Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
(٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٤٦)
الكافرون قولنا، و((الدين)) مفعول به لـ ((مخلصين))، و(له)) ظرف قدّم على
المفعول به للاهتمام به. انتھی.
وتعقّبه بعضهم، فقال: فيه تكلّف، والأولى جَعْلُهُ حالاً من فاعل ((نعبد))
المذكور. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: التكلّف فيما قاله موجود أيضاً، حيث إن فيه
الفصل بين الحال وصاحبه بقوله: ((له النعمة إلخ))، فما قاله الطيبيّ ◌َُّ
أقرب، فتأمّل.
(وَقَالَ) ابن الزبير ◌ِ﴿يَا (كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ يُهَلَّلُ بِهِنَّ) أي يرفع صوته
بهؤلاء الكلمات، يقال: أهلّ الرجل: إذا رفع صوته بذكر الله تعالى عند نعمة،
أو رؤية شيء يُعجبه(١). (دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ) وفي نسخة: ((في دبر كل صلاة))،
المراد المكتوبة، كما تقدّم قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن الزبير بهذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣٤٦/٢٦ و١٣٤٧ و١٣٤٨ و١٣٤٩] (٥٩٤)،
و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٥٠٦ و١٥٠٧)، و(النسائيّ) في ((السهو)) (١٣٣٩
و١٣٤٠) وفي ((الكبرى)) (١٢٦٢ و١٢٦٣) وفي ((عمل اليوم والليلة)) (١٢٨)،
و(أحمد) في («مسنده)) (٤/٤ و٥/٤)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٧٤١)،
و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٢٠٠٨ و٢٠٠٩ و٢٠١٠)، و(أبو عوانة) في
(مسنده)) (٢٠٧٥ و٢٠٧٦ و٢٠٧٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٣١٧
و١٣١٨ و١٣١٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٨٥/٢)، و(البغويّ) في ((شرح
السنّة)) (٧١٧)، وفوائد الحديث تقدّمت قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) ((المصباح المنير)) ٦٣٩/٢.

٢٠٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٤٧] (.) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ،
عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، مَوْلَّى لَهُمْ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، كَانَ يُهَلِّلُ
دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: ثُمَّ يَقُولُ ابْنُ الزُّبَيْرِ:
كَانَ رَسُولُ اللهِهِ يُهَلِّلُ بِهِنَّ دُبْرَ كُلِّ صَلَاةٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم في هذا الباب.
٢ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه
عبد الرحمن، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت١٨٧) أو بعدها (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٣٣٩/٦١.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (مَوْلَّى لَهُمْ) يعني أن أبا الزبير مولى لهشام بن عروة وأسرته،
ولذا تقدّم في ترجمته أنه أسديّ، وهو قبيلة هشام بن عروة.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ) يعني أن حديث عبدة بن سليمان، عن
هشام، مثل حديث عبد الله بن نمير عنه.
وقوله: (وَقَالَ فِي آَخِرِهِ) فاعل ((قال)) ضمير عبدة، أي قال عبدة في روايته
في آخر هذا الحديث: ((ثم يقول ابن الزبير: كان رسول الله وَالر ... إلخ)).
[تنبيه]: رواية عبدة بن سليمان هذه ساقها النسائيّ وَُّ في ((سننه))، فقال:
(١٣٤٠) أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: حدّثنا عبدة، قال: حدّثنا
هشام بن عروة، عن أبي الزبير، قال: كان عبد الله بن الزبير، يُهَلِّل في دبر
الصلاة، يقول: ((لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد،
وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله
الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين، ولو كره
الكافرون))، ثم يقول ابن الزبير: كان رسول الله وَّهِ يُهَلِّل بهنّ في دبر الصلاة.
انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.

٢٠٣
(٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٤٨)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٣٤٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ،
حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ
الزُّبَيْرِ، يَخْطُبُ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ يَقُولُ إِذَا سَلَّمَ
فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ، أَوِ الصَّلَوَاتِ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) العبديّ مولاهم، أبو يوسف
البغداديّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت٢٥٢) عن (٩٦) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان))
٢٠٩/٢٥، وهو أحد مشايخ الأئمة السّة بلا واسطة.
٢ - (ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسديّ مولاهم، أبو
بِشْر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٨] (ت١٩٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٣ - (الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ) ميسرة، أو سالم الصّاف، أبو الصَّلْت الكنديّ
مولاهم البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت١٤٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣١٨/٥٢.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ) الظاهر أنه منبر مكة؛ لأن مكة كانت مقرّ خلافة
عبد الله بن الزبير ثًا، وأبو الزبير مكيّ، والله تعالى أعلم.
وقوله: (أَوِ الصَّلَوَاتِ) ((أو)) للشكّ من الراوي.
وقوله: (فَذَكَرَ) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير الحجّاج بن أبي عثمان.
[تنبيه]: رواية الحجّاج بن أبي عثمان هذه ساقها ابن حبّان تَظُّْ في
((صحيحه)) (٣٥٢/٥) فقال:
(٢٠١٠) أخبرنا ابن خزيمة، قال: حدّثنا يعقوب الدَّوْرَقيّ، قال: حدّثنا
إسماعيل ابن عُلَيّة، قال: حدّثنا حجاج بن أبي عثمان، قال: أخبرنا أبو الزبير،
قال: سمعت عبد الله بن الزبير، يخطب على هذا المنبر، وهو يقول: كان
رسول الله ◌َ * إذا سلّم في دبر الصلاة، يقول: ((لا إله إلا الله، لا نعبد إلا
إياه، أهل النعمة والفضل، والثناء الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين،

٢٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
ولو كره الكافرون)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٣٤٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي(١) مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
وَهْبٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَالِم، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ الْمَكِّيَّ
حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ يَقُولُ فِي إِثْرِ الصَّلَاةِ إِذَا سَلَّمَ، بِمِثْلِ
حَدِيثِهِمَا، وَقَالَ فِي آخِرِهٍ: وَكَانَ يَذْكُرُ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ) الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
[١١] (ت٢٤٨) (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣٩/٣٤.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
حافظٌ فقيهٌ عابدٌ [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٣ - (يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَالِم) بن عبد الله بن عمر المدنيّ، صدوقٌ،
من كبار [٨] (ت١٥٣) (م د س) تقدم في ((الطهارة)) ٦٨٢/٣٣.
٤ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم، ثقةٌ فقيهٌ إمام في
المغازي [٥] (ت١٤١) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٣/٨١.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا) الضمير لهشام بن عروة، والحجّاج بن أبي
عثمان، يعني أن موسى بن عقبة حدّث عن أبي الزبير بمثل حديث هشام،
والحجاج كلاهما عنه.
وقوله: (وَقَالَ فِي آخِرٍهٍ) فاعل ((قال)) ضمير موسى بن عقبة، أي قال
موسى بن عقبة في آخر الحديث: ((وكان يذكر ... إلخ))، فقوله: ((وكان
يذكر ... إلخ)) مقول ((قال)).
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).

٢٠٥
(٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٥٠)
وقوله: (وَكَانَ يَذْكُرُ ... إلخ) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير لعبد الله بن
الزبير قلبه .
[تنبيه]: رواية موسى بن عقبة هذه ساقها الإمام الشافعيّ في كتابه ((الأمّ))
(١٢٦/١ - ١٢٧)، ونصّه:
أخبرنا الربيع، قال: أخبرنا الشافعيّ، قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد،
قال: حدّثني موسى بن عقبة، عن أبي الزبير، أنه سمع عبد الله بن الزبير يقول:
كان رسول الله وَ﴿ إذا سلّم من صلاته، يقول بصوته الأعلى: ((لا إله إلا الله
وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، ولا
حول ولا قوة إلا بالله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء
الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون)). انتهى. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٣٥٠] (٥٩٥) - (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ، حَذَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ،
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ،
كِلَاهُمَا عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهَذَا حَدِيثُ قُتَيْبَةَ، أَنَّ فُقَرَاءَ
الْمُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللهِ وَّهِ، فَقَالُوا: ذَهَبَ (١) أَهْلُ الدُّنُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى،
وَالَّعِيمِ الْمُقِيمِ، فَقَالَ: ((وَمَا ذَكَ؟)) قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّ، وَيَصُومُونَ كَمَا
نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: «أَفَلَا
أُعَلِّمُكُمْ شَيْئاً تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ
أَفْضَلَ مِنْكُمْ، إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟))، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ:
(تُسَبِّحُونَ، وَتُكَبِّرُونَ، وَتَحْمَدُونَ(٢)، دُبُرَ كُلِّ صَلَةٍ، ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ مَرَّةً)، قَالَ أَبُو
صَالِحٍ: فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ، فَقَالُوا: سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ
(١) وفي نسخة: ((قد ذهب)).
(٢) وفي نسخة: ((وتُحَمِّدُون)) بالتشديد من التحميد.

٢٠٦
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
الْأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا، فَفَعَلُوا مِثْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ، يُؤْتِهِ مَنْ
يَشَاءُ))، وَزَادَ غَيْرُ قُتَيْبَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ اللَّيْثِ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، قَالَ سُمَيٍّ:
فَحَدَّثْتُ بَعْضَ أَهْلِي هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ: وَهِمْتَ إِنَّمَا قَالَ (١): ((تُسَبِّحُ اللهَ ثَلَاثاً
وَثَلَاثِينَ(٢)، وَتَحْمَدُ اللهَ ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرُ اللهَ ثَلَاناً وَثَلَاثِينَ))، فَرَجَعْتُ إِلَى أَبِي
صَالِحٍ، فَقُلْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ
لِلَّهِ، اَلْهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، حَتَّى تَبْلُغَ مِنْ جَمِيعِهِنَّ ثَلَاثَةً وَثَلاثِينَ،
قَالَ(٣) ابْنُ عَجْلَانَ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ رَجَاءَ بْنَ حَيْوَةَ، فَحَدَّثَنِي بِمِثْلِهِ عَنْ
أَبِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ) هو: عاصم بن النضر بن المنتشر الأحول
التيميّ، أبو عُمَر البصريّ، وقيل: هو عاصم بن محمد بن النضر،
صدوقٌ [١٠].
رَوَى عن معتمر بن سليمان، وخالد بن الحارث.
ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، وروى له النسائيّ بواسطة أحمد بن
محمد بن جعفر الطرسوسيّ، وأبو بكر بن أبي عاصم، وجعفر بن محمد
الفريابيّ، والحسن بن أحمد بن الليث الرازيّ، والحسن بن علي المعمريّ،
والفضل بن العباس فَضْلَك الرازيّ، وموسى بن هارون الحمال، ويعقوب بن
سفيان، وعليّ بن سعيد بن بشير الرازيّ، والحسن بن سفيان، وأبو معلى،
وغيرهم.
ذكره ابن حبان في ((الثقات)).
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (١٢)
حديثاً .
(١) وفي نسخة: ((إنما قال لك)).
(٢) وفي نسخة: ((تسبّح الله ثلاثاً وثلاثين مرّةً)).
(٣) وفي نسخة: ((وقال)).

٢٠٧
(٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٥٠)
٢ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمد الملقّب بالظُفَيل، ثقةٌ، من
كبار [٩] (ت١٨٧) وقد جاوز (٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٥/١.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب
العدويّ، أبو عثمان المدجنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨.
٤ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(ت٢٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٥ - (لَيْث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ فقيهٌ إمام مشهورٌ [٧] (ت١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٢.
٦ - (ابْنُ عَجْلَانَ) هو: محمد القرشيّ مولاهم، أبو عبد الله المدنيّ،
صدوقٌ [٥] (ت١٤٨) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٠/ ١٥٠.
٧ - (سُمَيّ) مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المدنيّ،
ثقةٌ [٦] (ت١٣٠) مقتولاً بقُديد (ع) تقدم في ((الصلاة)) ٩١٨/١٨.
٨ - (أَبُو صَالِح) ذَكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت١٠٠)
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
٩ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَلهُ تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْتُهُ، وله فيه إسنادان فرّق بينهما
بالتحويل، وملتقى الإسنادين هو سُميّ، فكلّ من عبيد الله، وابن عجلان يرويان
عن سُميّ، فمرجع في قوله: ((كلاهما)) عبيد الله وابن عجلان.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه عاصم، كما أسلفته
آنفاً، وابن عجلان علّق له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من عبيد الله وابن عجلان، والباقون
بصريّون، سوى قُتيبة، فبغلانيّ.
٤ - (ومنها): أن رواية عبيد الله وابن عجلان عن سُميّ من رواية الأكابر
عن الأصاغر؛ لأنهما من الطبقة الخامسة، وهو من السادسة.

٢٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
٥ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ظ له رأس المكثرين السبعة، روى
(٥٣٧٤) حديثاً .
شرح الحديث:
(عَنْ سُمَيٍّ) - بضمّ السين المهملة، وتشديد التحتانيّة، بصيغة التصغير -
مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، قال الحافظ تَّتُهُ: لم أقف لِسُمَيّ على رواية
عن أحد من الصحابة، فتكون رواية عبيد الله عنه من رواية الكبير عن الصغير.
انتهى (١). (عَنْ أَبِي صَالِح) ذكوان السّمّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)نَّهِ، وقوله: (وَهَذَا
حَدِيثُ قُتَيْبَةَ) يعني سياقَّ المتن لشيخه قتيبة بن سعيد، عن الليث، عن ابن
عجلان، عن سُميّ، وأما رواية عاصم، عن المعتمر، عن عبيد الله، فهي رواية
بالمعنى.
[تنبيه]: رواية عاصم، عن المعتمر، أخرجها ابن حبان في ((صحیحه))،
فقال :
(٢٠١٤) أخبرنا عُمر بن محمد الهمدانيّ، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة،
قالا: حدّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا معتمر، قال: سمعت
عبيد الله بن عمر، عن سُمَيّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: جاء
الفقراء إلى رسول الله وَل و، فقالوا: ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات
العلى، والنعيم المقيم، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضول
أموال يحجون بها، ويعتمرون، ويجاهدون، ويتصدقون، قال: ((أفلا أدلكم
على أمر إن أخذتم به أدركتم من سبقكم، ولم يدرككم أحدٌ بعدكم، وكنتم خير
من أنتم بين ظهريه، إلا أحد عمل بمثل أعمالكم؟، تسبحون، وتحمدون،
وتکبرون، خلف کل صلاة ثلاثاً وثلاثين)). انتهى(٢).
(أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ) قال ابن الملقّن ◌َّتُهُ: هو من باب ((مسجد الجامع))،
و((صلاة الأولى))، مما أُضيف فيه الموصوف إلى صفته، وكان الأصل: الفقراءَ
(١) ((الفتح)) ٣٨٠/٢.
(٢) ((الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان)) ٥٣٦/٥ - ٣٥٧.

٢٠٩
(٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٥٠)
المهاجرين، كما أن الأصل: المسجد الجامع، والصلاة الأولى. انتهى (١).
وقال في ((الفتح)): سُمّي منهم في رواية محمد بن أبي عائشة، عن أبي
هريرة، أبو ذرّ الغفاريّ، أخرجه أبو داود، وأخرجه جعفر الفريابيّ في ((كتاب
الذكر)» له من حديث أبي ذرّ نفسِهِ، وسُمِّي منهم أبو الدرداء عند النسائيّ
وغيره، من طُرُق عنه، ولمسلم من رواية سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن
أبي هريرة، أنهم قالوا: يا رسول الله ... فذكر الحديث، والظاهر أن أبا هريرة
منهم.
وفي رواية النسائيّ عن زيد بن ثابت، قال: أَمَرنا أن نُسَبِّح ... الحديث
كما سيأتي لفظه، وهذا يمكن أن يقال فيه: إن زيد بن ثابت كان منهم.
ولا يعارضه قوله في رواية مسلم هنا: ((جاء فقراء المهاجرين))؛ لكون
زيد بن ثابت من الأنصار؛ لاحتمال التغليب. انتهى(٢).
(أَتَوْا رَسُولَ اللهِ نَ ◌ّهِ، فَقَالُوا: ذَهَبَ) وفي نسخة: ((قد ذهب)) (أَهْلُ الدُّنُورِ)
- بضم الدال المهملة، والثاء المثلّثة -: جمع دَثْرٍ - بفتح، فسكون - هو المال
الكثير، وكذا الكثير من كلّ شيء.
وقال القرطبيّ كَذُهُ: ((الدُّنُور)): واحد الدّثْر، وهو المال الكثير، وكذا
الدِّبْرُ، بكسر الدال، وبالباء الموحّدة، قال ابن السّكّيت: الدِّبر: المال الكثير،
ووقع في السير في خبر النجاشيّ: ((دَبْرٌ من ذهب) بفتح الدال، قال ابن هشام:
ويقال: دَبْرَى، وهو الجبل بلغة الحبشة، وقال الهرويّ: يقال: مالٌ دَثْرٌ،
ومالان دَثْرٌ، وأموالٌ دَثْرٌ، وحكى أبو عمر المطرّز أن الدَّثْر بالثاء يثّى ويُجمع.
(٣)
انتھی
.
ولفظ البخاريّ: ((ذَهَب أهلُ الدثور من الأموال)»، فمِن في قوله: ((من
الأموال)) للبيان.
ووقع عند الخطابيّ: ((ذهب أهل الدُّور من الأموال))، وقال: كذا وقع
(١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٤٥/٤.
(٢) ((الفتح)) ٣٨٠/٢ - ٣٨١.
(٣) ((المفهم)) ٢١٣/٢.

٢١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
(الدُّور))، جمع دار، والصواب: ((الدُّثُور)). انتهى. وذكر صاحب ((المطالع)) عن
رواية أبي زيد المروزيّ أيضاً: ((الدور)).
(بِالدَّرَجَاتِ) الباء للتعدية، وقال الطيبيّ تَخُّْهُ: الباء بمعنى المصاحبة،
وهو أولى وأوقع في هذا المقام من الهمزة المتضمّنة لمعنى الإزالة، يعني ذهب
أهل الدثور بالدرجات العلى، واستصحبوها معهم في الدنيا والآخرة، ومَضَوا
بها، ولم يتركوا لنا شيئاً منها، فما حالنا يا رسول الله؟، ولو قيل: أذهب أهل
الدثور الدرجات العلى، أي أزالوها لم يكن بذاك، هذا مذهب المبرّد،
وصاحبُ ((الكشّاف))، نصّ في قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] على
هذا المعنى، ومن لم يقف على سرّ المعاني من النحاة تكلّم عليه، وقد أجبنا
عن ذلك في ((فتوح الغيب)) مستقصى، وهذا الحديث من أقوى الدليل على ما
قصدناه. انتهى كلام الطيبيّ كَظُّهُ(١).
(الْعُلَى) - بضم العين -: جمع الْعَلْياء، وهي تأنيث الأعلى.
قال ابن الملقّن تَخْذُهُ: ((الدرجات)) يجوز أن تكون حسيّةً على ظاهرها من
دَرَج الجنّات، ويجوز أن تكون معنويّةً: أي علا قدرهم عند الله تعالى،
وارتفعت درجاتهم عنده، من قولهم: ارتفعت درجة فلان عند الملك، ونحو
(٢)
ذلك. انتھی(٢).
(وَالنَّعِيمِ) هو: ما يُتنعّم به، من ملبس ومطعم، أو منكح، أو منظر، أو
من علوم، وَمَعارف، أو غير ذلك (الْمُقِيم) هو الذي لا ينقطع أبداً، أي
وبالعيش الدائم الْمُستَحَقّ بالصدقة، قال الطيبيّ ◌َُّ: وَصَفه بـ((المقيم)) تعريضاً
بالنعيم العاجل، فإنه قلّما يصفو، وإن صفا فهو في وشك الزوال، وسُرعة
(٣)
الانتقال. انتهى(٣).
وفي رواية محمد بن أبي عائشة عند أبي داود التي سبق الإشارة إليها:
((ذهب أصحاب الدُّثور بالأجور))، وكذا هو عند مسلم في ((كتاب الزكاة))، من
حديث أبي ذرّ ◌َُّه.
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٠٥٩/٣.
(٢) ((الإعلام)) ٤٦/٤.
(٣) ((الكاشف)) ١٠٥٩/٣.

٢١١
(٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٥٠)
(فَقَالَ) بَرِ ((وَمَا ذَاكَ؟») وفي البخاريّ في ((الدعوات))، من رواية ورقاء،
عن سُمَيّ: ((قال: كيف ذلك؟))، والمعنى: ما سببُ قولكم هذا؟، أو ما سبب
فوزهم، وحِیازهم دونکم؟.
(قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّ، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ) زاد في حديث أبي
الدرداء المذكور: ((ويذكرون كما نَذْكُر))، وللبزار من حديث ابن عمر: ((صَدَّقوا
تصديقنا، وآمنوا إيماننا)) (وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصَدَّقُ) وفي رواية البخاريّ: ((ولهم
فضل أموال، يحجّون بها، ويَعتمرون، ويُجاهدون، ويتصدّقون)) (وَيُعْتِقُونَ وَلَا
نُعْتِقُ) بضمّ حرف المضارعة، من الإعتاق، لا من العتق.
وفي رواية البخاريّ: ((ولهم فَضْلٌ من الأموال، يحجّون بها، ويَعتمرون،
ویُجاهدون، ويتصدّقون)).
قال في ((الفتح)): قوله: ((يَحُجّون بها))، أي ولا نَحُجّ، يُشْكِل عليه ما
وقع في رواية جعفر الفريابيّ من حديث أبي الدرداء كَّتُهُ: ((ويَحُجُّون كما
نحج))، ونظيره ما وقع هنا: ((ويجاهدون))، ووقع في ((الدعوات)) من رواية
وَرْقاء، عن سُمَيّ: ((وجاهدوا كما جاهدنا))، لكن الجواب عن هذا الثاني
ظاهر، وهو التفرقة بين الجهاد الماضي، فهو الذي اشتركوا فيه، وبين الجهاد
المتوقَّع، فهو الذي تقدِرُ عليه أصحاب الأموال غالباً، ويمكن أن يقال مثله في
الحجّ، ويَحْتَمِل أن يقرأ: ((يُحِجُّون بها)) بضم أوله من الرباعيّ، أي يعينون
غيرهم على الحجّ بالمال. انتهى (١).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ) - بضم حرف المضارعة، وتشديد
اللام - من التعليم، وقُدّمت الهمزة للصدارة، والتقدير: ألا أُسلِيكم، فأعلّمكم؟
(شَيْئاً تُدْرِكُونَ بِهِ) أي بذلك الشيء (مَنْ سَبَقَكُمْ) أي من أهل الأموال الذين
امتازوا عليكم بالصدقة، والإعتاق، و((من)) موصولة مفعول به لـ((تُدرِكون)).
والسبقية هنا يَحْتَمِل أن تكون معنوية، وأن تكون حسية، قال الشيخ تقيّ
الدين: والأول أقرب، قاله في ((الفتح)).
وقال في ((المرعاة)): والمراد بالسبق السبقُ رُتبةً، أي من حيث كثرة
(١) ((الفتح)) ٣٨١/٢.

٢١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
الأعمالِ بسبب المال، ورجّحه الشيخ تقيّ الدين على السبق زماناً، وعلى هذا
ينبغي حملُ البعديّة في قوله: ((وتسبقون به من بعدكم)) على البعديّة رتبةً أيضاً،
أي تسبقون به أمثالكم الذين لا يقولون هذه الأذكار، فتكون البعديّة معنويّةً،
أي بحسب الرتبة، لا حسّةً. انتهى(١).
وقال ابن دقيق العيد تَّتُهُ: السبقيّة هنا يَحْتَمِل أن تكون في الغنى، وهو
السبق في الفضيلة، وقوله: ((مَن بعدكم)) أي من بعدكم في الفضيلة ممن لا
يعمل هذا العمل، ويَحْتَمل أن يُراد القبليّة الزمانيّة، والبعديّة الزمانيّة، ولعلّ
الأول أقربُ إلى السياق، فإن سؤالهم كان عن أمر الفضيلة، وتقدّم الأغنياء.
(٢)
انتھی
٠
قال ابن الملقّن بعد ذكر كلام ابن دقيق العيد هذا: لعلّ مراده بالقبليّة
والبعديّة من كان في زمنهم، وإلا ففضيلة هذه الأمة ثابتة على من سبقهم، وإن
لم يقولوا هذا الذكر. انتهى (٣) .
(وَتَسْبِقُونَ) - بفتح أوله - من السَّبْق (بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ) - بفتح ميم (من))،
وهي موصولة مفعولُ ((تَسبقون)) (وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ، إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ
مَا صَنَعْتُمْ؟!) قيل: الاستثناء متعلّق بهذه الجملة الأخيرة فقط، وقيل: يصحّ
جعله متعلّقاً بالجمل الثلاث كلّها على معنى: يحصل لكم الأحوال الثلاثة
بالنظر إلى الطوائف إلا من عَمِل من الطوائف الثلاثَ مثله.
وقال الطيبيّ رَّتُ:
[فإن قلت]: ما معنى الأفضليّة في قوله: ((لا يكون أحدٌ أفضل منكم)) مع
قوله: ((إلا من صنع مثل ما صنعتم))، فإن الأفضلية تقتضي الزيادة، والمثلّة
تقتضي المساواة؟ .
[قلت]: هو من باب قوله [من الرجز]:
وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ إِلَّ الْيَعَافِيرُ وَإِلَّ الْعِيسُ
(١) ((المرعاة)) ٣٢١/٣.
(٢) ((إحكام الأحكام)) ٩٨/٢ بنسخة الحاشية.
(٣) ((الإعلام)) ٤/ ٤٧.

٢١٣
(٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٥٠)
يعني إن قُدِّرَ أن المثليّة تقتضي الأفضليّة، فتحصُل الأفضليّة، وقد عُلِمَ
أنها لا تقتضيها، فإذاً لا يكون أحدٌ أفضل منكم، وهذا على مذهبٍ تميميّ(١).
ويَحْتَمِل أن يكون المعنى: ليس أحدٌ أفضل منكم إلا هؤلاء، فإنهم
يساوونكم، ويَحْتَمل أن يكون المعني بـ((أحدٌ)) الأغنياءُ، أي ليس أحدٌ منهم
أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم. انتهى كلام الطيبيّ نَّتُهُ .
وقال في ((الفتح)) عند شرح رواية البخاريّ بلفظ: ((وكنتم خير من أنتم
بين ظهرانيهم)) ما نصّه: قيل: ظاهره يخالف ما سبق؛ لأن الإدراك ظاهره
المساواة، وهذا ظاهره الأفضلية.
وأجاب بعضهم بأن الإدراك لا يلزم منه المساواة، فقد يُدرِك ثم يفوق،
وعلى هذا فالتقرب بهذا الذكر راجح على التقرب بالمال.
ويَحْتَمِل أن يقال: الضمير في ((كنتم)) للمجموع من السابق والمدرك،
وكذا قوله: ((إلا مَن صنع مثل صنيعكم)) أي من الفقراء، فقال الذكرَ، أو من
الأغنياء، فتصدق، أو أن الخطاب للفقراء خاصّةً، لكن يشاركهم الأغنياء في
الخيرية المذكورة، فيكون كلٌّ من الصنفين خيراً ممن لا يتقرب بذكر، ولا
صدقة، ويَشهد له قوله في حديث ابن عمر رضيها عند البزار: ((أدركتم مثل
فضلهم))، ولمسلم في حديث أبي ذرّ ◌ُه: ((أوَ ليس قد جعل لكم ما
تتصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقةً، وبكل تكبيرة صدقة ... )) الحديث.
واستُشكِل تساوي فضل هذا الذكر بفضل التقرب بالمال، مع شدّة المشقة
فيه .
وأجاب الكرمانيّ بأنه لا يلزم أن يكون الثواب على قدر المشقة في كل
(١) يعني أن هذا جار على مذهب بني تميم، فإنه يجيزون إتباع الاستثناء المنقطع، وأما
جمهور العرب فيوجبون نصبه، وإلى هذا أشار ابن مالك في ((الخلاصة)) حيث
قال :
وَبَعْدَ نَفْيٍ أَوْ كَنَفِيِ انْتُخِبْ
مَاسْتَثْنَتِ ((الَّا)) مَعْ تَمَامِ يَنْتَصِبْ
وَعَنْ تَمِيِّمٍ فِيهِ إِنَّدَالٌ وَقَعْ
إِنْبَاعُ مَا اتَّصَلَ وَانْصِبٌ مَا انْطَعْ

٢١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
حالة، واستَدَلّ لذلك بفضل كلمة الشهادة مع سهولتها على كثير من العبادات
الشاقة. انتهى(١).
(قَالُوا: بَلَى) أي علّمنا ذلك (يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: (تُسَبِّحُونَ، وَتُكَبِّرُونَ،
وَتَحْمَدُونَ) - بفتح أوله وثالثه ـ من الحمد ثلاثيّاً، وفي بعض النسخ:
((وتُحَمِّدون)) - بضم أوله، وتشدید المیم - من التحميد.
قال في ((المرعاة)): قوله: ((تسبّحون ... إلخ)) إخبار بمعنى الأوامر، أو
هي من قبيل: ((تَسْمَعُ بالمعيديّ خير من أن تراه)). انتهى.
وفي رواية البخاريّ: ((تُسَبِّحون، وتَحمدون، وتكبرون))، قال في ((الفتح)) :
كذا وقع في أكثر الأحاديث تقديم التسبيح على التحميد، وتأخير التكبير، وفي
رواية ابن عجلان - يعني في رواية مسلم هنا - تقديم التكبير على التحميد
خاصّة، وفيه أيضاً قول أبي صالح: يقول: ((الله أكبر، وسبحان الله،
والحمد لله))، ومثله لأبي داود، من حديث أم الحكم، وله من حديث أبي
هريرة: ((تكبر، وتحمد، وتسبح))، وكذا في حديث ابن عمر.
وهذا الاختلاف دالّ على أن لا ترتيب فيها، ويُستأنس لذلك بقوله في
حديث الباقيات الصالحات: ((لا يَضُرُّك بأيهن بدأت)).
لكن يُمكن أن يقال: الأولى البداءة بالتسبيح؛ لأنه يتضمن نفي النقائص
عن الباري م، ثم التحميد؛ لأنه يتضمن إثبات الكمال له؛ إذ لا يلزم من
نفي النقائص إثبات الكمال، ثم التكبير؛ إذ لا يلزم من نفي النقائص، وإثبات
الكمال أن لا يكون هناك كبير آخر، ثم يختم بالتهليل الدالّ على انفراده رامات
بجميع ذلك. انتھی.
(دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ) - بضمتين - قال الأزهريّ: دُبُر الأمر - يعني بضمتين -
ودَبْره - يعني بفتح، ثم سكون -: آخره، وادَّعَى أبو عمرو الزاهد أنه لا يقال
بالضم إلا للجارحة.
ورُدّ عليه بمثل قولهم: أعتق غلامه عن دُبُر.
وقال ابن الملقّن رَّتُهُ: ((دُبُر)) بضمّ الدال والباء على المعروف المشهور
(١) ((الفتح)) ٣٨١/٢ - ٣٨٢.

٢١٥
(٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٥٠)
في الروايات واللغة، ويجوز التخفيف، كعُنْق، وقال ابن الأعرابيّ: دُبُر
الشيء، ودَبْره بالضمّ والفتح: آخر أوقاته، والصحيح الضمّ، ولم يذكر
الجوهريّ وآخرون غيره، وقال أبو عمر المطرّز في كتابه ((اليواقيت)): دَبر كلّ
شيء بفتح الدال: آخر أوقاته، من الصلاة وغيرها، قال: هذا هو المعروف في
اللغة، وأما الجارحة فبالضمّ.
والمراد به في الحديث عقب السلام منها، سواء كان آخر أوقاتها، أو
أوسطه، أو أوّله، إلا أن يكون مراد أهل اللغة بآخر أوقات الشيء الفراغ منه،
فيتطابق تفسيرهم ومراد الحديث. انتهى(١).
ولفظ البخاريّ هنا: ((خلف كل صلاة))، قال في ((الفتح)): هذه الرواية
مفسرة للرواية التي عند المصنف في ((الدعوات))، وهي قوله: ((دبر كلّ صلاة))،
ولجعفر الفريابيّ في حديث أبي ذرّ: ((إثر كلّ صلاة)).
قال: ومقتضى الحديث أن الذكر المذكور يقال عند الفراغ من الصلاة،
فلو تأخر ذلك عن الفراغ، فإن كان يسيراً بحيث لا يُعَدّ معرضاً، أو كان
ناسياً، أو متشاغلاً بما ورد أيضاً بعد الصلاة، كآية الكرسيّ، فلا يَضُرّ.
وظاهر قوله: ((كل صلاة)) يَشْمَل الفرض والنفل، لكن حَمَله أكثر العلماء
على الفرض، وقد وقع في حديث كعب بن عجرة ظه الآتي عند المصنّف
التقييد بالمكتوبة، ولفظه: «مُعقّبَاتٌ لا يَخيب قائلهنّ، أو فاعلهنّ دبر كلّ صلاة
مكتوبة ... ))، وكأنهم حملوا المطلقات عليها، وعلى هذا هل يكون التشاغل
بعد المكتوبة بالراتبة بعدها فاصلاً بين المكتوبة والذكر، أو لا؟ محل نظر.
انتھی .
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن تأخيره عن الرواتب لا يُعدّ
فاصلاً؛ لأنها توابع للمكتوبات، والله تعالى أعلم.
(ثَلَاناً وَثَلَاثِينَ مَرَّةً))) أي يقول كلّ فرد منها ثلاثاً وثلاثين مرّةً، وقال في
((الفتح)): يَحْتَمِل أن يكون المجموع للجمیع، فإذا وُزِّع کان لكل واحد إحدى
عشرة، وهو الذي فهمه سُهيل بن أبي صالح، كما رواه مسلم من طريق رَوْح بن
(١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ١٨/٤.

٢١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
القاسم عنه، لكن لم يُتابَع سهيلٌ على ذلك، قال الحافظ: بل لم أر في شيء
من طرق الحديث كلِّها التصريحَ بإحدى عشرة إلا في حديث ابن عمر عند
البزار، وإسناده ضعيف، والأظهر أن المراد أن المجموع لكل فرد فرد.
فعلى هذا، ففيه تنازُعُ ثلاثة أفعال في ظرف ومصدر، والتقدير: تسبحون
خلف کل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وتحمدون كذلك، وتكبرون كذلك. انتهى(١).
وقال في ((المرعاة)): ظاهر هذه الرواية أن يقول ذلك مجموعاً، ورجّحه
بعضهم؛ للإتيان فيه بواو العطف، والمختار أن الإفراد أولى؛ لتميّزه باحتياجه
إلى العدد، وله على كلّ حركة لذلك، سواءٌ كان بأصابعه أو بغيرها ثوابٌ لا
يحصل لصاحب الجمع منه إلا الثلث. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الأحاديث الآتية من غير طريق أبي صالح
واضحة في كونه يسبّح ثلاثاً وثلاثين مستقلّة، ويكبّر كذلك، ويَحمد كذلك، فإن
قوله ◌َلير: ((من سبّح الله ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبّر الله ثلاثاً
وثلاثين ... )) الحديث واضح في استقلال كلّ جملة بالعدد المذكور، فينبغي أن
يقول كلّ جملة بمفردها؛ حرصاً على ما اقتضاه ظاهر النصّ، فتنبّه، والله تعالى
أعلم.
(قَالَ أَبُو صَالِح) ذكوان السمّان، وقول أبي صالح هذا مرسل سيأتي
الكلام عليه قريباً - إن شاء الله تعالى - (فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى
رَسُولِ اللهِ إِ، فَقَالُوا: سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الْأَمْوَالِ) بالرفع على البدليّة، ويَحْتَمل
النصب على الاختصاص، أو بتقدير ((نعني)).
وقال الطيبيّ تَخُّْ: قوله: ((أهل الأموال)) بدلٌ من (إخوانُنَا))، وفائدة البدل
الإشعار بأنهم فعلوا ذلك منهم غبطةً لا حسداً.
وقوله: (بِمَا فَعَلْنَا) متعلّق بـ(سَمِعَ))، ضمّن ((سَمِعَ)) معنى ((أخبر))، فعدّي
بالباء، قاله الطيبيّ كَظَّمُ(٣) .
(فَفَعَلُوا مِثْلَهُ) أي مثل ما فعلنا، وإطلاق الفعل على القول شائع ذائعٌ
(١) ((الفتح)) ٣٨٢/٢.
(٣) ((الكاشف)) ١٠٦٠/٣.
(٢) ((المرعاة)) ٣٢٢/٣.

٢١٧
(٢٦) - بَابُ اسْتِخْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلاَةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٥٠)
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ: ((ذَلِكَ) أي الزائد من الثواب الذي حصل لهم على الجود
بأموالهم منضمّاً إلى فعلهم مثل ما فعله الفقراء، فـ((ذلك)) مبتدأ خبره قوله:
(فَضْلُ اللهِ، يُؤْتِهِ مَنْ يَشَاءُ))) قال الطيبيّ تَخْتُ: فيه إشارة إلى أن الغني الشاكر
أفضل من الفقير الصابر، نعم لا يخلو الغنيّ عن أنواع من الخطر، والفقير
الصابر آمن. انتهى. وسيأتي تمام البحث في هذا قريباً.
(وَزَادَ غَيْرُ قُتَيْبَةَ) بن سعيد، قيل: يَحْتَمِل أن يكون هذا الغير شعيبَ بن
الليث، فإن أبا عوانة أخرجه في ((مستخرجه)) عن الربيع بن سليمان، عن
شعيب، ويَحْتَمِلُ أن يكون سعيد بن أبي مريم، فإن البيهقيّ أخرجه من طريق
سعيد، ويَحتَمِل أن يكون غيرهما، قاله في ((العمدة))(١)، والله تعالى أعلم.
(فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ اللَّيْثِ) بن سعد (عَن) محمد (ابْنِ عَجْلَانَ) أنه
قال: (قَالَ سُمَيٍّ: فَحَدَّثْتُ بَعْضَ أَهْلِي) قال ابن الملقّن تَخْلُهُ: لم أر تعيين هذا
البعض في رواية بعد الكشف عنه. انتهى(٢). (هَذَا الْحَدِيثَ) أي الذي حدّثه به
أبو صالح عن أبي هريرة ◌َ﴿به (فَقَالَ) ذلك البعض (وَهِمْتَ) بفتح، فكسر،
كغَلِظْتَ وزناً ومعنَى، قال الفيّوميّ تَخْذُهُ: وَهَمْتُ إلى الشيءِ وَهْماً، من باب
وَعَدَ: سبق القلب إليه مع إرادة غيره، وَوَهَمْتُ وَهْماً: وقع في خَلَدي، والجمعُ
أوهام، وشيء موهومٌ، وتوهَّمْتُ: أي ظننتُ، وَوَهِمَ في الحساب يَوْهَمُ وَهَماً،
مثلُ غَلِطَ يَغْلَطُ غَلَطاً وزناً ومعنّى، ويَتَعدَّى بالهمزة والتضعيف، وقد يُستعمَلُ
المهموز لازماً، وأوهم من الحساب مائةً، مثلُ أسقط وزناً ومعنّى، وأوهم من
صلاته ركعةً: تركها. انتهى (٣).
وفي رواية البخاريّ: ((فاختلفنا بيننا، فقال بعضنا: نسبّح ثلاثاً وثلاثين،
ونحمد ثلاثاً وثلاثين، ونُكبّر أربعاً وثلاثين، فرجعت إليه فقال ... )).
قال في ((الفتح)): قوله: ((فاختلفنا بيننا)) ظاهره أن أبا هريرة هو القائل،
وكذا قوله: ((فرجعت إليه))، وأن الذي رجع أبو هريرة إليه هو النبيّ وَّ، وعلى
(١) راجع: ((عمدة القاري)) ١٨٦/٦ - ١٨٧.
(٢) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٤/ ٥٠.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢ /٦٧٤.

٢١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
هذا فالخلاف في ذلك وقع بين الصحابة، لكن بَيَّن مسلم في رواية ابن
عجلان، عن سُمَيّ أن القائل: ((فاختلفنا)) هو سُمَيّ، وأنه هو الذي رجع إلى
أبي صالح، وأن الذي خالفه بعض أهله. انتهى.
وقوله: ((وتكبر أربعاً وثلاثين)) هو قول بعض أهل سُميّ كما تقدم التنبيه
عليه، من رواية مسلم، وقد تقدم احتمال كونه من كلام بعض الصحابة، وقد
جاء مثله في حديث أبي الدرداء، عند النسائيّ، وكذا عنده من حديث ابن عمر
بسند قويّ، ومثله لمسلم من حديث كعب بن عُجرة، ونحوه لابن ماجه، من
حديث أبي ذَرّ، لكن شك بعض رواته في أنهنّ أربع وثلاثون، ويخالف ذلك ما
في رواية محمد بن أبي عائشة، عن أبي هريرة، عند أبي داود، ففيه: ((ويختم
المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له ... إلخ))، وكذا لمسلم في رواية
عطاء بن يزيد، عن أبي هريرة، ومثله لأبي داود في حديث أمّ الْحَكَم، ولجعفر
الفریابيّ في حديث أبي ذرّ.
قال النوويّ ◌َّتُهُ: ينبغي أن يجمع بين الروايتين بأن يكبر أربعاً وثلاثين،
ويقول معها: ((لا إله إلا الله وحده ... إلخ)).
وقال غيره: بل يَجمع بأن يَختم مرةً بزيادة تكبيرة، ومرةً بـ((لا إله إلا الله))،
على وفق ما وردت به الأحاديث. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الأخير هو المتعيّن في وجه الجمع، وأما
ما قاله النوويّ ففيه خروج عن التعليم النبويّ.
والحاصل أن الصواب أنه يكبّر تارةً أربعاً وثلاثين، فتكون التكبيرة تمام
المائة، ويكبّر أحياناً ثلاثاً وثلاثين، ويختم المائة بـ((لا إله إلا الله وحده لا
شريك له ... إلخ))، كما ورد التعليم النبويّ بكلّ منهما، فتبصّر، والله تعالى
أعلم بالصواب.
(إِنَّمَا قَالَ) أي أبو صالح، وفي نسخة: ((إنما قال لك)» («تُسَبِّحُ اللهَ ثَلَاثاً
وَثَلَاثِينَ) وفي نسخة: ((ثلاثاً وثلاثين مرّةً)) (وَتَحْمَدُ اللهَ ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرُ اللهَ
ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ))) هذا في رواية المصنّف، والذي عند البخاريّ: ((وتكبّر أربعاً
وثلاثين))، كما سبق آنفاً.
(فَرَجَعْتُ إِلَى أَبِي صَالِحٍ، فَقُلْتُ لَهُ ذَلِكَ) أي ذكرت له اختلافنا فيه (فَأَخَذَ

٢١٩
(٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ - حديث رقم (١٣٥٠)
بِيَدِي، فَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، اللهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللهِ،
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، حَتَّى تَبْلُغَ مِنْ جَمِيعِهِنَّ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ) ولفظ البخاريّ: ((فقال:
تقول: ((سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر)) حتى يكون منهنّ كلِّهِنّ ثلاث
وثلاثون)) .
قال ابن الملقّن رَّقُ: ظاهره أنه يقول: الله أكبر، وسبحان الله،
والحمد لله، ثلاثاً وثلاثين مرّةً، وظاهر الحديث أنه يُسبّح ثلاثاً وثلاثين مستقلّةً،
ثم يَحْمَد كذلك، ثم يُكبّر كذلك، وهو ظاهر جميع روايات الحديث، قال
القاضي عياض: وهو أولى من تأويل أبي صالح. انتهى(١).
(قَالَ) وفي نسخة: ((وقال)) بالواو (ابْنُ عَجْلَانَ: فَحَدَّلْتُ) بالبناء للفاعل
(بِهَذَا الْحَدِيثِ رَجَاءَ بْنَ حَيْوَةَ) - بفتح الحاء المهملة، وسكون التحتانيّة، وفتح
الواو - ابن جَرْوَل(٢)، ويقال: جَنْدَل بن الأحنف بن السِّمْط بن امرئ القيس بن
عمرو الكِنْديّ، أبو المِقْدام، ويقال: أبو نَصْر الْفِلَسطينيّ، يقال: إن لجده
صحبةً، ثقةٌ فقيهٌ، من الطبقة الثالثة.
أرسل عن معاذ بن جبل، ورَوَى عن عبد الله بن عمرو بن العاص،
وعديّ بن عَمِيرة، وعبادة بن الصامت، وعبد الرحمن بن غَنْم، ومعاوية،
والنوّاس بن سَمْعان، وأبي الدرداء، وأبي سعيد الخدريّ، وأبي أمامة،
والْمِسْوَر بن مَخْرمة، وقَبِيصة بن ذُؤَيب، وأبي صالح السمان، وورّاد كاتب
المغيرة، وخلق.
ورَوَى عنه عديّ بن عديّ بن عَمِيرة الكِنديّ، وابن عجلان، وثور بن
يزيد، وابن عون، ومَطَر الورّاق، والزهريّ، ومحمد بن جُحادة، وابنه عاصم بن
رجاء، وحميد الطويل، وغيرهم.
قال أبو مسهر: كان من مدينةٍ يقال لها: بيسان، ثم انتقل إلى فلسطين،
وقال ابن سعد: كان ثقةً فاضلاً كثير العلم، وقال العجليّ، والنسائيّ: شاميّ
(١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٥١/٤.
(٢) قال الحافظ في ((التهذيب)): رأيت اسم جدّه مضبوطاً بخط الرضيّ الشاطبيّ: خَنْزَل
بخاء معجمة، بعدها نون، ثم زاي، ثم لام. انتھی.

٢٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
ثقةٌ، وقال يحيى بن حمزة، عن موسى بن يسار: كان رجاء بن حيوة، وعديّ بن
عديّ، ومكحول في المسجد، فسأل رجل مكحولاً مسألة، فقال مكحولٌ:
سَلُوا شيخنا وسيدنا، رجاء بن حيوة، وقال ضمرة، عن ابن شَوْذَب، عن مَطَر
الورّاق: ما لقيت شاميّاً أفضل - وفي رواية: أفقه - من رجاء بن حيوة، إلا أنه
إذا حركته وجدته شاميّاً، وقال الأصمعيّ عن ابن عون: رأيت ثلاثةً ما رأيت
مثلهم: ابن سيرين بالعراق، والقاسم بن محمد بالحجاز، ورجاء بالشام، وقال
ابن حبان في ((الثقات)): كان من عُبّاد أهل الشام، وفقهائهم، وزهادهم، وقال
أحمد بن حنبل: لم يَلْقَ رجاء وَرّاداً كاتب المغيرة، وكذا حَكَى الترمذيّ عن
السخاويّ وأبي زرعة. قال الحافظ: وروايته عن أبي الدرداء مرسلة.
قال خليفة بن خياط، وسليمان بن عبد الرحمن، وغير واحد: مات سنة
(١١٢).
روى له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، في هذا الموضع فقط،
والأربعة.
(فَحَدَّثَنِي بِمِثْلِهِ) أي بمثل ما حدّثه سميّ، ولفظ أبي عوانة: ((فقال
محمد بن عجلان: فذكرت ذلك لرجاء بن حيوة، فحدّثني بمثلها، عن أبي
صالح، وقال: صدق سُميّ)). انتهى (١). (عَنْ أَبِي صَالِح) السمّان (عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ) ◌َهُ (عَنْ رَسُولِ اللهِ وََّ) .
[تنبيه]: رواية ابن عجلان، عن رَجاء بن حَيْوَة هذه ساقها الطبرانيّ تَخْتُهُ
في ((المعجم الأوسط))، فقال:
(٥٣١٠) حدّثنا محمد بن عليّ بن الصّاح البغداديّ، قال: حدّثنا هانئ بن
المتوكل الإسكندرانيّ، حدّثنا حيوة بن شُرَيح، عن محمد بن عجلان، عن
رَجاء بن حَيْوَة، وسُمَيّ مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال:
أتى فقراء المسلمين رسولَ الله وَّه، فقالوا: يا رسول الله، ذَهَب ذوو الأموال
بالدرجات، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويَحُجُّون كما نَحُجّ،
ولهم فضول أموال يتصدقون منها، وليس لنا ما نتصدق، فقال: ((ألا أدلكم
(١) ((مسند أبي عوانة)) ٥٥٨/١.