Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١
(٣١) - بابُ أوقاتِ الصَّلواتِ الخَمْسِ - حديث رقم (١٣٨٣)
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أنه يدلّ على أن مواقيت الصلوات الخمس بيّها جبريل ◌ِالبَّ
للنبيّ وَ ◌ّ بفعله، فكان ينزل، فيُصلي به كلّ صلاة في وقتها إلى أن بيّن له
مواقيتها كلّها، وكان ذلك في أول ما افتُرِضت الصلوات الخمس(١).
٢ - (ومنها): بيان أن الصلوات الخمس لها أوقات محدّدة من قبل
الشارع الحكيم.
٣ - (ومنها): أن تحديد تلك الأوقات كان ببيان جبريل
٤ - (ومنها): أنه يدل على أن أوقات الصلاة من جملة فرائضها، وأنها
لا تجزئ قبل وقتها، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، إلا شيءٌ روي عن أبي
موسى الأشعريّ رَظُبه، وعن بعض التابعين.
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ تَخْتُ: وقد انعقد الإجماع على خلافه،
فلم نَرَ لذكره وجهاً؛ لأنه لا يصح عندي عنهم، وقد صَحّ عن أبي موسى
خلافه بما يوافق الجماعة، فصار اتفاقاً صحيحاً. انتهى(٢).
٥ - (ومنها): استحباب المبادرة بالصلاة في أول وقتها، ولا ينافي ذلك
ما ورد من الإبراد بالظهر في شدة الحرّ؛ لأن المبادرة تكون بما يناسب ذلك
الإبراد، فيبادر أول ما يحصل الإبراد المطلوب.
٦ - (ومنها): أن فيه دخول العلماء على الأمراء، وإنكارهم عليهم إذا
خالفوا السنّة.
٧ - (ومنها): جواز مراجعة العالم لطلب البيان، والرجوع عند التنازع
إلى السنّة.
٨ - (ومنها): أنه استَدَلّ به من يَرَى جواز الائتمام بمن يأتم بغيره. قال
في ((الفتح)): ويجاب عنه بما يجاب به عن قصّة أبي بكر في صلاته خلف
النبيّ ◌َّة، وصلاة الناس خلفه، فإنه محمول على أنه كان مُبَلِّغاً فقط.
٩ - (ومنها): أنه استَدّل به بعضهم على جواز صلاة المفترض خلف
(١) ((فتح الباري)) لابن رجب ١٦٣/٤.
(٢) ((الاستذكار)) ٣٦/١.
٣٨٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
المتنفل، من جهة أن الملائكة ليسوا مكلَّفين بمثل ما كلّف به الإنس، قاله ابن
العربيّ، وغيره، وأجاب عياض باحتمال أن لا تكون تلك الصلاة كانت واجبة
على النبيّ ێے حينئذ.
وتُعُقِّب بما تقدم من أنها كانت صبيحة ليلة فرض الصلاة، وأجاب
باحتمال أن الوجوب عليه كان معَلَّقاً بالبيان، فلم يتحقق الوجوب إلا بعد تلك
الصلاة، قال: وأيضاً لا نُسَلِّم أن جبريل لعلّها كان متنفلاً، بل كانت تلك
الصلاة واجبة عليه؛ لأنه مكلف بتبليغها، فهي صلاة مفترض خلف مفترض.
(١)
انتھی
.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ أن اقتداء المفترض بالمتنفل جائز؛
لحديث إمامة معاذ ظه لقومه بعد الصلاة معه و ل، كما سبق تحقيقه، وأما
الاستدلال بهذا الحديث فغير واضح، والله تعالى أعلم.
١٠ - (ومنها): ما قاله ابن الْمُنَيِّر دَخْلُهُ: قد يتعلق به من يُجَوِّز صلاة
مفترض بفرض خلف مفترض بفرض آخر، كذا قال.
قال الحافظ تَخَّتُهُ: وهو مسلّم له في صورة المؤدّاة مثلاً خلف المقضيّة،
لا في الظهر خلف العصر مثلاً. انتهى (٢).
١١ - (ومنها): أن فيه بيان فضيلةَ عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى.
١٢ - (ومنها): جواز قبول خبر الواحد الثبت.
١٣ - (ومنها): أنه استَدَلَّ به ابن بطال وغيره على أن الحجة بالمتصل
دون المنقطع؛ لأن عروة أجاب عن استفهام عمر له، لَمّا أن أرسل الحديث
بذكر من حدّثه به، فرجع إليه، فكأن عمر قال له: تأمل ما تقول، فلعله بلغك
عن غير ثبت، فكأن عروة قال له: بل قد سمعته ممن قد سمع صاحب
رسول الله ◌َ، والصاحب قد سمعه من النبيّ وَّ. انتهى(٣).
١٤ - (ومنها): أنه استَدَلّ به عياض على جواز الاحتجاج بمرسل الثقة،
كصنيع عروة حين احتجّ على عمر، قال: وإنما راجعه عمر، لتثبته فيه، لا
(١) ((الفتح)) ٢/ ٧.
(٣) ((الفتح)) ٩/٢.
(٢) ((الفتح)) ٢/ ٧.
٣٨٣
(٣١) - بابُ أوقاتِ الصَّلواتِ الخَمْسِ - حديث رقم (١٣٨٤)
لكونه لم يرض به مرسلاً، كذا قال. قال الحافظ: وظاهر السياق يشهد لما قال
ابن بطّال.
١٥ - (ومنها): أن ابن بطال قال: في هذا الحديث دليل على ضعف
الحديث الوارد في أن جبريل أم النبيّ وَّ في يومين لوقتين مختلفين لكل
صلاة، قال: لأنه لو كان صحيحاً لم ينكر عروة على عمر صلاته في آخر
الوقت محتجّاً بصلاة جبريل، مع أن جبريل قد صلّى في اليوم الثاني في آخر
الوقت، وقال: ((الوقت ما بين هذين)).
وأجيب باحتمال أن تكون صلاة عمر كانت خرجت عن وقت الاختيار،
وهو مصير ظل الشيء مثليه، لا عن وقت الجواز، وهو مغيب الشمس، فيتجه
إنكار عروة، ولا يلزم منه ضعف الحديث، أو يكون عروة أنكر مخالفة ما
واظب عليه النبيّ وَّة، وهو الصلاة في أول الوقت، ورأى أن الصلاة بعد ذلك
إنما هي لبيان الجواز، فلا يلزم منه ضعف الحديث أيضاً.
وقد رَوَى سعيد بن منصور من طريق طلق بن حبيب مرسلاً، قال: ((إن
الرجل ليصلي الصلاة، وما فاتته، ولما فاتته من وقتها خير له من أهله وماله))،
ورواه أيضاً عن ابن عمر من قوله.
ويؤيِّد ذلك احتجاج عروة بحديث عائشة ينا حيث قال: ولقد حدثتني
عائشة ((أن النبيّ ◌َّه كان يصلي العصر، والشمس في حجرتها قبل أن تظهر))،
وهي الصلاة التي وقع الإنكار بسببها، وبذلك تظهر مناسبة ذكره لحديث
عائشة رضيّا بعد حديث أبي مسعود نظله؛ لأن حديث عائشة طُغْيُنا يشعر
بمواظبته والقر على صلاة العصر في أول الوقت، وحديث أبي مسعود ظُه يشعر
بأن أصل بيان الأوقات كان بتعليم جبريل لعلّ*، قاله في ((الفتح))(١)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٨٤] (٦١١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَ
عَمْرُو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، كَانَ النَّبِيُّ ◌َ يُصَلِّي
(١) راجع: ((الفتح)) ٩/٢.
٣٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ فِي حُجْرَتِي، لَمْ يَفِيٍ (١) الْفَيْءُ بَعْدُ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَمْ
يَظْهَرِ الْفَيْءُ بَعْدُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي، و((سفيان)): هو ابن عيينة.
شرح الحديث :
(عَنْ عَائِشَةَ) فِؤُها أنها قالت: (كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يُصَلَّيِ الْعَصْرَ) هذه الرواية
صريحة في كون هذا الفعل عادة له بَّهِ، وقوله: (وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ) أي ظاهر
ضوؤها (فِي حُجْرَتِي) مبتدأ وخبر، والجملة في محل نصب على الحال من
فاعل ((يصلي)) والرابط الواو، والضمير، كما قال ابن مالك:
وجملة الحال سوى ما قدما بواو أو بمضمر أو بهما
والمعنى: أن الشمس ظاهرة في حجرتي، لم يُغّها الظلّ تغطيةً كاملةً،
وفي الرواية الآتية: ((والشمس واقعة في حُجرتي))، والمعنى أن ضوء الشمس
باق في حجرتها، فهو على تقدير مضاف.
و((الْحُجْرة)) - بضم الحاء المهملة، وإسكان الجيم -: البيت، وكل موضع
حُجِر عليه بالحجارة فهو حُجْرة، قاله في ((المشارق))، وأصله كما ذكر في
((الصحاح)): حَظِيرة للإبل، وفي رواية للبيهقي: ((والشمس في قعر حجرتها)).
قال العراقي: وفي هذه الرواية زيادة؛ فإنه لا يلزم من كون الشمس في الحجرة
أن تكون في قعرها. انتهى (٢).
(لَمْ يَفِيٍ) وفي نسخة: ((ولم يفئ) بالواو (الْفَيْءُ) أي لم يرجع الظلّ إلى
موضع ضوء الشمس.
[تنبيه]: قال الفيّوميّ كَّتُهُ: يقال: فاء الظلّ يَفِيء فَيئاً: رجع من جانب
المغرب إلى جانب المشرق، و((الفيء)): الظلّ، والجمع فُيُوءٌ، وأفياء، مثلُ بيت
وبُيُوت وأبيات. انتهى.
(١) وفي نسخة ((ولم يفئ)).
(٢) ((طرح التثريب)) ١٦٧/٢.
٣٨٥
(٣١) - بابُ أوقاتِ الصَّلواتِ الخَمْسِ - حديث رقم (١٣٨٤)
وقال في مادّة ((ظلّ)): ((الظلُّ))، قال ابن قتيبة: يذهب الناس إلى أن الظلّ
والفيء بمعنى واحد، وليس كذلك، بل الظلّ يكون غُدْوةً وعَشيّةً، والفيءُ لا
يكون إلا بعد الزوال، فلا يقال لما قبل الزوال: فَيٌّ، وإنما سُمّي بعد الزوال
فيئاً؛ لأنه ظلُّ فاءَ من جانب المغرب إلى جانب المشرق، والفيءُ: الرجوع،
وقال ابن السّكِّيت: الظلّ من الطلوع إلى الزوال، والفيء من الزوال إلى
الغروب، وقال ثعلب: الظلّ للشجرة وغيرها بالغداة، والْفَيُ بالعشيّ، وقال
رؤبة بن الْعَجّاج: كلُّ ما كانت عليه الشمسُ، فزالت عنه، فهو ظلُّ وفَيْءٌ، وما
لم تكن عليه الشمس، فهو ظلِّ، ومن هنا قيل: الشمس تنسخ الظلّ، والفيءُ
ينسخ الشمس. انتهى(١).
وقوله: (بَعْدُ) من الظروف المبنيّة على الضمّ؛ لقطعها عن الإضافة ونيّة
معناها، أي بعد ظهور الشمس عليه، وقوله: (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) أي ابن أبي شيبة،
شيخه الأول (لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ بَعْدُ) أشار به إلى اختلاف شيخيه: أبي بكر،
وعمرو الناقد في لفظ الحديث، فقال عمرو: ((لم يفئ الفيء بعدُ))، وقال أبو
بكر: ((لم يظهر الفيء بعدُ))، أي لم يظهر الظلّ في داخل حجرتها بعد ظهور
الشمس فیه.
وفي الرواية الماضية: ((والشمس في حُجرتها قبل أن تظهر))، أي قبل أن
يرتفع ضوءها من داخل الحجرة، وينبسط فيه الظل، فالظهور هنا كما قال
الخطابيّ بمعنى الصعود والعلوّ، يقال: ظهرتُ على الشيء: إذا عَلَوته، ومنه
قوله تعالى: ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣].
وقال في ((الفتح)): وقوله في رواية الزهريّ: ((والشمس في حُجرتها)) أي
باقية، وقوله: (لم يظهر الفيء)) أي في الموضع الذي كانت الشمس فيه، وقد
تقدم في أول المواقيت من طريق مالك، عن الزهري بلفظ: ((والشمس في
حجرتها قبل أن تظهر)) أي ترتفع، فهذا الظهور غير ذلك الظهور، ومحصله أن
المراد بظهور الشمس خروجها من الحجرة، وبظهور الفيء انبساطه في
الحجرة، وليس بين الروايتين اختلاف؛ لأن انبساط الفيء لا يكون إلا بعد
(١) ((المصباح المنير)) ٣٨٥/٢ - ٣٨٦ و٤٨٦.
٣٨٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
خروج الشمس. انتهى(١).
وقال ابن عبد البرّ تَخُّ: معنى قوله: ((قبل أن تظهر)) قبل أن يظهر الظلّ
على الجدار، أي قبل أن يرتفع ظلّ حجرتها على جُدُرها، وكلُّ شيء علا شيئاً
فقد ظهر عليه، قال الله تعالى: ﴿فَمَا أَسْطَعُوْ أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧] أي
يعلوا عليه، وقال النابغة الجعديّ [من الطويل]:
وَإِنَّا لَنَرْجُو فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرَا
بَلَغْنَا السَّمَاءَ مَجْدُنَا وَجُدُودُنَا
أي مُرْتَقَى وعَلُوّاً .
وقيل: معناه: أن يَخرُج الظلّ من قاعة حُجْرتها، وكلُّ شيء خرج أيضاً
فقد ظهر.
و((الْحُجْرة)): الدار، وكلُّ ما أحاط به حائط، فهو حجرة. انتهى كلام ابن
عبد البرّ ◌َخَذْتُهُ(٢) .
والحديث يدل على استحباب تعجيل صلاة العصر في أول وقتها، وهذا
هو الذي فهمته عائشة ﴿ينا، وكذا الراوي عنها عروة، واحتَجَّ به على عمر بن
عبد العزيز في تأخيره صلاة العصر، وشَذَّ الطحاويّ، فقال: لا دلالة فيه على
التعجيل؛ لاحتمال أن الحجرة كانت قصيرة الجدار، فلم تكن الشمس تحتجب
عنها إلا بقرب غروبها، فيدلّ على التأخير، لا على التعجيل.
وتُعُقِّب بأن الذي ذكره من الاحتمال إنما يُتَصَوَّر مع اتساع الحجرة، وقد
عُرِف بالاستفاضة والمشاهدة أن حجر أزواج النبيّ وَّ و لم تكن متسعة، ولا
يكون ضوء الشمس باقياً في قعر الحجرة الصغيرة إلا والشمس قائمةً مرتفعةً،
وإلا متى مالت جدّاً ارتفع ضوءها عن قاع الحجرة، ولو كانت الجدر قصيرة.
قال النوويّ كَّلُ: كانت الحجرة ضَيِّقة العرصة قصيرة الجدار بحیث کان
طول جدارها أقل من مسافة العرصة بشيء يسير، فإذا صار ظل الجدار مثله
كانت الشمس بعد في أواخر العرصة. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) ((الفتح)) ٣١/٢ - ٣٢.
(٣) راجع: ((الفتح)) ٣٢/٢.
(٢) ((الاستذكار)) ٤٦/١، ٤٧.
٣٨٧
(٣١) - بابُ أوقاتِ الصَّلواتِ الخَمْسِ - حديث رقم (١٣٨٤)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌ِّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣٨٤/٣١ و١٣٨٥ و١٣٨٦] (٦١١)،
و(البخاريّ) في ((المواقيت)) (٥٤٥ و٥٤٦ و٥٥٥)، و(أبو داود) في ((الصلاة))
(٤٠٧)، و(الترمذيّ) فيها (١٥٩)، و(النسائيّ) في ((المواقيت)) (٥٠٥)، و(ابن
ماجه) في ((إقامة الصلاة)) (٦٨٣)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٥/١)، و(عبد
الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٥٤٨/١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٧٠)، و(ابن أبي
شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٢٦/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٧/٦ و٨٥ و٢٠٤)
(٦٨٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٥٢١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(٩٩٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٣٦١ و١٣٦٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب التعجيل بصلاة العصر، وهو مذهب جمهور
أهل العلم، كما يأتي قريباً، قال الشافعيّ تَُّهُ: وهذا من أبين ما رُوي في
أول الوقت؛ لأن حُجَر أزواج النبيّ ◌َّ في موضع منخفض من المدينة،
وليست بالواسعة، وذلك أقرب لها من أن ترتفع الشمس منها في أول وقت
العصر، وسيأتي تمام البحث في هذا قريباً - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): ما ذكره ابن عبد البرّ تََّثُ، قال: فيه دليل على قِصَر
بنيانهم وحيطانهم؛ لأن الحديث إنما قُصِد به تعجيل العصر، وذلك إنما يكون
مع قِصَر الحيطان، ثم ذَكَر عن الحسن البصريّ، أنه قال: كنت أدخل بيوت
النبيّ وَّر، وأنا محتلم، فأنال سقفها بيدي، وذلك في خلافة عثمان رَؤُهته(١).
١)
٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ◌َّه من الزهد، والتقلّل في متاع الدنيا
بحيث يصبر على بيت ضيّق المرافق؛ لأن الدنيا متاع قليلٌ، سريعة الزوال،
قال الله تعالى: ﴿قُلٌ مَنَعُ الذُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ أَنَّقَى﴾ [النساء: ٧٧] الآية، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) راجع: ((طرح التثريب)) ١٦٨/٢.
٣٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلَثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٣٨٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِّ ◌َه
أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ كَانَ يُصَلِّ الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا، لَمْ يَظْهَرِ
الْفَيْءُ فِي حُجْرَتِهَا).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي.
وقوله: (وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا) على حذف مضاف، أي وضوء الشمس
في حجرتها .
وقوله: (لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ فِي حُجْرَتِهَا) أي لم يظهر الظلّ في داخل حُجْرة
عائشة هنا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٣٨٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
وَكِيعُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلِ يُصَلِّي
الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ وَاقِعَةٌ فِي حُجْرَتِي).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قبل باب.
٢ - (وَكِيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرُّؤَاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ
عابدٌ، من كبار [٩] (ت٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٣ - (هِشَام) بن عروة بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ حافظٌ
فقيهٌ [٥] (ت١٤٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٥٠.
والباقون تقدّموا قبله.
وقولها: (وَالشَّمْسُ وَاقِعَةٌ فِي حُجْرَتِي) هو على حذف مضاف، أي ضوء
٣٨٩
(٣١) - بابُ أوقاتِ الصَّلواتِ الخَمْسِ - حديث رقم (١٣٨٧)
الشمس ظاهر في حجرتي، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٣٨٧] (٦١٢) - (حَدَّثَنَا(١) أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى،
قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((إِذَا صَلَّيْتُمُ الْفَجْرَ، فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ
يَطْلُعَ قَرْنُ الشَّمْسِ الْأَوَّلُ، ثُمَّ إِذَا صَلَّيْتُمُ الظَّهْرَ، فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ يَحْضُرَ الْعَصْرُ،
فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْعَصْرَ، فَإِنَّهُ وَقْتْ إِلَى أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْمَغْرِبَ، فَإِنَّهُ
وَقْتُ إِلَى أَنْ يَسْقُطَ الشَّفَقُ، فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْعِشَاءَ، فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٣٠) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٧/٨.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المعروف بالزَّمِن البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٣ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) الدستوائيّ البصريّ، وسكن اليمن، صدوقٌ ربّما
وَهِمَ [٩] (ت٢٠٠) (ع) تقَّدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
٤ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
٥ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس،
رأس الطبقة [٤] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.
٦ - (أَبُو أَيُّوبَ) الْمَرَاغِيّ الأزديّ الْعَتَكِيّ البصريّ، اسمه يحيى، ويقال:
حبيب بن مالك، يقال: إن الْمَرَاغَ: قبيلة من الأزد، ويقال: موضع بناحية
عُمَان، ثقةٌ [٣].
(١) وفي نسخة: ((حدّثني)).
٣٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
رَوَى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وسَمُرة بن جُنْدب، وأبي هريرة،
وابن عباس، وجُويرية بنت الحارث.
ورَوَى عنه ثابت البنانيّ، وقتادة، وأبو عمران الْجَوْنيّ، وأسلم العجليّ،
وأبو الواصل عبد الحميد بن واصل.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال العجليّ: بصريّ
تابعيّ ثقةٌ، وقال ابن سعد في الطبقة الثانية: كان ثقةً مأموناً.
وقال أبو حاتم: مات في ولاية الحجاج على العراق، وقال خليفة: مات
بعد الثمانين.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله
في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٦١٢) وكرره في هذا الباب أربع مرّات،
و(٢٦١٢): ((إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه ... ))، وكررّه ثلاث مرّات.
٧ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو) بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعَيد بن سَعْد بن
سَهْم السَّهْميّ، أبو محمد، أو أبو عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ
،
مات سنة ليالي الحرّة بالطائف على الأصحّ (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف رَّتُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي غسّان، فانفرد
به هو وأبو داود، وأبي أيوب الأزديّ، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين.
٤ - (ومنها): أن شيخه ابن المثنّى أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب
الكتب الستّة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ: قتادة، عن أبي أيوب
الأزديّ.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة المذكورين في قول
السيوطيّ في ((ألفية الحديث)):
وَالْبَحْرُ وَابْنَا عُمَرٍ وَعَمْرٍو وَابْنُ الزُّبَيْرِ فِي اشْتِهَارٍ يَجْرِي
٣٩١
(٣١) - بابُ أوقاتِ الصَّلواتِ الخَمْسِ - حديث رقم (١٣٨٧)
دُونَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَهُمْ عَبَادِلَهْ وَغَلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذَا مَال لَهْ
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) بن العاص ◌َا (أَنَّ نَبِيَّ اللهِنَِّ قَالَ: ((إِذَا صَلَّيْتُمُ
الْفَجْرَ) أي صلاة الفجر (فَإِنَّهُ) أي ذلك الوقت (وَقْتُ) أي وقت صالح للصلاة
فيه، ولا تُمنع فيه الصلاة.
قال الأبيّ تَّقُهُ: ليس في الحديث بيان لأول أوقات هذه الصلوات
المذكورة، وإنما فيه بيان أواخرها، فأول وقت الصبح طلوع الفجر، وهو
البياض المنتشر في الأُفُق من القبلة إلى الشمال، لا المنتشر من المشرق إلى
المغرب؛ لأن ذلك هو الفجر الكاذب.
[فإن قلت]: القياس أن يكون هو المعتبر؛ لأن الفجر هو البياض السابق
بين يدي طلوع الشمس، وهي إنما تطلع من المشرق صاعدةً إلى المغرب،
فقياس فجرها أن يكون كذلك.
[قلت]: الفجر الصادق هو البياض السابق بين يدي طلوعها، وهو أيضاً
إنما يطلع من المشرق صاعداً إلى المغرب، لكن لاتّساع دائرته يُتوقَّم أنه من
القبلة إلى الشمال، وقلنا: لاتّساع دائرته؛ لأن الدوائر ثلاثةٌ: دائرة قُرْص
الشمس، ودائرة الحمرة المحيطة بها، ودائرة البياض المحدق بالحمرة
المذكورة، وهو السابق بين يدي طلوع الشمس المسمّى بالفجر. انتهى(١).
(إِلَى أَنْ يَطْلُعَ) بضمّ اللام، من باب قعد (قَرْنُ الشَّمْسِ الْأَوَّلُ) أي قوسها
الأعلى، وقال الأبّيّ تَخَّثُ: ما بعد ((إلى)) هنا غير داخل؛ للقرينة، قال: وقرن
الشمس الأولُ: هو أول ما يبدو منها، واحترز به عما يلي الأرض، وهو حجة
على الإصطخريّ في قوله: آخر وقتها الإسفار البَيِّن(٢).
وقال النوويّ: معنى قوله: ((فإنه وقتٌ)): أي وقتٌ لأداء الصبح، فإذا
طلعت الشمس فقد خرج وقت الأداء، وصارت قضاءً، ويجوز قضاؤها في كل
وقت.
(١) ((شرح الأبيّ)) ٢٩٧/٢.
(٢) ((شرح الأبيّ)) ٢٩٧/٢ - ٢٩٨.
٣٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وفي هذا الحديث دليل للجمهور أن وقت الأداء يمتدّ إلى طلوع الشمس،
قال أبو سعيد الإصطخريّ من أصحابنا: إذا أسفر الفجر صارت قضاءً بعده؛
لأن جبريل لعلّ صلّى في اليوم الثاني حين أسفر، وقال: الوقت ما بين هذين.
ودليل الجمهور هذا الحديث، قالوا: وحديث جبريللعلَّ لبيان وقت
الاختيار، لا لاستيعاب وقت الجواز؛ للجمع بينه وبين الأحاديث الصحيحة في
امتداد الوقت إلى أن يدخل وقت الصلاة الأخرى، إلا الصبح، وهذا التأويل
أولى من قول من يقول: إن هذه الأحاديث ناسخة لحديث جبريل عليّا؛ لأن
النسخ لا يصار إليه إلا إذا عجزنا عن التأويل، ولم نَعْجِز في هذه المسألة،
والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ◌َّتُهُ(١).
(ُمَّ إِذَا صَلَّيْتُمُ الظُّهْرَ) أي صلاته (فَإِنَّهُ وَقْتُ إِلَى أَنْ يَحْضُرَ الْعَصْرُ) أي
يدخل وقت صلاة العصر.
قال النوويّ ◌َخّلُ: معنى قوله: ((فإنه وقتٌ)): أي وقت لأداء الظهر، وفيه
دليل للشافعيّ نَّثُ وللأكثرين أنه لا اشتراك بين وقت الظهر ووقت العصر، بل
متى خرج وقت الظهر بمصير ظل الشيء مثله غير الظل الذي يكون عند الزوال
دخل وقت العصر، وإذا دخل وقت العصر لم يبق شيء من وقت الظهر.
وقال مالك تَخّْتُهُ، وطائفة من العلماء: إذا صار ظل كل شيء مثله دخل
وقت العصر، ولم يخرج وقت الظهر، بل يبقى بعد ذلك قدر أربع ركعات
صالح للظهر والعصر أداءً، واحتجُّوا بقوله {وَّ في حديث جبريل معلّا: ((صلّى
بي الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله، وصلّ بي العصر في
اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله))، فظاهره اشتراكهما في قدر أربع
ركعات.
واحتجّ الشافعيّ، والأكثرون بظاهر الحديث الذي نحن فيه، وأجابوا عن
حديث جبريل ظلّ بأن معناه: فرغ من الظهر حين صار ظل كل شيء مثله،
وشرع في العصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله، فلا اشتراك
بينهما، فهذا التأويل متعين؛ للجمع بين الأحاديث، وأنه إذا حُمِل على
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠٩/٥.
٣٩٣
(٣١) - بابُ أوقاتِ الصَّلواتِ الخَمْسِ - حديث رقم (١٣٨٧)
الاشتراك يكون آخر وقت الظهر مجهولاً؛ لأنه إذا ابتدأ بها حين صار ظل كل
شيء مثله، لم يعلم متى فرغ منها، وحينئذ يكون آخر وقت الظهر مجهولاً، ولا
يحصل بيان حدود الأوقات، وإذا حمل على ما تأولناه حصل معرفة آخر
الوقت، وانتظمت الأحاديث على اتفاق، وبالله التوفيق. انتهى.
(فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْعَصْرَ) أي صلاته (فَإِنَّهُ وَقْتُ إِلَى أَنْ تَصْفَرَّ) أي تتغيّر
(الشَّمْسُ) قال النوويّ تَّتُهُ: معناه: فإنه وقت لأدائها بلا كراهة، فإذا اصفرّت
صار وقت كراهة، وتكون أيضاً أداءً حتى تغرب الشمس؛ للحديث السابق:
((ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر)).
وفي هذا الحديث ردٌّ على أبي سعيد الإصطخريّ في قوله: إذا صار ظل
الشيء مثليه صارت العصر قضاءً، وقد تقدم قريباً الاستدلال عليه.
قال أصحابنا - رحمهم الله تعالى -: للعصر خمسة أوقات: وقت فضيلة،
واختيار، وجواز بلا كراهة، وجواز مع كراهة، ووقت عذر، فأما وقت الفضيلة
فأول وقتها، ووقت الاختيار يمتدّ إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه، ووقت
الجواز إلى الاصفرار، ووقت الجواز مع الكراهة حالة الاصفرار إلى الغروب،
ووقت العذر وهو وقت الظهر في حقّ من يَجْمَع بين الظهر والعصر لسفر أو
مطر، ويكون العصر في هذه الأوقات الخمسة أداءً، فإذا فاتت كلها بغروب
الشمس صارت قضاءً، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ تََّفُ، وهو بحثٌ مفيدٌ.
(فَإِذَا صَلَيْتُمُ الْمَغْرِبَ، فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ يَسْقُطَ الشَّفَقُ) أي يغيب من الأفق،
والمراد بالشفق هو الأحمر على الأصحّ، وسيأتي تمام البحث في اختلاف
العلماء في معنى الشفق في المسألة الحادية عشرة - إن شاء الله تعالى -.
قال النوويّ تَخْلَمُهُ: هذا الحديث وما بعده من الأحاديث صرائح في أن
وقت المغرب يمتدّ إلى غروب الشفق، وهذا أحد القولين في مذهبنا، وهو
ضعيف عند جمهور نقلة مذهبنا، وقالوا: الصحيح أنه ليس لها إلا وقت واحدٌ،
وهو عقب غروب الشمس بقدر ما يتطهر، ويستر عورته، ويؤذِّن ويقيم، فإن
أخر الدخول في الصلاة عن هذا الوقت أثم، وصارت قضاءً.
وذهب المحققون من أصحابنا إلى ترجيح القول بجواز تأخيرها ما لم
يغب الشفق، وأنه يجوز ابتداؤها في كل وقت من ذلك، ولا يأثم بتأخيرها عن
٣٩٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
أول الوقت، وهذا هو الصحيح، أو الصواب الذي لا يجوز غيره.
والجواب عن حديث جبريل نِالَّله حين صلّى المغرب في اليومين في
وقت واحد حين غربت الشمس من ثلاثة أوجه:
[أحدها]: أنه اقتصر على بيان وقت الاختيار، ولم يستوعب وقت
الجواز، وهذا جارٍ في كل الصلوات سوى الظهر.
[والثاني]: أنه متقدِّم في أول الأمر بمكة، وهذه الأحاديث بامتداد وقت
المغرب إلى غروب الشفق متأخرة في أواخر الأمر بالمدينة، فوجب اعتمادها .
[والثالث]: أن هذه الأحاديث أصح إسناداً من حدیث بیان جبريل
فوجب تقديمها، فهذا مختصر ما يتعلق بوقت المغرب.
قال: وقد بسطت في ((شرح المهذب)) دلائله، والجواب عن ما يوهم
خلاف الصحيح، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ رَُّهُ .
(فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْعِشَاءَ، فَإِنَّهُ وَقْتُ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ) قال النوويّ ◌َّتُهُ :
معناه: وقت لأدائها اختياراً أما وقت الجواز فيمتدّ إلى طلوع الفجر الثاني؛
لحديث أبي قتادة ظُه الذي ذكره مسلم بعد هذا في ((باب من نسي صلاةً، أو
نام عنها)): ((أنه ليس في النوم تفريطٌ، إنما التفريط على من لم يصلِّ الصلاة
حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى)).
وقال الإصطخريّ ◌َخْلَتُهُ: إذا ذهب نصف الليل صارت قضاءً، ودليل
الجمهور حديث أبي قتادة ر اته. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الإصطخريّ: هو الحقّ، وسيأتي
البحث فيه مستوفّى قريباً - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو ها هذا من أفراد
المصنّف رَخَذْتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣٨٧/٣١ و١٣٨٨ و١٣٨٩ و١٣٩٠ و١٣٩١
٣٩٥
(٣١) - بابُ أوقاتِ الصَّلواتِ الخَمْسِ - حديث رقم (١٣٨٧)
و١٣٩٢] (٦١٢)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٣٩٦)، و(النسائيّ) في
((المواقيت)) (٥٢٢)، و((الكبرى)) (١٥٠٠)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٢٤٩)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣١٩/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢١٠/٢
و٢١٣ و٢٢٣)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٣٢٦)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (١٤٧٣)، و(الطحاويّ) في ((معاني الآثار)) (١٥٠/١)، و(أبو عوانة)
في ((مسنده)) (١٠٢٥ و١٠٢٦ و١٠٢٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٣٦٣
و١٣٦٤ و١٣٦٥ و١٣٦٦ و١٣٦٧ و١٣٦٨)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (١/
٢٦٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٦٥/١ و٣٦٦ و٣٦٧ و٣٧١ و٣٧٤ و٣٧٨)،
و(ابن حزم) في ((المحلَّى)) (١٦٦/٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان آخر وقت صلاة الفجر، وهو طلوع قرن الشمس
الأول، وهذا بالإجماع، إلا قولاً لا يعتدّ به، كما يأتي في المسألة الخامسة -
إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): بيان آخر وقت الظهر، وأنه لا فصل بين الظهر والعصر،
ولا اشتراك بينهما على الراجح، كما سيأتي تحقيقه - إن شاء الله تعالى -.
٣ - (ومنها): بيان آخر وقت العصر، وهو اصفرار الشمس، وهذا هو
وقت الاختيار، على الراجح، كما سيأتي تحقيقه أيضاً.
٤ - (ومنها): بيان آخر وقت المغرب، وهو غروب الشفق الأحمر، وهذا
هو القول الصحيح، كما سيأتي تحقيقه أيضاً - إن شاء الله تعالى -..
٥ - (ومنها): بيان آخر وقت العشاء، وهو نصف الليل، على القول
الصحيح، وخالف في ذلك الجمهور، وسيأتي تحقيقه أيضاً - إن شاء الله تعالى
- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في وقت صلاة الفجر:
قال النوويّ تَّلهُ: صلاة الصبح من صلوات النهار، وأول النهار طلوع
الفجر الثاني، هذا مذهبنا، وبه قال العلماء كافّة، إلا ما حكاه الشيخ أبو حامد
في تعليقه عن قوم أنهم قالوا: ما بين طلوع الشمس والفجر، لا من الليل ولا
٣٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
من النهار، بل زمن مستقل، فاصل بينهما، قالوا: وصلاة الصبح لا في الليل،
ولا في النهار.
وحَكَى الشيخ أبو حامد أيضاً عن حذيفة بن اليمان، وأبي موسى
الأشعري، وأبي مِجْلَزٍ، والأعمش أنهم قالوا: آخر الليل طلوع الشمس، وهو
أول النهار، قالوا: وصلاة الصبح من صلوات الليل، قالوا: وللصائم أن يأكل
حتى تطلع الشمس، هكذا نقله أبو حامد عن هؤلاء، ولا أظنه يصح عنهم.
وقال القاضي أبو الطيب، وصاحب ((الشامل)): وحُكي عن الأعمش أنه
قال: هي من صلوات الليل، وإن ما قبل طلوع الشمس من الليل؛ يحل فيه
الأكل للصائم، قالا: وهذه الحكاية بعيد صحتها مع ظهور تحريم الأكل بطلوع
الفجر في كل عصر مع ظاهر القرآن، فإن احتُجَّ له بقوله تعالى: ﴿فَحَوْنَآ ءَايَةً
اَلَيَّلِ وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] وآية النهار هي الشمس، فيكون
النهار من طلوعها، وبقول أمية بن أبي الصلت [من الكامل]:
وَالشَّمْسُ تَظْلُعُ كُلَّ آخِرٍ لَيْلَةٍ
حَمْرَاءَ تُبْصَرُ لَوْنُهَا تَتَوَقَّدُ
فالجواب: أنه يثبت كونه من النهار بقوله تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ
لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَنْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اٌلْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وبإجماع أهل
الأعصار على تحريم الطعام والشراب بطلوع الفجر.
وثبت في حديث جبريل لعلّلها أن النبيّ وَّ قال: «ثم صلّى الفجر حين
برق الفجر، وحَرُمَ الطعامُ على الصائم)، وهو حديث صحيح، كما سبق.
وفي ((الصحيحين)) أن رسول الله وَل قال: ((إن بلالاً يُؤَذِّن بليل، فكلوا
واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم))، والليل لا يصح الصوم فيه بإجماع
المسلمین .
وأما الجواب عن الآية التي احتج له بها، فليس فيها دليل؛ لأن الله
تعالى أخبر أن الشمس آية للنهار، ولم يَنْفِ كون غيرها آية، فإذا قامت الدلائل
على أن هذا الوقت من النهار وجب العمل بها، ولأن الآية العلامة، ولا يلزم
أن يقارن جميع الشيء، كما أن القمر آية الليل، ولا يلزم مقارنته لجميع الليل.
وأما الشِّعْر، فقد نقل الخليل بن أحمد إمام اللغة أن النهار هو الضياء
٣٩٧
(٣١) - بابُ أوقاتِ الصَّلواتِ الخَمْسِ - حديث رقم (١٣٨٧)
الذي بين طلوع الفجر، وغروب الشمس، وحينئذ يحمل قول الشاعر أنه أراد
قريب آخر كل ليلة، لا آخرها حقيقة.
[فإن قيل]: فقد رُويَ عن النبيّ وَّهِ: ((صلاة النهار عَجْمَاءُ)).
[قلنا]: قال الدارقطني، وغيره من الحفاظ: هذا ليس من كلام النبيّ وَّل،
ولم يُرْوَ عنه، وإنما هو قول بعض الفقهاء، قال الشيخ أبو حامد: وسألت عنه
أبا الحسن الدارقطنيّ، فقال: لا أعرفه عن النبيّ وَله صحيحاً، ولا فاسداً، مع
أن المراد معظم صلوات النهار، ولهذا يُجْهَر في الجمعة والعيد، والله أعلم.
واحتج الأصحاب على من قال: إن ما بين الفجر والشمس، لا من الليل
ولا من النهار، بقول الله تعالى: ﴿يُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي
اَلَّيْلِ﴾ [فاطر: ١٣]، فَدَلَّ على أنه لا فاصل بينهما، والله أعلم. انتهى كلام
النوويّ ◌َخْذَهُ(١)، وهو تحقيقٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الخامسة): قال الإمام النوويّ تَُّ: قال أصحابنا - يعني
الشافعية -: الفجر فجران:
أحدهما: يُسَمَّى الفجر الأول، والفجر الكاذب، والآخر يسمى الفجر
الثاني، والفجر الصادق؛ فالفجر الأول يَطْلُع مستطيلاً نحو السماء، كذَنَب
السِّرْحَان - وهو الذئب - ثم يغيب ذلك ساعةً، ثم يطلع الفجر الثاني الصادق
مستطيراً - بالراء - أي منتشراً عرضاً في الأفق.
قال أصحابنا: والأحكام كلها متعلقة بالفجر الثاني؛ فيه يدخل وقت
صلاة الصبح، ويخرج وقت العشاء، ويدخل في الصوم، ويحرم به الطعام،
والشراب على الصائم، وبه ينقضي الليل، ويدخل النهار، ولا يتعلق بالفجر
الأول شيء من الأحكام بإجماع المسلمين، قال صاحب ((الشامل)): سمي
الأول كاذباً؛ لأنه يضيء ثم يَسْوَدُّ ويذهب، وسمي الثاني صادقاً؛ لأنه صَدَقَ
عن الصبح، وبَيِّنَهُ.
ومما يُسْتَدَلُّ به من الحديث للفجرين حديث ابن مسعود نَظُه، عن
(١) ((المجموع)) ٣ /٤٥ - ٤٦.
٣٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
النبيّ وَلّ، قال: ((لا يمنعن أحدكم - أو واحداً منكم ــ أذان بلال من سحوره،
فإنه يؤذن - أو ينادي - بليل، ليَرْجِعَ قائمكم، ولينتبه نائمكم، وليس أن يقول
الفجر - أو الصبح - هكذا - وقال بأصابعه، ورفعها إلى فوق، وطأطأها إلى
أسفل - حتى يقول هكذا؛ وقال بسبابتيه، إحداهما فوق الأخرى، ثم مَدَّهما
عن يمينه وشماله))، رواه البخاري ومسلم.
وعن سمرة نظبه، قال: قال رسول الله وَله: ((لا يغرنكم أذان بلال، ولا
هذا العارض، لعمود الصبح، حتى يستطیر))، رواه مسلم، ورواه الترمذيّ عنه،
قال: قال رسول الله وَل: ((لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال، ولا الفجر
المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق))، قال الترمذي: حديث حسن.
وعن طلق بن عليّ ◌َظُه أنّ رسول الله وَّه قال: ((كلوا، واشربوا، ولا
يَهِيدَنَّكُم الساطع المصعد، وكلوا، واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر))، رواه
أبو داود، والترمذي، وقال: هذا حديث حسن، قال: والعمل عليه عند أهل
العلم أنه لا يحرم الأكل والشرب على الصائم حتى يكون الفجر المعترض،
والله أعلم. انتهى كلام النوويّ كَُّ(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في أقوال أهل العلم في وقت صلاة الظهر:
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ تَخْتُ: أجمع علماء المسلمين في كل
عصر، وفي كل مصر بلغنا عنهم أن أول وقت الظهر زوال الشمس عن كَبِد
السماء، ووسط الْفَلَك إذا استُوقِن ذلك في الأرض بالتفقد والتأمل، وذلك
ابتداء زيادة الظل بعد تناهي نقصانه في الشتاء والصيف جميعاً، وإن كان الظل
مخالفاً في الصيف له في الشتاء، وهذا إجماع من علماء المسلمين كلهم في
أول وقت الظهر، فإذا تبيّن زوال الشمس بما ذكرنا، أو بغيره فقد حَلّ وقت
الظهر، وذلك ما لا خلاف فيه، وذلك تفسير لقوله تعالى: ﴿أَفِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ
الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، ودلوكها ميلها عند أكثر العلماء، ومنهم من قال:
غروبها، واللغة محتملة للقولين، والأول أكثر. انتهى (٢).
(١) ((المجموع)) ٤٤/٣ - ٤٥.
(٢) ((التمهيد)) ٧/ ٧٠.
٣٩٩
(٣١) - بابُ أوقاتِ الصَّلواتِ الخَمْسِ - حديث رقم (١٣٨٧)
وقال النوويّ تَخْلُهُ: أجمعت الأمة على أن أول وقت الظهر زوال
الشمس، نقل الإجماع فيه خلائق. ودليله الأحاديث الصحيحة، المذكورة في
هذا الباب وغيره، وكلها أحاديث صحيحة.
وأما آخر وقت الظهر فهو إذا صار ظل الشيء مثله، غير ظل الزوال الذي
يكون له عند الزوال، وإذا خرج هذا دخل وقت العصر متصلاً به، ولا اشتراك
بينهما، قال: هذا مذهبنا - يعني الشافعية - وبه قال الأوزاعيّ، والثوريّ،
والليث، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد.
وقال عطاء، وطاوس: إذا صار ظل الشيء مثله دخل وقت العصر، وما
بعده وقت للظهر، والعصر على سبيل الاشتراك حتى تغرب الشمس.
وقال إسحاق ابن راهويه، وأبو ثور، والمزنيّ، وابن جرير: إذا صار ظله
مثله فقدر أربع ركعات بعده وقت للظهر والعصر، ثم يتمحض الوقت للعصر.
وقال مالك: إذا صار ظله مثله فهو آخر وقت الظهر، وأول وقت العصر
بالاشتراك، فإذا زاد على المثل زيادة بيّنة خرج وقت الظهر، وعن مالك رواية:
أن وقت الظهر يمتد إلى غروب الشمس، وقال أبو حنيفة: يبقى وقت الظهر
حتى يصير الظل مثلين، فإذا زاد على ذلك يسيراً كان أول وقت العصر.
قال أبو الطيب: قال ابن المنذر: لم يقل هذا أحد غير أبي حنيفة.
واحتجَّ من قال بالاشتراك بحديث ابن عباس ﴿ًّا عند أبي داود وغيره،
ففيه قال: ((فصلّى الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلّى فيه العصر في
اليوم الأول))، وعن ابن عباس ﴿ما أيضاً، قال: ((جمع رسول الله وَّه بين
الظهر والعصر بالمدينة من غير خوف ولا سفر)) رواه البخاري ومسلم، وفي
رواية لمسلم: ((جمع رسول الله وَّ ه بين الظهر والعصر بالمدينة من غير خوف،
ولا مطر))، فدل على اشتراكهما، قالوا: ولأن الصلوات زيد فيها على بيان
جبريل في اليوم الثاني، وللاختيار، فينبغي أن يزاد وقت الظهر.
واحتج القائلون بعدم الاشتراك بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص
أن نبي الله وَّ قال: ((إذا صليتم الفجر، فإنه وقت إلى أن يطلع قرن الشيطان
الأول، ثم إذا صليتم الظهر، فإنه وقت إلى أن تحضر العصر، فإذا صليتم
العصر، فإنه وقت إلى أن تصفرّ الشمس، فإذا صليتم المغرب، فإنه وقت إلى
٤٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
أن يسقط الشفق، فإذا صليتم العشاء، فإنه وقت إلى نصف الليل)) رواه مسلم
من طرُق كثيرة، وفي بعضها: ((وقت الظهر إذا زالت الشمس ما لم تحضر
العصر)) .
واحتجّوا أيضاً بحديث أبي موسى وه الآتي في هذا الباب، قال فيه؛
في صلاة الظهر في اليوم الثاني: ((ثم أخر الظهر حتى كان قريباً من وقت
العصر بالأمس))، ثم قال في آخره: ((الوقت ما بين هذين))، وهذا نصّ في أن
وقت الظهر لا يمتدّ وراء ذلك، فيلزم منه عدم الاشتراك.
وبحديث أبي قتادة راه أن النبيّ وَل ◌ّ قال: ((ليس في النوم تفريط، إنما
التفريط على من لم يصلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى))، رواه مسلم في
جملة حديث طويل.
وأجابوا عن قوله وَلجي: ((صلّى بي العصر في اليوم الأول حين صار ظل
الشيء مثله، وصلّى بي الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله)) بأن
معناه بدأ بالعصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله، وفرغ من الظهر
في اليوم الثاني حين صار الظل مثله، وبهذا التفسير يحصل بيان أول وقت
العصر، وآخر وقت الظهر، ولو حمل على الاشتراك لم يحصل تحديد آخر
وقت الظهر، ولَفَات بيانه، وقد قال في آخر الحديث: ((الوقت بين هذين)).
قال الشيخ أبو حامد تَّتُهُ: ولأن حقيقة الكلام أن يكون فرغ من
الصلاتين حين صار ظل الشيء مثله فمنعنا الإجماع من إرادة ذلك في العصر،
فتأولناها على أنه ابتدأ حينئذ، وبقيت الظهر على حقيقته، ونظير ما تأولنا عليه
لفظ الحديث قول الله تعالى: ﴿فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَ﴾ [البقرة: ٢٣١]، وقال
تعالى: ﴿فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] المراد بالبلوغ الأول مقاربته،
وبالثاني حقيقة انقضاء الأجل، ويقال: بلغ المسافر البلد: إذا انتهى إليه، وإن
لم يدخله، وبلغه: إذا دخله.
وأجابوا عن حديث الجمع بالمدينة من وجهين:
أحدهما: أنه محمول على أنه أخر الظهر إلى آخر وقتها، وقدم العصر في
أول وقتها، فصار صورته صورة جمع، وليس بجمع، وعلى هذا التأويل حمله