Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
(٣١) - بابُ أوقاتِ الصَّلواتِ الخَمْسِ - حديث رقم (١٣٩٤)
الصَّلَاةَ»، فَأَمَرَ بِلَالاً، فَأَذَّنَ بِغَلَسٍ، فَصَلَّى الصُّبْحَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، ثُمَّ أَمَرَهُ
بِالظُّهْرِ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ عَنْ بَطْنِ السَّمَاءِ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْعَصْرِ، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ،
ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْمَغْرِبِ حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْعِشَاءِ حِينَ وَقَعَ الشَّفَقُ، ثُمَّ
أَمَرَهُ الْغَدَ فَتَوَّرَ بِالصُّبْحِ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالظُّهْرِ فَأَبْرَدَ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْعَصْرِ، وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ
نَقِيَّةٌ، لَمْ تُخَالِطْهَا صُفَّرَةٌ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْمَغْرِبِ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْعِشَاءِ
عِنْدَ ذَهَابٍ ثُلُثِ اللَّيْلِ، أَوْ بَعْضِهِ - شَأَكَ حَرَمِيٌّ - فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: ((أَيْنَ السَّائِلُ؟،
مَا بَيْنَ مَا رَأَيْتَ وَقْتُ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ السَّامِيُّ) هو: إبراهيم بن محمد بن
عَرْعَرَة - بفتح العينين المهملتين، وإسكان الراء بينهما - ابن الْبِرِند بن النعمان بن
علجة الساميّ(١)، أبو إسحاق البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حافظٌ [١٠].
رَوَى عن جرير بن عمارة، وابن مهديّ، وجعفر بن سليمان، وجدّه
عَرْعَرة، وعبد الرزاق، ويحيى القطان، وغندر، ومعاذ بن هشام، وغيرهم.
وروى عنه مسلم، والصنعانيّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وابن أبي خيثمة،
وإبراهيم الحربيّ، وأبو يعلى الموصليّ، وجماعة.
قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: تحفظ عن قتادة، عن أبي حسان، عن
ابن عباس : ((أن النبيّ وَلو كان يزور البيت كل ليلة))؟، فقال: كتبوه من
كتب معاذ بن هشام لم يسمعوه، قلت: ها هنا إنسان يزعم أنه سمعه من معاذ،
فأنكر ذلك، قال: من هو؟ قلت: إبراهيم بن عرعرة، فتغير وجهه، ونفض
يده، وقال: كَذِبٌ وزُورٌ، ما سمعوه منه، قال فلان: كتبناه من كتابه،
سبحان الله، واستعظم ذلك، قال الخطيب: وقد أخبرنا بالحديث المذكور
عثمان بن محمد بن يوسف العلاف، ثنا أبو بكر الشافعيّ، ثنا إسماعيل
القاضي، ثنا عليّ ابن المدينيّ، قال: رَوَى قتادة حديثاً غريباً لا يحفظ عن أحد
من أصحاب قتادة، إلا من حديث هشام، فنسخته من كتاب ابنه معاذ بن
(١) بالسين المهملة: منسوب إلى سامة بن لُؤيّ بن غالب، وهو من نسله قرشيّ ساميّ.

٤٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
هشام، وهو حاضر، لم أسمعه منه، عن قتادة، وقال لي معاذ: هاته حتى
أقرأه، قلت: دَعْهُ اليوم، قال: حدثنا أبو حسان، عن ابن عباس: ((أن النبيّ وَّه
كان يزور البيت كل ليلة، ما أقام بمنى))، قال: وما رأيت أحداً واطأه عليه،
قال عليّ ابن المدينيّ: هكذا هو في الكتاب، قال الخطيب: وما الذي يمنع أن
يكون إبراهيم بن محمد بن عرعرة سمع هذا الحديث من معاذ، مع سماعه منه
غيره، وقد قال ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)): سئل أبي عن إبراهيم بن
عرعرة؟، فقال: صدوق، وقال ابن معين: ثقة معروف بالحديث، مشهور
بالطلب، كَيِّس الكتاب، ولكنه يفسد نفسه يدخل في كل شيء، وقال عثمان بن
خُرّزاد: أحفظ من رأيت أربعة، فذكر فيهم إبراهيم، وقال صالح جَزَرة: ما
رأيت أعلم بحديث أهل البصرة من القَوَاريريّ، وعليّ ابن المدينيّ، وإبراهيم بن
عرعرة، وقال الحاكم: هو إمام من حفاظ الحديث، وقال الخليليّ: حافظ كبير
ثقة مُتَّفَقٌ عليه، وقال ابن قانع: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وقال البغويّ، وموسى بن هارون، ومطين: مات سنة (٢٣١)، زاد
البغويّ، وموسى: في رمضان.
تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث، برقم
(٦١٣) و(٩٥٥) و(١٠٥٩) و(١٣٦٩) و(٢٢٩٨) و(٢٤٧٤) و(٢٩٥٧).
٢ - (حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةً) بن أبي حفصة نابت - بنون، وموحّدة، ثم مثنّاة -
ويقال: ثابت - بالثاء المثلّثة - كالجادّة الْعَتَكِيّ مولاهم، أبو رَوْح البصريّ،
صدوقٌ يَهِمُ [٩].
رَوَى عن أبي خَلْدة، وقُرّة بن خالد، وأبي طلحة الراسبيّ، وعَزْرَة بن
ثابت، وغيرهم.
وروى عنه عبد الله بن محمد المسنَديّ، وعلي ابن المديني، وبندار،
وإبراهيم بن محمد بن عرعرة، ومحمد بن عمرو بن جَبَلة، وغيرهم.
قال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: صدوقٌ، وقال ابن أبي حاتم، عن
أبيه: ليس هو في عداد القطان، وابن مهديّ، وغُندر، هو مع وهب بن جرير،
وعبد الصمد، وأمثالهما، وذكره العقيلي في ((الضعفاء))، وحَكَى عن الأثرم،
عن أحمد نَخْذَتُ ما معناه: إنه صدوق، كانت فيه غفلة، وأنكر عليه أحمد

٤٤٣
(٣١) - بابُ أوقاتِ الصَّلواتِ الخَمْسِ - حديث رقم (١٣٩٤)
حديثين من حديثه، عن شعبة: أحدهما: حديث حارثة بن وهب، وقد صححه
الشيخان، والآخر حديث أنس: ((مَن كَذَب عليّ)).
قيل: إنه مات سنة إحدى ومائتين، هكذا أرّخه ابن قانع.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله
في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط برقم (٦١٣) و(١٣٩٣) و(٢٢٩٨)
و(٢٤٨٤) و(٢٧٦٧).
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: ((اشْهَدْ مَعَنَا))) أي احضر.
وقوله: (فَأَذَّنَ بِغَلَسٍ) بفتحتين: ظلام آخر الليل(١).
ثم إن هذه الرواية مخالفة للرواية السابقة؛ لأنه هنا بدأ بالفجر، وهناك
بدأ بالظهر، والظاهر أن الاختلاف من تصرّف الرواة، فليُتنبّه، والله تعالى
أعلم.
وقوله: (فَصَلَّى الصُّبْحَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ) أي عند أول طلوعه.
وقوله: (حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ) أي غابت ودخلت في مغربها .
وقوله: (حِينَ وَقَعَ الشَّفَقُ) أي غاب.
وقوله: (ثُمَّ أَمَرَهُ الْغَدَ) منصوب على الظرفيّة، أي في اليوم الثاني.
وقوله: (فَتَوَّرَ بِالصُّبْحِ) أي أسفر، وهو من النور، وهو الإضاءة.
وقوله: (وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ) جملة في محل النصب على الحال.
وقوله: (قَبْلَ أَنْ يَقَعَ الشَّفَقُ) أي يغيب.
وقوله: ((مَا بَيْنَ مَا رَأَيْتَ وَقْتُ))) ((ما)) الأولى موصولة مبتدأ، و((بين))
منصوب على الظرفية، متعلّق بصلتها، وهو مضاف إلى ((ما)) الثانية، وهي أيضاً
موصولة، و((رأيت)) صلتها، والعائد محذوفٌ، أي رأيته، وقوله: ((وقتٌ)) خبر
المبتدأ .
والتقدير: الوقت الذي استقرّ بين الوقتين الذين رأيتني صلّيت فيهما في
هذين اليومين وقتٌ للصلوات الخمس الذي سألت عنه.
(١) ((المصباح)) ٤٥٠/٢.
٠ ١٠٠

٤٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظْثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٣٩٥] (٦١٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا
بَدْرُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلِ أَنَّهُ
أَتَاهُ سَائِلٌ يَسْأَلُهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ (١)، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئاً، قَالَ: فَأَقَامَ الْفَجْرَ(٢)
حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ، وَالنَّاسُ لَا يَكَادُ يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ بِالظُّهْرِ
حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، وَالْقَائِلُ يَقُولُ: قَدِ انْتَصَفَ النَّهَارُ، وَهُوَ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُمْ، ثُمَّ
أَمَرَهُ، فَأَقَامَ بِالْعَصْرِ(٣)، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، ثُمَّ أَمَرَهُ، فَأَقَامَ بِالْمَغْرِبِ (٤) حِينَ وَقَعَتِ
الشَّمْسُ، ثُمَّ أَمَرَهُ، فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أَخَّرَ الْفَجْرَ مِنَ الْغَدِ حَتَّى
انْصَرَفَ مِنْهَا، وَالْقَائِلُ يَقُولُ: قَدْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ أَوْ كَادَتْ، ثُمَّ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى
كَانَ قَرِيباً مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ، ثُمَّ أَخَّرَ الْعَصْرَ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْهَا، وَالْقَائِلُ
يَقُولُ: قَدِ احْمَرَّتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى كَانَ عِنْدَ سُقُوطِ الشَّفَقِ، ثُمَّ
أَخَّرَ الْعِشَاءَ حَتَّى كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ أَصْبَحَ فَدَعَا السَّائِلَ، فَقَالَ: ((الْوَقْتُ
بَيْنَ هَذَيْنٍ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير، تقدّم قبل باب أيضاً.
٣ - (بَدْرُ بْنُ عُثْمَانَ) الأُمويّ مولاهم الكوفيّ، ثقة [٦].
رَوَى عن أبي بكر بن أبي موسى، وعكرمة، والشعبيّ، والْعَيْزار بن
حُريث، وغيرهم.
(١) وفي نسخة: ((عن مواقيت الصلوات)).
(٢) وفى نسخة: ((فأقام بالفجر)).
(٤) وفي نسخة: ((فأقام المغرب)).
(٣) وفي نسخة: ((فأقام العصر)).

٤٤٥
(٣١) - بابُ أوقاتِ الصَّلواتِ الخَمْسِ - حديث رقم (١٣٩٥)
وروى عنه ابن نُمير، وعبد الله بن داود الْخُريبيّ، وأبو داود الْحَفَريّ،
ووكيع، وأبو نعيم، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقة، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال العجليّ،
والدارقطنيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال أبو العباس بن سُريج
في ((كتاب الردّ على ابن أبي داود)): بدر بن عثمان ليس بالمشهور.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه في ((التفسير))،
وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث فقط.
٤ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ الكوفيّ، واسمه عَمْرو، أو
عامر، ثقة [٣] (ت١٠٦) وكان أسنّ من أخيه أبي بُرْدة (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٤٥٥/٨٦.
٥ - (أَبُوهُ) أبو موسى الأشعريّ عبد الله بن قيس بن سُلَيم بن حَضَّار
الصحابي الجليل، مات رظه (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧١/١٦.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّلُهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى بدر بن عثمان، فما أخرج
له البخاريّ، والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره، وبالتحديث أيضاً.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه.
شرح الحديث:
عن أبي موسى الأشعريّ ◌َظُهُ (عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ أَنَّهُ أَتَاهُ سَائِلٌ) لم
يُعرف اسمه (يَسْأَلُهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ) وفي نسخة: ((عن مواقيت الصلوات))،
وجملة ((يسأله ... إلخ)) صفة لـ((سائلٌ)) (فَلَمْ يَرُدَّ) النبيّ وَِّ (عَلَيْهِ) أي على ذلك
السائل (شَيْئاً) أي من الجواب، وقال النوويّ تَخّْتُهُ: معناه: أنه وَّ لم يردّ عليه
جواباً ببيان الأوقات باللفظ بل قال له: ((صلِّ معنا)) لتعرف ذلك، ويحصل لك
البيان بالفعل، وإنما تأولناه لنجمع بينه وبين حديث بريدة ربه، حيث قال له:
((صلِّ معنا هذين اليومين))، ولأن من المعلوم من أحواله ◌َله أنه كان يجيب إذا

٤٤٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
سئل عما يحتاج إليه. انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَخَُّهُ: قوله: ((فلم يُرُدّ عليه شيئاً)) يعني على السائل، أي
لم يُرُدّ عليه ما يَحصُلُ له به بيان ما سأل عنه، وإلا فقد قال له: ((صلّ معنا
هذين اليومين))، كما جاء في الرواية الأخرى، وفي هذا جواز تأخير البيان إلى
وقت الحاجة، وجاز للنبيّ وَ ل # أن يؤخّر بيان ما سأله عنه، وإن جاز على
السائل أن يُختَرَم قبل ذلك؛ لأن الأصل استصحاب السلامة والبقاءُ إلى مثل
هذه المدّة، أو أوحي إليه أن يبقى إلى هذه المدّة. انتهى (٢).
(قَالَ) أبو موسى رَظُهُ (فَأَقَامَ الْفَجْرَ) معطوف على محذوف، أي فأمر
بلالاً أن يؤذّن، فأذن، فأقام الفجر، وفي نسخة: ((فأقام بالفجر))، أي بسبب
حضور صلاة الفجر، أو الباء بمعنى اللام، أي لأجل صلاة الفجر (حِينَ
انْشَقَّ) أي طلع (الْفَجْرُ) يقال: شق الفجر، وانشق: إذا طلع، كأنه شَقَّ محلّ
طلوعه، وخرج منه (وَالنَّاسُ لَا يَكَادُ يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً) أراد به أنه صلّى أول
طلوع الفجر (ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ بِالظَّهْرِ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ) أي بطن السماء (وَالْقَائِلُ
يَقُولُ: قَدِ انْتَصَفَ النَّهَارُ) أي ويشكّ الآخر في ذلك، ويوضّح هذا المعنى
رواية النسائيّ بالاستفهام، ولفظه: ((أنتصف النهار؟))، قال الشيخ وليّ
الدين كَّتُهُ: قوله: ((أنتصف)) بفتح الهمزة على سبيل الاستفهام، وهمزة الوصل
محذوفة، كقوله تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ﴾ [الصافات: ١٥٣]. وقال السنديّ نَخْتُ:
يَحْتَمِل أن تكون بكسرها على أن حرف الاستفهام مقدّر، كما في قول القائل:
طلعت الشمس؟. انتهى.
والجملة في محل نصب على الحال، والتقدير: أمره وَ﴿ه بالإقامة للظهر
حين زالت الشمس، والحال أن القائل يقول - من شدة تبكيره -: هل انتصف
الآن النهار؟.
(وَهُوَ) ◌َ﴿ِ (كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُمْ) والجملة في محلّ نصب على الحال من
فاعل ((أمره))، أي والحال أنه وَلِّ أعلم بانتصاف النهار، ودخولٍ وقت الظهر،
وإنما خفي على غيره، ولذلك استفهم (ثُمَّ أَمَرَهُ، فَأَقَامَ بِالْعَصْرِ) أي بعد الأذان،
(١) ((شرح النوويّ)) ١١٦/٥.
(٢) ((المفهم)) ٢٤١/٢.

٤٤٧
(٣١) - بابُ أوقاتِ الصَّلواتِ الخَمْسِ - حديث رقم (١٣٩٥)
وفي نسخة: ((فأقام العصر)) (وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ) أي في أول وقتها، كما قال في
حديث بريدة نظُّه: ((بيضاء نقية)) (ثُمَّ أَمَرَهُ، فَأَقَامَ بِالْمَغْرِبِ) وفي نسخة: ((فأقام
المغرب)) (حِينَ وَقَعَتِ الشَّمْسُ) أي غربت، والمراد أول وقتها (ثُمَّ أَمَرَهُ، فَأَقَامَ
الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ) والمراد به الأحمر، كما سبق تحقيقه (ثُمَّ أَخَّرَ الْفَجْرَ
مِنَ الْغَدِ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْهَا) أي من صلاة الفجر (وَالْقَائِلُ يَقُولُ: قَدْ طَلَعَتِ
الشَّمْسُ) جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل ((انصرف))، أي سلّم منها،
والحال أن القائل يقول: قد طلعت الشمس، والمراد أنه أخّر صلاة الفجر في
اليوم الثاني حتى إنه حين انصرافه من الصلاة يتخيل بعض من رأى أن الشمس
قد طلعت، وهي لم تطلع (أَوْ كَادَتْ) أي قاربت الطلوع (ثُمَّ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى
كَانَ قَرِيباً مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ) يعني أنه أخّر صلاة الظهر حتى اقترب وقت
العصر في اليوم الأول (ثُمَّ أَخَّرَ الْعَصْرَ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْهَا، وَالْقَائِلُ يَقُولُ: قَدِ
احْمَرَّتِ الشَّمْسُ) أي من شدّة تأخيره (ثُمَّ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى كَانَ) اسمها ضمير
يعود إلى الوقت، أي حتى كان الوقت، وخبرها قوله: (عِنْدَ سُقُوطِ الشَّفَقِ) أي
غروبه، والمراد قربه من الغروب؛ يدل عليه رواية وكيع التالية: ((فصلى المغرب
قبل أن يَغِيبَ الشفق في اليوم الثاني)).
(ثُمَّ أَخَّرَ الْعِشَاءَ حَتَّى كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ) وفي رواية النسائيّ: ((ثمّ أخّر
العشاء إلى ثلث الليل))، وفي حديث بريدة نظراته الماضي: ((وصلى العشاء بعدما
ذهب ثلث الليل))، وفي لفظ: ((عند ذهاب ثلث الليل، أو بعضه)) والمعنى
متقارب، يعني أنه صلّى العشاء في اليوم الثاني في وقت الثلث، بحيث انتهى
منها بعد الثلث.
(ثُمَّ أَصْبَحَ) أي دخل النبيّ ◌َّهِ في وقت الصباح (فَدَعَا السَّائِلَ، فَقَالَ:
((الْوَقْتُ بَيْنَ هَذَيْنٍ))) وفي رواية النسائيّ: ((الوقت فيما بين هذين))، فقوله:
((الوقت)) مبتدأ، خبره قوله: ((بين هذين))، أي الوقتُ المقتصد الذي لا إفراط
فيه تعجيلاً، ولا تفريط فيه تأخيراً، بين هذين الوقتين، فقد بيَّنْتُ لك بما فعلتُ
أولَ الوقت، وآخره، والصلاة جائزة في جميعه، أوّلِهِ، وأوسطه، وآخره.
والمراد بالآخر هنا آخر الوقت المختار، لا الجواز؛ إذ يجوز تأخير

٤٤٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
الظهر ما لم يدخل وقت العصر، وتأخير العصر ما لم تغرب الشمس، والعشاء
إلى نصف الليل، كما تقدّم تحقيق ذلك كلّه.
وقال القرطبيّ تَخُّْ: قوله: ((الوقت بين هذين))، وقوله: ((وقت صلاتكم
بين ما رأيتم))، وكذلك في حديث جبريل عليه: ((الوقت بين هذين))، هي كلّها
حجة لمالك وأصحابه على قولهم: إن الوقت الموسّع كلّه للوجوب من أوله
إلى آخره، وأن المكلّف مخيّرٌ بين تقديم الصلاة وتأخيرها إلى آخر الوقت،
فأيُّ وقت صلّى فيه المكلّف، فقد أدَّى ما عليه، وقد تخبّط كثير من الناس في
هذا المعنى، وطال فيه نزاعهم، وما ذكرناه واضحٌ موافقٌ لظاهر الحديث.
وقد ذهب بعض أصحابنا، وأصحاب الشافعيّ إلى أن وقت الوجوب
وقتٌ واحد غير معيّن، وإنما يُعيِّنه المكلّف بفعله.
وذهب الشافعيّ إلى أن أول الوقت هو الواجب، وإنما ضرب آخره فصلاً
بين القضاء والأداء، وهذا باطلٌ بما أنه لو تعيَّن ذلك الوقت للوجوب لأثِمَ من
أخّر الصلاة عنه إلى غيره، والإجماع أنه لا يأثم.
وذهب الحنفيّة إلى أن وقت الوجوب آخر الوقت، وهذا أيضاً باطلٌ؛ إذ
لو كان كذلك لما جاز لأحد أن يوقع الصلاة قبل آخر الوقت، وقد جاز
بالإجماع ذلك، ثم الحديث الذي ذكرناه يرُدّ على هذه الفرق كلّها. انتهى كلام
القرطبيّ تَُّ(١)، وهو بحثٌ مفيدٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ رظُه هذا من أفراد
المصنّف تَخْدَتْهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣٩٥/٣١ و١٣٩٦] (٦١٤)، و(أبو داود) في
((الصلاة)) (٣٩٥)، و(النسائيّ) في ((المواقيت)) (٥٢٣)، و((الكبرى)) (١٤٩٩)،
(١) ((المفهم)) ٢٤٢/٢ - ٢٤٣.

٤٤٩
(٣١) - بابُ أوقاتِ الصَّلواتِ الخَمْسِ - حديث رقم (١٣٩٦)
و(أحمد) في ((مسنده)) (٤١٦/٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١١١١)، و(أبو
نعيم) في ((مستخرجه)) (١٣٧١ و١٣٧٢)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٢٦٣/١)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٧٤/١)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار))
(١٤٨/١)، والله تعالى أعلم.
وأما فوائد الحديث، فقد تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٣٩٦] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ بَدْرِ بْنِ
عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى، سَمِعَهُ مِنْهُ، عَنْ أَبِهِ، أَنَّ سَائِلاً أَتَى النَّبِيَّ وَّهِ
فَسَأَلَهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَصَلَّى الْمَغْرِبَ
قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
كلّهم تقدّموا في هذا الباب.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ) يعني أن وكيعاً حدّث عن بدر بن عثمان
بمثل ما حدّث به عبد الله بن نمير عنه.
[تنبيه]: رواية وكيع، عن بدر بن عثمان هذه ساقها أبو نعيم في
((مستخرجه)) (٢١١/٢) فقال:
(١٣٧٢) حدّثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا عبدان، ثنا أبو بكر بن
أبي شيبة، ثنا وكيع، عن بدر بن عثمان، عن أبي بكر بن أبي موسى، سمعه
من أبيه، أن سائلاً أتى النبيّ وَلَه، فسأله عن مواقيت الصلاة؟ فلم يُرُدّ عليه
شيءٍ(١) فأمر بلالاً، فأقام حين انشق الفجر فصلاها، ثم أمره فأقام الظهر،
(١) هكذا النسخة ((شيء))، والظاهر أنه ((شيئاً))، ويَحْتَمِل أن يكون منصوباً على لغة
الربيعة، وعادة قدماء المحدّثين الذين يكتبون المنصوب المنون بصورتي المرفوع
والمجرور، والله تعالى أعلم.

٤٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
والقائل يقول: قد زالت الشمس أم لم تزل، وهو كان أعلم منهم، ثم أمره
فأقام المغرب حين وقعت الشمس، وأمره فأقام العشاء عند سقوط الشفق، ثم
صلّى الفجر من الغد، والقائل يقول: قد طلعت الشمس أو لم تطلع، وهو كان
أعلم منهم، فصلى الظهر قريباً من وقت العصر بالأمس، وصلى العصر،
والقائل يقول: قد احمرّت الشمس، وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق،
فصلى العشاء ثلث الليل الأول، ثم قال: ((أين السائل عن الوقت؟، ما بين
هذين الوقتين وقتٌ)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٣٢) - (بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِالإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ(١))
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٣٩٧] (٦١٥) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: ((إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ،
فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ(٢)، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَبْحِ جَهَنَّمَ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح) بن المهاجر، تقدّم أيضاً في الباب الماضي.
(١) من الغريب أن النوويّ تَّفُ ترجم هنا بما يوافق مذهبه، فقال: ((باب استحباب
الإبراد بالظهر في شدّة الحرّ لمن يمضي إلى جماعة، ويناله الحرّ في طريقه))، وهذا
عجيب، فإن هذا القيد لم يُذكر في أحاديث الباب، ولا في غيره، فكيف يُترجم
بما لا يدلّ عليه؟، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(٢) وفي نسخة: ((فأبردوا الصلاة)).

٤٥١
(٣٢) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِالإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ - حديث رقم (١٣٩٧)
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المشهور، تقدّم أيضاً في الباب الماضي.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم أيضاً في الباب
الماضي.
٥ - (ابْنُ الْمُسَيِّبِ) هو: سعيد بن المسيّب بن حزن بن أبي وهب القرشيّ
المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ حجة، من كبار [٣] (ت٩٤)
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧١.
٦ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ فقيهٌ
[٣] (ت٩٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٣.
تقدم فى ((المقدمة)) ٤/٢.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ)
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف وَّلُهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوی شیخه ابن رُمح،
فتفرّد به هو وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن شهاب.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيين: ابن شهاب عن ابن
المسيب، وأبي سلمة.
٥ - (ومنها): أن ابن المسيِّب، وأبا سلمة من الفقهاء السبعة، على
خلاف في أبي سلمة.
٦ - (ومنها): أن أبا هريرة ◌ُبه أحفظ مَن رَوَى الحديث في عصره؛
روى (٥٣٧٤) حديثاً .
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َهُ (أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴾) بكسر همزة ((إن))
لوقوعها مقولاً لـ((قال))، كما قال في «الخلاصة)):
فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ وَحَيْثُ ((إِنَّ) لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ
حَالٍ كَـاجِئْتُهُ وَإِنِّي ذُو أَمَلْ)»
أَوْ حُكِيَتْ بِالْقَوْلِ أَوْ حَلَّتْ مَحَلْ
(قَالَ: ((إِذَا اشْتَدَّ) من الاشتداد، من باب الافتعال، وأصله ((اشتدد))

٤٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
أدغمت الدال الأولى في الثانية (الْحَرُّ) بالرفع فاعل ((اشتد)»، وهو: ضدُّ البرد،
جمعه: حُرُور، وأحارر، كما في ((القاموس))، ومفهومه أن الحرّ إذا لم يشتد لم
يُشْرَع الإبراد، وكذا لا يُشْرَع في البرد من باب أولى، قاله في ((الفتح)).
(فَأَبْرِدُوا) - بفتح الهمزة، وكسر الراء - أمر من الإبراد، أي أخِّروا إلى أن
يبرُد الوقتُ، يقال: أبرد: إذا دخل في البرد، كأظهر: إذا دخل في الظهيرة،
ومثله في المكان أنجد: إذا دخل نجداً، وأتهم: إذا دخل تهامة، قاله في
((الفتح))(١).
وقال الزمخشري في ((الفائق)): حقيقة الإبراد الدخول في البرد،
والمعنى: إدخال الصلاة في البرد، ويقال: معناه: افعلوها في وقت البرد، وهو
الزمان الذي يتبين فيه شدّة انكسار الحر؛ لأن شدّته تُذْهِب الخشوع.
وقال السفاقسيّ: أبردوا: أي ادْخُلُوا في وقت الإبراد، مثل أظلم: إذا
دخل في الظلام، وأمسى: إذا دخل في المساء.
وقال الخطابيّ تَظُّهُ: الإبراد: انكسار شدّة حرّ الظهيرة، وذلك أن فتور
حرّها بالإضافة إلى وهج الهاجرة برد، وليس ذلك بأن يؤخّر إلى آخر برد
النهار، وهو برد العشي، إذ فيه الخروج عن قول الأئمة، ذكره في ((العمدة))(٢).
(بِالصَّلَاةِ) وفي نسخة: ((فأبردوا الصلاةَ))، وفي الرواية الآتية: ((فأبردوا
عن الصلاة))، وقال في ((الفتح)): قوله: ((بالصلاة)) كذا للأكثر، والباء للتعدية،
وقيل: زائدة، ومعنى ((أبردوا)) أخّروا على سبيل التضمين، أي أخّروا الصلاة،
وفي رواية الكشميهني: ((عن الصلاة))، فقيل: ((عن)) زائدة أيضاً، أو هي بمعنى
الباء، أو للمجاوزة، أي تجاوزوا وقتها المعتاد إلى أن تنكسر شدّة الحرّ.
(٣)
انتھی(٣) .
وقال الحافظ وليّ الدين العراقيّ كَّتُهُ: تَحْتَمِل ((عن)) أوجهاً:
[أحدها]: أن تكون بمعنى الباء، كما أن الباء تكون بمعنى ((عن))، فمن
الأول فيما قيل، قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنَطِقُ عَنِ الْمَوَ (٣)﴾ [النجم: ٣]، أي
(١) ٢١/٢.
(٣) ((الفتح)) ٢٢/٢.
(٢) ((عمدة القاري)) ٢٠/٥.

٤٥٣
(٣٢) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِالإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ - حديث رقم (١٣٩٧)
بالهوى، ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿فَسَلْ بِهِ، خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]، وتسمى
هذه باء المجاوزة.
[ثانيها]: أن تكون زائدة، أي أبردوا الصلاة، يقال: أبرد الرجل كذا:
إذا فعله في برد النهار، ذكره القاضي عياض، وغيره، وفيه نظر؛ لأن من جعل
((عن)) زائدة قيَّد ذلك بأن تزاد للتعويض من أخرى محذوفة، ومثّلوه بقول
الشاعر [من الطويل]:
أَتَجْزَعُ إِنْ نَفْسٌ أَتَاهَا حِمَامُهَا فَهَلَّا الَّتِي عَنْ بَيْنٍ جَنْبَيْكَ تَدْفَعُ
قال أبو الفتح: أراد تدفع عن التي بين جنبيك، فحذفت ((عن)) من أول
الموصول، وزیدت بعده.
[ثالثها]: تضمين ((أبردوا)) معنى أَخِّروا، وحذف مفعوله، تقديره: أَخِّروا
أنفسكم عن الصلاة.
قال القاضي أبو بكر ابن العربيّ: معنى قوله ((أبردوا)) أخروا إلى زمان
البرد، ولا ينتظم ذلك مع قوله: ((عن))؛ فإن صورته أخّروا عن الصلاة إلا
بإضمار، وتقديره: أخروا أنفسكم عن الصلاة، وهو قريب من قول
الخطابيّ تَخُّْ: معنى قوله: ((أبردوا عن الصلاة)): تأخروا عنها مبردين، أي
داخلين في وقت البرد. انتهى. وهو مثل كلام ابن العربي إلا أنه ضمّن
((أبردوا)) معنى فعل قاصر، لا يحتاج إلى تقدير مفعول، وهو ((تأخروا)). انتهى
كلام وليّ الدين ◌َُّ(١).
ثم إن المراد بـ(الصلاة)) هنا: الظهر؛ لأنها الصلاة التي يشتدّ الحر غالباً
في أول وقتها، وقد جاء صريحاً في حديث أبي سعيد الخدريّ ظُه قال: قال
رسول الله وَر: ((أبردوا بالظهر، فإن شدّة الحرّ من فيح جهنم))، رواه البخاري.
وقد حَمَلَ بعضهم الصلاة على عمومها بناءً على أن المفرد المعرف يعمّ،
فقال به أشهب في العصر، وقال به أحمد في رواية عنه في العشاء؛ حيث
قال: تُؤخر في الصيف دون الشتاء، ولم يقل أحد به في المغرب، ولا في
الصبح؛ لضيق وقتهما، أفاده في ((الفتح))(٢) .
(١) ((طرح التثريب)) ١٥٦/٢ - ١٥٧.
(٢) راجع: ((الفتح)) ٢٢/٢.

٤٥٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وسيأتي مزيد بسط للبحث في المسألة السادسة - إن شاء الله تعالى -.
(فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ) الفاء فيه للتعليل، أراد به أن علة الأمر بالإبراد هي شدة
الحر.
واختُلِف في حكمة هذا التأخير؛ فقيل: دفع المشقّة؛ لكون شدة الحر
مما يذهب الخشوع. قال الحافظ تَخُّ: وهذا أظهر، وقيل: لأنه وقت تُسْجَر
فيه جهنم، ويؤيِّده حديث عمرو بن عبسة ظُه عند مسلم، حيث قال ◌َيّ له:
((أَقْصِرْ عن الصلاة عند استواء الشمس، فإنها ساعة تسجر فيها جهنم))(١).
وقد استُشْكِل هذا بأن الصلاة سبب الرحمة، ففعلها مظنة لطرد العذاب،
فكيف أمر بتركها؟.
وأجاب أبو الفتح اليعمري بأن التعليل إذا جاء من جهة الشارع وجب
قبوله، وإن لم يُفْهَم معناه.
واستَنْبَط له الزين ابن الْمُنَيِّر معنى يناسبه، فقال: وقت ظهور أثر الغضب،
لا يَنْجَع فيه الطلب، إلا ممن أذن له فيه، والصلاة لا تنفك عن كونها طلباً،
ودعاءً، فناسب الاقتصار عنها حينئذ، واستَدَلَّ بحديث الشفاعة حيث اعتذر
الأنبياء كلهم للأمم بأن الله غَضِبَ غَضَباً لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده
مثله، سوى نبينا وٌَّ، فلم يَعْتَذِر، بل طلب؛ لكونه أُذِن له في ذلك.
ويمكن أن يقال: سَجْرُ جهنم سبب فَيْحِها، وفَيْحُها سبب وجود الحرّ،
وهو مظنة المشقة التي هي مظنة سلب الخشوع، فناسب أن لا يصَلَّى فيها،
لكن يرد عليه أن سجرها مستمرّ في جميع السنة، والإبراد مختص بشدة الحرّ،
فهما متغايران، فحكمة الإبراد المشقة، وحكمة الترك وقت سجرها؛ لكونه
وقت ظهور أثر الغضب، والله أعلم. قاله في ((الفتح))(٢).
(مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ))) أي من سعة انتشارها، وتنفسها، ومنه: مكان أفيح: أي
متسع، قاله في ((الفتح)).
(١) راجع الحديث الطويل الآتي للمصنّف في ((كتاب صلاة المسافرين وقصرها)) برقم
(٨٣٢).
(٢) راجع: ((الفتح)) ٢٢/٢.

٤٥٥
(٣٢) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِالإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ - حديث رقم (١٣٩٧)
وقال العراقيّ ◌َخْتُ: فَيْحُ جهنم وفَوْحُها، بالياء والواو، مع فتح الأول
فيهما، وبالحاء المهملة: سُطُوع حرّها، وانتشاره، يقال: فاحت القِدْر، تفيح،
وتفوح: إذا غلت. انتهى(١).
و((جهنم)): اسم من أسماء النار نعوذ بالله منها، قال الأزهريّ: في جهنم
قولان: قال يونس بن حبيب، وأكثر النحويين: جهنم اسم النار التي يعذب الله
بها في الآخرة، وهي أعجمية، لا تُجَرُّ للتعريف والعجمة.
وقال آخرون: جهنم عربي، سميت نار الآخرة بها؛ لبعد قعرها، وإنما
لم تُجَرَّ؛ لثقل التعريف، وثقل التأنيث، وقيل: هو تعريب كهنام بالعبرانية،
وقال ابن خالويه: بئر جِهِنّام، للبعيدة القعر، ومنه سميت جهنم، أفاده في
(اللسان))(٢)، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: اختَلَف العلماء في معنى قوله: ((فإن شدة الحرّ من فيح جهنم))
هل هو حقيقةٌ، أو مجازٌ؟.
فحمله الجمهور على الحقيقة، وقالوا: إن وَهَجَ الحرّ من فيح جهنم،
ويؤيِّده حديث أبي هريرة مظانه الآتي في هذا الباب: ((اشتكت النار إلى ربها،
فأذن لها بنفسين ... )) الحديث.
وقيل: إنه كلام خرج مخرج التشبيه، أي كأنه نار جهنم في الحرّ،
فاجتنبوا ضرره.
قال القاضي عياض كَّلُهُ: وكلا الوجهين ظاهرٌ، وحمله على الحقيقة
أولی.
وقال ابن عبد البرّ ◌َخْلُهُ: القول الأول يَعْضِده عموم الخطاب، وظاهر
الكتاب، وهو أولى بالصواب. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حمل الحديث على الحقيقة هو الصواب،
فلا ينبغي العدول عنه؛ إذ لا داعي إلى ذلك.
وخلاصة القول أنه إذا أمكن حمل النصّ على ظاهره لا يجوز العدول
عنه إلا لدليل يدلّ على الخروج عن ظاهره، وما هنا لا يوجد دليل على ذلك،
(١) ((طرح التثريب)) ٢/ ١٥٧.
(٢) ((لسان العرب)) ١١٢/١٢.

٤٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
بل ظواهر نصوص الكتاب والسنّة مؤيّدة وعاضدة للحمل على حقيقته، كما
أشار إليه ابن عبد البرّ ◌َّتُهُ في كلامه المذكور آنفاً، فتبصر.
وعليه فيستفاد منه أن النار مخلوقة الآن موجودة، وهذا إجماع ممن يعتدّ
به، وخالفت في ذلك المعتزلة، فقالوا: إنها إنما تخلق يوم القيامة، قال
العراقيّ تَخْتُ: والأدلة السمعية متوافرة على خلاف ذلك. انتهى. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة
مضرعنه
(المسألة الثانية): في تخريجه:
هذا مُتّفق عليه .
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣٩٧/٣٢ و ١٣٩٨ و١٣٩٩ و١٤٠٠ و١٤٠١]
(٦١٥)، و(البخاريّ) في ((المواقيت)) (٥٣٣ و٥٣٤ و٥٣٦)، و(أبو داود) في
(الصلاة)) (٤٠٢)، و(الترمذيّ) فيها (١٥٧)، و(النسائيّ) في ((المواقيت))
(٥٠٠)، وفي ((الكبرى)) (١٤٨٧ و١٤٨٨ و١٤٨٩)، و(ابن ماجه) في ((إقامة
الصلاة)) (٦٧٧ و٦٧٨)، و(مالك) في ((الموطأ)) (١٦/١)، و(عبد الرزّاق) في
(مصنّفه)) (٢٠٤٩)، و(الشافعيّ) في ((المسند)) (٤٨/١)، و(الحميديّ) في
((مسنده)) (٩٤٢)، و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (٢٣٠٢)، و(ابن أبي شيبة) في
((مصنّفه)) (٣٢٤/١ و٣٢٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٢٩/٢ و٢٥٦ و٢٦٦
و ٢٨٥ و٣٤٨ و٣٩٣ و٤٦٢ و٥٠١ و٥٠٧)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى))
(١٥٦)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٣٢٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(١٥٠٦ و١٥٠٧)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٨٧/١)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (١٠١٤ و١٠١٥ و١٠١٦ و١٠١٧)، و(أبو نعيم) في
((مستخرجه)) (١٣٧٣ و١٣٧٤ و١٣٧٥ و١٣٧٦ و١٣٧٧)، و(البيهقيّ) في
(«الكبرى» (٤٣٧/١)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٣٦١ و٣٦٢)، والله تعالى
أعلم.
[تنبيه]: قال في ((التلخيص الحبير)): حديث: ((إذا اشتد الحر فأبردوا
بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم)) متفق عليه من حديث أبي هريرة، وأبي

٤٥٧
(٣٢) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِالإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ - حديث رقم (١٣٩٧)
ذرّ، وأخرجه البخاري من حديث ابن عمر، ولفظ ابن ماجه فيه: ((أبردوا
بالظهر)».
وفي الباب عن أبي موسى، وعائشة، والمغيرة، وأبي سعيد، وعمرو بن
عَبَسَة، وصفوان والد القاسم، وأنس، وابن عباس، وعبد الرحمن بن علقمة،
وعبد الرحمن بن جارية، وصحابي لم يُسَمَّ، ورواه مالك من رواية عطاء بن
يسار مرسلاً، وروي عن عمر موقوفاً .
فحديث أبي موسى رواه النسائي بلفظ: ((أبردوا بالظهر، فإن الذي تجدونه
في الحر من فيح جهنم)).
وحديث عائشة رواه ابن خزيمة بلفظ: ((أبردوا بالظهر في الحر))، وحديث
المغيرة رواه أحمد، وابن ماجه، وابن حبان، وتفرد به إسحاق الأزرق، عن
شريك، عن طارق، عن قيس، عنه. وفي رواية للخلال: وكان آخر الأمرين
من رسول الله وحقيقة الإبراد.
وسئل عنه البخاريّ، فعدّه محفوظاً، وذكر الميمونيّ عن أحمد أنه رجح
صحته، وكذا قال أبو حاتم الرازي: هو عندي صحيح.
وأعلّه ابن معين بما روى أبو عوانة عن طارق، عن قيس، عن عمر
موقوفاً، وقال: لو كان عند قيس عن المغيرة مرفوعاً لم يفتقر إلى أن يحدث به
عن عمر موقوفاً، وقَوَّى ذلك عنده أن أبا عوانة أثبت من شريك، والله أعلم.
وحديث أبي سعيد رواه البخاريّ بلفظ: ((أبردوا بالظهر)).
وحديث عمرو بن عَبَسَة رواه الطبراني، وحديث صفوان رواه ابن أبي
شيبة، والحاكم والبغوي، من طريق القاسم بن صفوان، عن أبيه، بلفظ:
((أبردوا بصلاة الظهر ... )) الحديث.
وحديث أنس(١)، وحديث ابن عباس رواه البزار بلفظ: ((كان رسول الله وَله
في غزوة تبوك يؤخر الظهر حتى يبرد، ثم يصلي الظهر، والعصر ... ))
الحديث، وفيه عمر بن صُهْبان، وهو ضعيف.
(١) لم يذكر في ((التلخيص)) ٤٦٢/١ من أخرج حديث أنس، بل قال: ((وحديث أنس
رواه ... )) بياض، كما لم يذكره ابن الملقّن في ((البدر المنير)) ٣/ ٢٢٠، فليُنظر.

٤٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وحديث عبد الرحمن بن جارية رواه الطبرانيّ، وحديث عبد الرحمن بن
علقمة رواه أبو نعيم.
وحديث الصحابيّ المبهم رواه الطبراني. وحديث عُمَر تقدم مع المغيرة.
انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): مشروعية الإبراد بصلاة الظهر إذا اشتد الحرّ، وسيأتي حكم
الإبراد، واختلاف العلماء فيه، في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): بيان حكمة الأمر بالإبراد، وهو كون شدة الحر من فيح
جهنم.
٣ - (ومنها): بيان كون النار، وكذا الجنة مخلوقة الآن وهو مذهب أهل
السنة والجماعة، كما مرَّ قريباً.
٤ - (ومنها): بيان سماحة الشريعة، حيث سَهَّلت في تأخير الصلاة، مع
أن المبادرة إلى الطاعة هو المطلوب، دفعاً للحرج، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ
عَلَيْكُمْ فِي الدِِّنِ مِنْ حَرَجْ﴾ [الحج: ٧٨]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الإبراد بالصلاة:
(اعلم): أنه اختَلَف القائلون بمشروعية الإبراد في الأمر الوارد في هذا
الحديث، هل هو للوجوب، أم للاستحباب؟.
فقال الجمهور: إنه للاستحباب، وحَكَى القاضي عياض وغيره: أن
بعضهم ذهب إلى الوجوب، قال الحافظ: وغفل الكرماني، فنقل الإجماع على
عدم الوجوب، وقال البدر العينيّ: [فإن قلتَ]: ما القرينة الصارفة عن
الوجوب، وظاهر الكلام يقتضيه؟ .
[قلت]: لما كانت العلة فيه دفع المشقة عن المصلي لشدة الحرّ، وكان
ذلك للشفقة عليه، فصار من باب النفع له، فلو كان للوجوب يصير عليه،
ويعود الأمر على موضوعه بالنقض. انتهى(٢).
(١) ((التلخيص)) ١٨١/١ - ١٨٢.
(٢) ((عمدة القاري)) ٢٠/٥ - ٢١.

٤٥٩
(٣٢) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِالإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ - حديث رقم (١٣٩٧)
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى ضعف هذا التعليل؛ إذ الحقّ أن الأمر
بالإبراد معلّل في الحديث بأن شدّة الحرّ من فيح جهنّم، لا دفع المشقّة فقط،
ولو سلّمنا فلا ملازمة بين دفع المشقّة وإيجاد الإبراد؛ إذ المشقّة التي اعتبرها
الشرع عند الأمر بالإبراد تناسب الإيجاب، ولا تعارضه، ولا نقض فيها،
فافهم، والله تعالى أعلم.
وقال ابن حزم تَّثُ: وإنما لم نحمل الأمر على الوجوب؛ لحديث
خباب ظُه قال: ((شكونا إلى رسول الله وَلقر شدة الرمضاء، فلم يشكنا))(١)،
قال زهير: قلت لأبي إسحاق: أفي الظهر في تعجيلها؟ قال: نعم. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: وفيما قاله ابن حزم نظر؛ لأن الراجح أن
حديث خبّاب منسوخ بأحاديث الأمر بالإبراد، كما سيأتي تحقيقه - إن شاء الله
تعالى -، فلا يكون صارفاً للوجوب.
والحاصل أن قول من قال بإيجاب الإبراد هو الأرجح؛ لقوّة حجّته،
فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم هل الإبراد في شدة الحر
مطلقٌ، أم مقيّد بمن يصلّي جماعة، أو غير ذلك من القيود؟:
قال الحافظ وليّ الدين العراقيّ كَّتُهُ: في هذا الحديث استحباب الإبراد
بصلاة الظهر في شدة الحرّ، وهو تأخيرها إلى أن يبرد الوقت، وينكسر وَهَجُ
الحر، وبه قال الأئمة الأربعة، وجمهور العلماء من السلف والخلف، لكن
أكثر المالكية على اختصاص الإبراد بالجماعة، فأما المنفرد، فتقديم الصلاة في
حقّه أفضل، وكذا قال ابن حزم الظاهريّ؛ أنه يختص الإبراد بالجماعة.
وحَكَى ابن القاسم عن مالك أن الظهر تصلى إذا فاء الفيء ذراعاً في الشتاء
والصيف للجماعة والمنفرد، على ما كتب به عمر بن الخطاب روڤبه إلى عماله.
وقال ابن عبد الحكم، وغيره: معنى كتاب عمر مساجد الجماعة، فأما
المنفرد، فأول الوقت أولى به. قال ابن عبد البر: وإلى هذا مال فقهاء المالكية
من البغداديين، ولم يلتفتوا إلى رواية ابن القاسم. انتهى.
(١) هو الحديث الآتي في الباب التالي.
(٢) راجع: ((المحلى)) ١٨٤/٣ - ١٨٥.

٤٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وقال الشافعي: إنما يستحب الإبراد في شدة الحرّ بشروط:
الأول: أن يكون في بلد حار، وقال الشيخ أبو محمد الجويني وغيره:
يستحب في البلاد المعتدلة والباردة أيضاً إذا اشتد الحرّ.
الثاني: أن تصلى في جماعة، فلو صلّى منفرداً، فتقديم الصلاة له
أفضل.
الثالث: أن يقصد الناس الجماعة من بُعْد، فلو كانوا مجتمعين في موضع
صَلَّوا في أول الوقت.
الرابع: أن لا يجدوا كِنّاً يمشون تحته، يقيهم الحرّ، فإن اختل شرط من
الشروط، فالتقديم أفضل.
وقال الشيخ موفق الدين ابن قدامة في ((المغني)): ظاهر كلام أحمد
استحباب الإبراد بها على كل حال، قال الأثرم: وهذا على مذهب أبي عبد الله
سواء، يستحب تعجيلها في الشتاء، والإبراد بها في الحر، وهو قول إسحاق،
وأصحاب الرأي، وابن المنذر؛ لظاهر قوله: ((إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة))،
وهذا عامٌ.
وقال القاضي: إنما يستحب الإبراد بثلاث شرائط :
شدّة الحر، وأن يكون في البلدان الحارّة، ومساجد الجماعات، فأما من
صلاها في بيته، أو في مسجد بفناء بيته فالأفضل تعجيلها، وقال القاضي في
((الجامع)): لا فرق بين البلدان الحارّة، وغيرها، ولا بين كون المسجد ينتابه
الناس، أو لا؛ فإن أحمد كان يؤخّرها في مسجده، ولم يكن بهذه الصفة،
والأخذ بظاهر الخبر أولى. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي ترجيح هذا القول إن شاء الله
تعالی.
وذهبت طائفة إلى عدم استحباب الإبراد مطلقاً، وحكاه ابن المنذر عن
عمر، وابن مسعود، وجابر ظه، وحكاه ابن بطال عنهم، وعن أبي بكر،
وعليّ، وحكاه ابن عبد البر عن الليث بن سعد، والمشهور عنه موافقة
الجمهور.