Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
(١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٧٦)
فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى، ثَلَاثاً أَمْ أَرْبَعاً، فَلْيَطْرَحِ الشََّكَ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ
يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْساً، شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ
صَلَّى إِنْمَاماً لِأَرْبَعِ، كَانَتَا تَرْغِيماً لِلشَّيْطَانِ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ) السلميّ، أبو عبد الله الْقَطِيعِيّ، ثقةٌ
[١٠] (ت٢٣٧) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ٩٢/ ٥٠٢.
٢ - (مُوسَى بْنُ دَاوُدَ) الضّبّيّ، الْخُلْقَانيّ - بضم الخاء المعجمة، وسكون
اللام، بعدها قاف - أبو عبد الله الطّرَسُوسيّ، كوفيّ الأصل، سكن بغداد،
صدوقٌ فقيهٌ زاهدٌ، له أوهام، من صغار [٩].
ورَوَى عن جرير بن حازم، ومُبارك بن فَضَالة، ونافع بن عمر الْجُمَحيّ،
ويزيد بن إبراهيم التستُريّ، ومالك، والثوريّ، وشعبة، وسليمان بن بلال،
وقيس بن الربيع، ومحمد بن مسلم الطائفيّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه محمد بن أحمد بن أبي خَلَف، وعليّ ابن المدينيّ، وأحمد بن
حنبل، وحجاج بن الشاعر، ومحمد بن معمر الْبَحْرانيّ، وزيد بن أخرم الطائيّ
ومحمد بن يحيى بن عبد الكريم الأزديّ، وغيرهم.
قال ابن نُمير: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، صاحب حديث، وَلِي
قضاء طَرَسوس إلى أن مات بها، وقال ابن عمار الموصليّ: كان قاضي
الْمِصِّيصة، وكان زاهداً، صاحب حديث، ثقةً، وقال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ،
وقال أبو حاتم: شيخ في حديثه اضطراب، وقال الدارقطنيّ: كان مصنفاً مكثراً
مأموناً، وولي قضاء الثُّغُور، فحُمِد فيها، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وذَكَر
الجاحظ أنه كان فصيحاً خطيباً فاضلاً.
قال ابن سعد: مات سنة سبع عشرة ومائتين، وقال مطين: مات سنة
ست عشرة أو سبع عشرة ومائتين.
روى له مسلم حديث أبي سعيد في الشك في الصلاة فقط. قلت: أخرج
له المصنّف هذا الحديث فقط، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، واستَشْهَد به
الترمذيّ في حديثٍ في صيام التطوع.

٥٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيّوب
المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٠/١٤.
٤ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) الْعَدَويّ مولى عُمر، أبو عبد الله، أو أبو أُسامة
المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، يُرسل [٥] (ت١٣٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٠/٣٦.
٥ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ، أبو محمد المدنيّ، مولى ميمونة، ثقةٌ
فاضلٌ، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٣] (ت٩٤) (ع) تقدم في ((الإيمان))
٢١٣/٢٦.
٦ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) تقدّم قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَخْذَلُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوی شیخه، وشیخ شيخه، كما
أسلفته آنفاً .
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، من سليمان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثاً.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) ◌َله أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا شََّكَ
أَحَدُكُمْ فِي صَلَائِهِ) أي في عدد الركعات التي صلّها (فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى)
وقوله: (ثَلَاثاً أَمْ أَرْبَعاً) منصوب على التمييز رافع إبهام العدد في ((كم)) (فَلْيَطْرَحِ
الشَّكَ) وفي رواية النسائيّ: ((فليُلغ الشكّ)»، من الإلغاء، وفي نسخة منه:
((فليُلق الشكّ)) من الإلقاء، وكلها بمعنى واحد.
والمراد أنه يَطرَح المشكوك فيه، وهو الزائد، فلا يأخذ به في البناء،
يعني الركعة الرابعة (وَلْيَيْنِ) بكسر اللام، وسكونها؛ تخفيفاً (عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ)
بالبناء للفاعل، أي عَلِم يقيناً، وهو: استفعال من يَقِنَ الأمرُ يَقَناً، من باب
تَعِبَ: إذا ثبت ووضَحَ، فهو يَقِينٌ، فعيلٌ بمعنى فاعلٍ، ويُستَعمَل مُتعدّياً أيضاً
بنفسه، وبالباء، فيقال: يَقِنتُهُ، ويَقِنتُ به، وأيقنت به، وتيقّنته، واستيقنته: أي

(١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٧٦)
٥٦٣
علمته، قاله الفيّوميّ(١).
والمعنى: أنه يُتمّ صلاته على المستَيقَن، أي المعلوم يقيناً، وهو الأقلّ،
فلا يقال: إنه لا يقين مع الشكّ؛ لأن المراد باليقين هنا المتيقّن، فإذا شكّ هل
صلّى ثلاثاً، أم أربعاً؟ فالمتيقّن هو الثلاث، فليطرح الرابعة المشكوك فيها،
وليين على الثلاث المتَيَقَّن.
وهذا فيما إذا لم يترجّح له أحد الطرفين، وإلا فليَيْنِ على ما ترجّح له،
ثم ليسجد سجدتي السهو بعد السلام، عملاً بالأحاديث الآتية، وبهذا تجتمع
الأدلة من غير إلغاء لبعضها، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك قريباً - إن شاء الله
تعالى -.
(ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنٍ) يَحْتَمل أن يكون ((يسجد)) بالجزم عطفاً على ((يَيْنِ))،
ويَحْتَمل أن يكون بالرفع خبراً، وهو بمعنى الأمر، والله تعالى أعلم.
وفي النسائيّ: ((فإن استيقن بالتمام، فليسجد سجدتين، وهو قاعد))، أي
إن علم بتمام صلاته بإتيانه بالركعة المشكوك فيها، فليسجد سجدتين جالساً.
وقوله: (قَبْلَ أَنْ يُسَلَّمَ) فيه أن محل السجدتين إذا لم يترجّح له أحدُ
الطرفين يكون قبل السلام.
[فإن قيل]: هذا يعارضه حديث ابن مسعود نظره الآتي حيث إنّ فيه أن
محلهما بعد السلام.
[أجيب]: بأنه لا تعارض بينهما؛ لأن هذا فيما إذا لم يكن له ميل إلى
أحد الطرفين، وذاك محمول على ما إذا كان له تَحَرّ ومَيْلٌ إلى أحد الطرفين،
كما سيأتي تحقيق ذلك، إن شاء الله تعالى.
(فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْساً) أي أتى بركعة خامسة سهواً في صلاة رباعيّة،
وهو تعليلٌ بالأمر بالسجود، أي فإن كان ما صلّاه في الواقع أربعاً، فصار
خمساً بإضافته إليه ركعةً أخرى (شَفَعْنَ) بتخفيف الفاء، وتشديدها، قاله في
((المرعاة))(٢)، والتشديد محلّ نظر (لَهُ صَلَاتَهُ) قال القرطبيّ تَُّ: النون في
(شَفَعْن)) هي نون جماعة المؤنّث، وعادت على معنى فَعَلات السجدتين، مشيراً
(١) ((المصباح المنير)) ٦٨١/٢.
(٢) ((المرعاة)) ٤٠٠/٣.

٥٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
إلى ما فيها من الأحكام المتعدّدة. انتهى(١).
وقال الطيبيّ: الضمير في ((شفعن)) للركعات الخمس، وفي ((له)) للمصلّي،
يعني شفعت الركعات الخمس صلاةَ أحدكم بالسجدتين، يدلّ عليه قوله في
الرواية الأخرى: ((شفعها بهاتين السجدتين))، أي شفع المصلّي الركعات
الخمس إلى السجدتين.
وقال ابن حجر الهيتميّ: ((شفعن)) أي الركعة الخامسة والسجدتان، لرواية
أبي داود: ((كانت الركعة نافلةً والسجدتان))، أي وصارت صلاته شفعاً باقياً
علی حاله. انتهى.
وفي رواية النسائيّ: ((شفعتا له صلاته))، أي صيّرت السجدتان صلاته
شفعاً بعد أن كان وتراً بالخامسة، فكان كأنه صلّى ستّ ركعات.
ويَحْتَمِل أن يكون المعنى: أنه إن أتمّ صلاته، وزاد ركعة خامسةً سهواً،
فالسجدتان تجعلان تلك الركعة الزائدة شفعاً، فكأنه صلّى ركعتين نافلةً بعد
الفريضة، والمعنى الأول أظهر، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ تَّتُهُ: يعني أنه لَمّا شكّ هل صلّى ثلاثاً أو أربعاً؟ وبنى
على الثلاث، فقد طرح الرابعة، مع إمكان أن يكون فَعَلَها، فإن كان قد فَعَلها
فهي خمسٌ، وموضوع تلك الصلاة شفعٌ، فلو لم يسجد لكانت الخامسة لا
تناسب أصل المشروعيّة، فلَمّا سَجَدَ سجدتي السهو ارتفعت الوتريّة، وجاءت
الشفعيّة المناسبة للأصل، والله تعالى أعلم. انتهى(٢).
(وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِنْمَاماً) قال الطيبيّ نَظَُّهُ: إما مفعول له، أو حال من
الفاعل، أي صلّى ما شكّ فيه حال كونه متمّاً (لِأَرْبَع) فيكون قد أدّى ما عليه
من غير زيادة، ولا نقص (كَانَتَا) أي السجدتان (تَرْغَّماً لِلشَّيْطَانِ))) أي إغاظةً
وإذلالاً له، مأخوذ من الرُّغام بالضمّ، وهو التُّراب، ومنه أرغم الله أنفه.
والمعنى أن الشيطان لَبَسَ عليه صلاته، وتعرّض لإفسادها ونقصِها،
فجعل الله تعالى للمصلِّي طريقاً إلى جبر صلاته، وتدارك ما لبسه عليه، وإرغام
الشيطان، وردّه خاسئاً مُبعَداً عن مراده، وكَمُلت صلاة ابن آدم لَمّا امتثل أمر اللهَ
(١) ((المفهم)) ١٨٢/٢.
(٢) ((المفهم)) ١٨٢/٢.

٥٦٥
(١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٧٦)
تعالى الذي عَصَى به إبليسُ، من امتناعه من السجود، قاله النوويّ نَظُّهُ(١).
قال القاضي: القياس أن لا يسجد؛ إذ الأصل أنه لم يزد شيئاً، لكن
صلاته لا تخلو عن أحد خللين: إما الزيادة، وإما أداء الرابعة على تردّد،
فيسجد جبراً للخلل، والتردّدُ لَمّا كان من تسويل الشيطان وتلبيسه سُمّي جبره
ترغیماً له. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ تَخَُّ: قوله: ((كانتا ترغيماً للشيطان)) معناه: غيظاً للشيطان،
ومَذلّةً له؛ لأنه لَمّا فَعَلَ أربع ركعات أتى بما طُلِب منه، ثم لَمّا انفصل زاد
سجوداً لله تعالى لأجل ما أوقع الشيطان في قلبه من التردّد، فحصل للشيطان
نقيض مقصوده؛ إذ كان إبطالَ الصلاة، فقد صحّت، وعادت وسوسته بزيادة
خير وأجر. انتهى(٣).
ولأبي داود: ((وكانت السجدتان مُرْغِمتي الشيطان))، أي مُغيظتين،
ومُذلّتين له، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): فحديث أبي سعيد الخدريّ ظُه هذا من أفراد
المصنّف تَخَذْتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٢٧٦/١٩ و١٢٧٧] (٥٧١)، و(أبو داود) في
(الصلاة)) (١٠٢٦ و١٠٢٧)، و(النسائيّ) في ((السهو)) (١٢٣٨ و١٢٣٩) وفي
((الكبرى)) (١١٦١ و١١٦٢)، و(ابن ماجه) في ((إقامة الصلاة)) (١٢١٠)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٧٢/٣ و٨٣ و٨٤ و٨٧)، (والدارميّ) في ((سننه))
(١٥٠٣)، (وابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٠٢٣ و١٠٢٤)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (٢٦٦٣ و٢٦٦٩)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٢٤١)،
(١) ((شرح النوويّ)) ٦٠/٥ - ٦١.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣/ ١٠٨٠.
(٣) ((المفهم)) ١٨٢/٢.

٥٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٤٣٣/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(١٩٠٤ و١٩٠٥ و١٩٠٦ و١٩٠٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٢٥٣
و١٢٥٤)، و(الدار قطنيّ) في ((سننه)) (٣٧٥/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢/
٣٣١)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٧٥٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الأمر بإتمام المصلِّي صلاته إذا وقع له الشكّ على
المستَيْقَن المعلوم، وهو الأقلّ.
٢ - (ومنها): مشروعية سجدتي السهو لمن وقع له الشك في صلاته.
٣ - (ومنها): بيان أن السجدتين تجعلان الصلاة شفعاً لمن زاد، فصلّى
خمساً، ومُرْغِمتان للشيطان لمن صلّى أربعاً، ولم يزد.
٤ - (ومنها): أن الشيطان يَذِلّ بسبب هاتين السجدتين حيث وُفّق لهما
ابن آدم، ولم يُوفَّق هو، بل أبى أن يمتثل أمر ربه، واستكبر، وكان من
الكافرين.
٥ - (ومنها): ما قاله الخطابيّ تَظُّهُ: في هذا الحديث بيان فساد قول من
ذهب إلى أن من صلّى خمساً يُضيف إليها سادسةً، إن كان قد قعد في الرابعة،
واعتلّوا بأن النافلة لا تكون ركعةً، وقد نصّ على أن تلك الركعة تكون نافلة،
ثم لم يأمره بإضافة أخرى إليها. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القائلون بهذا هم الحنفيّة، وقد أجاد
الخطابيّ كَّتُهُ في ردّه؛ لأنه رَأْيٌ محضٌ في مقابلة النصّ، فيكون فاسد
الاعتبار، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال: [من الوافر]
إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِ يَوْماً
تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ
غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ
لكن الخطابيّ تَخُّْ وقد نصّ على أن تلك الركعة تكون نافلة، فيه نظرّ لا
يخفى، فإن الحديث نصّ على أن السجدتين تشفعان صلاته، فيكون في حكم
من صلّى شفعاً، فليست الركعة وحدها نافلة، بل مع السجدتين، خلاف ما
يفيده قول الخطابيّ، فتبصّر.
٦ - (ومنها): أن هذا الحديث فيه تفصيل ما أُجمل في حديث أبي

٥٦٧
(١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٧٦)
هريرة ربه المتقدِّم، فيكون عليه التعويل، ويجب إرجاع الإجمال إليه، وقد
سبق بيان ذلك.
٧ - (ومنها): أن فيه الردّ على من فصّل في الشكّ من كونه أول ما
سَهَى، أو ثانياً؛ لأن الحديث مطلقٌ، وهو أرفق بالناس، والنبيّ وَ لّ أُرسل
رحمة، ورأفةً لهم.
٨ - (ومنها): أنه احتجّ به الجمهور مالك، والشافعيّ، ومن تبعهما فيما
ذهبوا إليه، من وجوب طرح الشكّ، والبناء على المتيَقَّن، أي الأقلّ، وعدم
إجزاء التحرّي، لكن سيأتي تعقّبه قريباً - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في بيان اختلاف الرواة في حديث أبي سعيد
هذا بالوصل والإرسال، وترجيح وصله؛ لكثرة من رواه كذلك:
قال الحافظ ابن رجب في ((شرح البخاري)) ما حاصله: حديث أبي
سعيد رضيُّه أخرجه مسلم من طريق سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن
عطاء بن يسار، عنه، وأخرجه أيضاً من رواية داود بن قيس، عن زيد بن
أسلم به.
وأخرجه الدّارقطنيّ من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون،
وهشام بن سعد، وفُليح بن سليمان، وغيرهم، عن زيد بن أسلم كذلك.
وكذلك رَوَيناه من حديث عبد الله بن صالح، عن الليث، عن ابن
عجلان، عن زيد بن أسلم بهذا الإسناد، والمعروف من رواية ابن عجلان أنه
لم يذكر في حديثه: ((قبل السلام)).
وكذا رواه أبو غسّان، وغيره عن زيد بن أسلم.
ورواه مالك في ((الموطأ))، والثوريّ، ويعقوب، عن زيد بن أسلم، عن
عطاء مرسلاً.
ووصله الوليد بن مسلم وغيره عن مالك، وليس بمعروف عنه وصله.
ووصله بعضهم عن الثوريّ أيضاً. ولعل البخاريّ ترك تخريجه لإرسال
مالك والثوريّ له.
وحكم جماعة بصحة وصله، منهم الإمام أحمد، والدارقطنيّ، وقال

٥٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
أحمد: أذهب إليه، قيل له: يختلفون في إسناده؟ قال: إنما قَصّر به مالك،
وقد أسنده عدّة، فذكر منهم ابن عجلان، وعبد العزيز بن أبي سلمة.
ورواه الدراورديّ، وعبد الله بن جعفر، وغيرهما، عن زيد بن أسلم، عن
عطاء بن يسار، عن ابن عباس ﴿ها، عن النبيّ وَّر، ذكره الدارقطنيّ، وقال:
القول قول من قال: ((عطاء، عن أبي سعيد)).
وله شاهد عن أبي سعيد من وجه آخر من رواية عكرمة بن عمّار، عن
يحيى بن أبي كثير: حدّثني هلال بن عياض، حدثني أبو سعيد الخدريّ ◌ُبه،
قال: قال رسول الله وَله: ((إذا صلّى أحدكم، فلا يدري زاد أو نقص؟ فليسجد
سجدتين، وهو جالس))، أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه،
والترمذي، وقال: حديث حسن.
وأخرجه النسائيّ، وزاد في رواية له: ((ثم يسلم))، وشيخ يحيى بن أبي
کثیر مختلف في اسمه وحاله.
ورَوَى ابن إسحاق، عن مكحول، عن كُريب، عن ابن عباس، عن
عبد الرحمن بن عوف نظريته، عن النبيّ وَل﴿، قال: ((إذا سها أحدكم في صلاته،
فلم يَدْرِ واحدةً صلّى، أو اثنتين؟ فليبن على واحدة، فإن لم يدر ثنتين صلّى،
أو ثلاثاً؟ فليين على ثنتين، فإن لم يدر ثلاثاً صلّى أو أربعاً؟ فليين على ثلاث،
وليسجد سجدتين قبل أن يسلِّم))، أخرجه أحمد، وابن ماجه، والترمذيّ،
وقال: حسن صحيحٌ، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم.
وله علّة ذكرها ابن المدينيّ قال: وكان عندي حسناً حتى وقفت على
علته، وذلك أن ابن إسحاق سمعه من مكحول مرسلاً، وسمع إسناده من
حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن مكحول، قال: يُضَعَّف الحديث
من ههنا - يعني من جهة حسين الذي يرجع الإسناد إليه -.
وأخرجه أحمد عن ابن عُليّة، عن ابن إسحاق كما ذكره ابن المدينيّ،
وكذلك رواه عبد الله بن نمير، وعبد الرحمن المحاربيّ، عن ابن إسحاق، عن
مكحول مرسلاً، وعن حسين، عن مكحول متصلاً.
ورواه حماد بن سلمة وغيره، عن ابن إسحاق، عن مكحول، مرسلاً،
ذكره الدار قطني .

٥٦٩
(١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٧٦)
وأخرجه أحمد أيضاً من رواية إسماعيل بن مسلم، عن الزهري، عن
عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف رَظ ◌ُله، عن
النبيّ ێ.
وإسماعيل هو المكيّ ضعيف جدّاً، وقد قيل: إنه توبع عليه، ولا يصحّ،
وإنما مرجعه إلى إسماعيل، ذكره الدارقطنيّ.
ورَوَى أيوب بن سليمان بن بلال، عن أبي بكر بن أبي أويس، عن
سليمان بن بلال، عن عُمر بن محمد بن زيد، عن سالم، عن أبيه، عن
النبيّ ◌َّز، قال: ((إذا لم يدر أحدكم كم صلّى، ثلاثاً أو أربعاً؟ فليركع ركعتين،
يحسن ركوعهما وسجودهما، ثم ليسجد سجدتين))، أخرجه الحاكم، وقال:
صحيح على شرطهما .
والبخاريّ يخرج من هذه النسخة كثيراً، لكن هذا رواه مالك في ((الموطأ)»
عن عمر بن محمد، عن سالم، عن أبيه موقوفاً، قال الدارقطنيّ: رفعه غير
ثابت، وقال ابن عبد البرّ: لا يصحّ رفعه.
ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أنه
قال: إذا شكّ أحدكم في صلاته، فلم يدر ثلاثاً صلّى أم أربعاً، فليين على أتمّ
ذلك في نفسه، وليس عليه سجود، قال: فكان الزهريّ يقول: يسجد سجدتي
السهو، وهو جالس. انتهى ما قاله الحافظ ابن رجب تَّتُهُ ببعض تصرف(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق أن حديث أبي سعيد
الخدريّ ◌َّهِ المذكور في الباب صحيحٌ، كما رأي المصنّف، حيث أخرجه في
(صحيحه))، ولا يؤثر في صحته رواية من أرسله، كما قال الإمام أحمد،
والدارقطنيّ؛ لكثرة من وصله، وأرجحيّتهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في مسألة الشكّ في الصلاة:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر تَّتُهُ: اختلفوا في المصلِّي يشكّ في
صلاته، فقالت طائفة: يبني على اليقين، ويسجد سجدتي السهو، هذا قول
(١) راجع: ((فتح الباري)) لابن رجب ٩/ ٤٦١ - ٤٦٧.

٥٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
عبد الله بن مسعود، وبه قال سالم بن عبد الله، وربيعة بن أبي عبد الرحمن،
ومالك بن أنس، وعبد العزيز بن أبي سلمة، والأوزاعيّ، وسفيان الثوريّ،
والشافعيّ، وإسحاق، وأبو ثور.
وقالت طائفة: إذا لم يدر كم صلّى؟، أعاد حتى يَحْفَظ، رُوي هذا القول
عن ابن عمر، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو، وشُريح، والشعبيّ، وعطاء،
وسعيد بن جُبير، وميمون، وبه قال الأوزاعيّ في رجل سها في صلاته، فلم
يدر كم صلّى؟.
وقالت طائفة: يُعيد المكتوبة، ويسجد سجدتي السهو للتطوّع، رُوي هذا
القول عن سعيد بن جُبير، خلاف الرواية التي وافق فيها شُريحاً، والشعبي.
وقالت طائفة رابعة بظاهر الحديث الذي رواه أبو هريرة نظوبه قال: قال
رسول الله قال: ((يأتي الشيطان أحدكم، فيلبس عليه صلاته، فلا يدري أزاد،
أو نقص، فإذا وجد أحدكم ذلك، فليسجد سجدتين، وهو جالس)) مُتَّفَقُ عليه.
وممن قال بهذا القول أبو هريرة رَظ ◌ُبه، فإنه قال: إذا خطر الشيطان بين
قلب أحدكم، وبين صلاته، فلم يدر كم صلّى؟ يسجد سجدتي الوهم، وقال
أنس بن مالك، والحسن البصريّ: إذا شكّ في ثلاث، أو أربع، فإنه يسجد
سجدتي السهو.
وفيه قول خامس: قال عطاء بن أبي رباح، عن ابن عبّاس ظًَّا، قال: إن
نسيت المكتوبة، فعُدْ لصلاتك، قال عطاء: لم أسمع منه في ذلك غير ذلك،
ولكن بلغني عنه، وعن ابن عمر أنهما قالا: فإن نسيت الثانية فلا تعد لها،
وصلّ على أحرز ذلك في نفسك، ثم اسجد سجدتين بعدما تسلّم، وأنت
جالس.
وفيه قول سادس: رَوَينا عن سعيد بن جبير، وعطاء، وميمون بن مهران
أنهم كانوا إذا شكّوا في الصلاة أعادوها ثلاث مرات، فإذا كانت الرابعة لم
يُعيدوا .
وفيه قول سابع: في الإمام لا يدري كم صلّى، قال: ينظر ما يصنع مَنْ
وراءه، هذا قول النخعيّ، وقال عطاء: يوشك أن يُعَلِّمَهُ مَنْ وراءه.
وفيه قول ثامن: قاله مكحول فيمن شكّ، فلم يدر ثلاثاً صلّى أم أربعاً؟

٥٧١
(١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٧٦)
قال: فليركع ركعة حتى تكون صلاته إلى الزيادة أقرب منها إلى النقصان، ولا
یسجد للسھو، فإنه ليس بسهو.
قال ابن المنذر تَّتُهُ: في حديث أبي هريرة ظُبه - يعني الآتي في هذا
الباب -، وأبي سعيد - يعني المذكور هنا - إثبات سجود السهو على الشاّ في
صلاته، وفي حديث ابن عباس (١)، وأبي سعيد أَمْرُ النبيّ وَّرِ الشّاكَ أن يبني
على اليقين، ثم يسجد للسهو، فقبول الزيادة التي زادها أبو سعيد وابن
عباس رضيه؛ لأنهما حفظا ما لم يحفظه أبو هريرة نظبه، فوجب قبولُ ما حُفظ
من الزيادة مما لم يحفظه أبو هريرة، كما يجب قبول خبر لو تفرّد به كلّ واحد
منهما عن رسول الله وَله .
فإذا شكّ المصلي في صلاته، ولم يكن له تحرِّ، ولم يمل قلبه إلى أحد
العددين، فإنه يَنظر إلى ما استيقن أنه صلّى، فيحتسب به، ويُلْقِي الشكّ، ويَبْنِي
على اليقين، ويسجد سجدتي السهو قبل التسليم على ما في حديث ابن
عباس ◌ّ، فإن مال قلبه إلى أحد العددين، فقد اختلف في ذلك. انتهى كلام
ابن المنذر نَّتُهُ .
وقال عند الكلام على حديث ابن مسعود الآتي بعد هذا ما ملخّصه:
وقد اختلفوا في تأويله - يعني حديثَ ابن مسعود ظُه - فقالت طائفة من
أصحاب الحديث: خبر ابن مسعود هذا، وخبر ابن عباس، وأبي سعيد
الخدري ثابتة كلها يجب القول بها في مواضعها، فإذا شكّ المصلِّي في
صلاته، وله تحرِّ، والتحرّي أن يميل قلبه إلى أحد العددين، وجب عليه
(١) حديث ابن عبّاس ﴿ّ أخرجه ابن المنذر في ((الأوسط))، فقال: حدّثنا محمد بن
إسماعيل، قال: حدّثنا ابن قعنب، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد، عن زيد بن
أسلم عن عطاء بن يسار، عن ابن عبّاس: أن رسول الله وَ لّ قال: ((إذا شك
أحدكم في صلاته، فلم يدر ثلاثاً صلّى أو أربعاً، فليقُم، فليصل ركعةً، ثم ليسجد
سجدتين، وهو جالس قبل السلام، فإن كانت الركعة التي صلى خامسة شفعها
بهاتين، وإن كانت رابعة فالسجدتان ترغيم للشيطان)). انتهى.
والحديث أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٩٥/١ مرسلاً، وأبو داود في ((سننه)) من
طريقه رقم (١٠٢٦).

٥٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
استعمال حديث عبد الله بن مسعود، ويبني على العدد الذي مال إليه قلبه،
ويسجد سجدتي السهو بعد السلام، على ما في حديث عبد الله بن مسعود،
وإذا لم يكن له تحرِّ، ولا يميل قلبه إلى أحد العددين بَنَى على اليقين، على ما
في حديث ابن عبّاس وأبي سعيد ظًّا، ويسجد سجدتي السهو قبل السلام.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا القول هو الراجح عندي، كما سيأتي
الكلام عليه، إن شاء الله تعالى.
وقال أصحاب الرأي: إذا صلّى، فسها في صلاته، فلم يدر أثلاثاً صلّى
أم أربعاً؟ وذلك أول ما سها، فعليه أن يستقبل الصلاة، فإن لقي ذلك غير مرّة
تحرّى الصواب، فإن كان أكبر رأيه أنه قد أتمّ مضى على صلاته، وإن كان
أكبر رأيه أنه صلَّى ثلاثاً أتمّ الرابعة، ثم يتشهّد، ويسلّم، ويسجد سجدتي
السهو.
وكان أحمد بن حنبل يقول: الشكّ على وجهين: اليقين، والتحرّي، فمن
رجع إلى اليقين ألغى الشكّ، وسجد سجدتي السهو قبل السلام على حديث
عبد الرحمن بن عوف (١)، وأبي سعيد ظها، وإذا رجع إلى التحري، وهو أكبر
الوهم سجد سجدتي السهو بعد التسليم على حديث ابن مسعود
وقالت طائفة: معنى التحرّي الرجوع إلى اليقين، لأنه أُمِرَ أن يتحرّى
الصواب، والصواب هو الرجوع إلى اليقين، وأنما أُمرَ أن يرجع من الشك إلى
اليقين، ولم يؤمر أن يرجع من شك إلى شك.
ومن حجة من قال بهذا أن يقول: لَمّا كان عليَّ إذا شككت أصليتُ
(١) حديث عبد الرحمن بن عوف رُبه أخرجه أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، ولفظ
الترمذيّ (٣٦٤): عن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت النبيّ وَّ يقول: ((إذا
سها أحدكم في صلاته، فلم يدر واحدةً صلى أو ثنتين، فَلْيَيْنِ على واحدة، فإن لم
يدر ثنتين صلى أو ثلاثاً، فليبن على ثنتين، فإن لم يدر ثلاثاً صلى أو أربعاً، فليين
على ثلاث، وليسجد سجدتين قبل أن يسلم))، وصحَّحه الترمذيّ، وتبعه الشيخ
الألبانيّ في ((صحيح الترمذيّ))، لكن الظاهر أنه معلولٌ كما تقدّم بيانه في كلام
الإمام عليّ ابن المدينيّ كَّفُهُ، فراجع المسألة الرابعة، وبالله تعالى التوفيق.

٥٧٣
(١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٧٦)
الظهر أم لا؟ أن أصليها بتمامها حتى أكون على يقين من أدائها، فكذلك إذا
شككت في ركعة منها عليّ أن آتي بها حتى أكون على يقين من أدائها .
ومن قال بخبر أبي سعيد، وابن عباس ﴿مّ في موضعهما، وبخبر ابن
مسعود ظُه في موضعه قال: علينا إذا ثبتت الأخبار أن نُمْضيها كلَّها،
ونستعمل كلَّ خبر في موضعه، وإذا ثبت الخبر ارتفع النظر، ومعنى خبر ابن
مسعود غيرُ خبر أبي سعيد، وإذا كان كذلك لم يجز أن يُترك أحدهما، لأن
الآخر أشبه بالنظر. انتهى كلام ابن المنذر تَخْلُهُ بتصرف.
وقال الإمام ابن حبّان تَخْتُهُ: قد يتوهّم من لم يُحكم صناعة الأخبار، ولا
تفقّه من صحيح الآثار أن التحرّي في الصلاة، والبناء على اليقين واحدٌ، وليس
كذلك؛ لأن التحرّي هو أن يشُكّ المرء في صلاته، فلا يدري ما صلّى، فإذا
كان كذلك عليه أن يتحرّى الصواب، ولْيَبْنٍ على الأغلب عنده، ويسجد
سجدتي السهو بعد السلام على خبر ابن مسعود
رضي عنْه.
والبناء على اليقين هو أن يشكّ المرء في الثنتين والثلاث، أو الثلاث
والأربع، فإذا كان كذلك عليه أن يبني على اليقين، وهو الأقلّ، وليُتمّ صلاته،
ثم يسجد سجدتي السهو قبل السلام على خبر عبد الرحمن بن عوف، وأبي
سعيد الخدريّ ◌ًَّا، سُنتان غير متضادَّين. انتهى كلام ابن حبّان تَخْتُ(١).
وقال العلامة الشوكانيّ تَكْتُهُ بعد ذكر نحو ما تقدم من الأقوال وأدلتها ما
نصّه :
والذي يلوح لي أنه لا معارضة بين أحاديث البناء على الأقلّ، والبناء
على اليقين، وتحرّي الصواب، وذلك لأن التحرِّي في اللغة هو طلب ما هو
أحرى إلى الصواب، وقد أَمَرَ بِهِ وَلَّ، وأَمَرَ بالبناء على اليقين، والبناء على
الأقلّ عند عروض الشكّ، فإن أمكن الخروج بالتحرّي عن دائرة الشكّ لغةً،
ولا يكون إلا بالاستيقان بأنه قد فعل من الصلاة كذا ركعات، فلا شكّ أنه
مقدّم على البناء على الأقلّ؛ لأن الشارع قد شرط في جواز البناء على الأقلّ
عدمَ الدراية، كما في حديث عبد الرحمن بن عوف نظُبه، وهذا المتحرّي قد
(١) ((الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان)) ٣٨٧/٦ - ٣٨٨.

٥٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
حصلت له الدراية، وأمر الشاّ بالبناء على ما استيقن، كما في حديث أبي
سعيد رَُّه، ومن بلغ به تحرّيه إلى اليقين قد بَنَى على ما استيقن.
وبهذا تعلم أنه لا معارضة بين الأحاديث المذكورة، وأن التحرّي
المذكور مقدّم على البناء على الأقلّ، وقد أوقع الناس ظنُّ التعارض بين هذه
الأحاديث في مضايق، ليس عليها أثارة من علم، كالفرق بين المبتدأ والمُبتلَى،
والركن والركعة. انتهى كلام الشوكانيّ دَّتُهُ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الشوكانيّ كَّتُهُ تحقيقٌ
حسن جدّاً.
وخلاصته: أن من شكّ في صلاته لا يخلو إما أن يكون له تحرِّ وميل
إلى أحد العددين، فيبني على العدد الذي مال إليه قلبه، ويسجد سجدتي السهو
بعد السلام، على ما في حديث عبد الله بن مسعود الآتي، وإما أن لا يكون له
ميل إلى أحد العددين، فيبني على اليقين، وهو الأقلّ، ويسجد سجدتي السهو
قبل السلام، على حديث أبي سعيد هذا، وابن عباس ◌ًا.
والحاصل أن المذهب الراجح هو الذي فصّل الشكّ على التفصيل
المذكور، فإنه يَجمَعُ بين أحاديث الباب من غير تعرّض لإهمال بعضها، وما
عداه من الأقوال إما أن يلزم منه حمل بعض الأخبار على بعضها بتكلُّف
وتعسُّف، وإما أن يكون رأياً محضاً لا مُستَنَدَ له، ولا أثارة عليه من العلم،
فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٢٧٧] ( .. ) - (حَدَّثَنِي(١) أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي
عَمِّي، عَبْدُ اللهِ(٢)، حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).
(٢) وفي نسخة: ((عمي عبد الله بن وهب)).

٥٧٥
(١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٧٧)
مَعْنَاهُ، قَالَ: ((يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ(١) قَبْلَ السَّلَام))، كَمَا قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ) بن مسلم القرشيّ مولاهم
المصريّ، لقبه بَحْشَل - بفتح الموخَّدة، وسكون الحاء المهملة، بعدها شين
معجمة - أبو عبيد الله ابن أخي عبد الله بن وهب، صدوقٌ تغيّر بآخره [١١].
أكثر عن عمّه، ورَوَى عن الشافعيّ، وإسحاق بن الفُرَات، وبشر بن بكر،
وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم، وابن خزيمة، وأبو حاتم، وأبو بكر بن أبي داود،
وابن جرير، والساجيّ، والباغنديّ، وغيرهم.
قال ابن أبي حاتم: سألت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عنه؟ فقال:
ثقةٌ، ما رأينا إلا خيراً، قلت: سمع من عمّه؟ قال: إي والله، وقال أيضاً:
سمعت أبي يقول: سمعت عبد الملك بن شعيب بن الليث يقول: أبو عبيد الله
ابن أخي ابن وهب ثقةٌ، وقال ابن أبي حاتم، عن أبي زرعة: أدركناه، ولم
نكتب عنه، قال: وسمعت أبا زرعة، وأتاه بعض رفقائي، فحَكَى عن أبي
عبيد الله ابن أخي ابن وهب، أنه رجع عن تلك الأحاديث، فقال أبو زرعة: إن
رجوعه مما يُحَسِّن حاله، ولا يبلغ به المنزلة التي كان من قبلُ، قال: وسمعت
أبي يقول: كتبنا عنه، وأمره مستقيم، ثم خَلَط بعدُ، ثم جاء في خبره أنه رَجَع
عن التخليط، وسئل أبي عنه بعد ذلك؟ فقال: كان صدوقاً، وقال ابن الأخرم:
سمعت ابن خزيمة، وقيل له: لِمَ رويتَ عن ابن أخي ابن وهب، وتركت
سفيان بن وَكِيع؟ فقال: لأن أحمد لَمّا أنكروا عليه تلك الأحاديث رجع عنها
إلى آخرها، إلا حديث مالك، عن الزهريّ، عن أنس: ((إذا حضر
العشاء ... ))، فإنه ذكر أنه وجده في دُرْجِ من كتب عمّه في قرطاس، وأما
سفيان بن وكيع، فإنّ وَرَّاقه أدخل عليه أحاديث، فرواها، فكلمناه، فلم يرجع
عنها، فاستخرت الله وتركته، وقال ابن عديّ: رأيت شيوخ مصر مُجمعين على
(١) وفي نسخة: ((قال: سجد سجدتين)).

٥٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
ضعفه، ومن كتب عنه من الغرباء لا يمتنعون من الرواية عنه، وسألت عبدان
عنه؟ فقال: كان مستقيم الأمر في أيامنا، ومن لم يَلْقَ حرملة اعتَمَدَ عليه في
نسخ حديث ابن وهب، وقال ابن عديّ: ومن ضعفه أنكر عليه أحاديث، وكثرة
روايته عن عمّه، وكل ما أنكروه عليه مُحْتَمِلٌ، وإن لم يروه غيره عن عمّه،
ولعله خَصَّه به.
وذكر أبو علي الجيّاني أن البخاريّ رَوَى في ((الجامع)) عن أحمد غير
منسوب، عن ابن وهب، وأنه أبو عبيد الله هذا، وقد وَهَّمَ الحاكم أبو عبد الله
هذا القول.
وقال ابن الأخرم: نحن لا نشك في اختلاطه بعد الخمسين، وإنما ابتُلِي
بعد خروج مسلم من مصر، وقال الدارقطنيّ: تكلموا فيه.
وأنكرت على أحمد أحاديث(١)، وقد صحّ رجوعه عن هذه الأحاديث
التي أُنكرت عليه، ولأجل ذلك اعتمده ابن خزيمة من المتقدمين، وابن القطان
من المتأخرين .
وقال أبو سعيد بن يونس: تُوُقِّي في شهر ربيع الآخر سنة (٢٦٤)، ولا
تقوم بحديثه حجةٌ، وقال هارون بن سعيد الأيليّ: هو الذي كان يَستملي لنا
عند عمّه، وهو الذي كان يقرأ لنا.
تفردّ به المصنّف، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث فقط، برقم (٥٧١)
و (٧٩٢) و(٨١٣) و(١٠٦٤) و(١٧٠٩) و(١٨٢٩) و(١٩٢٤) و(١٩٧٧)
و (٢٣٩٢).
٢ - (عَمُّهُ، عَبْدُ اللهِ) بن وهب، ذُكر في الباب.
٣ - (دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍٍ) الفرّاء الدبّاغ، أبو سليمان القرشيّ مولاهم المدنيّ،
ثقةٌ فاضلٌ [٥] مات في خلافة أبي جعفر (خت م ٤) تقدم في ((الصلاة)) ٤٢/
١٠٨٤.
و((زيد بن أسلم)) تقدّم في السند الماضي.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد زيد بن أسلم المتقدّم، وهو: عن
(١) ذكر تلك الأحاديث في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمته ٣٤/١.

٥٧٧
(١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٧٨)
عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدريّ ◌َظُه. وقوله: (وَفِي مَعْنَاهُ) يعني أن
معنى حديث داود بن قيس، عن زيد بن أسلم بمعنى حديث سليمان بن بلال،
عنه، لا بلفظه.
[تنبيه]: رواية داود بن قيس، عن زيد بن أسلم هذه لم أجد من ساقها
بتمامها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٧٨] (٥٧٢) - (وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ، وَأَبُو بَكْرِ ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ(١)،
وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعاً عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ،
عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ:
زَادَ، أَوْ نَقَصَ، فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَحَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ؟ قَالَ:
(وَمَا ذَاكَ؟))، قَالُوا: صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَثَنَى رِجْلَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَسَجَدَ
سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: ((إِنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ،
أَنْبَأْتُكُمْ بِهِ، وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌّ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ، فَذَكِّرُونِي، وَإِذَا
شََكَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَائِهِ، فَلْيَتَحَزَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ))(٢)).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان
الْعَبْسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ شهيرٌ [١٠] (ت٢٣٩) (خ م د س ق)
تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٦/٣٥.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) أخو عثمان، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٤ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل
الريّ وقاضيها، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٨] (ت١٨٨) (ع) عن (٧١) سنةً تقدم في
((المقدمة)) ٥٠/٦.
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة)).
(٢) وفي نسخة: ((ثم يسجد سجدتين)).

٥٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
٥ - (مَنْصُور) بن المعتمر السّلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتُ حافظٌ
[٦] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٦.
٦ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ،
ثقةٌ فقيهٌ، يرسل كثيراً [٥] (ت٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٢.
٧ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس النخعيّ، أبو شِبْل الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٢]
(ت بعد ٦٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٢/٦.
٨ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود بن غافل بن حبيب الْهُذليّ، أبو عبد الرحمن
الصحابيّ الشهير، مات رَظُه (٣٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ
قرن بينهم، وفيه التحديث، والعنعنة، والقول.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول والثاني
ما أخرج لهما الترمذيّ، والثالث ما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، فكلّهم كوفيّون إلا إسحاق،
فمروزيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، على قول
من جعل منصوراً منهم، وإلا فتابعيّان.
٥ - (ومنها): أن هذا الإسناد من أصحّ الأسانيد، كما قال في
((الفتح)) (١)، وإليه أشار السيوطيّ كَثْتُهُ في ((ألفيّة الحديث)) حيث قال:
كَذَا ابْنُ مِهْرَانَ عَنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودِ الْحَسَنْ
٦ - (ومنها): أن صحابيّه ◌ُبه من مشاهير الصحابة ﴿ه، من السابقين
صَلىالله
الأولين، ومن فقهائهم، وقرّائهم، قد أثنى على قراءته النبيّ
وستّلة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيس النخعيّ ◌َخْتُهُ، أنه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن
(١) ((الفتح)) ٦٠٠/١.

(١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٧٨)
٥٧٩
(صَلَّى رَسُولُ اللهِ وَ﴿) وفي رواية الحكم، عن إبراهيم الآتية:
مسعود
((صلّى الظهر خمساً))، أي خمس ركعات (قَالَ إِبْرَاهِيمُ) النخعيّ الراوي عن
علقمة (زَادَ، أَوْ نَقَصَ) وفي رواية البخاريّ: ((لا أدري، زاد أو نقص؟)) أي
النبيّ وَّرَ، والمراد أن إبراهيم شكّ في سبب سجود السهو المذكور، هل كان
لأجل الزيادة، أو النقصان؟ لكن سيأتي في الباب من رواية الحكم، عن
إبراهيم بإسناده هذا أنه صَلّى خَمْساً، وهو يقتضي الجزم بالزيادة، فلعله شكّ
لَمّا حدّث منصوراً، وتيقن لما حدَّث الحكم، وقد تابع الحكم على ذلك
حماد بن أبي سليمان، وطلحة بن مُصَرِّف، وغيرهما، وعَيَّنَ في رواية الحكم
أيضاً، وحماد أنها الظهر، ووقع للطبراني من رواية طلحة بن مُصرِّف، عن
إبراهيم أنها العصر، وما في ((الصحيح)) أصح، قاله في ((الفتح)(١).
(فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ) أي لرسول الله وَِّ (يَا رَسُولَ اللهِ، أَحَدَثَ) بفتحات،
والهمزة للاستفهام الاستخباريّ (فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ؟) مرادهم السؤال عن حُدُوث
شيء من الوحي، يوجب تغيير حكم الصلاة عما عَهِدُوه، ودَلَّ استفهامهم عن
ذلك على جواز النسخ عندهم، وأنهم كانوا يتوقعونه.
وفي رواية الحكم الآتية: ((فلَمّا سَلَّمَ قيل له: أزيد في الصلاة؟))، وفي
رواية إبراهيم بن سُويد النخعيّ، عن ابن مسعود رضيُه: ((فلما انفتل توشوش
القوم بينهم، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: يا رسول الله هل زيد في الصلاة؟
قال: لا)).
فتبيّن أن سؤالهم كان بعد استفساره لهم عن مساررتهم، وهو دالّ على
عظيم أدبهم معه وَّةِ، وقولهم: ((هل زيد في الصلاة)) يفسّر قولهم هنا: ((أحدث
في الصلاة شيء؟))(٢).
(قَالَ) بَرِ ((وَمَا ذَاكَ؟))) أي ما سبب هذا السؤال؟، وفيه إشعار بأنه لم
يكن عنده شعور مما وقع منه من الزيادة، وفيه دليلٌ على جواز وقوع السهو من
الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - في الأفعال، قال ابن دقيق العيد كَخَّتُهُ: وهو
قول عامّة العلماء والتُّظَّار، وشَذَّت طائفةٌ، فقالوا: لا يجوز على النبي السهو،
(١) ((الفتح)) ٦٠٠/١ - ٦٠١.
(٢) ((الفتح)) ١١٤/٣ - ١١٥.

٥٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وهذا الحديث يَرُدّ عليهم؛ لقوله وَّر فيه: ((أَنْسَى كما تَنْسَوْن))، ولقوله: ((فإذا
نَسِيتُ فذَكِّروني))، أي بالتسبيح ونحوه، قاله في ((الفتح)).
(قَالُوا: صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا) وفي رواية الحكم الآتية: ((قالوا: صلّيت
خمساً)) (قَالَ) عبد الله ◌َظُهُ (فَثَنَى رِجْلَيْهِ) يقال: ثَنَى الشيءَ يَثْنيه، من باب
رمَى: رَدّ بعضه على بعض، فَتَثَنَّى، وانثنَى، واثْنَونَى: انعطف (١)، أي عَطَف ◌َّ
رجليه؛ تأهّباً للسجود (وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنٍ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا
بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: ((إِنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ، أَنْبَأَتْكُمْ بِهِ) أي أخبرتكم بذلك
الشيء، وفيه دليلٌ على عدم تأخير البيان عن وقت الحاجة.
(وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ) وفي الرواية الآتية: ((قال: إنما أنا بشرٌ مثلكم))، أي
أنا بشر في الأمور البشريّة مثل سائر البشر، إلا أنه يوحى إليّ، كما قال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَأْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ﴾ [الكهف: ١١٠] الآية.
قال الشوكانيّ كَّلُهُ: هذا حصرٌ له في البشريّة باعتبار من أنكر ثبوت
ذلك، ونازع فيه عناداً وجُحوداً، وأما باعتبار غير ذلك مما هو فيه، ينحصر في
وصف البشريّة؛ إذ له صفات أُخَرُ، ككونه جسماً حيّاً متحرّكاً، نبيّاً رسولاً،
بشيراً نذيراً، وسراجاً منيراً، وغير ذلك. انتهى. (أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ) بفتح
السين، مضارع نَسِيَ بكسرها، كرضي يَرْضَى، قال الفيّوميّ: نَسِيتُ الشيءَ
أَنْسَاه نِسياناً، مشتَرَك بين معنيين: أحدهما: ترك الشيء على ذهول وغَفْلة،
وذلك خلاف الذكر له، والثاني: الترك على تعمّد، وعليه قوله تعالى: ﴿وَلَا
تَنسَوَأْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، أي لا تقصدوا الترك، والإهمالَ، ويتعدّى
بالهمزة والتضعيف. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: المراد هنا المعنى الأول، فتنبّه.
(فَإِذَا نَسِيتُ) بكسر النون، وفي الرواية الآتية: ((أذكر كما تذكرون،
وأنسى كما تنسون)).
(١) راجع: ((القاموس المحيط))، وقوله ((كسعى)) ردّه الشارح بأن الصواب كرمى، فتنبّه.
(٢) ((المصباح المنير)) ٦٠٤/٢.