا الباب أول محلّ ذكره من الكتاب، وهو
من المُقِلِّين، فليس له عند المصنّف، وأصحاب السنن إلا حديثان فقط، كما
أسلفته آنفاً .
٦ - (ومنها): أن عائشة
من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠)
برامج]
أحاديث، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي يُونُسَ) لا يُعرف اسمه (مَوْلَى عَائِشَةَ) بنت الصدّيقِ ﴿يَا (أَنَّهُ
قَالَ: أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ) ◌َِّا أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفاً) قال في ((القاموس)): المصحف
- مثلثة الميم، من أُصْحِفَ بالضم - أي جُعِلَت فيه الصُّحُفُ. انتهى(١).
وذكر في ((المصباح)): أنه بضم الميم أشهر من كسرها. انتهى (٢).
وقال في ((اللسان)): والمُصْحَف ــ أي بالضم - والمِصْحَفُ - أي
بالكسر -: الجامع للصُّحُفِ المكتوبة بين الدَّقَتَيْنِ، كأنه أصْحِفَ، وكذا يقال:
مُظْرَفٌ ومِظْرَفٌ، من أُطرف، إذا جُعِل في طرفيه الْعَلَمان، استُثقلت الضمّة،
فكسرت الميم، فأصلها الضمّ، فمن ضمّ جاء به على أصله، ومن كسر
فلاستثقال الضمّة. انتهى باختصار(٣) .
(وَقَالَتْ: إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الْآيَةَ) الآتي ذكرها (فَآَذِنِّي) بالمدّ، وتشديد النون
بإدغام نون الكلمة في نون الوقاية، من الإيذان، وهو الإعلام، أي أعلمني
ببلوغك إيّاها، وإنما أمرته بذلك لتُمِليَ عليه ما ظنّته من الآية، ثم ذكرت الآية
المشار إليها بقولها: (﴿حَفِظُواْ عَلَى الضَلَوَاتِ﴾) أَمَر الله تعالى عباده بالمحافظة
على الصلوات بأدائها في أوقاتها، وحفظ حدودها وآدابها، وقال القرطبيّ تَظُّهُ:
هو خطاب لجميع الأمة، والآية أَمْرٌ بالمحافظة على إقامة الصلوات في أوقاتها
بجميع شروطها، والمحافظة هي المداومة على الشيءٍ، والمواظبة عليه.
(﴿وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾) بالجرّ عطفاً على ﴿القَلَوَتِ﴾، أي وحافظوا على
أداء الصلاة الوُسْطَى، وقرأ أبو جعفر الواسطيّ: ((والصلاةَ الوُسْطَى)) بالنصب
(١) ((القاموس المحيط)) ١٦١/٣.
(٣) راجع: ((لسان العرب)) ١٨٦/٩.
(٢) ((المصباح المنير)) ٣٣٤/٢.

٥٨٧
(٣٦) - بَابُ بَيَانِ أَدِلَّةٍ مَنْ قَالَ: إِنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى هِيَ الْعَصْرُ - حديث رقم (١٤٢٩)
على الإغراء، أي الزموا الصلاة الوُسْطى، وكذلك قرأ الحلواني، وقرأ قالون
عن نافع: ((الوُصْطَى)) بالصاد لمجاورة الطاء لها؛ لأنهما من حَيِّز واحد، وهما
لغتان کالصراط ونحوه. انتھی.
قال أبو يونس (فَلَمَّا بَلَغْتُهَا) أي الآية المذكورة (آذَنْتُهَا) أي أعلمتها
بلوغي إياها (فَأَمْلَتْ عَلَيَّ) من الإملاء، ولأبي داود: ((فأملّت)) بتشديد اللام،
أي ألقت عليّ لأكتب، وهما لغتان فصيحتان.
قال الفَيُّومِيُّ تَخْذَتُهُ: وأَمْلَلْتُ الكتابَ على الكاتب إملالاً: ألقيته عليه،
وأمْلَيْتُ عليه إملاء، والأولى لغة الحجاز، وبني أسد، والثانية لغة بني تميم،
وقيس، وجاء بهما الكتاب العزيز ﴿فَلْيُمْلِلْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الذي عليه الحق،
﴿فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]. انتهى (١).
(﴿حَفِظُواْ عَلَى الضَلَوَتِ وَالضَلَوَةِ الْوُسْطَى﴾ - وَصَلَاةِ الْعَصْرِ) هكذا الرواية
بواو العطف، واستَدَلّ به بعضهم على أن صلاة العصر ليست هي صلاة
الوسطى؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، وَرُدَّ عليه بأن العطف للتفسير، بدليل
الأحاديث الصحيحة المرفوعة، كحديث عليّ رظُّه الماضي.
وقال النوويّ تَخْتُ: واستَدَلّ به بعض أصحابنا على أن الوُسْطَى ليست
العصر؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، لكن مذهبنا أن القراءة الشاذّة لا يُحْتَجُ
بها، ولا يكون لها حكم الخبر عن رسول الله وَالر؛ لأن ناقلها لم ينقلها إلا على
أنها قرآن، والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر بالإجماع، وإذا لم يثبت قرآناً لا يثبت
خبراً، والمسألة مقررة في الأصول، وفيها خلاف بيننا وبين أبي حنيفة تَّتُهُ .
قال الجامع عفا الله عنه: أرجح الأقوال في هذه المسألة قول من قال:
إن ما قُرئ في الشواذّ يكون حجةً، كسائر أخبار الآحاد، كما أوضحت ذلك
في ((التحفة المرضيّة))، حیث قلت:
عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ شَاذاً(٢) يَنْجَلِي
وَكُلُّ مَا تَوَاتَراً لَمْ يَنَلِ
وَاخْتَلَفُوا هَلْ مِثْلُهُ فِي الْعَمَلِ
وَاتَّفَقُوا أَنْ لَيْسَ قُرْآناً تُلِي
(١) ((المصباح المنير)) ٥٨٠/٢.
(٢) بتخفيف الذال؛ للوزن.

٥٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وَكَوْنُهُ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي وَجُوبِ الاحْتِجَاجِ رَاجِحاً يَفِي
وإن أردت مزيد إيضاح فراجع شرحها ((المنحة الرضيّة)) تستفد، وبالله
تعالى التوفيق.
وقال السنديّ نَّتُهُ: والظاهر أن هذا كان من النبيّ وَلّ قاله تفسيراً للآية،
فَزَعَمَت عائشة أنه جزء من الآية، أو كان جزءاً فنُسِخ، وزعمت عائشة بقاءه،
والله أعلم. انتهى.
وقال أبو محمد بن حزم كَُّ في كتابه ((المحلَّ)):
[فإن قيل]: فكيف تصنعون أنتم في هذه الروايات التي أُوردت عن
حفصة، وعائشة، وأم سلمة، وأَبَيّ، وابن عباس التي فيها ((وصلاة العصر)) - أي
بواو - والتي فيها ((صلاة العصر)) عنهم بلا واو حاشا حفصة؟، وكيف تقولون
في القراءة بهذه الزيادة، وهي لا تحلّ القراءة بها اليوم؟.
[فجوابنا] : - وبالله تعالى التوفيق - أن الذي يظن من اختلاف الرواية في
ذلك، فليس اختلافاً، بل المعنى في ذلك مع الواو ومع إسقاطها سواءٌ، وهو أنها
تعطف الصفة على الصفة، لا يجوز غير ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَكِن رَّسُولَ
اللَّهِ وَخَتَمَ النَّبِيِّئِنُّ﴾، فرسول اللهِ وَ ل هو خاتم النبيين، وكما تقول: أَكْرِم إخوانك،
وأبا زيد الكريم والحسيب، أخا محمد، فأبو زيد هو الحسيب، وهو أخو محمد.
فقوله: ((وصلاة العصر)) بيان للصلاة الوسطى، فهي الوسطى، وهي صلاة
العصر.
وأما قوله وَله: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر))، فلا يَحْتَمِل
تأويلاً أصلاً، فوجب بذلك حمل قوله وَله: ((والصلاة الوسطى، وصلاة
العصر)) على أنها عطف صفة على صفة، ولا بُدَّ.
ويُبَيِّن أيضاً صحة هذا التأويل عنهم ما قد أوردناه عنهم أنفسهم، من
قولهم: ((والصلاة الوسطى، صلاة العصر)).
وصحت الرواية عن عائشة بأنها العصر، وهي التي رَوَت نزول الآية،
وفيها: ((وصلاة العصر))، فصح أنها عَرَفَت أنها صفة لصلاة العصر، وهي
سمعت النبيّ ◌َّ﴿ يتلوها كذلك، وبهذا ارتفع الاضطراب عنهم، وتتفق أقوالهم،
ويصح كلَّ ما روي عن رسول الله وَّ ر في ذلك، وينتفي عنه الاختلاف،

٥٨٩
(٣٦) - بَابُ بَيَانِ أَدِلَّةٍ مَنْ قَالَ: إِنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى هِيَ الْعَصْرُ - حديث رقم (١٤٢٩)
وحاشا لله أن يأتي اضطراب عن رسول الله وَله. انتهى كلام ابن حزم دَّثُهُ(١)،
وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
(﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَلِتِينَ﴾) أي خاشعين ذليلين، مستكينين بين يديه، قاله ابن
كثير رَُّهُ(٢)، وقال القرطبيّ تَّتُهُ: اختُلِف في معنى ﴿قَدِينَ﴾ على أقوال:
[الأول]: أن معناه ساكتين، وبه قال السُّدّيّ.
[الثاني]: طائعين، وبه قال الشعبيّ، وجابرُ بنُ زيد، وعطاء، وسعيد بن
جبير، وقال الضحاك: كل قنوت في القرآن، فإنما يُعْنَى به الطاعة.
[الثالث]: خاشعين، وبه قال مجاهد، قال: والقنوت طول الركوع،
والخشوع، وغَضّ البصر، وخفض الجَنَاحِ.
[الرابع]: القنوت طول القيام، وبه قال ابن عمر، وقرأ: ﴿أَمَّن هو قانت
آناء الليل ساجداً وقائماً﴾، وأخرج مسلم في ((صحيحه)): ((أفضلُ الصلاةِ طولُ
القنوت))، وقال الشاعر [من الرَّمَل]:
قَانِتاً للهِ يَدْغُو رَبَّهُ وَعَلَى عَمْدٍ مِنَ النَّاسِ اعْتَزَالْ
[الخامس]: معناه داعين، لما في ((الصحيحين)) من حديث أنس څته :
((قَنَتَ رسولُ الله وَّهِ شهراً ... )) الحديث. أي دعا، وقال قوم: معناه طَوَّلَ قيامه.
قال الجامع: أرجح هذه الأقوال عندي أولها؛ لما في ((الصحيحين)) من
حديث زيد بن أرقم ظُبه قال: ((كنا نتكلم في الصلاة يُكَلِّمُ الرجلُ منا صاحبه،
وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأمرنا
بالسكوت، ونُهِينا عن الكلام)).
فهذا نصّ واضحٌ في كون معنى القنوت في الآية هو السكوتَ، فتبصر، والله أعلم.
وقيل: إن أصل القنوت في اللغة الدوام على الشيء، ومن حيث كان
أصل القنوت في اللغة الدوام على الشيء جاز أن يُسَمَّى مديمُ الطاعة قانتاً،
وكذلك من أطَالَ القيامَ، والقراءةَ والدعاءَ في الصلاة، أو أطال الخشوع
والسكوت كل هؤلاء فاعلون للقنوت(٣).
(١) ((المحلَّى)) ٢٥٧/٤ - ٢٥٨.
(٢) ((تفسير ابن كثير)) ١/ ٤١١.
(٣) انظر تفاصيل الأقوال في: ((تفسير القرطبيّ)) ٢١٣/٣ - ٢١٤.

٥٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
(سَمِعْتُهَا) أي الآية على هذه القراءة (مِنْ رَسُولِ اللهِ وَليه)
رضى
(قَالَتْ عَائِشَةُ)
هذا الكلامُ من عائشة ◌َّا يَحْتَمِل وجهين:
[أحدهما]: أن تكون هذه اللفظة الزائدة من القرآن، ثم نُسِخَت كما
أخرجه مسلم عن البراء بن عازب ظًّا الآتي بهذا، فلعل عائشة رضيويّا لم تعلم
بنسخها، فأرادت إثباتها في المصحف، أو اعتقدت أنها مما نُسِخَ حكمها،
وبَقِيَ تلاوتها، فأرادت إثباتها .
[الثاني]: أن تكون عائشة سمعت اللفظة من النبيّ رَّ ذَكَرَهَا على أنها من
القرآن لتأكيد فضيلة العصر مع الصلاة الوسطى، كما ثبت في حديث جرير بن
عبد الله البَجَلِيّ ◌َظُه قال: كنَّا جلوساً عند رسول الله وَّه إذ نَظَرَ إلى القمر ليلةَ
البدر، فقال: ((أمَا إنكم سَتَرَوْنَ ربكم، كما ترون هذا القمر، لا تُضَامون في
رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغْلَبُوا على صلاةٍ قبلَ طلوع الشمس وقبلَ غروبها -
يعني العصرَ والفجرَ - ثم قرأ جرير ﴿وَسَيِّحَ بِحَمْدٍ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوع الشَّمْسِ وَقَبْلَ
اٌلْغُرُوبِ﴾)) [ق: ٣٩]. أخرجه الجماعة، فأكَّد فضيلتها، فأرادت عائشة أن تثبتها
في المصحف؛ لما ظنت أنها من القرآن، أو لأنها اعتقدت جواز إثبات غير
القرآن مع القرآن، كما رُوِيَ عن أُبَيِّ بن كعب، وغيره من الصحابة ◌َّ
أنهم
جَوَّزُوا إثبات القنوت، وبعض التفسير في المصحف، وإن لم يعتقدوه قرآناً،
والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعانُ، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ثنا هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤٢٩/٣٦] (٦٢٩)، و(أبو داود) في ((الصلاة))
(٤١٠)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٢٩٨٢)، و(النسائيّ) في ((الصلاة)) (٤٧٢)،
وفي ((الكبرى)) (٣٦٦)، وفي ((الكبرى)) أيضاً في ((التفسير)) (١١٠٤٦)، و(مالك)
في ((الموطأ)) (١٣٨/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٩٩/٦)، و(أبو عوانة) في
(«مسنده)) (١٠٣٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٤٠٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:

٥٩١
(٣٦) - بَابُ بَيَانِ أَدِلَّةٍ مَنْ قَالَ: إِنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى هِيَ الْعَصْرُ - حديث رقم (١٤٣٠)
١ - (منها): بيان وجوب المحافظة على صلاة العصر؛ لأنها الصلاة
الوسطى، وأن العطف فيه للتفسير، كما مرّ تحقيقه.
٢ - (ومنها): كون الصحابة ظلمه يعتنون بكتابة المصحف.
٣ - (ومنها): أن من عرف شيئاً خفي على غيره ينبغي له التنبيه عليه.
٤ - (ومنها): أنه استَدَلَّ به من قال إن الوسطى غير العصر؛ لأن العطف
للمغايرة، وقد عرفت الردّ عليه، فتنبّه، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٣٠] (٦٣٠) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ
آدَمَ، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ:
نَزَّلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الْضَلَوَتِ﴾، وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، فَقَرَ أْنَاهَا مَا شَاءَ اللهُ،
ثُمَّ نَسَخَهَا اللهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿حَفِظُواْ عَلَى القَلَوَتِ وَالضَّلَوَةِ الْوُسْطَى﴾، فَقَالَ
رَجُلٌ كَانَ جَالِساً عِنْدَ شَقِيقٍ لَهُ: هِيَ (١) إِذَنْ صَلَاةُ الْعَصْرِ؟ فَقَالَ الْبَرَاءُ: قَدْ
أَخْبَرْتُكَ كَيْفَ نَزَلَتْ، وَكَيْفَ نَسَخَهَا اللهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٢ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكريّا الكوفيّ، ثقةٌ
حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
٣ - (الْفُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ) الأغرّ - بالغين المعجمة، والراء - الرَّقَاشِيّ،
ويقال: الرُّؤَاسيّ، مولى بني عَنَزَة، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ يَهِمُ،
ورُمي بالتشيّع [٧].
رَوَى عن أبي إسحاق السبيعيّ، وعديّ بن ثابت، وعطية الْعَوْفيّ،
والأعمش، وميسرة بن حبيب، وشقيق بن عقبة، وغيرهم.
ورَوَى عنه زهير بن معاوية، ووكيع، وعبد الغفار بن الحكم، وحسين بن
(١) وفي نسخة: ((فهي)).

٥٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
عليّ الْجُعْفيّ، وأبو أسامة، والفضل بن مُوفَّق، ويحيى بن آدم، ويحيى بن أبي
بکیر، وغیرهم.
قال معاذ بن معاذ: سألت الثوريّ عنه؟ فقال: ثقةٌ، وقال الحسن بن عليّ
الحلوانيّ: سمعت الشافعيّ يقول: سمعت ابن عيينة يقول: فضيل بن مرزوق
ثقةٌ، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال عبد الخالق بن منصور،
عن ابن معين: صالح الحديث، إلا أنه شديد التشيع، وقال أحمد: لا أعلم إلا
خيراً، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: صالح الحديث، صدوقٌ، يَهِمُ كثيراً،
يُكتب حديثه، قلت: يُحتَجُّ به؟ قال: لا، وقال النسائيّ: ضعيفٌ، وقال ابن
عديّ: أرجو أنه لا بأس به، وقال الحسين بن الحسن المروزيّ: سمعت
الهيثم بن جَمِيل يقول: جاء فضيل بن مرزوق، وكان من أئمة الهدى زهداً
وفضلاً إلى الحسن بن صالح بن حيّ، فذكر قصة، وقال مسعود، عن الحاكم:
ليس هو من شرط الصحيح، وقد عيب على مسلم إخراجه لحديثه، قال ابن
حبان في ((الثقات)): يخطئ، وقال في ((الضعفاء)): كان يخطئ على الثقات،
ويروي عن عطية الموضوعات، وقال ابن شاهين في ((الثقات)): اختَلَفَ قول
ابن معين فيه، وقال في ((الضعفاء)): قال أحمد بن صالح: حديث فضيل، عن
عطية، عن أبي سعيد، حديث: ((الله الذي خلقكم من ضعف ... )) ليس له
عندي أصل، ولا هو بصحيح، وقال ابن رشدين(١): لا أدري من أراد أحمد بن
صالح بالتضعيف، أعطية، أم فضيل بن مرزوق؟ وقال العجليّ: جائز الحديث
صدوقٌ، وكان فيه تشيع، وقال أحمد: لا يكاد يُحَدِّث عن غير عطية.
أخرج له البخاريّ في ((جزء رفع اليدين))، والمصنّف، والأربعة، وله في
هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٦٣٠)، وحديث (١٠١٥): ((إن الله طيّبٌ،
لا يقبل إلا طيّباً ... ))، وله عند النسائيّ حديثُ عبد الله بن عمر: ((إياكم والشُّحّ)).
٤ - (شَقِيقُ بْنُ عُقْبَةَ) الْعَبْديّ الكوفيّ، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن البراء، وقُرّة بن الحارث، وعنه الأسود بن قيس، وفضيل بن
مرزوق، ومِسْعَرٌ.
(١) هكذا نسخة ((التهذيب)): ((ابن رشدين))، ولعله ((ابن شاهين))، فليُحرّر.

٥٩٣
(٣٦) - بَابُ بَيَّانِ أَدِلَّةٍ مَنْ قَالَ: إِنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى هِيَ الْعَصْرُ - حديث رقم (١٤٣٠)
قال أبو داود: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له المصنّف هذا الحديث فقط، وأخرج له أبو داود في ((الناسخ
والمنسوخ)).
[تنبيه]: ذكر في ((التهذيب)): أن لشقيق بن عُقبة في ((صحيح مسلم)) حديثاً
واحداً في الصلاة الوسطى، قال: وهو مُعَلَّق، قال مسلم: رَوَى الأشجعيّ،
عن سفيان، عن الأسود بن قيس، عن شقيق بن عقبة، عن البراء، وقد سمعناه
متصلاً في الخامس من حديث المزكي. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا من أغرب الغرائب، فإن مسلماً رواه أوّلاً
متّصلاً، ثم قال: ورواه الأشجعيّ، فكيف ترك المتّصل الذي أورده مسلم
أوّلاً، وذكر المعلّق الذي أورده بعده متابعةً، ثم ذكر أنه سمعه متّصلاً في
الخامس من حديث المزكي؟ وهذا الجزء غريب، والحديث أخرجه أبو عوانة،
وأبو نعيم في ((مستخرجيهما)) على ((صحيح مسلم)) متّصلاً من طريق الأشجعيّ،
كما سأذكره قريباً - إن شاء الله تعالى - فكان العزو إليهما أحقّ من العزو إلى
هذا الجزء الغريب، فتنبّه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
٥ - (الْبَرَاءُ بْنُ عَازِب) بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ
ابن الصحابيّ ﴿ّ، مات سنة (٧٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٤/٣٥.
شرح الحديث:
(عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) ﴿َا أنه (قَالَ: نَزَّلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ) وقوله: (﴿حَفِظُواْ
عَلَى الصَّلَوَتِ﴾) بدل من اسم الإشارة محكيّ؛ لقصد لفظه (وَصَلَاةِ الْعَصْرِ)
بالجرّ عطفاً على ((الصلوات))، من عطف الخاصّ على العامّ؛ تشريفاً وتكريماً،
كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيْنَ مِشَقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُوحٍ﴾ الآية، وقوله:
﴿فِهِمَا فَكِهَةُ وَخْلُ وَرْمَانٌ﴾، وقوله: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلُبِكَتِهِ وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ
وَمِيكَلَ﴾ الآية (فَقَرَأْنَاهَا مَا شَاءَ اللهُ) ولفظ ((ما)) مصدريّة ظرفيّة، أي مدّة
مشيئة الله تعالى، وفي رواية أبي عوانة في ((مسنده)): فقرأناها على رسول الله وعليه
(١) راجع: ((تهذيب التهذيب)) ١٧٩/٢.

٥٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
ما شاء الله أن نقرأها)) (ثُمَّ نَسَخَهَا اللهُ) رَك، أي رفع حكم كونها قرآناً (فَنَزَلَتْ:
﴿حَفِظُواْ عَلَى الضَلَوَاتِ وَالضَّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾) فقوله: ﴿حَفِظُواْ﴾ ... إلخ مرفوع
على الفاعليّة بـ((نزلت))، محكيّ؛ لقصد لفظه (فَقَالَ رَجُلٌ كَانَ جَالِساً عِنْدَ شَقِيقٍ)
أي ابن عقبة، وهذا الرجل اسمه زاهر، سمّاه أبو عوانة في ((مسنده))، ولفظه:
((فقال زاهر، وكان مع شقيق: أفهي صلاة العصر؟))، وكذا هو عند أبي نعيم في
((مستخرجه))، ولفظه: ((فقال له زاهر، رجلٌ كان مع شقيق: أفهي العصر؟))،
وقيل: اسمه أزهر، سمّاه به الإمام أحمد في ((مسنده))، ولفظه: ((فقال له رجل،
كان مع شقيق، يقال له: أزهر))، وقوله: (لَهُ) متعلّق بـ((قال))، أي قال للبراء
(هِيَ إِذَنْ صَلَاةُ الْعَصْرِ؟) أي إذا كان الأمر كما ذكرت من أن الآية نزلت أوّلاً
بلفظ: ((حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى، وصلاة العصر))، ثم نُسِخت
إلى: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الْضَلَوَتِ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾، فتكون الصلاة الوسطى هي
العصر؛ لأنها نزلت بدلها، وظاهر هذا أن نسخها إنما هو في اللفظ، لا في
المعنى، فهي مما نسخ لفظه، وبقي حكمه، كآية الرجم، أفاده ابن حزم كَّتُهُ(١).
(فَقَالَ الْبَرَاءُ) رَبه (قَدْ أَخْبَرْتُكَ كَيْفَ نَزَلَتْ، وَكَيْفَ نَسَخَهَا اللهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ) قال
القرطبيّ تَخَّهُ: قول البراء للسائل: ((قد أخبرتك ... إلخ)) يظهر منه تردّد، لكن
فيما ذا؟ هل نُسخ تعيينها، وبقيت هي الوسطى، أو نُسخ كونها وُسطى؟ في هذا
تردّدٌ - والله تعالى أعلم - وإلا فقد أخبر بوقوع النسخ. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الترديد الذي ذكره القرطبيّ إنما هو مبنيّ
على نسخته، فإن نصّ نسخته هكذا: ((نزلت هذه الآية: حافظوا على الصلوات
والصلاة الوسطى، وصلاة العصر، فقرأناها ما شاء الله، ثم نسخها الله، فنزلت:
﴿حَفِظُواْ عَلَى الضَلَوَتِ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾ ... إلخ))، فقد ذكر فيها: ((والصلاة
الوسطى)) في الآية الأولى كالثانية، والظاهر أن النسخة غلط، فإن جميع نسخ
((صحيح مسلم)) التي بين أيدينا، سوى نسخته نصّها: ((عن البراء بن عازب قال:
نزلت هذه الآية: حافظوا على الصلوات وصلاة العصر، فقرأناها ما شاء الله،
ثم نسخها، فنزلت: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ وَالضَّلَوَةِ الْوُسْطَى﴾ ... إلخ)).
(١) راجع: ((المحلّى)) ٢٥٨/٤.
(٢) ((المفهم)) ٢٥٩/٢.

٥٩٥
(٣٦) - بَابُ بَيَانِ أَدِلَّةٍ مَنْ قَالَ: إِنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى هِيَ الْعَصْرُ - حديث رقم (١٤٣٠)
وهكذا وقع عند كلّ من أخرج الحديث، فقد أخرجه أبو عوانة، وأبو نعيم
في ((مستخرجيهما))، والإمام أحمد في ((مسنده))، ونصّ أبي عوانة تَخْذَتُهُ (٢٩٥/١):
(١٠٤٠) حدّثنا الصائغ بمكة، والصغاني قالا: ثنا يحيى بن أبي بكير (ح)
وحدّثنا أبو أمية، قال: ثنا أبو نعيم (ح) وحدّثنا ابن ثور القيسرانيّ، قال: ثنا
الفريابيّ، قالوا: ثنا فضيل بن مرزوق، عن شقيق بن عُقبة، عن البراء بن عازب قال:
نزلت هذه الآية ((حافظوا على الصلوات وصلاة العصر))، فقرأناها على رسول الله وَال
ما شاء الله أن نقرأها، ثم نسخها الله رَك: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصََّلَوَتِ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾
قال الصائغ، عن يحيى بن أبي بكير: قال: فقال زاهر، وكان زاهر، مع شقيق: أفهي
صلاة العصر؟ فقال: قد حَدَّثتك كيف نزلت، وكيف نسخها الله، والله أعلم. انتهى.
ونصّ أبي نعيم كَُّ (٢٣٠/٢):
(١٤٠٧) حدّثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا عبد الله بن شيرويه، ثنا إسحاق بن
إبراهيم، أنبا يحيى بن آدم (ح) وحدّثنا أبو محمد بن حیّان، ثنا أبو يحيى الرازيّ،
ثنا سهل بن عثمان، ثنا ابن فضيل، قالا: ثنا فضيل بن مرزوق، عن شقيق بن
عُقبة، عن البراء بن عازب، قال: نزلت: ((حافظوا على الصلوات والصلاة
العصر))، فقرأناها على رسول الله ﴿ ﴿ ما شاء الله، ثم نسخها الله، فأنزل:
﴿حَفِظُواْ عَلَى الْضَلَوَاتِ وَالضَلَوَةِ الْوُسْطَى﴾، فقال له زاهرٌ، رجلٌ كان مع شقيق:
أفهي العصر؟ قال: حدّثتك كيف نزلت، وكيف نسخها، والله أعلم. انتهى.
ونصّ الإمام أحمد ركَُّ في «مسنده)) (٦١٣/٣٠ - ٦١٤):
(١٨١٩٨) حدّثنا يحيى بن آدم، حدّثنا فُضيل - يعني ابن مرزوق - عن
شقيق بن عُقبة، عن البراء بن عازب، قال: نزلت: ((حافظوا على الصلوات،
وصلاة العصر))، فقرأناها على عهد رسول الله وَلقول ما شاء الله أن نقرأها، لم
ينسخها الله(١)، فأنزل: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ وَالصَّلَوَةِ الْوُسْطَى﴾ فقال له رجل
كان مع شقيق يقال له أزهر: وهي صلاة العصر؟ قال: قد أخبرتك، كيف
(١) هكذا نسخ ((المسند)): ((لم ينسخها الله))، وهو في المصادر المتقدّمة: ((ثم نسخها الله))،
والظاهر أن ما وقع في ((المسند)) مصحّف، ومما يؤيّد ذلك قول البراء في الآخر:
((وكيف نسخها الله))، فتأمله، والله تعالى أعلم.

٥٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
نزلت، وكيف نسخها الله تعالى، والله أعلم. انتهى(١).
فتبيّن بما ذُكر أن ما وقع في نسخة القرطبيّ من زيادة قوله: ((والصلاة
الوسطى)) قبل ((وصلاة العصر)) غلطً، والصواب ما وقع في هذه الروايات من
قوله: ((نزلت حافظوا على الصلوات وصلاة العصر ... إلخ))، فتبصّر، والله
تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وعلى هذا فيكون عدم جزم البراء بأنها الوسطى هي صلاة العصر؛
لاحتمال أن تكون غيرها، ومما يدلّ على ذلك عدم إنكاره على السائل قوله:
((هي إذن صلاة العصر)).
والحاصل أن تردّد البراء ظُه لا يمنع أن نجزم بأنها صلاة العصر بالأدلّة
الأخرى التي لا تردّد فيها كحديث عليّ ◌َظُهُ المتقدّم وغيره، فتبصّر، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث البراء بن عازب ﴿ه هذا من أفراد المصنّف ◌َّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤٣٠/٣٦] (٦٣٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤/
٣٠١)، و(الطبريّ) في ((تفسيره)) (٥٤٣٧)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني
الآثار)) (١٧٣/١)، و((مشكل الآثار)) (٢٠٧١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(١٠٤٠)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٤٠٧)، و(الحاكم) في ((المستدرك))
(٢٨١/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٥٩/١)، و(ابن حزم) في ((المحلَّى))
(٢٥٨/٤)، وفوائد الحديث تقدّمت قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
(قَالَ مُسْلِمٍ: وَرَوَاهُ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ
قَيْسِ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: قَرَ أْنَاهَا مَعَ النَّيِّ
حلان
وَمـ
زَمَاناً، بِمِثْلِ حَدِيثٍ فَضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ).
(١) ((المسند)) ٦١٣/٣٠ - ٦١٤.

٥٩٧
(٣٦) - بَابُ بَيَانِ أَدِلَّةٍ مَنْ قَالَ: إِنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى هِيَ الْعَصْرُ - حديث رقم (١٤٣٠)
قال الجامع عفا الله عنه: غرض المصنّف بإيراد هذا المعلَّق هنا تقوية
رواية فُضيل بن مرزوق المتقدّمة، حيث إنه مختلف فيه، حتى عابه بعضهم
بإخراج حديثه، كما تقدّم في ترجمته، فأراد بيان أنه لم ينفرد بروايته عن
شقيق بن عُقبة، بل تابعه فيه الأسود بن قيس المتّفق على توثيقه.
[فإن قلت]: لماذا أورد المصنّف رواية الأسود بن قيس تعليقاً مع أنها
أصحّ بلا خلاف، ولم يوردها أصلاً، ثم يذكر رواية فضيل متابعةً؟.
[قلت]: إنما فعل ذلك لكون رواية الأسود لم يقع له سماعها، وإنما
سمع رواية فضيل، فأورد الحديث كما سمع، ثم أزال ما يُطعن فيه من تضعيف
بعضهم رواية فضيل بن مرزوق بإيراد رواية الأسود، هذا ما ظهر لي، والله
تعالى أعلم.
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (الْأَشْجَعِيُّ) عبيد الله بن عبيد الرحمن، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ
مأمون، من أثبت الناس كتاباً في الثوريّ، من كبار [٩] (ت١٨٢) (خ م ت س
ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٤٦/١٠.
٢ - (سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ) سفيان بن سعيد بن مسروق، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ
حافظٌ فقيهٌ إمامٌ عابدٌ حجة، من رؤوس [٧] (ت١٦١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/ ١.
٣ - (الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ) الْعَبديّ، ويقال: البجليّ، أبو قيس الكوفيّ، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن أبيه، وثعلبة بن عباد، وجندب بن عبد الله البجليّ، وسعيد بن
عمرو بن سعيد بن العاص، وشقيق بن عُقبة، ونُبَيح الْعَنَزيّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه شعبة، والثوريّ، وشريك، والحسن بن صالح، وزهير بن
معاوية، وأبو عوانة، وابن عيينة، وجماعة.
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال العجليّ: ثقةٌ حسن الحديث، وقال
الْفَسَويّ في ((تاريخه)): كوفيّ ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ثقةٌ، وقال شريك بن عبد الله
النخعيّ: أما والله إن كان لصدوق الحديث، عظيم الأمانة، مُكْرِماً للضيف.
وقال ابن البراء، عن ابن المدينيّ: رَوَى عن عشرة مجهولين لا يعرفون.
قال الحافظ: سَمَّى مسلم منهم في ((الوُحْدان)» أربعةً، وذكره ابن حبان في

٥٩٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
((الثقات))، فجعله اثنين، فالذي يروي عن جندب ذكره في التابعين، والذي
يروي عن نُبيح ذكره في أتباع التابعين.
قال الحافظ: كذا قال، والظاهر أنه وَهَمُ.
أخرج له السّة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (٦٣٠)
و (١٠٨٠) و(١٧٩٦) و(١٧٩٧) وأعاده بعده، و(١٩٦٠) وكرّره ثلاث مرّات.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثٍ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ) يعني أن حديث الأسود بن
قيس، عن شقيق بن عُقبة مثل حديث فضيل بن مرزوق، عنه.
[تنبيه]: رواية الأشجعيّ هذه، ساقها أبو عوانة في ((مسنده)) (٢٩٥/١)،
فقال :
(١٠٤١) حدّثنا موسى بن سعيد الطرسوسيّ، ثنا إبراهيم بن أبي الليث،
ثنا الأشجعيّ، عن سفيان - يعني الثوريّ - عن الأسود بن قيس، عن شقيق بن
عقبة، عن البراء بن عازب، قال: قرأنا بها مع رسول الله وَلل زمانا: ﴿حَفِظُواْ
عَلَى القَلَوَتِ وَالضَّلَوةِ الْوُسْطَى﴾، ولا أدري أهي هيه أم لا؟. انتهى.
وساقها أيضاً أبو نعيم في ((مستخرجه)) (٢٣٠/٢)، فقال:
(١٤٠٨) حدّثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا أبو بكر بن معدان،
ومحمد بن إبراهيم، قالا: ثنا يزيد بن الهيثم، ثنا إبراهيم بن أبي الليث، ثنا
الأشجعيّ، عن سفيان، عن الأسود بن قيس، عن شقيق بن عُقبة، عن البراء بن
عازب، قال: قرأنا مع النبيّ رَّه زماناً: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَلَوَتِ وَالضَلَوَةِ
الْوُسْطَى﴾، فلا أدري هي هي أم لا؟.
ثم قال: رواه مسلم بلا سماع، قال: رواه الأشجعيّ، عن سفيان. انتهى.
وقد سبق كلام الحافظ رشيد الدين العطار في مقدّمة ((قرّة عين المحتاج))
على هذا الحديث(١)، وأخرجه بسنده من طريق ابن المزكي كما مرّ عن
الحافظ، وإنما عدلت هنا إلى ((مسند أبي عوانة))، و((مستخرج أبي نعيم))؛
لأنهما ألصق بكتاب مسلم، ولأنهما أشهر من ابن المزكي، فتنبّه، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) راجع: ((قرة عين المحتاج)) ١/ ٩٤ - ٩٥ الطبعة الأولى، و٩٢/١ - ٩٣ الطبعة الثانية.

٥٩٩
(٣٦) - بَابُ بَيَانِ أَدِلَّةٍ مَنْ قَالَ: إِنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى هِيَ الْعَصْرُ - حديث رقم (١٤٣٠)
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة
عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة:
قد انتهيت من كتابة الجزء الثالث عشر من ((شرح صحيح الإمام مسلم))
المسمَّى ((البحر المحيط الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج)) تَُّهُ،
بعد صلاة الجمعة يوم الجمعة المبارك (١٤٢٦/١٢/٢٧ هـ الموافق ٢٧ يناير -
كانون الثاني ٢٠٠٦م).
أسأل الله العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم،
وسبباً للفوز بجنات النعيم لي ولکلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رءوف رحيم.
وآخر دعوانا: ﴿أَنِ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].
﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَنْنَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَاً أَنْ هَدَنَا الَّهُ﴾ الآية
[الأعراف: ٤٣].
وَاَلْحَمْدُ لِلَّهِ
وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ
﴿سُبْحَانَ رَيِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (ِبَّا
[الصافات: ١٨٠ - ١٨٣].
١٨٢
رَبِّ الْعَلَمِينَ
((اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم،
إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل
إبراهیم، إنك حميد مجيد)).
((السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته)).
ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء الرابع عشر مفتتحاً بـ (٣٧) - (بَابٌ مَنْ
فَاتَتْهُ صَلَاةٌ، أَوْ أَكْثَرُ كَيْفَ يَقْضِيهَا؟) رقم الحديث [١٤٣١] (٦٣١).
((سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك)).

٦٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
فهرس الموضوعات
الصفحة
الموضوع
(٢٠) - (بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ)
٥
(٢١) - (بَابُ صِفَةِ الْجُلُوسِ فِي الصَّلَاةِ)
٥٠
(٢٢) - (بَابُ السَّلَامِ لِلتَّحَلُّلِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَكَيْفِيَّتِهِ)
٧٤
(٢٣) - (بَابُ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ)
١٠١
(٢٤) - (بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَعَذَابٍ جَهَنَّمَ)
١١٣
(٢٥) - (بَابُ الأَشْيَاءِ الَّتِي أَمَرَ النَّبِيُّ وَّهِ أَنْ يُسْتَعَاذَ مِنْهَا فِي الصَّلَاةِ)
١٢٤
(٢٦) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ)
١٥١
(٢٧) - (بَابُ مَا يُقَالُ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ وَالْقِرَاءَةِ)
٢٥٣
(٢٨) - (بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِتْيَانِ الصَّلَاةِ بِوَفَارٍ وَسَكِينَةٍ، وَالَّهْيِ عَنْ إِثْيَانِهَا سَعْياً)
٢٨٨
٣٢١
(٢٩) - (بَابُ مَتَى يَقُومُ النَّاسُ لِلصَّلَاةِ)
٣٤٣
(٣٠) - (بَابُ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ تِلْكَ الصَّلَاةَ)
(٣١) - (بَابُ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ) .
٣٦٧
(٣٢) - (بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِالإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ)
٤٥٠
(٣٣) - (بَابُ اسْتِخْبَابِ تَقْدِيمِ الظُّهْرِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فِي غَيْرِ شِدَّةِ الْحَرِّ)
٤٨٥
٥٠٤
(٣٤) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّبْكِيْرِ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ)
٥٤٤
(٣٥) - (بَابُ التَّغْلِيظِ فِي تَفْوِيتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ)
٥٥٩
(٣٦) - (بَابُ بَيَانِ أَدِلَّةِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى هِيَ الْعَصْرُ)
فهرس الموضوعات
٦٠٠