Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
(٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٥٢)
٦ - (كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ) الأنصاريّ الصحابيّ المشهور، أبو محمد المدنيّ،
مات بعد الخمسين، عن نيّف وسبعين سنةً (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٤٣/٢٣.
لطائف هذا الإسناد :
١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف تَّلهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فقد انفرد به هو،
وأبو داود، والنسائيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وشيخ
شيخه، فمروزيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث :
(عَنْ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ) رَّهِ (عَنْ رَسُولِ اللهِ نَِّ﴾ أنه (قَالَ: ((مُعَقِّبَاتٌ) -
بضم الميم، وفتح المهملة، وكسر القاف المشددة -: اسم فاعل من التعقيب،
أي أذكارٌ يَعقُب بعضها بعضاً، أو تُعَقِّب لصاحبها عاقبةً محمودةً.
وقال الهَرَويّ: قال شمر: معناه: تسبيحات تُفْعَل أعقاب الصلاة، وقال
أبو الهيثم: سُمِّيت معقّبات؛ لأنها تُفْعَل مرّة بعد أخرى، وقوله تعالى: ﴿لَهُ
مُعَقِبَتٌ﴾ أي ملائكة يَعْقُب بعضهم بعضاً. انتهى.
وقال في ((النهاية)): سميت مُعَقّبات؛ لأنها عادت مرّةً بعد أخرى، أو
لأنها تقال عقب الصلاة، والمعقّب من كلّ شيء ما جاء عقب ما قبله. انتهى.
وقال البغويّ تَخُْ في ((شرح السنّة)): قوله: ((مُعَقِّباتٌ)): يريد هذه
التسبيحات، سُمِّيت معقّبات؛ لأنها عادت مرّةً بعد مرّة، والتعقيبات تَعْمَل
عملاً، ثم تعود إليه، وقوله وَل: ﴿وَلَّى مُدْرًا وَلَمْ يُعَقِّبَّ﴾ [النمل: ١٠] أي لم
يرجع، قال: شَمِر: كلُّ راجع معقِّبٌ، وقوله رَتْ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَتُ﴾ [الرعد: ١١]
أي للإنسان ملائكة يَعْقُبُ بعضهم ببعض، يقال: ملك معقِّبٌ، وملائكةٌ معقّبة،
ثم معقّباتٌ جمع الجمع، وقيل: ملائكة الليل تُعَقِّب ملائكة النهار. انتهى(١).
(١) ((شرح السنّة)) ٢٣٢/٣.

٢٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وقال الطيبيّ تَخْتُهُ: قوله: ((معقّبات)): أي الكلمات التي يأتي بعضها
بعقب بعض، و((المعقّبات)): اللواتي يقمن عند أعجاز الإبل المعتركات على
الحوض، فإذا انصرفت ناقةٌ دخلت مكانها أخرى، وهي الناظرات للعقب،
فكذلك هذه التسبيحات كلّما مرّت كلمةٌ نابت مكانها أخرى.
و((هي)) إما صفة مبتدأ، أقيمت مقام الموصوف، أي كلماتٌ، أو أذكارٌ
معقباتٌ، وجملة قوله: (لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ) خبره، و((دُبر)) ظرف متعلّقٌ
بـ((قائلهنّ))، ويَحْتَمِل أن يكون ((معقِّباتٌ)) مبتدأ، وقوله: ((لا يخيب)) صفته،
والخبر قوله: ((ثلاثٌ وثلاثون)).
(لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ) بفتح الياء من الخيبة، وهي الحرمان والخسران، أي
لا يُحرَم من أجرهنّ، أي كيفما كان، ولو عن غفلة، هذا هو ظاهر هذا اللفظ،
وقد ذكر بعضهم أنه لا أجر في الأذكار إذا كانت عن غفلة، سوى القراءة،
وفيه نظر لا يخفى، والله تعالى أعلم.
(أَوْ فَاعِلُهُنَّ) ((أو)) للشكّ من الراوي، قال البيضاويّ: قد يقال للقائل:
فاعلٌ؛ لأن القول فعلٌ من الأفعال، قال الطيبيّ: لا يُستعمل الفعل مكان القول
إلا إذا صار القول مستمرّاً ثابتاً راسخاً رسوخ الفعل، كما قال الله رحمات:
﴿ وَالَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهٌ﴾ الآية [الزمر: ٣٣]، أي تكلّم بالصدق، وصدّقه
بتحرّي العمل به. انتهى(١).
(دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ) ((دُبر)) منصوب على الظرفيّة، متعلّق بـ(قائلهنّ))،
وقوله: (ثَلَاثٌ وَثَلاثُونَ) خبر لمحذوف، أي هنّ ثلاث وثلاثون، وهو تفسير
لـ ((معقّبات))، أو خبر لـ(معقّبات))، كما أسلفته آنفاً، وقوله: (تَسْبِيحَةً) منصوب على
التمييز (وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَحْمِيدَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ تَكْبِيرَةً))) ولفظ النسائيّ: ((يُسبّح الله
في دبر كلّ صلاة ثلاثاً وثلاثين، ويَحْمَد الله ثلاثاً وثلاثين، ويُكبّره أربعاً وثلاثين))،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث كعب بن عُجرة ظُه هذا من أفراد المصنّف ◌َُّهُ .
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٠٦/٣.

٢٤٣
(٢٦) - بَابُ اسْتِخْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٥٢)
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣٥٢/٢٦ و١٣٥٣ و١٣٥٤] (٥٩٦)،
و(الترمذيّ) في ((الدعوات)) (٣٤١٢)، و(النسائيّ) في ((السهو)) (١٣٤٩)، وفي
((الكبرى)) (١٢٧٢)، وفي ((عمل اليوم والليلة)) (١٥٥ و١٥٦)، و(عبد الرزّاق)
في ((مصنّفه)) (٣١٩٣)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٢٨/١٠)،
و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٦٠/١٩ و٢٦١ و٢٦٣ و٢٦٤ و٢٦٥)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٢٠١٩)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٠٧٩ و٢٠٨٠
و٢٠٨١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٣٢٢ و١٣٢٣ و١٣٢٤ و١٣٢٥)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٨٧/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٧٢١)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): هذا الحديث ذكره الدار قطنيّ كَّتُ في ((استدراكاته على
مسلم))، وقال: الصواب أنه موقوف على كعب؛ لأن من رفعه لا يقاومون من
وقفه في الحفظ.
قال النوويّ تَخْلُهُ: وهذا الذي قاله الدارقطنيّ مردود؛ لأن مسلماً رواه
من طُرُق كلُّها مرفوعة، وذكره الدارقطنيّ أيضاً من طُرُق أخرى مرفوعة، وإنما
رُوي موقوفاً من جهة منصور وشعبة، وقد اختلفوا عليهما أيضاً في رفعه ووقفه،
وبيّن الدارقطنيّ ذلك.
والمذهب الصحيح الذي عليه الأصوليون، والفقهاء، والمحقّقون من
المحدّثين، ومنهم البخاريّ، وآخرون أنه إذا رُوي الحديث موقوفاً ومرفوعاً
يحكم بأنه مرفوع، ولو كان الواقفون أكثر من الرافعين، كيف، والأمر
هنا بالعكس؟ وذلك لأن هذه زيادة ثقة، فوجب قبولها، ولا تُردّ لنسيان،
أو تقصير حصل بمن وقفه. والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ببعض
تصرّف(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عبارة الدار قطنيّ نَّهُ: وأخرج مسلم من حديث
(١) ((شرح النوويّ)) ٩٥/٥.

٢٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة مرفوعاً: ((معقّبات لا يخيب
قائلهنّ ... )) من حديث مالك بن مِغْول، وعمرو بن قيس، وحمزة الزيّات،
قال: وقد تابعهم زيد بن أبي أنيسة، وليث بن أبي سُليم، وابنُ أبي ليلى،
وقبيصة، عن الثوريّ، عن منصور، وخالفهم منصورٌ من رواية أبي الأحوص،
وجرير، عن منصور، عن الحكم، فروياه موقوفاً، وكذلك رواه شعبة، عن
الحكم، إلا من رواية جعفر الصائغ، عن عبدان، عنه.
والصواب - والله أعلم - الموقوف؛ لأن الذين رفعوه شيوخ لا يقاومون
منصوراً، وشعبة. انتهى كلام الدارقطنيّ كَّتُهُ.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ترجيح الرفع هنا أظهر؛ لأمور:
(أحدها): أن الذين رفعوه جماعة، وفيهم الثقات الأثبات، وهم:
مالك بن مِغْول، وعمرو بن قيس الملائيّ، وحمزة الزّيّات، وقد تابعهم زيد بن
أبي أُنيسة، وليث بن أبي سُليم، ومحمد بن أبي ليلى.
فالظاهر أن هؤلاء الجماعة قد حَفِظوا الرفع، فلا يضرّهم مخالفة شعبة
ومنصور لهم في وقفه؛ لأن الرفع زيادة، فيجب قبولها .
(الثاني): أنه اختَلَف الرواة على شعبة ومنصور في الرفع والوقف، فيكون
هذا الاختلاف مرجّحاً لرفع من خالفهما.
فأما الاختلاف على شعبة، فقد رواه سليمان بن حرب، ومالك بن
سليمان، عنه مرفوعاً.
فأما رواية سليمان بن حرب، فقد أخرجها أبو نعيم في ((المستخرج))
بسنده عنه، عن شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن
عجرة نظّالله، قال: قال رسول الله وَله: ((معقّبات ... )) الحديث(١).
وأما رواية مالك بن سليمان، فقد أخرجها البغويّ في ((شرح السنّة))
بسنده، عنه، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى،
عن كعب بن عُجرة، أن رسول الله وَ لّ قال: ((معقّبات لا يخيب قائلهنّ ... ))
الحديث(٢).
(١) ((المستخرج)) ١٩٥/٢.
(٢) ((شرح السنّة)) ٢٣١/٣.

٢٤٥
(٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٥٢)
وخالفهما وكيع، فرواه موقوفاً، قال ابن أبي شيبة في ((مصنّفه)): ثنا
وكيع، عن شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن
عجرة رظُّه قال: ((ثلاث لا يخيب قائلهن ... )) الحديث.
وأما الاختلاف على منصور، فقد رواه عنه الثوريّ مرفوعاً:
فقد أخرجه أبو عوانة في ((مسنده)) قال: حدّثنا أبو العبّاس الغزّيّ، قال:
ثنا قَبِيصة، ثنا سفيان(١)، عن منصور، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي
ليلى، عن كعب بن عُجرة، قال: قال رسول الله وَله: ((معقّبات لا يخيب
قائلهنّ ... )) الحديث(٢).
وخالف سفيان أبو الأحوص، فرواه عن منصور موقوفاً، قال ابن أبي
شيبة: ثنا أبو الأحوص، عن منصور، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي
ليلى، عن كعب، قال: ((معقّبات ... )) الحديث.
فتبيّن بهذا أن مخالفة شعبة، ومنصور بالوقف غير سليمة؛ لوقوع اختلاف
الرواة عليهما، فيكون هذا الاختلاف مرجّحاً لرفع غيرهما.
(والثالث): أن الوقف في مثل هذا له حكم الرفع؛ لأنه مما لا يُنال
بالاجتهاد والرأي، وإنما سبيله التلقّي من الوحي.
(والرابع): أن للحديث شواهد وهي الأحاديث التي أوردها الإمام
مسلم تَخْتُ في هذا الباب.
وخلاصة المسألة أن ترجيح رفع هذا الحديث هو الحقّ؛ لما سبق من
(٣)
الحجج(٣).
والحاصل أن الحديث صحيح مرفوعاً، كما هو غرض المصنّف في إيراده
هنا، لا كما ادّعاه الدار قطنيّ من ترجيح الوقف على الرفع، فتبصّر، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) هو الثوريّ.
(٢) ((مسند أبي عوانة)) ٢٧٠/٢.
(٣) راجع ما كتبه الشيخ ربيع بن هادي في كتابه ((بين الإمامين: مسلم والدارقطنيّ))
١٤٠ - ١٤٤.

٢٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج دَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٥٣] ( .. ) - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا(١) أَبُو أَحْمَدَ،
حَدَّثَنَا حَمْزَةُ الزََّّاتُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبٍ بْنِ
عُجْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((مُعَقِّبَاتٌ لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ، أَوْ فَاعِلُهُنَّ، ثَلَاثُ
وَثَلاثُونَ تَسْبِيحَةً، وَثَلَاثٌ وَثَلاثُونَ تَحْمِيدَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلَاتُونَ تَكْبِيرَةً، فِي دُبُرِ كُلِّ
صَلَاةٍ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو أَحْمَدَ) محمد بن عبد الله بن الزبير بن عُمر بن درهم الأسديّ
الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، إلا أنه قد يُخطئ في حديث الثوريّ [٩] (ت٢٠٣) (ع) تقدم
في ((الإيمان)) ٣١٤/٥٠.
٣ - (حَمْزَةُ الزَّيَّاتُ) هو: حمزة بن حبيب القارئ التيميّ مولاهم، أبو
عمارة الكوفيّ، صدوقٌ زاهدٌ، ربّما وَهِمَ [٧] (ت٦ أو ١٥٨) (م ٤) تقدم في
((المقدمة)) ٥٥/٦.
والباقون تقدّموا في السند السابق، وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت في
الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّثهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٣٥٤] ( ... ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا
عَمْرُو بْنُ قَيْسِ الْمُلَائِيُّ، عَنِ الْحَكَمِ، بِهَذَا الْإِسْنَّادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون، تقدّم في هذا الباب.
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).

٢٤٧
(٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٥٤)
٢ - (أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن عبد الرحمن بن خالد بن ميسرة القُرشيّ
مولاهم، أبو محمد، ثقة ضُعّف في الثوريّ [٩].
رَوَى عن الأعمش، ومُطرّف بن طَريف، ومحمد بن عجلان، وغيرهم.
ورَوَى عنه أحمد بن حنبل، وابنه عُبيد، وابن أبي شيبة، وابن نمير،
وغيرهم.
قال محمد بن عبد الله بن عمّار الموصليّ: قال لنا وكيع: اسمعوا منه،
فسمعنا منه، وكان حديثه ثلاثة آلاف. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة.
وقال الدُّوري عن ابن معين: ليس به بأس، وكان يُخطئ عن سفيان. وقال
أحمد: إنه أحبّ إليّ من الخفّاف. وقال أبو حاتم: صالح. وقال النسائي:
ليس به بأس. وقال الغَلَابي عنه: ثقة، والكوفيون يُضعفونه. وقال البَرْقيّ عنه:
الكوفيون يُضعّفونه، وهو عندنا ثبتٌ فيما يروي عن مطرّف، والشيبانيّ، وقد
سمعت أنا منه. وقال العقيليّ: ربّما وهم في الشيء. وقال العجلي: لا بأس
به. وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقاً، إلا أن فيه بعض الضعف. وذكره ابن
حبان في ((الثقات)). وقال يعقوب بن شيبة: كوفي ثقة صدوق، توفّي بالكوفة
في المحرّم سنة (٢٠٠).
وقال هارون بن حاتم في ((تاريخه)): حدّثني أنه وُلد سنة (١٠٥)، ومات
في أيّام أبي السرايا سنة (١٩٩). روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة
أحاديث فقط، برقم (٥٩٦) و(٩٣٦) و(١٨٨٧) و(٢٤٤٧).
٣ - (عَمْرُو بْنُ قَيْسِ الْمُلَائِيُّ) - بضمّ الميم، وتخفيف اللام، والمدّ - أبو
عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ متقَنَّ عابدٌ [٦] مات سنة بضع وأربعين ومائة (بخ م ٤)
تقدم في ((الطهارة)) ٦٤٥/٢٤.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد الحكم الماضي، وهو: عن
عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجرة ◌َُّبه، عن رسول الله وَله .
وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل الحديث الماضي.
[تنبيه]: رواية عمرو بن قيس، عن الحكم هذه ساقها الترمذيّ،
والنسائيّ، فقالا :
حدّثنا محمد بن إسماعيل بن سَمُرَة الأحمسيّ الكوفيّ، حدّثنا أسباط بن

٢٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
محمد، حدّثنا عمرو بن قَيس الْمُلائيّ، عن الحكم بن عُتيبة، عن عبد الرحمن بن
أبي ليلى، عن كعب بن عُجرة، عن النبيّ وَّهِ قال: ((مُعَقِّباتٌ لا يَخِيب قائلهنّ،
يُسَبِّح الله في دبر كل صلاةٍ ثلاثاً وثلاثين، ويَحْمَده ثلاثاً وثلاثين، ويكبره أربعاً
وثلاثين)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٣٥٥] (٥٩٧) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْوَاسِطِيُّ، أَخْبَرَنَا
خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ الْمَذْحِجِيِّ - قَالَ مُسْلِمٍ: أَبُو عُبَيْدٍ
مَوْلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكَ - عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْئِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ
رَسُولِ اللهِ وَ﴾(١): (مَنْ سَبَّحَ الله(٢) فِي دُبُرٍ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاناً وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللهَ
ثَلَاثَاً وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللهَ ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ، فَتِلْكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ(٣) تَمَامَ الْمِائَةِ:
لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْوَاسِطِيُّ) أبو الحسن العسكريّ، صدوقٌ [١٠]
(م د ق) تقدم في ((الإيمان)) ٧٨/ ٤٠٧.
٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الطحّانِ الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع)
تقدم في ((الإيمان)» ٤٠٧/٧٨.
٣ - (سُهَيْل) بن أبي صالح ذُكر في هذا الباب.
٤ - (أَبُو عُبَيْدٍ الْمَذْحِجِيُّ (٤)) صاحب سليمان بن عبد الملك، قيل: اسمه
(١) وفي نسخة: ((قال: قال رسول الله (وَلات)).
(٢) وفي نسخة: ((قال: من سبّح الله)).
(٣) وفي نسخة: ((ثمّ قال)).
(٤) بفتح الميم، وسكون الذال المعجمة، وكسر الحاء المهملة، ثم جيم: نسبة إلى
مَذْحِج قبيلة معروفة. انتهى. ((شرح النوويّ)) ٩٥/٥.

٢٤٩
(٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٥٥)
عبد الملك، وقيل: حَيّ، وقيل: حُيَيّ، وقيل: حُوَيّ بن أبي عمر، ثقة [٥].
رَوَى عن أنس، وعمر بن عبد العزيز، ورَجَاء بن حَيْوة، وعُبادة بن نُسَيّ،
وعطاء بن يزيد، وعقبة بن وَسّاج، وقيس بن الحارث الْمَذْحِجيّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه الأوزاعيّ، ومالك، وسهيل بن أبي صالح، وميسرة بن معبد،
وعَمْرو بن الحارث، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند، وأبو فَرْوة يزيد بن سِنَان
الرُّهاويّ، وآخرون.
قال الميمونيّ كَّتُهُ عن أحمد، وأبو زرعة، ويعقوب بن سفيان: ثقةٌ،
وثقه عليّ ابن المدينيّ، وذكره ابن حبّان في ((الثقات)) في أتباع التابعين، وقال
بَقِيّة، عن بِشْر بن عبد الله بن يسار: لم أَرَ أحداً قط أعمل بالعلم من أبي
عبيد، وقال الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن حسان: كان أبو عبيد
يَحْجُب سليمان بن عبد الملك، فلما وُلِّي عمر بن عبد العزيز، قال: أين أبو
عبيد؟ فدنا منه، فقال: هذه الطريق إلى فلسطين، وأنت من أهلها، فالْحَقْ بها،
فقيل له: يا أمير المؤمنين لو رأيت أبا عبيد وتشميره للخير، فقال: ذاك أحقّ
أن لا نفتنه، كانت فيه أُبَّهَةٌ للعامة.
علّق له البخاريّ، وأخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له
في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٥ - (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْئِيُّ) الْجُنْدعيّ المدنيّ، نزيل الشام، ثقةٌ [٣] (ت٥
أو ١٠٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٨٦.
٦ - (أَبو هُرَيْرَةَ) ﴿ُه تقدّم في ((المقدمة)) ٤/٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَّلُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوی شیخه، فتفرّد به هو، وأبو
داود، وابن ماجه، وأبي عُبيد، فتفرّد به هو وأبو داود، والنسائيّ، وعلّق له
البخاريّ.
٣ - (ومنها): أن أبا هريرة ظله أحفظ من روى الحديث في دهره، روى
(٥٣٧٤) حديثاً .

٢٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
شرح الحديث:
(عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ لَّ) وفي نسخة: ((قال: قال
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)
رسول الله (وٌَّ)) (مَنْ سَبَّحَ اللهَ) وفي نسخة: ((قال: من سبّح الله))، أي قال:
سبحان الله، و((من)) شرطيّة جوابها قوله: ((غُفِرت خطاياه)) (فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ)
تقدّم أن المشهور ضمّ دال («دُبُر))، وحُكي بفتح، فسكون، والمراد بالصلاة
الفريضة، كما تقدّم في حديث كعب بن عُجرة ◌َُّه قوله: ((دبر كل صلاة
مكتوبة)» (ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللهَ) بكسر الميم المخفّفة، أي قال: الحمد لله
في دبر كلّ صلاة، وحذفه هنا وفيما بعده؛ للعلم به من الأول (ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ،
وَكَبَّرَ اللهَ) أي قال: الله أكبر (ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ، فَتِلْكَ) أي التسبيحات،
والتحميدات، والتكبيرات (تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ) بيّن جملة العدد بعد ذكره بالتفصيل،
ويُسمَّى فَذْلَكَةً(١)؛ نظير قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] بعد ذكر
(ثلاثة))، و((سبعة))، قال في ((الكاشف)): فائدة الفَذْلكة في كلّ حساب أن يُعلم
العدد جملةً، كما عُلِم تفصيلاً؛ ليُحاط به من جهتين، فيتأكّد العلم، وفي أمثال
العرب: علمان خير من علم (٢).
(وَقَالَ) وفي نسخة: ((ثمّ قال))، والفاعل ضمير ((من سبّح ... إلخ))،
وقيل: ضمير النبيّ وَّه، والأول أظهر (تَمَامَ الْمِائَةِ) بالنصب على المفعوليّة،
وقيل: مرفوع على أنه مبتدأ خبره قوله: (لَا إِلَهَ إِلَّ الله) حاصل الكلام في هذا
المقام أن لفظ ((تمام)) إما منصوب على أنه مفعول به لـ((قال))؛ لأنه في المعنى
جملةٌ؛ إذ ما بعده عطف بيان، أو بدلٌ، أو خبرٌ لمحذوف، فصحّ كونه مقول
القول، والمراد من تمام المائة ما تَتِمّ به المائة.
وإما منصوب على الظرفيّة، أي في وقت تمام المائة، أي عند إرادة
تمامها، والعامل فيه لفظ ((قال))، وعلى هذين الوجهين ففاعل ((قال)) ضمير من
((سبّح الله ... إلخ)).
(١) يقال: فَذْلكَ حسابه: أنهاه، وفَرَغَ منه، مُخْتَرَعَةٌ من قوله إذا أجمل حسابه: فذلك
كذا وكذا، قاله في ((القاموس)) ٣١٥/٣.
(٢) راجع: ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٠٦١/٣.

٢٥١
(٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٥٥)
وإما مرفوع على الابتداء، وخبره قوله: ((لا إله إلا الله ... إلخ))، ويجوز
العكس، وعلى هذا ففاعل ((قال)) ضمير الرسول وَله، فتنبه.
(وَحْدَهُ) منصوب على الحال، فقد جوّز بعض النحاة كون الحال معرفةً،
وأما الجمهور، فيؤوّلونه بالنكرة، أي منفرداً في ذاته (لَا شَرِيكَ لَهُ) في أفعاله،
وصفاته (لَهُ الْمُلُْك) أي السلطان على جميع مخلوقاته له رَت، لا لغيره (وَلَهُ
الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) وقوله: (غُفِرَتْ خَطَايَاهُ) ببناء الفعل للمفعول
جواب الشرط، قيل: المراد بالخطايا الذنوب الصغائر، وقال القاري تخَّتُهُ:
ويَحْتَمِل الكبائر (وَإِنْ كَانَتْ) أي في الكثرة (مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ))) - بفتح الزاي،
والموحّدة ـ: هو ما يعلو على وجه الماء عند هيجانه وتموّجه.
لا يقال: هذا يعارض ما تقدّم أن تمام المائة في هذه الأذكار هو
التكبير؛ إذ هو أربع وثلاثون مرّةً؛ لما قدّمناه أن هذا يكون في أوقات مختلفة،
فتارة يختم المائة بالتكبير، وتارةً يختمها بـ((لا إله إلا الله وحده ... إلخ))، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظبه هذا من أفراد المصنّف ◌َظّفُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣٥٥/٢٦ و١٣٥٦] (٥٩٧)، و(النسائيّ) في
((عمل اليوم والليلة)) (١٤٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٧١/٢ و٤٨٣)، و(ابن
خزيمة) في ((صحيحه)) (٥٧٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٠١٣ و٢٠١٦)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٨٧/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٧١٨)، والله
تعالى أعلم.
[تنبيه]: أخرج الحديث ابن حبّان من طريق يحيى بن صالح الوحاظيّ،
مالك مرفوعاً، ثم قال: رفعه يحيى بن صالح، عن مالك وحده. انتهى(١).
قال الحافظ ابن عبد البرّ تَخْلُ بعد أن أورد الحديث: هكذا الحديث
(١) ((الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان)) ٣٥٦/٥.

٢٥٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
موقوف في ((الموطأ)) على أبي هريرة، ومثله لا يُدرك بالرأي، وهو مرفوعٌ
صحيحٌ عن النبيّ وَّر من وجوه كثيرة ثابتة، من حديث أبي هريرة، ومن حديث
عليّ بن أبي طالب، ومن حديث عبد الله بن عمرو العاص، ومن حديث
كعب بن عُجرة، وغيرهم. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٣٥٦] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا (٢) مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ
زَكَرِئَّاءَ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ
ء
رَسُولُ اللهِ وَلِ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) الدُّولابِيّ، أبو جعفر البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٢٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٧/٥.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن مُرّة الْخُلْقانيّ(٣)، أبو زياد الكوفيّ، لقبه
شَقُوصًا(٤)، صدوقٌ يُخطئ قليلاً [٨] (ت١٩٤) أو قبلها (ع) تقدّم في ((المقدّمة))
تقدم في ((المقدمة)) ٢٧/٥.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) يعني أن إسماعيل بن زكريا حدّث عن سهيل بمثل حديث
خالد بن عبد الله الطحّان عنه.
[تنبيه]: رواية إسماعيل بن زكريّا، عن سُهيل هذه لم أجد من ساقها
بتمامها، فليُنظَر.
[تنبيه آخر]: قال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ كَّثُ: حديث سُهيل بن أبي
(١) راجع: ((تجريد التمهيد)) لابن عبد البرّ (ص٢٤١).
(٢) وفي نسخة: ((وحدّثناه)).
(٣) بضم الخاء المعجمة، وسكون اللام، بعدها قاف.
(٤) بفتح الشين المعجمة، وضم القاف الخفيفة، وبالصاد المهملة.

٢٥٣
(٢٧) - بَابُ مَا يُقَالُ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ وَالْقِرَاءَةِ - حديث رقم (١٣٥٧)
صالح، عن أبي عُبيد مولى سليمان بن عبد الملك، عن عطاء بن يزيد الليثيّ،
عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّ، قال: ((من سبّح الله في دبر كلّ صلاة ثلاثاً
وثلاثين، وحَمِدَ الله ثلاثاً وثلاثين، وكبّر الله ... )) الحديث.
ثم خَرَّجه بعد ذلك عن محمد بن الصبّاح، قال: تا إسماعيل بن زكريّا،
عن سُهيل، عن أبي عُبيد، عن عطاء - غير منسوب - عن أبي هريرة، عن
النبيّ ێ مثله.
قال أبو مسعود الدمشقيّ: يُذكَر أن محمد بن الصبّاح نسبه، فقال:
عطاء بن يسار، وأخطأ فيه، فإن كان هذا، فإن مسلم بن الحجّاج أسقط الخطأ
من الإسناد؛ ليقرب من الصواب.
وقد رَوى مالك هذا الحديث عن أبي عُبيد مولى سليمان بن عبد الملك،
عن عطاء بن يزيد، عن أبي هريرة موقوفاً. انتهى كلام الجيّانيّ تَظُّهُ. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٢٧) - (بَابُ مَا يُقَالُ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ وَالْقِرَاءَةِ)
قال الجامع عفا الله عنه: كان الأولى للمصنّف تَخْتُ أن يقدّم أحاديث هذا
الباب بين باب أحاديث تكبيرة الإحرام، وأحاديث قراءة الفاتحة، كما لا تخفى
المناسبة، فتأمّل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الکتاب
قال:
[١٣٥٧] (٥٩٨) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ
الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا كَبَّرَ فِي
الصَّلَاةِ سَكَتَ هُنَيَّةً قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَرَأَيْتَ
سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ، مَا تَقُولُ؟ قَالَ: ((أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ
خَطَايَايَ، كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ، كَمَا يُنَقَّى
الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّلْجِ وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ)).

٢٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (جَرِير) بن عبد الحميد، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (عُمَارَةُ(١) بْنُ الْقَعْقَاعِ) بن شُبْرُمة(٢)، الكوفي الضبي، ثقة أرسل عن
ابن مسعود، [٦] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٨/١.
٤ - (أَبُو زُرْعَةَ) اسمه هَرِم بن عمرو بن جرير بن عبد الله، وقيل غير
ذلك، البجليّ الكوفي، ثقة، [٣] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٦/١.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَبُه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
لطائف الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف رَّلُهُ.
٢ - (ومنها): أن رواته كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه، فنسائيّ، ثم بغداديّ،
وأبي هريرة رَّه فمدنيّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَ ◌ّهِ إِذَا كَبَّرَ فِي الصَّلَاةِ)
أي تكبيرة الافتتاح، ولفظ النسائيّ: ((كان رسول الله وَّر إذا استفتح الصلاة))
(سَكَتَ هُنَيَّةً) أي ساعةً لطيفةً، تصغيرُ هَنْتْ، وفي ((اللسان)): وقالوا: هَنْتْ
بالتاء ساكنة النون، فجعلوه بمنزلة بنت، وأخْت، وهنتان، وهنات، تصغيرها :
هُنَيَّة، وهنيهة، فهنية على القياس، وهنيهة على إبدال الهاء من الياء في هُنَية
للقرب الذي بين الهاء وحروف اللين، والياء في هُنية بدل من الواو في هُنَيْوَة،
والجمع هَنَات على اللفظ، وهَنَوَات على الأصل، قال ابن جني: أما هَنْت
فيدل على أن التاء بدل من الواو في قولهم هنوات.
(١) بضم العين المهملة، وتخفيف الميم.
(٢) بضم الشين المعجمة، وسكون الموحّدة، وضمّ الراء.

٢٥٥
(٢٧) - بَابُ مَا يُقَالُ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ وَالْقِرَاءَةِ - حديث رقم (١٣٥٧)
وقال الجوهريّ: في تصغيرها هُنية تردها إلى الأصل وتأتي بالهاء كما
تقول: أُخَّة وبُنَيةٌ.
وقد تبدل من الياء الثانية هاء، فيقال: هُنَيهة، وفي الحديث: ((أنه قام
هُنيةً)) أي قليلاً من الزمان، وهو تصغير هَنَة، ويقال: هُنيهة أيضاً. انتهى(١).
وقال في ((العمدة)): وأما هُنَيئَةٌ ففيه أوجه، الأول بضم الهاء وفتح النون
وسكون الياء آخر الحروف وفتح الهمزة، وقال ابن قرقول: كذا عند الطبريّ
ولا وجه له، قال: وعند الأصيليّ، وابن الحذّاء، وابن السكن: هُنيهة بالهاء
المفتوحة موضع الهمزة، وهو الوجه الثاني، قال القاضي عياض، والقرطبيّ:
إن أكثر رواة مسلم قالوه بالهمزة، وأما النوويّ فقال: الهمز خطأ، وقال غيره:
لا يمنع، فقد تقلب الياء همزة.
الوجه الثالث قاله النوويّ: هُنَيّة بضم الهاء وفتح النون وتشديد الياء بغير
همزة، ومن همزها فقد أخطأ .
وأصلها هَنْوَة فلما صُغِّرت صارت هُنَيْوَة، فاجتمعت الواو والياء، وسبقت
إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، كما أشار إليه
في ((الخلاصة)) بقوله:
وَاتَّصَلَا وَمِنْ عُروضٍ عَرِيَا
إِنْ يَسْكُنِ السَّابِقُ مِنْ وَاوٍ وَيَا
وَشَذَّ مُعْطَى غَيْرَ مَا قَدْ رُسِمَا
فَيَاءَ الْوَاوَ اقْلِبَنَّ مُدْغِمَا
وفي ((الموعب، لابن التبانيّ: هُنَيَّة هي اليسير من الشيء ما كان)).
انتھی
ـى (٢).
والمراد بالسكوت هنا: عدم القراءة جهراً، وإلا فالسكوت الحقيقيّ ينافي
القول، فلا يتأتَّى السؤال بقوله: ((ما تقول في سكوتك؟)) أفاده السنديّ نَّتُهُ.
(قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ، فَقُلْتُ) القائل هو أبو هريرة حظ ◌ّتُه (يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ
وَأُمِّي) الجارّ والمجرور متعلِّق بمحذوف، إما اسم، فيكون تقديره: أنت مَقْديٌّ
بأبي وأمي، وإما فعلٍ فالتقدير: فَدَيْتُك بأبيّ، وحُذِف تخفيفاً؛ لكثرة
(١) راجع: ((لسان العرب)) ٣٦٦/١٥ - ٠٣٦٧.
(٢) راجع: ((عمدة القاري)) ٣٢/٥.

٢٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
الاستعمال، وعِلْم المخاطب به، فلما حُذف الفعل انفصل الضمير.
(أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ، مَا تَقُولُ؟) أَيْ أيّ شيء تقول في
حال سكوتك؟ قال في ((العمدة)): قيل: السكوت مُنافٍ للقول، فكيف يصحّ أن
يقال: ما تقول في سكوتك؟.
وأجيب بأنه يَحْتَمِل أنه استَدَلّ على أصل القول بحركة الفم، كما استدل
به على قراءة القرآن في الظهر والعصر باضطراب اللحية. انتهى(١).
وقال ابن دقيق العيد تَُّ: قوله: ((ما تقول)) يُشْعِر بأنه فهم أن هناك
قولاً، فإن السؤال وقع بقوله: (ما تقول))، ولم يقع بقوله: ((هل تقول))،
والسؤال بـ((هل)) مقدَّم على السؤال بـ((ما)) هنا، ولعله استدلّ على أصل القول
بحركة الفم، كما ورد في استدلالهم على القراءة في السر باضطراب لحيته.
انتهى كلام ابن دقيق العيد ظّتُهُ(٢).
(قَالَ) وَلِ جواباً لسؤاله ((أَقُولُ) بينهما (اللَّهُمَّ) أي يا الله (بَاعِدْ) أي
أبعد، قال الكرمانيّ كَّتُهُ: أخرجه إلى صيغة المفاعلة للمبالغة، قال في
((العمدة)): لم يقل أهل التصريف إلا للتكثير، نحو: ضاعفت، بمعنى ضَعَّفتُ،
وفي المبالغة معنى التكثير. انتهى(٣).
(بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ) جمع خَطِيَّة، كالعَطَايا جمع عَطيَّة، يقال: خَطَأ في
دِينه خَطَأ: إذا أثم فيه، والخِظْءُ بالكسر: الذنب والإثم.
وأصل خطايا: خَطَائِىءُ، فقلبوا الياء همزة، كما في قبائل جمع قبيلة،
فصار خطائِئُ بهمزتين، فقلبوا الثانية ياء، فصار خطائي، ثم قلبت الهمزة ياء
مفتوحة فصارت خطابَي، فقلبت الياء ألفاً فصارت خطايا .
ثم إن الخطايا إن كان يراد بها اللاحقة، فمعناه: إذا قُدِّرَ لي ذنب فبَعِّدْ
بيني وبينه، وإن كان يراد بها السابقة، فمعناه المَحْو والغفران، ويقال: المراد
بالمباعدة مَحْوُ ما حَصَل منها والعصمة عما سيأتي منها، وهذا مجازٌ؛ لأن
حقيقة المباعدة إنما هي في الزمان، والمكان، قاله في ((العمدة)).
(١) ((عمدة القاري)) ٢٩٤/٥.
(٣) ((عمدة القاري)) ٢٩٤/٥.
(٢) ((إحكام الأحكام)) ٢٦٨/٢ - ٢٦٩.

٢٥٧
(٢٧) - بَابُ مَا يُقَالُ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ وَالْقِرَاءَةِ - حديث رقم (١٣٥٧)
وقال في ((المنهل)): وفي هذا اللفظ مجازان: الأول: استعمال المباعدة
في المعاني التي هي في الأصل تُسْتَعمل في الأجسام، الثاني: استعمالها في
الإزالة بالكليّة مع أن أصلها لا يقتضي الزوال. انتهى (١).
(كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبٍ) قال في «العمدة)»: كلمة ((ما)»
مصدرية تقديره: كتبعيدك بين المشرق والمغرب، ووجه الشبه أن التقاء المشرق
والمغرب لَمّا كان مستحيلاً عادةً شُبِّه أن يكون اقترابه من الذنب كاقتراب
المشرق والمغرب.
وقال الكرمانيّ: كرَّر لفظ ((بين)) في قوله: ((وباعد بيني وبين خطاياي))
ولم يكرره في قوله: ((بين المشرق والمغرب))؛ لأنه إذا عُطِف على المضمر
المجرور أعيد الخافض. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الكرمانيّ هو قول جمهور
النحاة، ولا يلزم ذلك عند ابن مالك تَخْلُ، كما بيّنه في ((خلاصته)) حيث قال:
وعَوْدُ خَافض لَدَى عَظْفٍ عَلَى ضَمير خَفْض لازماً قَدْ جُعلًا
وَلَيْسَ عندي لازماً إذْ قدْ أَتَى فِي النَّظْم وَالنَّثْرِ الصَّحيحِ مُثْبتَا
قال ابن دقيق العيد كَثْتُ: قوله: ((اللَّهم باعد بيني ... إلخ)) عبارة: إما
عن مَحْوِها، وترك المؤاخذة بها، وإما عن المنع من وقوعها، والعصمة منها،
وفيه مجازان:
أحدهما: استعمال المباعدة في ترك المؤاخذة، أو في العصمة منها،
والمباعدة في الزمان، أو في المكان في الأصل.
والثاني: استعمال المباعدة في الإزالة الكلية، فإن أصلها لا يقتضي
الزوال، وليس المراد ها هنا البقاء مع البعد، ولا ما يطابقه من المجاز، وإنما
المراد الإزالة بالكلية، وكذلك التشبيه بالمباعدة بين المشرق والمغرب المقصود
منه ترك المؤاخذة، أو العصمة. انتهى (٣).
(اللَّهُمَّ نَقِّنِي) بتشديد القاف، وهو من نَقّى يُنَقِّي تنقيةً، وهو مجاز عن
(١) ((المنهل العذب المورود)) ١٩٤/٥.
(٣) ((إحكام الأحكام)) ٢٦٩/٢ - ٢٧٠.
(٢) ((عمدة القاري)) ٣٣/٥.

٢٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
إزالة الذنوب، ومحو أثرها (مِنْ خَطَايَايَ) وفي رواية البخاريّ ((من الخطايا))
(كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ) أي طَهِّرني من خطاياي، وأَزِلْها عني، كما يطهر
الثوب الأبيض (مِنَ الدَّنَسِ) - بفتحتين - وهو الوَسَخ، ووقع التشبيه بالثوب
الأبيض؛ لأن ظهور النَّقَاء فيه أشدّ وأكمل؛ لصفائه بخلاف غيره من الألوان.
(اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّلْج) - بفتح، فسكون -: ماءٌ ينزل من
السماء، ثم ينعقد على وجه الأرض، ثم يَذوب بعد جُمُوده.
(وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ) - بفتح الراء - هو حَبُّ الغمام، وهو ماءٌ يَنزل من السماء
جامداً كالملح ثم يذوب على الأرض، أي طَهِّرني من الخطايا بأنواع مغفرتك
التي هي في تمحيص الذنوب بمثابة هذه الأنواع الثلاثة في إزالة الأوساخ.
وذكر أنواع المطهِّرات المنزلة من السماء لا يمكن حصول الطهارة
الكاملة إلا بأحدها، تبياناً لأنواع المغفرة التي لا يتخلص من الذنوب إلا
بها (١) .
وقال الخطابيّ: هذه أمثالٌ ولم يُرَدْ بها أعيان هذه المُسَمَّيَات، وإنما أريد
بها التوكيد في التطهير من الخطايا والمبالغة في محوها عنه، والثلج والبرد
ماءان لم تمسهما الأيدي، ولم يمتهنهما استعمال، فكان ضرب المثل بهما
أوكد في بيان معنى ما أراده من تطهير الثوب.
وقال التوربشتيّ: ذكر أنواع المطهرات المنزلة من السماء التي لا يمكن
حصول الطهارة الكاملة إلا بأحدها بياناً لأنواع المغفرة التي لا يتخلص من
الذنوب إلا بها، أي طهرني بأنواع مغفرتك التي هي في تمحيص الذنوب بمثابة
هذه الأنواع الثلاثة في إزالة الأرجاس، ورفع الأحداث.
وقال الطيبيّ تَظُّهُ: يمكن أن يقال: ذِكْرُ الثلج والبرد بعد ذكر الماء يعني
في رواية البخاريّ حيث قُدِّم الماء عليها؛ لطلب شمول الرحمة بعد المغفرة،
والتركيب من باب رأيته مُتَقَدِّداً سيفاً ورُمْحاً، أي اغسل خطاياي بالماء: أي
اغفرها، وزد على الغفران شمول الرحمة، طَلَبَ أوّلاً المباعدة بينه وبين
(١) راجع: ((المنهل العذب المورود)) ١٩٤/٥.

٢٥٩
(٢٧) - بَابُ مَا يُقَالُ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ وَالْقِرَاءَةِ - حديث رقم (١٣٥٧)
الخطايا، ثم طَلَب تنقية ما عسى أن يبقى منها شيء تنقيةً تامّةً، ثم سأل ثالثاً
بعد الغفران غاية الرحمة عليه بعد التخلية.
وقال الكرمانيّ تَخْذُ: والأقرب أن يقال: جَعَل الخطايا بمنزلة نار جهنم
لأنها مستوجبة لها بحسب وعيد الشارع، قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ
لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن: ٢٣] فعَبَّر عن إطفاء حرارتها بالغسل تأكيداً في الإطفاء،
وبالغ فيه باستعمال المبرِّدات ترقياً عن الماء إلى أبرد منه، وهو الثلج، ثم إلى
أبرد من الثلج، وهو الْبَرَد، بدليل جموده؛ لأن ما هو أبرد فهو أجمد، وأما
تثليث الدعوات، فَيَحْتَمِل أن يكون نظراً إلى الأزمنة الثلاثة، فالمباعدة
للمستقبل، والتنقية للحال، والغسل للماضي. انتهى (١).
وقال الحافظ ابن رجب تَّتُهُ: لَمّا كانت الذنوب تؤثّر في القلب دنساً،
وهو المذكور في قول تعالى: ﴿كَلَّا بَلِّ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
[المطففين: ١٤]، ويوجب للقلب احتراقاً طَلَب في هذا الدعاء المباعدة بينه وبينها
على أقصى وجوه المباعدة، والمراد المباعدة من تأثيراتها وعقوباتها الدنيويّة
والأخرويّة، وربّما دخل فيه المباعدة بين ما قُدِّر منها ولم يَعمله بعدُ، فطَلَب
مباعدته منه على نحو قوله: ((أعوذ بك من شرّ ما عَمِلتُ، وما لم أعمل)).
وطَلَب أيضاً أن يُنقِّي قلبه من دنسها كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدنس.
وطَلَب أيضاً إطفاء حرارتها وحريقها للقلب بأعظم ما يوجد في الدنيا
إنقاءً وتبريداً، وهو الماء والثلج والبرد. انتهى كلام ابن رجب تَذَتُهُ(٢).
وقال ابن دقيق العيد رَّتُهُ: قوله: ((اللَّهم اغسلني ... إلخ)) يَحْتَمِل أمرين
- بعد كونه مجازاً عما ذكرناه:
أحدهما: أن يراد بذلك التعبير عن غاية المحو، أعني بالمجموع، فإنَّ
الثوب الذي تتكرر عليه التنقية بثلاثة أشياء يكون في غاية النقاء.
الوجه الثاني: أن يكون كل واحد من هذه الأشياء مجازاً عن صفة يقع
بها التكفير والمحو، ولعل ذلك كقوله تعالى: ﴿وَأَعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا وَأُرْحَمْنَاً﴾
[البقرة: ٢٨٦].
(١) راجع: ((عمدة القاري)) ٣٣/٥.
(٢) ((فتح الباري)) لابن رجب ٦/ ٣٧٣.

٢٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
فكل واحدة من هذه الصفات - أعني العفو، والمغفرة، والرحمة - لها
أثرها في محو الذنب، فعلى هذا الوجه يُنظَر إلى الأفراد، ويُجْعَل كل فرد من
أفراد الحقيقة دالاً على معنى فرد مجازيّ، وفي الوجه الأول لا يُنظر إلى أفراد
الألفاظ، بل تُجْعَل جملة اللفظ دالة على غاية المحو للذنب. انتهى(١). والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بالحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َُّبه هذا مُتّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بیان تخريجه:
أخرجه (المصنِّف) هنا [١٣٥٧/٢٧ و١٣٥٨] (٥٩٨)، و(البخاريّ) في
(الأذان)) (٧٤٤)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٧٨١)، و(النسائيّ) في ((الطهارة))
(٦٠)، و((الافتتاح)) (٨٩٤ و٨٩٥)، وفي ((الكبرى)) (٦٠)، و(ابن ماجه) في
((إقامة الصلاة)) (٨٠٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٣١/٢ و٤٩٤)، و(الدارميّ)
في «سننه)) (٢٨٣/١)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٣٢٠)، و(ابن خزيمة) في
((صحيحه)) (٥٦٤)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (١٧٧٥ و١٧٧٦)، و(الدارقطنيّ)
في ((سننه)) (٣٣٦/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٥٩٨ و١٥٩٩ و١٦٠٠)،
و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٣٢٧ و١٣٢٨ و١٣٢٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى))
(١٩٥/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٥٧٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): استحباب الذكر والدعاء بين التكبير والقراءة في الصلاة،
وفيه خلاف سيأتي الكلام عليه في المسألة التالية.
٢ - (ومنها): جواز الدعاء في الصلاة بما ليس في القرآن، خلافاً
للحنفية .
٣ - (ومنها): ما قيل: إن هذا الدعاء صدر منه وَلقر على سبيل المبالغة
في إظهار العبودية، وقيل: قاله على سبيل التعليم لأمته، واعتُرِض بكونه لو
(١) ((إحكام الأحكام)) ٢٧٠/٢ - ٢٧١.