Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ (٢٣) - بَابُ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ - حديث رقم (١٣١٩) (٩١٥)، و(الشافعيّ) في ((المسند)) (٩٢/١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّقه)) (١/ ٢٩٨)، و(أحمد) في («مسنده)) (١٧٢/١ و١٨٠/١ و١٨٦/١)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (١٤٤)، و(الدارمي) في ((سننه)) (١٣٥٢)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (٧٢٦ و٧٢٧ و١٧١٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٩٩٢)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢٦٦/١ و٢٦٧)، و(البيهقيّ) في (الكبرى)) (١٧٨/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٦٩٨)، والله تعالى أعلم. [فائدة]: أخرج ابن خزيمة في (صحيحه)) (٣٥٩/١ رقم ٧٢٦) من طريق ابن المبارك، عن مصعب بن ثابت، عن إسماعيل بن محمد، عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه، قال: ((رأيت النبيّ ◌َل﴿ يُسلّم عن يمينه، وعن يساره حتى يُرَى بياض خدّه)). فقال الزهريّ: لم نَسْمَع هذا من حديث رسول الله وَّة، فقال إسماعيل: أكلَّ حديث النبيّ وَّهِ سمعت؟ قال: لا، قال: والثلثين؟ قال: لا، قال: فالنصف؟ قال: لا، قال: فهذا في النصف الذي لم تَسْمَع. انتهى. وأخرجه ابن حبّان في ((صحيحه)) (٣٣١/٥ - ٣٣٣ رقم ١٩٩٢)، وفي سنده مصعب بن ثابت، قال عنه في ((التقريب)): ليّن الحديث، وكان عابداً. وبقيّة مسائل الحديث تقدّمت في الحديث الماضي، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتْ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (٢٣) - (بَابُ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ) وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٣١٩] (٥٨٣) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ: أَخْبَرَنِي بِذَا أَبُو مَعْبَدٍ، ثُمَّ أَنْكَرَهُ بَعْدُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنَّا نَعْرِفُ اْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ بِالتَّكْبِيرِ). ١٠٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل باب. ٣ - (عَمْرو) بن دينار، أبو محمد الأثرم الْجُمَحِيّ مولاهم المكي، ثقة ثبت [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٨٤/٢١. ٤ - (أَبُو مَعْبَدٍ) اسمه: نافذ - بفاء، فمعجمة - مولى ابن عباس - المكيّ، ثقة [٤] (ت ١٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٠/٧. ٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الحبر البحر ظ ◌ًّا، مات (٦٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٤/٦. [تنبيه]: قوله: (أَخْبَرَنِ بِذَا أَبُو مَعْبَدٍ) قال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ ◌َُّ: في نسخة أبي العلاء بن ماهان: ((سفيان بن عيينة، عن عمرو، قال: أخبرني جدّي أبو معبد)»، هكذا في نسخة الأشعريّ، وابن الحذّاء، عن ابن ماهان. وقوله: ((جدّي)) تصحيف، وإنما صوابه: ((أخبرني بذا))، يريد بهذا، وليس لعمرو بن دينار جدّ يَروي عنه. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي شرح الحديث، وبيان مسائله في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى - وإنما أخرته إليه؛ لكونه أتمّ مما هنا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٣٢٠] ( ... ) - (حَدَّثَنَا(٢) ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يُخْبِرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَا كُنَّا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ الهِ نَّهِ إِلَّ بِالتَّكْبِيرِ، قَالَ عَمْرٌو: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي مَعْبَدٍ فَأَنْكَرَهُ، وَقَالَ: لَمْ أَحَدِّثْكَ بِهَذَا، قَالَ عَمْرٌو: وَقَدْ أَخْبَرَنِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ). (١) (تقييد المهمل)) ٨١٥/٣ - ٨١٦. (٢) وفي نسخة: ((وحدّثنا)). ١٠٣ (٢٣) - بَابُ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ - حديث رقم (١٣٢٠) رجال هذا الإسناد: خمسة أيضاً: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قبل باب. والباقون تقدّموا في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له البخاريّ، وأبو داود. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمكيّين، سوى شيخه الأول، فنسائيّ، ثم بغداديّ. ٤ - (ومنها): أن فيه روايةً تابعيّ، عن تابعيّ: عمرو، عن أبي معبد. ٥ - (ومنها): أن فيه ابنَ عباس ﴿ه أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث : (عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ) بفتح الميم، والمُوحّدة، بينهما عين، فدال مهملتان (مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) ◌َّا (أَنَّهُ سَمِعَهُ) الضمير الأول لعمرو بن دينار، والثاني لأبي معبد، يعني أنّ عمرو بن دينار سمع أبا معبد، حال كونه (يُخْبِرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ◌َّهَا (قَالَ: مَا) نافية (كُنَّا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ إِلَّ بِالتَّكْبِيرِ) أي بسماعنا لتكبير المصلّين بعد سلامهم من الصلاة، حیث إنهم يجهرون به. رواية المصنّف هذه فيها الحصر، ومثلها رواية النسائيّ بلفظ: ((إنما كنتُ أعلم انقضاء صلاة رسول الله وَله بالتكبير)). وفي الرواية التالية من طريق ابن جُريج، عن عمرو: ((أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبيّ و93َّ)»، قال ابن عباس: ((كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك، إذا سمعته)). والرواية الأولى أخصّ من رواية ابن جريج هذه؛ لأن الذكر أعمّ من التكبير، ويَحْتَمِل أن تكون مفسّرة لها، فكأن المراد أن رفع الصوت بالذكر أي ١٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة بالتكبير، وكأنهم كانوا يبدؤون بالتكبير بعد الصلاة قبل التسبيح والتحميد(١)، وسيأتي تمام البحث فيه في المسائل - إن شاء الله تعالى -. واختلف في كون ابن عبّاس ◌ًَّا قال ذلك، فقال القاضي عياض: الظاهر أنه لم يكن يحضر الجماعة، لأنه كان صغيراً ممن لا يواظب على ذلك، ولا يُلزَم به، فكان يعرف انقضاء الصلاة بما ذكر، وقال غيره: يَحْتَمِل أن يكون حاضراً في أواخر الصفوف، فكان لا يَعرف انقضاءها بالتسليم، وإنما كان يعرفه بالتكبير. (قَالَ عَمْرٌو) أي ابن دينار (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ) أي الحديث المذكور (لِأَبِي مَعْبَدٍ) ولعله ذكره ليحدّثه مرّةً ثانيةً، أو لأمر آخرِ (فَأَنْكَرَهُ) أي أنكر أبو معبد كون هذا الحديث من حديثه (وَقَالَ) أبو معبد (لَمْ أُحَدَّثْكَ بِهَذَا) فيه أنه مما نسيه أبو معبد (قَالَ عَمْرُو) أي ابن دينار (وَقَدْ أَخْبَرَنِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ) يعني أنه نسيه بعدما كان سمعه عن ابن عبّاس ◌َّ، وحدّث به عمراً. وفي رواية الحميديّ في ((مسنده)): ((قال عمرو: فذكرت بعد ذلك لأبي معبد، فأنكره، وقال: لم أحدّثك به، فقلت: بلى قد حدّثتنيه قبل هذا، قال سفيان: كأنه خَشِي على نفسه)). وقال الشافعيّ في ((المسند)) (٩٥/١) بعد أن رواه عن سفيان: كأنه نَسيه بعدما حدّثه إياه(٢). وفي إنكار الشيخ على الراوي تحديثه له اختلاف بين العلماء سيأتي تحقيقه قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٣٢٠/٢٣ و١٣٢١] (٥٨٣)، و(البخاريّ) في (١) ((الفتح)) ٣٨٠/٢. (٢) راجع: ((الفتح)) ٣٨٠/٢. ١٠٥ (٢٣) - بَابُ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ - حديث رقم (١٣٢٠) ((الأذان)) (٨٤٢)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٠٠٢)، و(النسائيّ) في ((السهو)) (١٣٣٥) وفي ((الكبرى)) (١٢٥٨)، و(الشافعيّ) في ((المسند)) (٩٤/١)، و(عبد الرّزّاق) في ((مصنّفه)) (٣٢٢٥)، و(الحميدي) في ((مسنده)) (٤٨٠)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢٢٢/١ و٣٦٧)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٧٠٦)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٢٢٣٢)، و(الطبرانيّ) في ((المعجم الكبير» (١٢٢٠٠ و١٢٢١٢)، و(البيهقيّ) في («الكبرى» (١٨٤/٢)، و(البغويّ) في «شرح السنّة)) (٧١٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة، وهو الراجح، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. قال الطبريّ رَّتُهُ: فيه إبانةٌ عن صحّة ما كان يفعله بعض الأمراء من التكبير عقب الصلاة. وتعقّبه ابن بطال بأنه لم يَقِف على ذلك عن أحد من السلف، إلا ما حكاه ابن حبيب في ((الواضحة)) أنهم كانوا يستحبّون التكبير في العساكر عقب الصبح والعشاء تكبيراً عالياً ثلاثاً، قال: وهو قديم من شأن الناس. قال ابن بطال: وفي ((العتبية)) عن مالك أن ذلك مُحدَث. قال: وفي السياق إشعار بأن الصحابة لم يكونوا يرفعون أصواتهم بالذكر في الوقت الذي قال فيه ابن عباس ما قال. قال الحافظ: في التقييد بالصحابة نظرٌ، بل لم يكن حينئذ من الصحابة إلا القليل. وقال النوويّ: حَمَلَ الشافعي هذا الحديث على أنهم جهروا به وقتاً يَسِيراً لأجل تعليم صفة الذكر، لا أنهم داوموا على الجهر به. والمختار أن الإمام والمأموم يُخفيان الذكر إلا إن احتيج إلى التعليم. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في كون الإخفاء هو المختارَ مع صحة أحاديث الجهر بالذكر نظرٌ لا يخفى، بل قول ابن عبّاس ﴿ّ: ((أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة، كان على عهد النبيّ وَّ)) ظاهر في كونه مستمراً، وسيأتي تحقيق هذا في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ١٠٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ٢ - (ومنها): أن قوله: ((كان على عهد رسول الله وَ ليت)) أن مثل هذا عند الشيخين له حكم الرفع، خلافاً لمن شذّ، ومنع ذلك، ومذهب الجمهور على ذلك، كما قاله في ((الفتح))(١). ٣ - (ومنها): ما قاله ابن دقيق العيد كَّلُهُ: يُؤخذ منه أنه لم يكن هناك مُبَلّغ جهير الصوت، يُسمِع مَن بَعُدَ. انتهى. ٤ - (ومنها): أن في قول عمرو بن دينار تَخُّْهُ: ((فذكرت ذلك لأبي معبد، فأنكره ... إلخ)) دليلاً على أن البخاريّ ومسلماً يذهبان إلى صحة الحديث الذي يُروَى على هذا الوجه مع إنكار المحدّث له، إذا حدّث به عنه ثقة . قال النوويّ كَخْلَتُهُ: وهذا مذهب جمهور العلماء من المحدثين، والفقهاء، والأصوليين، قالوا: يُحتجّ به إذا كان إنكار الشيخ له لتشكّكه فيه، أو لنسيانه، أو قال: لا أحفظه، أو لا أذكر أني حدّثتك به، ونحو ذلك، وخالفهم الكرخيّ من أصحاب أبي حنيفة كَّلُ، فقال: لا يُحتجّ به. فأما إذا أنكره إنكاراً جازماً قاطعاً بتكذيب الراوي عنه، وأنه لم يحدِّثه به قط، فلا يجوز الاحتجاج به عند جميعهم، لأن جزم كلّ واحد يعارض جزم الآخر، والشيخ هو الأصل، فوجب إسقاط هذا الحديث، ولا يَقْدَحُ ذلك في باقي أحاديث الراوي، لأنا لم نتحقق كذبه. انتهى كلام النوويّ رَُّهُ . وقال في ((الفتح)): ((قال الشافعيّ بعد أن رواه عن سفيان: كأنه نسيه بعد أن حدثه به)). انتهى. وهذا يدلّ على أن مسلماً كان يرى صحة الحديث، ولو أنكره راويه، إذا کان الناقل عنه عدلاً . ولأهل الحديث فيه تفصيل: قالوا: إما أن يَجْزِم، أو لَا، وإذا جزم، فإما أن يصرّح بتكذيب الراوي عنه، أو لا، فإن لم يجزم بالرّدّ، كأن قال: لا أذكره، فهو مُتَّفق على قبوله؛ لأن الفرع ثقة، والأصل لم يَطعَن فيه، وإن جزم، وصرّح بالتكذيب، فهو متَّفق عندهم على ردّه؛ لأن جزم الفرع بكون الأصل (١) ((الفتح)) ٣٧٩/٢ - ٣٨٠. ١٠٧ (٢٣) - بَابُ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ - حديث رقم (١٣٢٠) حدّثه يستلزم تكذيب الأصل في دعواه أنه كَذَب عليه، وليس قبول قول أحدهما بأولى من الآخر، وإن جزم بالردّ، ولم يصرّح بالتكذيب، فالراجح عندهم قبوله. وأما الفقهاء فاختلفوا، فذهب الجمهور في هذه الصورة إلى القبول، وعن بعض الحنفيّة، ورواية عن أحمد لا يُقبل، قياساً على الشاهد. وللإمام فخر الدين في هذه المسألة تفصيل نحو ما تقدّم، وزاد: فإن كان الفرع متردّداً في سماعه، والأصل جازماً بعدمه سقط؛ لوجود التعارض. ومحصّل كلامه آنفاً أنهما إن تساويا فالرّدّ، وإن رُجِّح أحدُهما عُمل به. وهذا الحديث من أمثلته. وأبعَدَ مَن قال: إنما نَفَى أبو معبد التحديث، ولا يلزم منه نفي الإخبار، وهو الذي وقع من عمرو، ولا مخالفة، وتردّه الرواية التي فيها: ((فأنكره))، ولو كان كما زعم لم يكن هناك إنكار، ولأن التفرقة بين التحديث والإخبار إنما حدث بعد ذلك، وفي كتب الأصول حكاية الخلاف في هذه المسألة عن الحنفية. انتهى(١). وإلى هذه القاعدة أشار الحافظ السيوطيّ تَخّتُهُ في ((ألفية الحديث)) حيث قال : إِسْقَاطُهُ لَكِنْ بِفَرْعِ مَا قَدَحْ وَمَنْ نَفَى مَا عَنْهُ يُرْوَى فَالأَصَحْ أَوْ قَالَ لَا أَذْكُرُهُ أَوْ نَحْوَ ذَا كَأَنْ نَسِي فَصَخَّحُوا أَنْ يُؤْخَذَا والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في مشروعية الجهر بالذكر: قال النوويّ كَُّ: هذا الحديث دليل لما قاله بعض السلف: إنه يستحبّ رفع الصوت بالتكبير والذكر عقب المكتوبة، وممن استحبّه من المتأخرين ابن حزم الظاهريّ، ونقل ابن بطال، وآخرون أن أصحاب المذاهب المتبوعة وغيرهم متفقون على عدم استحباب رفع الصوت بالذكر والتكبير. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى الاتّفاق المذكور غير صحيحة، (١) ((الفتح)) ٣٨٠/٢. ١٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وسيتبيّن لك بطلانها في كلام الحافظ ابن رجب نَخْتُهُ، حيث ينقل عن الإمام أحمد وغيره مشروعيةَ الجهر، فتبصر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، وبالله تعالى التوفيق. قال: وحَمَل الشافعيّ تَظْلَُّ هذا الحديث على أنه جَهَر وقتاً يسيراً حتى يُعلّمهم صفة الذكر، لا أنهم جهروا به دائماً، فاختار للإمام والمأموم أن يذكرا الله تعالى بعد الفراغ من الصلاة، ويُخْفيان ذلك، إلا أن يكون إماماً يريد أن يُتَعلِّم منه، فيجهر حتى يَعلَم أنه قد تُعُلِّم منه، ثمّ يُسرّ، وحَمَلَ الحديث على هذا. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي نُقل عن الشافعيّ تَظُّْ من حمله هذا الحديث على وقت يسير، فيه نظرٌ لا يخفى، فإن من تأمّل قول ابن عبّاس ◌َّ: ((إن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان في عهد رسول الله (9َّ))، يظهر ضعف هذا التأويل، فإن ابن عبّاس ﴿ه من أهل اللغة، فتعبيره بهذا الأسلوب ظاهر في الاستمرار، لا أنه حصل وقتاً يسيراً، ثم انقطع، فتأمله بالإنصاف. وقال الإمام أبو محمد بن حزم تَخْتُ: [مسألة]: ورفعُ الصوت بالتكبير إثر کلّ صلاة حسن. ثم استَدَلّ بحديث ابن عباس ◌ّ المذكور، ثم قال: فإن قيل: قد نَسِي أبو معبد هذا الحديث، وأنكره. قلنا: فكان ماذا؟، عمرو أوثق الثقات، والنسيان لا يَعرَى منه آدميّ، والحجّة قد قامت برواية الثقة. انتهى(١). وقال الحافظ ابن رجب تَخْذَتُهُ: وقد دلّ حديث ابن عبّاس ﴿ًا على رفع الصوت بالتكبير عقب الصلاة المفروضة. وقد ذهب إلى ظاهره بعض أهل الظاهر، وحُكي عن أكثر العلماء خلافُ ذلك، وأن الأفضل الإسرار بالذكر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ فِىِ نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةٌ﴾ الآية [الأعراف: ٢٠٥]، وقوله تعالى: ﴿آدَعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا (١) ((المحلَى)) ٢٦٠/٤. ١٠٩ (٢٣) - بَابُ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ - حديث رقم (١٣٢٠) وَخُفْيَةٌ﴾ الآية [الأعراف: ٥٥]، ولقول النبيّ ◌َّ لمن جهر بالذكر من أصحابه: ((إنكم لا تَدْعُون أصمّ، ولا غائباً ... )) الحديث. متفق عليه. ثم ذكر كلام الشافعيّ تَظْتُ المتقدّم، ثم قال: وكذلك ذكر أصحابه، وذكر بعض أصحابنا - يعني الحنابلة - مثل ذلك أيضاً، ولهم وجه آخر أنه يكره الجهر به مطلقاً . وقال القاضي أبو يعلى في ((الجامع الكبير)): ظاهر كلام أحمد أنه يُسنّ للإمام الجهر بالذكر والدعاء عقب الصلوات، بحيث يُسمِع المأمومَ، ولا يزيد على ذلك، وذَكَرَ عن أحمد نصوصاً تدلّ على أنه كان يجهر ببعض الذكر، ويُسرّ بالدعاء. وهذا هو الأظهر، وأنه لا يختص ذلك بالإمام، فإن حديث ابن عبّاس هذا ظاهره يدلّ على جهر المأمومين أيضاً. ويدلّ عليه أيضاً ما أخرجه مسلم في ((صحيحه)) من حديث ابن الزبير أنه كان يقول في دبر كلّ صلاة حين يُسلّم: ((لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، لا حول ولا قوّة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة والفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون))، وقال: كان رسول الله وَل يُهلُّ بهنّ في دبر كلّ صلاة. ومعنى يُهلّ: يرفع صوته، ومنه الإهلال في الحجّ، وهو رفع الصوت بالتلبية، واستهلال الصبي إذا وُلد. وقد كان أصحاب رسول الله وَالله يجهرون بالذكر عقب الصلوات، حتى يسمع من یلیه. فأخرج النسائيّ في ((عمل اليوم والليلة)) من رواية عون بن عبد الله بن عُتبة، قال: صلّى رجل إلى جنب عبد الله بن عمرو بن العاص، فسمعه حين سلّم يقول: ((أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام))، ثم صلّى إلى جنب عبد الله بن عُمر، فسمعه حين سلّم يقول مثل ذلك، فضحك الرجل، فقال له ابن عمر: ما أضحكك؟ قال: إني صّيت إلى جنب عبد الله بن عمرو، فسمعته يقول مثل ما قلت، قال: كان رسول الله وَه يقول ذلك. ١١٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وأما النهي عن رفع الصوت بالذكر، فإنما المراد به المبالغة في رفع الصوت، فإن أحدهم كان ينادي بأعلى صوته ((لا إله إلا الله، والله أكبر))، فقال لهم النبيّ وَّه: ((اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تنادون أصمّ، ولا غائباً))، وأشار إليهم بيده يُسكّتهم، ويخفّضهم، وقد أخرجه الإمام أحمد بنحو من هذه الألفاظ. وقال عطية بن قيس: كان الناس يذكرون الله عند غروب الشمس يرفعون أصواتهم بالذكر، فإذا خفضت أصواتهم أرسل إليهم عمر بن الخطاب أن كرروا الذكر، أخرجه جعفر الفريابي في ((كتاب الذكر))، وأخرج أيضاً من رواية ابن لهيعة، عن زُهْرَة بن معبد، قال: رأيت ابن عمر إذا انقلب من العشاءين كبّر حتى يبلغ منزله، ويرفع صوته. وروى محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن جابر نظُه أن رجلاً كان يرفع صوته بالذكر، فقال رجل: لو أن هذا خفض من صوته، فقال رسول الله وَل: ((دعه، فإنه أوّاه)). وهذا يدلّ على أنه يُحتَمَلُ ذلك ممن عُرف صدقه وإخلاصه دون غيره. وأخرج الإمام أحمد من رواية عقبة بن عامر ظ به أن رسول الله وسلّم قال لرجل يقال له ذو البجادين: ((إنه أوّاه))، وذلك أنه رجل كان كثير الذكر لله في القرآن، ويرفع صوته في الدعاء، وفي إسناده ابن لهيعة. وقال الأوزاعيّ في التكبير في الْحَرس في سبيل الله: أحبّ إليّ أن یذکر الله في نفسه، وإن رفع صوته فلا بأس. فأما قول ابن سيرين: يكره رفع الصوت إلا في موضعين: الأذان، والتلبية، فالمراد به - والله أعلم - المبالغة في الرفع كرفع المؤذن والملبّي. وقد رُوي رفع الصوت بالذكر في مواضع، كالخروج إلى العيدين، وأيام العشر، وأيام التشريق بمنى. وأما الدعاء فالسنة إخفاؤه. ففي (الصحيحين)) عن عائشة ﴿ّا في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَّجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا ◌ُخَفِتْ بِهَا﴾ الاية [الإسراء: ١١٠] أنها نزلت في الدعاء. وكذا روي عن ابن عباس، وأبي هريرة ﴿ه، وعن سعيد بن جُبير، وعطاء، وعكرمة، وعروة، ومجاهد، وإبراهيم، وغيرهم. ١١١ (٢٣) - بَابُ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ - حديث رقم (١٣٢٠) وقال الإمام أحمد: ينبغي أن يُسرّ دعاءه لهذه الآية، قال: وكان يُكره أن يرفعوا أصواتهم بالدعاء. وقال سعيد بن المسيب: أحدث الناس الصوت عند الدعاء، وكرهه مجاهد وغيره. ورَوَى وكيع عن الربيع، عن الحسن، والربيعُ عن يزيد بن أبان، عن أنس أنهما كرها أن يُسمع الرجل جليسه شيئاً من دعائه. وورد فیه رخصة من وجه لا يصح. أخرجه الطبراني من رواية أبي موسى: كان نبي الله وَلّ إذا صلّى الصبح يرفع صوته حتى يسمع أصحابه، يقول: ((اللَّهم أصلح لي ديني الذي جعلته عصمة أمري)) - ثلاث مرّات - ((اللَّهم أصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي)) - ثلاث مرّات - ((اللَّهم أصلح لي آخرتي التي جعلت إليها مرجعي)) - ثلاث مرّات -، وذكر دعاء آخر. وفي إسناده يزيد بن عياض متروك الحديث، وإسحاق بن طلحة ضعيف. فأما الحديث الذي أخرجه مسلم وغيره عن البراء بن عازب طها قال: كنا إذا صلّينا خلف رسول الله ورسوله أحببنا أن نكون عن يمينه ليُقبل علينا بوجهه، قال: فسمعته يقول: ((ربّ قني عذابك يوم تبعث عبادك)). فهذا ليس فيه أنه كان يجهر بذلك، حتى يسمعه الناس، إنما فيه أنه كان يقوله بينه وبين نفسه، وكان يسمعه منه أحياناً جليسه كما كان يسمع منه من خلفه الآية أحياناً في صلاة النهار. ورَوَى هلال بن يساف، عن زاذان، حدثنا رجل من الأنصار، قال: سمعت رسول الله وَ﴿ يقول في دبر الصلاة: ((اللَّهم اغفر لي، وتب عليّ، إنك أنت التّاب الغفور)) مائة مرّة. أخرجه ابن أبي شيبة(١)، وعنه بقيّ بن مخلد في ((مسنده)). انتهى كلام الحافظ ابن رجب تَّتُهُ(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص مما ذكر في كلام الحافظ ابن (١) ((المصنّف)) ٤٦٢/١٣، ورجاله ثقات. (٢) (شرح البخاريّ)) لابن رجب ٣٩٨/٧ - ٤٠٤. ١١٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة رجب نَّتُهُ، وكذا ما تقدم من كلام ابن حزم: أن الصواب هو الذي ذهب إليه أحمد، وبعض السلف، من أن رفع الذكر بعد الصلاة مستحبّ، وأن القول بكراهة ذلك مع صحة الأدلّة، ولا سيما حديث ابن عباس ظًا المذكور في الباب مما لا وجه له، وأن دعوى اتّفاق أصحاب المذاهب المتبوعة وغيرهم على عدم القول به من الدعاوي الباطلة. فهذا الإمام أحمد تَخْتُ قد عرفتَ قولَه بالاستحباب، أليس هو من أصحاب المذاهب المتبوعة؟ إن هذا لشيء عجيب !!. وأنه لا دليل لمن حَمَل حديث ابن عباس ◌ّ على أن الجهر كان وقتاً يسيراً للتعليم، كما لا دليل لمن ادَّعَى أن الجهر بالتأمين كان لأجل التعليم. وهذا ابن عباس ◌ًّا من أعلم الناس بالسنّة يخبرنا إخباراً مطلقاً، دون أن يقيده بوقت دون وقت، وأيضاً فإن فيه لفظة ((كان)) المشعرة بالمداومة والمواظبة. والحاصل أن أكثر عمل النبيّ وَل ﴿ وأصحابه قد كان على رفع الصوت بالتكبير عقب المكتوبة، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تََّثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٣٢١] ( ... ) - (حَدَّثَنَا(١) مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُّ مَنْصُورٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّ أَبَا مَعْبَدٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرٍ، حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ، كَانَ عَلَّى عَهْدِ النَّبِيِّ وَِّ، وَأَنَّهُ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْتُهُ). (١) وفي نسخة: ((حدّثني)). ١١٣ (٢٤) - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَعَذَابٍ جَهَنَّمَ - حديث رقم (١٣٢٢) رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوقٌ فاضلٌ ربّما وَهِمَ [١٠] (ت٥ أو٢٣٦) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٤. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْر) بن عثمان الْبُرْسانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت٢٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٩/٦٥. ٣ - (ابْنُ جُرَيْج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم، أبو خالد، وأبو الوليد المكيّ، ثقةٌ فاضلٌ فقيهٌ، يدلّ ويُرسل [٦] (ت١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦. ٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكوسج التميميّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٦. ٥ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام تقدّم قبل باب. والباقون تقدّموا في السند الماضي، والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ نَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٢٤) - (بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَعَذَابٍ جَهَثَّمَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٣٢٢] (٥٨٤) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ(١)، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ یَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَّةِ، وَعِنْدِي امْرَأَةٌ مِنَ الْيَهُودِ، وَهِيَ تَقُولُ: هَلْ شَعَرْتِ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ؟ قَالَتْ: فَارْتَاعَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ، وَقَالَ: ((إِنَّمَا تُفْتَنُ بَهُودُ))، قَالَتْ (١) وفي نسخة: ((حدّثنا هارون بن سعيد الأيليّ)). ١١٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة عَائِشَةُ: فَلَبِثْنَا لَيَالِيَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((هَلْ شَعَرْتِ أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ؟)) قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ بَعْدُ يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابٍ الْقَبْرِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر الأَيْلِيّ، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) وله (٨٣) سنةً (م دس ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩. ٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى) التُّجيبيّ تقدّم قريباً. ٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله تقدّم قريباً أيضاً. ٤ - (يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ) الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت١٥٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣. ٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الفقيه المشهور، أبو بكر المدنيّ، رأس الطبقة [٤] (ت١٢٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٤٨. ٦ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن الْعَوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (٩٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٤. ٧ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ظّا، ماتت (٥٧) (ع) تقدّمت في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣١٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف ◌َخَذَلهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما أسلفته آنفاً . ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ونصفه الثاني بالمدنیین . ٤ - (ومنها): أن فيه روايةً تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة ظها من المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم. ١١٥ (٢٤) - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَعَذَابٍ جَهَنَّمَ - حديث رقم (١٣٢٢) شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ، أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ) ◌ِّنَا (قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَهِ، وَعِنْدِي امْرَأَةٌ مِنَ الْيَهُودِ) وفي رواية النسائيّ: ((دخلت يهودية عليها، فاستوهبتها شيئاً، فوهبت لها عائشة ... ))، وفي رواية المصنّف من طريق مسروق، عن عائشة ظنّا الآتية بعد حديث: ((قالت: دخلت عليّ عجوزان من عجوز يهود المدينة، فقالتا: إن أهل القبور يعذّبون في قبورهم ... )). ولا تنافي بين الروايتين، إذ يمكن أن إحداهما تكلّمت، وأقرّتها الأخرى على ذلك، فَنَسَبت القول إليهما مجازاً، والإفراد يُحْمَل على المتكلّمة، أفاده الحافظ تَخَذَتُهُ، وقال: لم أقف على اسم واحدة منهما . (وَهِيَ تَقُولُ: هَلْ شَعَرْتِ أَنَّكُمْ) يَحْتمل أن يكون للمسلمين، ويَحْتمل أن يكون لهم ولسائر الناس، وهذا أولى؛ لأنه يدلّ عليه الحديث الآتي بلفظ: ((أن أهل القبور يُعذّبون في قبورهم)) (تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ؟) أي تعذّبون فيها، قال أهل اللغة: الفتنة: الامتحان والاختبار، قال القاضي عياض تَّتُهُ: استعمالها في العرف لكشف الحال المكروه. انتهى. وتُطلق أيضاً على القتل، والإحراق، والنميمة، والتعذيب. وإنما نُسبت الفتنة إلى القبر؛ لكون الغالب على الموتى أن يُقْبَروا، وإلا فالعذاب يقع على من شاء الله تعالى تعذيبه بعد موته، ولو لم يُدفن، ولكن ذلك محجوب عن الخلق، لا يسمعه إلا البهائم، كما جاء في الحديث. (قَالَتْ) عائشة ◌ِّا (فَارْتَاعَ رَسُولُ اللهِ وَّ) من الارتياع: وهو الفَزَع، والمراد أنه صار ذلك الكلام عنده بمنزلة خبر، لم يَسبِق له به علمٌ، ويكون شنيعاً منكراً، ثم ردّه (وَقَالَ: ((إِنَّمَا تُفْتَنُ بَهُودُ)) أي إنما تُفتن في قبورها يهود، لا المسلمون، وهذا قاله بناءً على أنه لم يوحَ إليه قبل ذلك، ومقتضى الظاهر أنه لو كان لأُوحي إليه، فليس هذا من باب الإنكار بمجرد عدم الدليل، بل لقيام أمارةٍ مّا على العدم أيضاً، وفيه أنه يجوز إنكار ما لا يثبت إلا بدليل، إذا لم يقم عليه دليل، وظهر أمارةٌ مّا على عدمه، وإن كان حقّاً، ولا إثم بإنكاره، ١١٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة قاله السنديّ ◌َُّ في ((شرح النسائيّ)) (١). وفي هذه الرواية أنكر النبيّ وَّر على اليهودية، وفي رواية مسروق عن عائشة الآتية: ((فقال: صدقتا ... ))، وفي رواية للنسائيّ: ((نعم عذاب القبر حقّ))، أقرّها على ما قالت، وبين الروايتين اختلاف. وأجاب النوويّ تبعاً للطحاويّ وغيره، بأنهما قصتان، فأنكر النبيّ وَلـ قول اليهودية في الأولى، ثم أُعلِمَ النبيُّ وَله بذلك، ولم يُعلِم عائشةَ، فجاءت اليهودية مرّة أخرى، فذكرت لها ذلك، فأنكرت عليها مستندة إلى الإنكار الأول، فأعلمها النبيّ وَلّ بأن الوحي نزل بإثباته. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وبهذا يجاب أيضاً ما سيأتي في قصة العجوزين أنه وسلم قال: ((صدقتا ... إلخ)). وأصرح من رواية الباب في إنكار النبيّ ◌َّي على اليهودية عذاب القبر، ما أخرجه الإمام أحمد بإسناد على شرط البخاريّ، عن سعيد بن عمرو بن سعيد الأمويّ، عن عائشة، أن يهودية كانت تخدُمها، فلا تصنع عائشة إليها شيئاً، من المعروف إلا قالت لها اليهودية: وقاك الله عذاب القبر، قالت: فدخل رسول الله ﴿ عليّ، فقلت: يا رسول الله، هل للقبر عذاب، قبل يوم القيامة؟، قال: ((لا، وعَمَّ ذاك؟»، قالت: هذه اليهودية، لا نصنع إليها من المعروف شيئاً، إلا قالت: وقاك الله عذاب القبر، قال: ((كذبت يهود، وهم على الله وَك كُذُبٌ، لا عذاب دون يوم القيامة))، قالت: ثم مكث بعد ذاك، ما شاء الله أن يمكث، فخرج ذات يوم نصف النهار، مشتملاً بثوبه، مُحْمَرّةً عيناه، وهو ينادي بأعلى صوته: ((أيها الناس أظلتكم الفتن، كقطع الليل المظلم، أيها الناس لو تعلمون ما أعلم، لبكيتم كثيراً، وضحكتم قليلاً، أيها الناس، استعيذوا بالله، من عذاب القبر، فإن عذاب القبر حق)). قال الحافظ تَُّ: وفي هذا كله أنه وَّ إنما عَلِم بحكم عذاب القبر، إذ هو بالمدينة في آخر الأمر، كما سيأتي تاريخ صلاة الكسوف في موضعه. وقد استُشكل ذلك بأن الآية المتقدّمة مكيّة، وهي قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ (١) ((شرح السنديّ على النسائيّ)) ١٠٤/٤ - ١٠٥. ١١٧ (٢٤) - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَعَذَابٍ جَهَنَّمَ - حديث رقم (١٣٢٢) الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ الآية [إبراهيم: ٢٧]، وكذلك الآية الأخرى المتقدمة، وهي قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ الآية [غافر: ٤٦]. والجواب أن عذاب القبر إنما يؤخذ من الأولى بطريق المفهوم، من حقّ من لم يتّصف بالإيمان، وكذلك بالمنطوق في الأخرى في حقّ آل فرعون، وإن التحق بهم من كان في حكمهم من الكفار، فالذي أنكره النبيّ ونَ ﴿ إنما هو وقوع عذاب القبر على الموحّدين، ثم عَلِم ◌َّ أن ذلك قد يقع على من يشاء الله منهم، فجزم به، وحذّر منه، وبالغ في الاستعاذة منه، تعليماً لأمته، وإرشاداً، فانتفى التعارض - بحمد الله تعالى - انتهى (١). (قَالَتْ عَائِشَةُ) ◌َّا (فَبِثْنَا لَيَالِيَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((هَلْ شَعَرْتٍ) أي عَلِمتٍ، يقال: ((شَعَرتُ بالشيء شُعُوراً، من باب قَعَدَ وشِعْراً، وشِعْرةً بكسرهما: عَلِمْتُ))(٢). (أَنَّهُ) بفتح الهمزة؛ لوقوعها في موقع المصدر؛ لوقوعها مفعولاً به لـ(شعرت))، والهاء ضمير الشأن، وهو ما تفسّره جملة بعده (أُوحِيَ إِلَيَّ) ببناء الفعل للمفعول (أَنَّكُمْ) بفتح الهمزة أيضاً؛ لما ذكرته آنفاً، والخطاب للمسلمين (تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ؟))) أي كما تُفتَن اليهود في قبورها، قال في ((النهاية)): يريد بالفتنة مسألة منكر ونكير، وهو من الفتنة، وهي الامتحان (٣) والاختبار. انتھی وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: المراد عذاب القبر، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ الآية [البروج: ١٠]، والفتنة تتصرّف على وجوه، وأصلها الاختبار. انتھی (٤). قال الجامع عفا الله عنه: الأولى تفسير الفتنة هنا بما يعمّ سؤال الملكين، وعذاب القبر؛ لثبوت ذلك عن النبيّ گێآل . فأما تفسيره بسؤال الملكين، فقد أخرجه الشيخان من حديث أسماء بنت أبي بكر ﴿ّ، مرفوعاً: ((ولقد أُوحي إلي أنكم تفتنون في القبور مثلَ أو قريب من فتنة الدجال، لا أدري أيَّ ذلك قالت أسماء، يؤتى أحدكم، فيقال له: ما (١) ((الفتح)) ٦٠٤/٣ - ٦٠٥. (٣) ((النهاية)) ٤١٠/٣. (٢) ((المصباح المنير)) ٣١٥/٢. (٤) ((المفهم)) ٢٠٧/٢. ١١٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن أو الموقن، لا أدري أيَّ ذلك قالت أسماء، فيقول: هو محمد رسول الله، جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا وآمنا واتبعنا، فيقال له: نَمْ صالِحاً، فقد علمنا إن كنت لمؤمناً، وأما المنافق أو المرتاب، لا أدري أيَّ ذلك قالت أسماء، فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته)) . وأما تفسيره بعذاب القبر، فقد ثبت أيضاً، حيث أمر النبيّ وَله: بالتعوّذ من عذاب القبر، وأنه ◌َ لو كان يتعوّذ من عذاب القبر، كما بيّنته أحاديث الباب، وغيرها. والحاصل أن تفسير الفتنة هنا بما يعمّ سؤال الملكين، وعذاب القبر هو الصواب، والله تعالى أعلم. (قَالَتْ عَائِشَةُ) ◌ِّا (فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّ بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لقطعها عن الإضافة، ونيّة معناها، أي بعد الواقعة المذكورة، وبعد أن أُوحي إليه (يَسْتَعِيذُ) أي يطلب العصمة، والحماية (مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) أي يطلُب من الله تعالى أن يعصمه من عذاب القبر، وهذا في حقّه وَّ تعبّد لربه، وتعليم لأمته؛ لأنه معصوم من جميع أنواع العذاب، حيث إن الله رَّك غفر له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ضَّا هذا مُتَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٣٢٢/٢٤] (٥٨٤) و[٢٤ /١٣٢٤ و١٣٢٥] (٥٨٦)، و(البخاريّ) في ((الكسوف)) (١٠٥٠) و((الجنائز)) (١٣٧٢) و((الدعوات)) (٦٣٦٦)، و(النسائيّ) في ((الجنائز)) (١١٥ و١٣٠٨ و ٢٠٥٥ و٢٠٦٤ و٢٠٦٦ و٢٠٦٧ و٥٥٠٤) وفي ((الكبرى)) (١٢٣١ و٢١٩١ و٢١٩٢ و٢١٩٣ و٢١٩٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٣٧٤٧ و٢٤٠٦١ و٢٥٤٧٧ و٢٥٥٧٤ و٢٥٨٠١)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٢٠٤٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٢٩٥ ١١٩ (٢٤) - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَعَذَابٍ جَهَنَّمَ - حديث رقم (١٣٢٢) و١٢٩٦ و١٢٩٧ و ١٢٩٨)، و(البيهقيّ) في ((إثبات عذاب القبر)) (١٥٨ و١٦٠ و١٦١)، و(الآجريّ) في ((الشريعة)) (٣٥٩)، و(هناد) في ((الزهد)) (٢١١/١)، و(ابن أبي عاصم) في ((السنّة)) (٨٧٦)، و(ابن أبي داود) في ((البعث والنشور)) (٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة الاستعاذة من عذاب القبر. ٢ - (ومنها): إثبات عذاب القبر، قال القرطبيّ تَخَّتُهُ: هذا الحديث وما في معناه يدلّ على صحّة اعتقاد أهل السنّة في عذاب القبر، وأنه حقّ، ويُرُدّ على المبتدعة المخالفين في ذلك، وسيأتي تمام البحث فيه في ((كتاب الجنائز)) - إن شاء الله تعالى -. ٣ - (ومنها): بيان أن عذاب القبر ليس خاصّاً باليهود، بل يعم غيرها من الأمم. ٤ - (ومنها): جواز التحديث عن أهل الكتاب إذا وافق قول رسول الله ول﴾. ٥ - (ومنها): التوقّف عن خبر أهل الكتاب حتى يُعرف أصدقٌ هو، أم گَذِبُ؟. ٦ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَّله من شدّة الخوف من الله تعالى، فكان يستعيذ به من عذاب القبر، وعذاب النار، مع أنه وَلَّ غُفِرِ له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخّر. ٧ - (ومنها): بيان أنه ◌َ﴿ لا يعلم الغيب، إلا ما أطلعه الله تعالى بالوحي، ولذا أنكر على اليهودية عذاب القبر مع أنه حقّ؛ لأنه لم يوح إليه به في ذلك الوقت، ثم لما أُوحِي إليه به صدّقها. ٨ - (ومنها): جواز دخول اليهوديّة على المسلمات. ٩ - (ومنها): جواز استخدام الذميّة، فقد تقدّم في رواية أحمد في ((مسنده)) أن هذه اليهوديّة كانت تخدم عائشة پا. ١٠ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَظْثُهُ: ارتياع النبيّ وَّل عند إخبار اليهوديّة بعذاب القبر إنما هو على جهة استبعاد ذلك للمؤمن؛ إذ لم يكن أَوحي إليه في ١٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ذلك شيء، ولذلك حقّقه على اليهود، فقال: ((إنما تُفتن يهود)) على ما كان عنده من علم ذلك، ثم أخبر أنه أُوحي إليه بوقوع ذلك، وحينئذ تعوّذ منه، ولَمَّا استعظم الأمر، واستهوله أكثر الاستعاذة منه، وأمر به، وبإيقاعه في الصلاة؛ ليكون أنجح في الإجابة، وأسعف في الطَّلِبَة؛ إذ الصلاة من أفضل القرب، وأرجى للإجابة، وخصوصاً بعد فراغها(١)، فقد أخرج الترمذيّ عن أبي أمامة رضيُه قال: قيل: يا رسول الله، أيُّ الدعاء أسمع؟ قال: ((جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات))، قال الترمذيّ: حديث حسن، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٢٣] (٥٨٥) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، قَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ) - بتشديد الواو - ابن الأسود بن عمرو العامريّ، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ [١١] (٢٤٥) (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣٩/٣٤. ٢ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٢] (ت١٠٥) (ع) تقدم في «الإيمان)) ٢١٣/٢٦. ٣ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَُبه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وشرح الحديث واضح. وقوله: (بَعْدَ ذَلِكَ) هكذا في رواية المصنّف، والنسائيّ، والظاهر أن مرجع اسم الإشارة ما دلّت عليه أحاديث الباب، أي بعدما أُوحي إليه بعذاب القبر، والله تعالى أعلم بالصواب. (١) ((المفهم)) ٢٠٧/٢ - ٢٠٨.