Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
(٣٤) - بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّبْكِيرِ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ - حديث رقم (١٤١٧)
٣ - (ومنها): أنه ما بين مدنيين، وهما رافع، وأبو النجاشيّ، وشاميين،
وهما الأوزاعيّ، والوليد، ورازيّ، وهو شيخه.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي النَّجَاشِيِّ) عطاء بن صُهيب، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ
خَدِيج) - بفتح الخاء المعجمة، وكسر الدال المهملة، آخره جيم -
(يَقَُّولُ: كُنَّا نُصَلِّ الْعَصْرَ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، ثُمَّ تُنْحَرُ الْجَزُورُ) فعلٌ
ونائب فاعله، وتقدّم بيان معنى الجزور في الحديث الماضي (فَتُقْسَمُ) بالبناء
للمفعول، أي تجزّأ تلك الجزور (عَشَرَ قِسَم) بكسر القاف، وفتح السين
المهملة: جمع قِسْمة - بكسر، فسكون -: أي أجزاء (ثُمَّ تُطْبَخُ) بالبناء
للمفعول أيضاً، يقال: طَبَختُ اللحمَ طَبْخاً، من باب نصر: إذا أنضجته
بمرق، قاله الأزهريّ، ومن هنا قال بعضهم: لا يُسمّى طَبِيخاً إلا إذا كان
بمرق، ويكون الطّبْخُ في غير اللحم، يقال: خُبْزَةٌ جِيِّدةُ الطبخ، وآجُرّةٌ جِيِّدةُ
الطبخ، قاله في ((المصباح))(١).
(فَتَأْكُلُ) بالبناء للفاعل (لَحْماً نَضِيجاً) - بفتح النون، وكسر الضاد
المعجمة -: فَعِيلٌ بمعنى مفعول، قال الفيّوميّ نَّثُ: نَضِجَ اللحمُ والفاكهةُ
نَضَجاً، من تَعِبَ: طاب أكله، والاسم: النُّصْجُ بضمّ النون، وفتحها لغةٌ،
والفاعل ناضجٌ، ونَضِيجٌ، وأنضجته بالطبخ، فهو مُنْضَجْ، ونَضِيجٌ أيضاً.
(٢)
انتھی(٢).
(قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ) أي غروبها، و((المغيب)) : - بفتح الميم، وكسر
الغين المعجمة - مصدر غاب، يقال: غاب الشيءُ يَغِيبُ غَيْباً، وغَيْبةً، وغِيَاباً
- بالكسر - وغُيُوباً - بالضمّ - ومَغِيباً: إذا بَعُد(٣)، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) ((المصباح المنير)) ٣٦٨/٢.
(٣) ((المصباح المنير) ٢/ ٤٥٧.
(٢) ((المصباح المنير)) ٦٠٩/٢.

٥٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث رافع بن خديج ربه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤١٧/٣٤ و١٤١٨] (٦٢٥)، و(البخاريّ) في
((الشركة)) (٢٤٨٥)، و(ابن ماجه) في ((إقامة الصلاة)) (٦٨٧)، و(أبو عوانة) في
((مسنده) (١٠٣٦)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٣٩٣)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٢٤٢/١)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢١٠/٢)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): استحباب المبادرة في أداء صلاة العصر في أول الوقت،
وفيه الردّ على من زعم أن أول وقت العصر مصير ظلّ كلّ شيء مثلیه.
٢ - (ومنها): جواز الشَّرِكَة في الأشياء.
٣ - (ومنها): مشروعيّة جمع الحظوظ ثم اقتسامها، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٤١٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ،
وَشُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ الدِّمَشْقِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ
قَالَ: كُنَّا نَنْحَرُ الْجَزُورَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ نَّهِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَلَمْ يَقُلْ: كُنَّا
نُصَلِّي مَعَهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الحنظليّ المعروف بابن راهويه المروزيّ،
ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمام [١٠] (ت٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة))
٢٨/٥.

٥٤٣
(٣٤) - بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّْكِيرِ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ - حديث رقم (١٤١٨)
٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الكوفيّ، نزل الشام
مرابطاً، ثقةٌ مأمون [٨] (ت١٨٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٣ - (شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ الدِّمَشْقِيُّ) هو: شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ بن
عبد الرحمن بن عبد الله بن راشد الدِّمَشقيّ الأمويّ، مولى رَملة بنت عثمان،
أصله من البصرة، ثقةٌ رُمي بالإرجاء، من كبار [٩].
رَوَى عن أبيه، وأبي حنيفة، وتَمذهب له، وابن جريج، والأوزاعيّ،
وسعيد بن أبي عروبة، وعبيد الله بن عُمَر، وهشام بن عروة، والثوريّ،
وغيرهم.
ورَوَى عنه ابن ابنه عبد الرحمن بن عبد الصمد بن شعيب، وداود بن
رُشيد، والحكم بن موسى، وأبو النضر الفَرَاديسي، وعَمرو بن عون،
وإبراهيم بن موسى الرازيّ، وإسحاق ابن راهويه، وسُويد بن سعيد، وأبو
كريب محمد بن العلاء، وهشام بن عمار، وغيرهم، وحدّث عنه الليث بن
سعد، وهو في عداد شيوخه.
قال أبو طالب عن أحمد: ثقة، ما أصح حديثه وأوثقه. وقال أبو داود:
ثقة، وهو مرجئ، سمعت أحمد يقول: سمع من سعيد بن أبي عروبة بآخر
رَمَقٍ. وقال هشام بن عمار عن شعيب: سمعت من سعيد سنة (١٤٤). وقال
ابن معين، ودحيم، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال الوليد بن
مسلم: رأيت الأوزاعي يقربه ويدنيه. ونقل أبو الوليد الباجيّ عن أبي حاتم
قال: شعيب بن إسحاق ثقة مأمون.
قال دُحيم: وُلد سنة (١٨)، ومات سنة (٨٩). وفيها أرّخه ابن حبان في
((الثقات))، وكذا أرّخه ابن مُصَفَّى، وزاد: في رجب، وفيها أرّخه غير واحد،
ووقع في ((الكمال)) سنة (٩٨) وهو وَهَم.
أخرج له البخاري، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله
في هذا الكتاب (١٠) أحاديث.

٥٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بحديث الأوزاعيّ الماضي، وهو: عن أبي
النجاشيّ، عن رافع بن خَدِیج.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ) الضمير لإسحاق بن إبراهيم.
[تنبيه]: رواية عيسى وشعيب هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيَّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٣٥) - (بَابُ التَّغْلِيظِ فِي تَفْوِيتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٤١٩] (٦٢٦) - (وَحَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ،
عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ لِ قَالَ: ((الَّذِي تَفُوتُهُ(٢) صَلَةُ الْعَصْرِ،
كَأَنَّمَا وُثَّرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام، تقدّم في الباب
الماضي.
٢ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم أيضاً في الباب الماضي.
٣ - (نَافِعِ) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ
[٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨.
٤ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله ضِّ العدويّ، أبو عبد الرحمن، وُلِد بعد
المبعث بيسير، واستُصغِر يوم أحد، وهو ابن (١٤) سنةً، ومات (٧٣) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٠٢/١.
(١) وفي نسخة: ((حدّثنا)).
(٢) وفي نسخة: ((إن الذي تفوته)).

٥٤٥
(٣٥) - بَابُ التَّغْلِيظِ فِي تَفْوِيتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ - حديث رقم (١٤١٩)
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف تَّلُ، وهو (٨٦) من رباعيّات
الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو
داود وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ الأسانيد مطلقاً، على ما نُقل عن
البخاريّ ◌َتُهُ .
! أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة،
٤ - (ومنها): أن ابن عمر
روى (٢٦٣٠) حديثاً .
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﴿َّا (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَيِّ قَالَ: ((الَّذِي) مبتدأ خبره قوله:
((كأنما ... إلخ)، وفي نسخة: ((إن الذي)) (تَقُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ) قيل: فيه جواز
قول الشخص فاتتنا الصلاة، خلافاً لمن كرهه، كذا قيل، وفيه نظر؛ لأن
الكلام سيق مساق الذمّ، فكيف يستفاد منه هذا؟.
[تنبيه]: اختُلِف في المراد بفوات العصر في هذا الحديث، فقال ابن
وهب وغيره: هو فيمن لم يصلها في وقتها المختار، وقال سحنون،
والأصيلي، وابن عبد البر: هو أن تفوته بغروب الشمس، وقيل: هو تفويتها
إلى أن تصفرّ الشمس، وقد ورد مُفَسَّراً من رواية الأوزاعيّ في هذا الحديث،
قال فيه: ((وفواتها أن تدخل الشمس صفرة)).
قال العراقيّ ◌َُّ: كذا ذكر القاضي عياض، وتبعه النوويّ، وظاهر إيراد
أبي داود في ((سننه)) أن هذا من كلام الأوزاعيّ، قاله من عند نفسه، لا أنه من
الحديث، فإنه رُوي بإسناد منفرد عن الحديث عن الأوزاعيّ أنه قال: وذلك أن
تَرَى ما على الأرض من الشمس صفراء.

٥٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وفي ((العلل)) لابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه الوليد عن
الأوزاعيّ، عن نافع، عن ابن عمر ظه، قال: قال رسول الله وَله: ((من فاتته
صلاة العصر؛ وفواتها أن تدخل الشمس صفرة، فكأنما وتر أهله، وماله))، قال
أبي: التفسير من قول نافع. انتهى.
وكلام القاضي أبي بكر ابن العربيّ يقتضي أنه من كلام ابن عمر، فإنه
قال: وقد اختُلِف عن ابن عمر فيه، فروى الوليد، عن الأوزاعيّ، عن نافع،
عن ابن عمر: ((من فاتته صلاة العصر، وفواتها أن تدخل الشمس صفرة))، وابن
جريج يروي عنه: ((إن فواتها غروب الشمس)). انتهى.
وكيفما كان فليس هذا الكلام مرفوعاً إلى النبيّ وَلقر، فلا حجة فيه.
وقال ابن عبد البرّ ◌َّتُهُ في هذا القول: إنه ليس بشيء.
وقال ابن بطال تخّتُهُ: إنما أراد فواتها في الجماعة، لا فواتها باصفرار
الشمس، أو مغيبها؛ لما يفوته من صلاتها في الجماعة من حضور الملائكة
فيها، فصار ما يفوته من هذا المشهد العظيم الذي يجتمع فيه ملائكة الليل،
وملائكة النهار أعظم من ذهاب أهله وماله، ولو كان المراد فوات وقتها كله
باصفرار، أو غيبوبة لبطل الاختصاص؛ لأن ذهاب الوقت كله موجود في كل
صلاة. بهذا المعنى فسره ابن وهب، وابن نافع، وذكره ابن حبيب عن مالك،
وابن سحنون عن أبيه، قال ابن حبيب: وهو مثل حديث يحيى بن سعيد: ((إن
الرجل ليصلي الصلاة، وما فاتته، ولما فاته من وقتها أكثر من أهله وماله))،
يريد أن الرجل ليصلي الصلاة في الوقت المفضول، ولما فاته من وقتها
الفاضل الذي مضى عليه اختيار النبيّ وَّ وأبي بكر، وكُتُبُ عمر إلى عماله
أفضل من أهله وماله، وليس في الإسلام حديث يقوم مقام هذا الحديث؛
لأن الله تعالى قال: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصََّلَوَتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ولا يوجد حديث فيه
تكييف المحافظة غيره. انتهى.
ورَوَى ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن هشيم، عن حجاج، عن نافع، عن
ابن عمر ◌ًا، قال: قال رسول الله وَه: ((من ترك العصر حتى تغيب الشمس

٥٤٧
(٣٥) - بَابُ التَّغْلِيظِ فِي تَقْوِيتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ - حديث رقم (١٤١٩)
من غير عذر، فكأنما وتر أهله وماله)). انتهى كلام العراقيّ تَظّتُهُ(١)، وهو
تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
(كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ))) قال الحافظ ابن رجب تَخْذُهُ: قوله: ((وُتر أهله
وماله)) قيل: معناه: خَرِبَ أهله وماله، وسُلِبهما، من وَتَرْتُ فلاناً: إذا قتلتَ
حَمِيمه، والْوِترُ: الْحُقد، بكسر الواو، ولا يجوز فتحها، وذلك أبلغ من ذهاب
الأهل والمال على غير هذا الوجه؛ لأن الموتور يهمّ بذهاب ما ذهب منه،
ويطلُب ثاره حتى يأخذ به.
وقيل: معناه: أُفرد عن أهله وماله، من الوتر بكسر الواو وفتحها، وهو
الفرد، أي صار هو فرداً عن أهله وماله، وعلى هذا والذي قبله، فالمعنى
ذهاب جميع أهله وماله.
وقيل: معناه قُلِّل ونُقِصَ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَّكُمْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥].
و(«أهلَهُ ومالَه)) روايتهما بنصب اللام على أنه مفعول ثانٍ لـ((وُتِرَ))؛ لأن وَتَرَ
وَنَقَصَ يتعدّيان إلى مفعولين، ولو رُوي بضمّ اللام على المفعول الأول لم يكن
لحناً، غير أن المحفوظ في الرواية الأول، قاله الحافظ أبو موسى المدينيّ.
وقال أبو الفرج ابن الجوزيّ في ((كشف المشكل)): في إعراب الأهل
والمال قولان :
أحدهما: نصبهما، وهو الذي سَمِعناه، وضبطناه على أشياخنا في كتاب
أبي عُبيد وغيره، ويكون المعنى: فكأنما وُتِرَ في أهله وماله، فلَمّا حُذف
الخافض انتصب.
والثاني: رفعهما على ما لم يُسمَّ فاعله، والمعنى: نُقصا، وكأنه يشير إلى
أن النصب والرفع ينبني على الاختلاف في معنى ((وُتِرَ))، هل هو بمعنى سُلِبَ،
أو بمعنى نقص؟ والله أعلم. انتهى كلام ابن رجب ◌َّتُهُ(٢).
وقال الحافظ العراقيّ كَّتُهُ: يُرْوَى بنصب ((أهله، وماله))، ورفعهما،
والنصب هو الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور، كما قال النوويّ، وقال
(١) ((طرح التثريب)) ٢/ ١٨٠ - ١٨١.
(٢) ((فتح الباري)) لابن رجب ٤/ ٣٠٠ - ٣٠١.

٥٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
القاضي عياض: وهو الذي ضبطناه عن جماعة شيوخنا، ووجهه أنه مفعول
ثان، أي وُتِرَ هو أهلَهُ ومالَهُ، وقيل: إنه منصوب على نزع الخافض، أي وتر
في أهله وماله، فلما حذف الخافض انتصب، قال القاضي عياض والنوويّ:
ومن رفع فعلى ما لم يسم فاعله، قال العراقيّ: وفيما قالاه نظر؛ إذ الفعل لم
يُسَمَّ فاعله، وهو مبني للمفعول على كل حال، فرواية النصب على أن التارك
هو المنقوص، فأقام ضميره مقام الفاعل، فانتصب أهله وماله؛ لأنه مفعول
ثان، ورواية الرفع على أن أهله، وماله هم المنقوصون، فأقامه مقام الفاعل،
فرفعه .
وقال القاضي أبو بكر ابن العربيّ: إن رفعت فعلى البدل من الضمير في
(وُتِر)). انتهى.
فأما على رواية النصب، فاختلفوا في معناه، فقال الخطابيّ وغيره: معناه
نُقِص هو أهله وماله، وسُلِبهم، فبقي وِتراً فرداً بلا أهل ولا مال، فليحذر من
تفويتها، كحذره من ذهاب أهله وماله، جزم به الخطابيّ في ((المعالم))، وقال
في ((أعلام الجامع الصحيح): ((وُتِرَ)): أي نقص، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَن يَتِرَكُ
أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]، وقيل: سُلِب أهله وماله، فبقي وتراً، لا أهل له ولا
مال. انتهى.
فجعلهما قولين متغايرين، تفسيره بنُقِصَ، وتفسيره بسُلِبَ.
قال العراقيّ: وهذا يخالف ما حكيته عنه أوّلاً، وكذا غاير بينهما غيره،
قال ابن بطال: قال ((صاحب العين)): الوِتْرُ، والتِّرَةُ: الظلم في الدم، يقال
منه: وتر الرجل وتراً، وتِرَةً، فمعنی وتر أهله وماله: سلب ذلك، وحُرِمه، فهو
أشدّ لغمه وحزنه؛ لأنه لو مات أهله، وذهب ماله من غير سلب، لم تكن
مصيبته في ذلك عنده بمنزلة السلب؛ لأنه يجتمع عليه في ذلك غمان، غم
ذهابهم، وغم الطلب بوترهم، وإنما مثّله ◌َ ﴿ فيما يفوته من عظيم الثواب، ثم
قال: وقد يَحْتَمِل أن يكون عنى بقوله: ((فكأنما وُتِر أهله وماله)) أي نُقِص
ذلك، وأُفرِد منه، من قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَلَكُمْ﴾، أي لن يَنقُصَكم،
والقول الأول أشبه بمعنى الحديث. انتهى.

٥٤٩
(٣٥) - بَابُ التَّغْلِيظِ فِي تَفْوِيتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ - حديث رقم (١٤١٩)
وقال ابن عبد البرّ رَُّ(١): معناه عند أهل اللغة، والفقه: أنه يصاب
بأهله وماله إصابةً يطلب بها وتراً، والوترُ: الجناية التي يُظْلَب ثأرها، فيجتمع
عليه غمان، غم المصيبة بذهاب ماله، وغم مقاساة طلب الثأر.
يقول: فالذي تفوته صلاة العصر لو وُفِّق لرشده، وعَرَف قدر ما فاته من
الخير والفضل كان كالذي أصيب بأهله وماله على ما ذكرنا .
قال: وأصل الكلمة من اللغة فإنها مأخوذة من الوتر والتِرة، وهو أن
يَجْني الرجلُ على الآخر جناية في دم أو مال، فيطلبه به حتى يأخذ منه ذلك
المال أو مثله، ومثل ذلك الدم، وقَلّما يكون ذلك إلا أكثر من الجناية الأولى،
فيذهب المال، ويُجْحِف به وبالأهل، وقد يسمى كل واحد منهما موتوراً؛
لذهاب ماله وأهله، قال الأعشى:
عَلْقَمُ مَا أَنْتَ إلَى عَامِرٍ
النَّاقِضِ الأَوْتَارِ وَالْوَاتِرٍ
وقال أعرابيّ:
فِي الصُّبْحِ طَالِبَ وَتْرٍ كَانَ فَاتَّأَرَا
كَأَنَّمَا الذِّئْبُ إِذْ يَعْدُو عَلَى غَنَمِي
وقال منقذ الهلاليّ:
وَكَذَاَك يَفْعَلُ فِي تَصَرُّفِهِ وَالدَّهْرُ لَيْسَ يَنَالُهُ وَتْرُ
وهذا عندنا أن تفوته صلاة العصر بغير عذر حتى تغيب الشمس ولا يدرك
منها ركعة قبل الغروب، ومن قال: إن ذلك أن يؤخرها حتى تصفرّ الشمس
فليس بشيء، والدليل على ذلك أن مالكاً قال في ((الموطأ)) في رواية ابن
القاسم في هذا الموضع: ((ووقت صلاة الظهر والعصر إلى غروب الشمس)).
وقد يَحْتَمِل أن يكون خروج قوله عليّ في هذا الحديث على جواب
سؤال السائل، كأنه قال: يا رسول الله، ما مَثَلُ الذي تفوته صلاة العصر،
فقال: هو كمن وتر أهله وماله، فإن كان هذا هكذا فيدخل في معنى العصر
حينئذ الصبح والعشاء بطلوع الشمس وطلوع الفجر. انتهى (٢).
وقال الداوديّ من المالكية: معناه يتوجه عليه من الاسترجاع ما يتوجه
على مَن فَقَد أهله وماله، فيتوجه عليه الندم، والأسف بتفويت الصلاة، وقيل:
(١) ((التمهيد)) ١٢١/١٤ - ١٢٤.
(٢) ((الاستذكار)) ٦٥ - ٦٦.

٥٥٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
معناه: فاته من الثواب ما يلحقه من الأسف عليه كما يَلحق من ذهب أهله
وماله.
وقال الباجي: يَحْتَمل أن يريد وُتِر دون ثوابٍ يُدَّخَر له، فيكون ما فات
من ثواب الصلاة، كما فات هذا الموتور. انتهى.
وأما رواية الرفع، فمعناه: انتُزِع منه أهله وماله، وهذا تفسير مالك بن
أنس ركآتُ .
قال الحافظ العراقيّ تَخْلَتُهُ: يَحْتَمِل أن يقال: إنما خَصَّ الأهل والمال
بالذكر؛ لأن الاشتغال في وقت العصر إنما هو بالسعي على الأهل، والشغل
بالمال، فذكر * أن تفويت هذه الصلاة نازل منزلة فقد الأهل والمال، فلا
معنى لتفويتها بالاشتغال بهما، مع كون تفويتها كفواتهما أصلاً ورأساً. انتهى
كلام العراقيّ تَُّ، وهو تحقيقُ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﴿ّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤١٩/٣٥ و١٤٢٠ و١٤٢١] (٦٢٦)، و(البخاريّ)
في ((مواقيت الصلاة)) (٥٥٢)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٤١٤)، و(الترمذيّ) فيها
(١٦٥)، و(النسائيّ) في ((المواقيت)) (٥١٢)، وفي ((الكبرى)) (١٤٩٨)، و(ابن
ماجه) في ((إقامة الصلاة)) (٦٨٥)، و(مالك) في ((الموطأ)) (١١/١ - ١٢)،
و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٨٠٣ و١٨٠٨)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه))
(٢٠٧٥)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٤٢/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢/
١٣ و٢٧ و٤٨ و٥٤ و٧٥ و٧٦ و١٠٢ و١٢٤)، و(الدارميّ) في («سننه)) (١/ ٢٨٠)،
و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٣٣٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٤٦٩)،
و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٣١٠٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٠٤٢ و١٠٤٣)،
و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٣٩٤ و١٣٩٥ و١٣٩٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى))
(٤٤٤/١ و٤٤٥)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٣٧١)، والله تعالى أعلم.

٥٥١
(٣٥) - بَابُ التَّغْلِيظِ فِي تَفْوِيتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ - حديث رقم (١٤١٩)
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان التشديد في تفويت صلاة العصر.
٢ - (ومنها): بيان عِظَم قدر صلاة العصر عند الله رَبَّك، وموقعها من
الدين، وأن الذي تفوته قد فُجِع بدينه بما ذهب منه كما يُفجَع من ذهب أهله
وماله، قاله ابن رجب دَخَُّهُ(١) .
٣ - (ومنها): بيان تعظيم فعل الصلاة في وقتها، وهي خير أعمالنا، كما
قال ◌َله: ((واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة))، أخرجه أحمد، وابن ماجه
بإسناد صحيح، وقد سئل النبيّ بَّ: أيُّ الأعمال أحب إلى الله؟ فقال:
((الصلاة على وقتها))، متّفقٌ عليه، ورُوي: ((في أول وقتها)).
٤ - (ومنها): بيان تحقير الدنيا وأن قليل عمل البر خير من كثير من
الدنيا، فالعاقل العالم بمقدار هذا الخطاب يَحْزَن على فوات صلاة العصر إن
لم يدرك منها ركعة قبل غروب الشمس، أو قبل اصفرارها فوق حزنه على
ذهاب أهله وماله، قاله ابن عبد البرّ تَخْدَثُ(٢).
٥ - (ومنها): أنه قد احتَجَّ بهذا الحديث من ذهب إلى أن الصلاة الوسطى
هي صلاة العصر، وهو القول الراجح، كما سيأتي في الباب التالي - إن شاء الله
تعالى - فقال: خَصّها رسول الله ﴿﴿ بالذكر من أجل أن الله خَصّها بقوله:
﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالضَّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾، فجمعها في قوله: ﴿الصَّلَوَاتِ﴾، ثم
خَصّها بالذكر تعظيماً لها، كما قال رَّ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَِّعِنَ مِثَقَهُمْ﴾
[الأحزاب: ٧]، فعَمّ النبيين، ثم قال: ﴿وَمِنْكَ وَمِن نُّوْجِ وَإِبْرَهِيَمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ
مَرْمٌ﴾ [الأحزاب: ٧]، فخَصّ هؤلاء تعظيماً لهم، وهم أولو العزم من الرسل،
وقد اختَلَفَ العلماء من الصحابة والتابعين، وسائر علماء المسلمين في الصلاة
الوسطى(٣)، وسيأتي بيان أقوالهم في الباب التالي - إن شاء الله تعالى -.
٦ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب نَّثُ: وقد زعم بعض العلماء أن
هذا لا يختصّ بفوات العصر، وأن سائر الصلوات فواتها كفوات العصر في
(١) ((فتح الباري)) لابن رجب ٣٠١/٤.
(٣) راجع: ((التمهيد)) ١٤/ ١٢٢.
(٢) ((التمهيد)) ١٢١/١٤.

٥٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
ذلك، وأن تخصيص العصر بالذكر إنما كان بسؤال سائل سأل عنه، فأُجيب،
ورجحه ابن عبد البرّ (١)، وفيه نظرٌ. وقد يُستدلّ له بما أخرجه الإمام أحمد
وغيره من حديث عمرو بن شُعيب، عن رسول الله وَ ل أنه قال: ((مَن ترك
الصلاة سُكْراً مرة واحدة، فكأنما كانت له الدنيا وما عليها، فسُلِبها ... ))
الحديث(٢).
واستدلّ من قال: إن جميع الصلوات كصلاة العصر في ذلك بما رَوَى
ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن
هشام، عن نوفل بن معاوية الديليّ، أن النبيّ وَّلإر قال: ((من فاتته الصلاة،
فكأنما وتر أهله وماله))، قال: وهذا يعمّ جميع الصلوات، فإن الاسم المعرَّف
بالألف واللام يعمّ، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾.
[البقرة: ٤٣].
قال: وهذا ليس بمتعيّن؛ لجواز أن يكون الألف واللام هنا للعهد، كما
قوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَوْةِ﴾ [المائدة: ١٠٦] على تأويل من فسّرها
بصلاة العصر. انتهى كلام ابن رجب رَُّهُ، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قد كتب الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ تَذَتُهُ بحثاً نفيساً
في حديث ابن عمر ﴿ها هذا، أحببت إيراده هنا؛ لنفاستة، وغزارة فوائده،
قال رَحْدَتْهُ :
هذا حديث صحيح بإسناده هذا، لم يُخْتَلف فيه على مالك، وكذلك رواه
أيوب، وعبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر.
قال: وهو عند ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر، رواه عن ابن
شهاب جماعة من أصحابه، منهم ابن عيينة، ومحمد بن أبي عتيق، وإبراهيم بن
سعد .
(١) فيه نظر؛ لأن كلامه في ((التمهيد)) ليس فيه ترجيح لهذا القول، بل هو مجرّد ذكر،
فليُتأمل.
(٢) إسناده صحيح.

٥٥٣
(٣٥) - بَابُ التَّغْلِيظِ فِي تَفْوِيتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ - حديث رقم (١٤١٩)
قال: ورواه سعد بن إبراهيم، عن الزهريّ، عن ابن عمر مرفوعاً بغير
اللفظ، ثم أخرجه بسنده، عن سعد بن إبراهيم، عن الزهريّ، عن ابن عمر،
أن النبيّ وَ﴿ قال: ((إن الرجل ليُدْرك الصلاة، وما فاته منها خير من أهله
وماله)).
قال: وعند ابن شهاب أيضاً في هذا الحديث إسناد آخر، عن أبي بكر بن
عبد الرحمن، عن نوفل بن معاوية الدئليّ، رواه عنه مالك وغيره، إلا أنه
محفوظ من ابن أبي ذئب، عن الزهريّ، وغير محفوظ عن مالك، إلا من
حديث خَلَف بن سالم، عن مَعْن، عن مالك، قال أبو عبد الرحمن النسائيّ:
أخاف أن لا يكون محفوظاً من حديث مالك، ولعله أن يكون مَعْنٌ، عن ابن
أبي ذئب.
قال: فأما حديث مالك، عن ابن شهاب في ذلك، فقرأته على أحمد بن
فتح بن عبد الله، أن حمزة بن محمد حدثهم، قال: حدّثنا أحمد بن الحسن بن
عبد الجبار، قال: حدّثنا خلف بن سالم المخزوميّ، قال: حدّثنا مَعْن بن
عيسى، عن مالك، عن الزهريّ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن
هشام، عن نوفل بن معاوية الدئليّ، أن رسول الله و * قال: ((من فاتته صلاة
العصر، فكأنما وُتِر أهله وماله)).
وخالفه ابن أبي ذئب في هذا الإسناد، فجعله عن الزهريّ، عن أبي
سلمة، فيما رَوَينا من حديث أسد، حدّثناه خلف بن القاسم، قراءةً مني عليه،
قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن الْمِسْوَر، قال: حدّثنا مِقْدام بن داود، قال:
حدّثنا أسد بن موسى، قال: حدّثنا ابن أبي ذئب، عن الزهريّ، عن أبي
سلمة بن عبد الرحمن، عن نوفل بن معاوية، قال: سمعت رسول الله وَلقه
يقول: ((من فاتته صلاةٌ فكأنما وُتِرِ أهله وماله)»، هكذا قال: ((صلاة))، فيما كتبنا
عنه، وقرأنا علیه.
وذِكْرُ أبي سلمة بن عبد الرحمن في هذا الحديث خطأ من قائله، وإنما
هو أبو بكر بن عبد الرحمن، وليس ذلك من ابن أبي ذئب، وإنما الخطأ فيه
من أسد، أو ممن دون أسد، وأما من ابن أبي ذئب فلا.
ثم أخرجه بسنده عن ابن أبي ذئب، عن الزهريّ، عن أبي بكر بن

٥٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
عبد الرحمن، عن نوفل بن معاوية الدُّئَّليّ، قال: سمعت رسول الله وصله يقول:
((من فاتته الصلاة، فكأنما وُتِرِ أهله وماله))، قلت: ما هذه الصلاة؟ قال: صلاة
العصر، قال: وسمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله صل *: ((إن الذي تفوته
صلاة العصر، فكأنما وُتِر أهله وماله)).
هكذا في هذا الحديث بهذا الإسناد: ((وسمعت ابن عمر))، فإن صَحّ
هذا، فالحديث لابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن نوفل بن
معاوية، وابن عمر جميعاً، عن النبيّ وَّة، وعن سالم أيضاً، عن ابن عمر، عن
النبيّ أێ .
ومما يُصَحِّح ذلك أن محمد بن إسحاق، رَوَی هذا الحدیث، عن یزید بن
أبي حبيب، عن عِرَاك بن مالك الغِفَاريّ، قال: سمعت نوفل بن معاوية
الدئليّ، وهو جالس مع عبد الله بن عمر بسوق المدينة، يقول: سمعت
رسول الله وَّله يقول: ((صلاةٌ من فاتته، فكأنما وُتر أهله وماله))، فقال عبد الله بن
عمر: قال رسول الله وقيل: هي العصر، ذكره الطحاوي في ((فوائده)) عن علي بن
معبد، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق.
ثم ساقه بسنده، عن ابن أبي ذئب، عن الزهريّ، عن أبي بكر بن
عبد الرحمن، عن نوفل بن معاوية، قال: سمعت رسول الله و18َ يقول: ((من
فاتته صلاة العصر، فكأنما وُتِر أهله وماله)).
وهذا يدلك على أن قوله في حديث نوفل الدئيّ: ((من فاتته الصلاة)) أراد
صلاة العصر، فيكون معناه، ومعنى حديث ابن عمر سواءً، وتكون صلاة
العصر مخصوصة بالذكر في ذلك غيرها بالمعنى(١).
وقد ذهب قوم من أهل العلم إلى أن حديث نوفل بن معاوية أعمّ، وأولى
بصحيح المعنى، من حديث ابن عمر، وقالوا فيه: قوله: ((من فاتته الصلاة)) -
وقد فاتته صلاةٌ - يريد كلَّ صلاة؛ لأن حرمة الصلوات كلها سواءٌ، قال:
وتخصيص ابن عمر لصلاة العصر، هو كلام خرج على جواب السائل، كأنه
سمع رسول الله ﴿ قد أجاب من سأله عن صلاة العصر بأن قال له: ((الذي
(١) هكذا النسخة، ولعل الصواب: عن غيرها بالمعنى، والله تعالى أعلم.

(٣٥) - بَابُ التَّغْلِيظِ فِي تَقْوِيتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ - حديث رقم (١٤٢٠)
٥٥٥
تفوته صلاة العصر، فكأنما وُتر أهله وماله))، ولو سئل عن الصبح وغيرها كان
كذلك جوابه أيضاً - والله أعلم - بدليل حديث نوفل بن معاوية: ((الذي تفوته
الصلاة، أو تفوته صلاةٌ، فكأنما وُتر أهله وماله)). انتهى ملخّص كلام ابن
عبد البرّ ◌َُّهُ(١)، وهو بحثٌ مفيدٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[١٤٢٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَا:
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ عَمْرٌو: يَبْلُغُ بِهِ، وقَالَ أَبُو
بَكْرٍ: رَفَعَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) تقدّم قبل باب.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بكير، أبو عثمان البغداديّ،
نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٢) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤.
٣ - (سُفْيَانٌ) بن عيينة الإمام الحافظ الحجة المشهور، أبو محمد المكيّ،
من كبار [٨] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص ٣٨٣.
٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم في الباب الماضي.
٥ - (سَالِم) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب القرشيّ العدويّ، أبو عمر،
أو أبو عبد الله المدنيّ، أحد الفقهاء السبعة، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ فاضلٌ، من كبار
[٣] (ت١٠٦) على الصحيح تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦٢.
وقوله: (قَالَ عَمْرٌو: يَبْلُغُ بِهِ، وقَالَ أَبُو بَكْرٍ: رَفَعَهُ) أشار به إلى اختلاف
شيخيه في صيغ الأداء، فقال عمرو الناقد: ((يبلغ به))، والفاعل ضمير ابن
عمر چا، وضمير ((به)) للحديث.
والمعنى: أن ابن عمر ◌ّ رفع الحديث إلى النبيّ ◌َل﴾.
(١) ((التمهيد)) ١١٥/١٤ - ١٢١.
-

٥٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ((رَفَعَه)) أي بصيغة الماضي، أي رفع ابن
الحديث إلى النبىّ
عمر
٠
وهذا الذي اختلف فيه شيخا المصنّف لا اختلاف فيه من حيث المعنى،
وإنما ذكره المصنّف تَّتُهُ من باب المحافظة على ألفاظ الشيوخ، قال
النوويّ كَُّ: هما بمعنَى، لكن عادة مسلم تَظُّ: المحافظة على اللفظ، وإن
اتّفق المعنى، وهي عادة جميلة، والله أعلم. انتهى (١).
[تنبيه]: رواية أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان بن عيينة، فقد ساقها في
((مصنّفه)) (٣٠١/١) فقال:
(٣٤٤٢) حدّثنا أبو بكر، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن
سالم، عن أبيه رفعه، قال: ((إن الذي تفوته العصر، فكأنما وُتِر أهله وماله)).
انتھی .
وأما رواية عمرو الناقد، عن سفيان، فلم أجدها، إلا أن البيهقيّ: ساقها
في ((الكبرى)) (٤٤٤/١) من طريق آخر، فقال:
(١٩٣٢) وأخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، أنبأ حاجب بن
أحمد الطوسيّ، ثنا عبد الرحيم بن منيب، ثنا سفيان، عن الزهريّ، عن سالم،
عن أبيه يبلغ به النبيّ (18 في الذي تفوته صلاة العصر: ((كأنما وتر أهله
وماله)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْدَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٤٢١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ
عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((مَنْ فَاتَتْهُ الْعَصْرُ، فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ
وَمَالَهُ))).
(١) ((شرح النووي)) ١٢٦/٥.

٥٥٧
(٣٥) - بَابُ التَّغْلِيظِ فِي تَفْوِيتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ - حديث رقم (١٤٢١)
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله الحافظ الفقيه المصريّ، تقدّم في الباب
الماضي .
٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) الحافظ المصريّ، تقدّم في الباب الماضي
أيضاً.
والباقون ذُكرِوا في السند الماضي.
وقوله: (وَاللَّفْظُ لَهُ) يعني أن هذا اللفظ لهارون بن سعيد، وأما أبو بكر،
وعمرو الناقد، فروياه بمعناه، وعادة صنيع المصنّف تَخْتُ في مثل هذا أن يكتب
لفظ (ح)، كما سيأتي نظيره في الباب التالي، ويَحْتَمل أن يكون سقطت من
النسّاخ، والله تعالى أعلم.
وقوله: (فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ) تقدّم شرحه مستوفَّى في الحديث
الماضي، ونذكر هنا فائدة نحويّة مهمّةً، وهي: أن الفاء في قوله ((فكأنما
وتر ... إلخ))، إنما دخلت في خبر المبتدأ؛ لما فيه من معنى العموم، فأشبه
الشرط الذي يربط جوابه بها .
قال الْخُضَرِيّ في ((حاشيته على شرح ابن عقيل لألفية ابن مالك)):
[فائدة]: لا يقترن الخبر بالفاء إلا إذا كان المبتدأ يشبه الشرط في
العموم، والاستقبال، وترتب ما بعده عليه، وذلك لكونه موصلاً بفعل صالح
للشرطية بأن يخلو من عَلَم الاستقبال، كالسين، وأداة الشرط، ومن ((قد))،
و((ما)) النافية، أو بظرف، أو مجرور، كالذي يأتيني، أو هو هنا، أو في الدار،
فله درهم، أو نكرة موصوفة بذلك، كرجل يأتيني، أو هنا، أو في الدار، فله
درهم، أو مضافاً إلى الموصول والموصوف المذكورين بشرط كونه لفظ ((كل))
في الثاني، كما قاله السيد البليديّ، كلُّ الذي يأتيني، أو كل رجل يأتيني ...
إلخ، أو موصوفاً بالموصول المذكور، كالرجل الذي يأتيني ... إلخ، وكذا
المضاف لذلك، فيما يظهر، كغلام الرجل الذي يأتيني ... إلخ، فتلك ثماني
عشرة صورة يكثر اقتران خبرها بالفاء، لتنص على مراد المتكلم من ترتب
الدرهم على الإتيان مثلاً، فلو عُدِم العموم، كالسعيُّ الذي تسعاه في الخير

٥٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
ستلقاه، أو الاستقبالُ، كالذي زارني أمس له كذا، أو اقترن الفعل بشيء مما
مرّ، كالذي سيأتيني، أو إن يأتيني أكرمه، أو قد أتاني، أو ما أتاني له كذا،
امْتَنَعَت الفاء؛ لفوات الشَّبَه بالشرط، وكذا لو كانت الصفة، أو الصلة غير ما
ذُكِر، کالذي أبوه محسن مکرَم، والقائم زيد، ولا يجوز: فمكرم، ولا فزيد،
خلافاً لابن مالك في الثاني، وأما آية السرقة، والزنا، فخبرهما محذوف، أي
مما يتلى عليكم حكم السارق، والزاني ... إلخ، وقوله ﴿فَقْطَعُواْ﴾ [المائدة:
٣٨]، و﴿فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] بيان للحكم.
وتدخل الفاء بقلّة في خبر ((كل)) إذا أضيف لغير ما مرّ، بأن أضيف لغير
موصوف أصلاً، ككلُّ نعمة فمن الله، أو لموصوف بغير ما ذكر، كقوله [من
الخفيف] :
كُلُّ أَمْرٍ مُبَاعِدٍ أَوْ مُدَانٍ فَمَنُوظٌ بِحِكْمَةِ الْمُتَعَالِي
ومنه حديث: ((كل أمر ذي بال ... إلخ)) (١) بناءً على أن العبرة الصفةُ
الأولى، فإن اعْتُبِرت الثانية، وهي ((لا يبدأ)) كان من الكثير؛ لصلوحه للشرط،
كما في ((حاشية الصبان))، والظاهر أن مثل ذلك إضافتها لموصول بغير ما مرّ،
ککُّ الذي أبوه قائم، فله درهم.
فجملة ما تدخل الفاء في خبره إحدى وعشرون صورةً، ما لم يدخلها
ناسخٌ، فيمنع الفاء، بإجماع المحققين، إلا ((إنَّ)، و((أَنّ)) و((لكنّ)) على
الصحيح، كآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبَُّا اَللَّهُ﴾ [فصلت: ٣٠] الآية، ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا
غَنِمْتُم﴾ [الأنفال: ٤١] الآية، وذلك كثير. انتهى ما كتبه الْخُضَريّ تَظْلَثُ في
((حاشيته))(٢)، وهو تحقيقُ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إنما كتبت هذه المسألة وإن كان فيها
طولٌ؛ لكثرة دورانها في الأحاديث، فينبغي معرفتها تمام المعرفة، وقد قدّمت
في أوائل هذا الشرح أن المقصود الأساسيّ في وضع الشرح هو إيضاح الكتاب
(١) تقدّم الكلام على هذا الحديث في ((شرح المقدّمة)) عند الكلام على البسملة، وأنه
حديث ضعيف، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(٢) ((حاشية الخضريّ)) ١٠٣/١.

٥٥٩
(٣٦) - بَابُ بَيّانِ أَدِلَّةٍ مَنْ قَالَ: إِنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى هِيَ الْعَصْرُ - حديث رقم (١٤٢٢)
المشروح بما يتطلبه من الفوائد الإسنادية، والمتنية، والمصطلحات الحديثية،
والمعاني اللغوية، والنحوية، والفقهية، وغير ذلك من أنواع العلوم التي يحتاج
إليها طالب العلم، فإيّاك أن تلومني بما جمعت له من هذه الفوائد، والله رَق
يتولاني وإياك بما تولّى به عباده الصالحين، إنه رؤوف رحيم آمين، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٣٦) - (بَابُ بَيَانِ أَدِلَّةٍ مَنْ قَالَ: إِنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى هِيَ الْعَصْرُ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٤٢٢] (٦٢٧) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ،
عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَحْزَابِ،
قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَلَأَ اللهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَاراً، كَمَا حَبَسُونَا، وَشَغَلُونَا
عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى، حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ))).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة
إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠]
(ت٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن سلمة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ
ثبتٌ، من كبار [٩] (ت٢٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠.
٣ - (هِشَام) بن حسّان الأزديّ الْقُرْدوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، من
أثبت الناس في ابن سيرين [٦] (ت٧ أو ١٤٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥.
٤ - (مُحَمَّد) بن سيرين الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة
البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ، كبير القدر [٣] (ت١١٠) (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) ج١ ص٣٠٨.

٥٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
٥ - (عَبِيدَةُ) بن عَمْرو السلمانيّ المراديّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة ثبتٌ
فقيةٌ مخضرمٌ، فاضلٌ [٢] مات قبل (٧٠) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان))
٤٦٨/٨٩.
٦ - (عَلِيّ) بن أبي طالب الهاشميّ الخليفة الراشد بطولته، استُشهد سنة
(٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف تَّلْهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنهم كوفيّون إلا هشاماً وابن سيرين، فبصريّان.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةً تابعيّ، عن تابعيّ: محمد، عن عَبيدة.
٥ - (ومنها): أن علياً ظله أحد الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة
﴿، والله تعالى أعلم.
المبشرين بالجنة
شرح الحديث:
(عَنْ عَلِيٍّ) رَبُهُ أنه (قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَحْزَابِ) ((كان)) هنا تامّةٌ بمعنى
جاء، فلا تحتاج إلى خبر، كما قال الحريريّ في «مُلحته)):
وَإِنْ تَقُلْ يَا قَوْمَ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ
ويومُ الأحزاب هو: يوم الخندق، وكان في شوال سنة أربع من الهجرة،
كما قال موسى بن عُقْبَةَ، واختاره البخاريّ، وقيل: سنة خمس، وعليه كثيرون.
وسميت الْغَزْوَةُ بالأحزاب؛ لاجتماع طَوَائِفَ من المشركين: قريشٍ،
وغَطَفَانَ، وبني أسد، وبني سُلَيم، وبني سعد، واليهود على حرب المسلمين،
وهم كانوا ثلاثة آلاف، والمشركون عشرة آلاف، وقيل: أربعة وعشرين ألفاً.
وسُمَِّت بالخندق؛ لأجل الخندق الذي حُفِرَ بأمره ◌َّهِ حولَ المدينة لَمَّا
أشار به سلمانُ الفارسيُّ ◌َبهِ، فإنه من مكائد الفُرْس دون العرب، وعمِلَ فيه
النبيُّ وَّ﴿ بنفسه ترغيباً للمسلمين، فإنهم قَاسَوا في حَفْرِهِ شدائدَ، منها شدةٌ
الجوع والبرد، وكثرةُ الحفر، والتعب، وأقاموا في عمل الحفر عشرين ليلة، أو