Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ (١٨) - بَابُ النَّهْىٍ عَنْ نِشْدَةِ الضَّالَّةِ فِي الْمَسْجِدِ، ... إلخ - حديث رقم (١٢٦٨) الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت١٨٨) عن (٧١) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ شَيْئَةَ) بن نَعَامة الضبّيّ الكوفيّ، مقبول [٧]. رَوَى عن أبي إسحاق السبيعيّ، وعمرو بن مُرّة، وعلقمة بن مَرْثَد، وزبيد الياميّ، وثابت بن ◌ُبید. ورَوَى عنه مِسْعَرٌ، وهُشيم، وخارجة بن مُصْعب، وأبو معاوية، وفُضيل بن عياض، وجَرِير بن عبد الحميد، ومحمد بن عيينة. ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن القطّان: لا يُعْرَف حاله، وقال أبو عوانة في ((صحيحه)): يقال: إنه يُكْنَى أبا نَعَامة. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط، وقال عنه: هُوَ شَيْبَةُ بْنُ نَعَامَةَ، أَبُو نَعَامَةَ، رَوَى عَنْهُ مِسْعَرٌ، وَهُشَيْمٌ، وَجَرِيرٌ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْكُوفِيِّينَ، وفيه سقط، كما سأبيّنه قريباً . والباقون تقدّموا قبله. وقوله: (فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِهِمًا) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمير محمد بن شيبة، وضمير ((حديثهما)) لعلقمة بن مَرْثد، وأبي سنان الشيبانيّ الأصغر. [تنبيه]: رواية محمد بن شيبة هذه، لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر. وقوله: (قَالَ مُسْلِم) يَحْتَمِل أن يكون من كلام المصنّف نفسه، ويَحْتَمِل أن یکون من الراوي عنه. وقوله: (هُوَ شَيْبَةُ بْنُ نَعَامَةَ، أَبُو نَعَامَةَ) هكذا نسخ الكتاب، والظاهر أن فيه سقطاً، والصواب: ((هو محمد بن شيبة بن نَعامة، أبو نعامة؛ لأن أبا نعامة كنية لمحمد، لا لأبيه شيبه، كما سبق في ترجمته، ولم يُنبّه أحد من الشّرّاح على هذا. وقد وقع أيضاً لأبي عوانة في ((مسنده)) نحو هذا من الغلط، حيث قال: (يقال: إن محمد بن شيبة هو أبو نعامة بن نعامة، رواه مسعر، وهشام(١)، وجریر عنه)). انتهى. والصواب تقديم ((ابن نعامة)) على قوله: ((أبو نعامة))، هكذا: يقال: إن (١) ووقع عند مسلم بدله: ((وهُشيم)). ٥٢٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة محمد بن شيبة بن نعامة أبو نعامة، روى مسعر، وهشام، وجرير عنه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (١٩) - (بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ) قال الجامع عفا الله عنه: (اعلم): أن ((السَّهْوَ)) - بفتح، فسكون - مصدر (سها)) ((يسهو))، يقال: سها عن الشيء يسْهُوُ سهَوْاً. وقال في ((اللسان)): السَّهْو، والسَّهْوَة: نسيان الشيء، والغفلة عنه، وذهاب القلب عنه إلى غيره، سَهَا يَسْهُو سَهْواً، وسُهُوّاً، فهو سَاهٍ، وسَهْوَان، وإنه لساه بَيِّن السَّهْو، والسُّهُوّ، والسهو في الصلاة: الغفلة عن شيء منها. وقال ابن الأثير: السَّهْوُ في الشيء: تركه عن غير علم، والسهو عنه: تركه مع العلم، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾﴾ [الماعون: ٥]. انتهى المقصود من ((اللسان))(١). وقال أبو البقاء الكَفَويّ في ((الكليات)): السهو: هو غفلة القلب عن الشيء بحيث يحتاج إلى تحصيل جديد. قال بعضهم: النسيان: زوال الصورة عن القوّة المدركة مع بقائها في الحافظة، والسهو زوالها عنهما معا. وقيل: غفلتك عما أنت عليه لتفقده سهو، وغفلتك عما أنت عليه لتفقد غيره نسيان. وقيل: السهو يكون لما علمه الإنسان، ولما لا يعلمه، والنسيان لما غَرُبَ بعد حضوره، والمعتمد أنهما مترادفان. انتهى المقصود من ((الكليات)) (٢). وقال في ((المصباح)): سَهَا عن الشيء يَسْهُو سَهْواً: غَفَلَ، وفرَّقُوا بين الساهي والناسي بأن الناسي إذا ذكّرته تذكّر، والساهي بخلافه، والسهو: (٣) الغفلة. انتهى(٣) . وقال في ((مراقي السعود)) مُبَيِّناً الفرق بينهما: (١) ((لسان العرب)) ٤٠٦/١٤ - ٤٠٧. (٣) ((المصباح المنير)) ٢٩٣/١. (٢) ((الكليّات)) (ص٥٠٦). ٥٢٣ (١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٦٩) زَوَالُ مَا عُلِمَ قُلْ نِسْيَانُ وَالْعِلْمُ فِي السَّهْوِ لَهُ اكْتِنَانُ قال شارحه: يعني أن النسيان هو زوال المعلوم من القوّة الحافظة، والقوّة المدركة، فيُستأنَفُ تحصيله لأنه غير حاصل لزواله، والسهو هو اكتنان المعلوم، أي غيبته عن القوّة الحافظة مع أنه غير غائب عن القوة المدركة، فهو الذهول عن المعلوم الحاصل، فيتنبه له بأدنى تنبيه. وقيل: النسيان غفلة عن المذكور، والسهو غفلة عن المذكور وغيره. وقيل: هما مترادفان. انتهى(١). وقال السيوطيّ دَّثُ في ((الكوكب الساطع)) مشيراً إلى القول بأن بينهما عموماً وخصوصاً مطلقاً : وَالسَّهْوُ أَنْ يَذْهَلَ عَنْ مَعْلُومِهِ وَفَارَقَ النِّسْيَانَ فِي عُمُومِهِ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٦٩] (٣٨٩(٢)) - (حَدَّثَنَا(٣) يَحْيَى بْنُ يَحْبَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهـ قَالَ: ((إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي، جَاءَهُ الشَّيْطَانُ، فَلَبَسَ عَلَيْهِ، حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى؟ فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. ٢ - (مَالِك) بن أنس بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي، أبو عبد الله، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨. (١) ((شرح الشيخ الشنقيطيّ)) ١/ ٧٥. (٢) هذا الحديث مكرّر في ترقيم محمد فؤاد، تقدّم في ((الأذان))، ولذا أعاده بنفس الرقم الذي سبق هناك، فتنبّه. (٣) وفي نسخة: ((وحدّثنا)). ٥٢٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهريّ، أبو بكر المدنيّ، الفقيه الحافظ المتّفق على جلالته وإتقانه، رأس [٤] (ت١٢٥) أو قبلها (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٤٨. ٤ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مكثرٌ [٣] (ت٩٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٣. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَظُه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. لطائف هذا اإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وفيه التحديث، والقراءة، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، وقد دخلها . ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالفقهاء. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٦ - (ومنها): أن فيه أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. ٧ - (ومنها): أن أبا هريرة له رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثاً . شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((إِنَّ أَحَدَكُمْ) ومثل الأحد الإحدى، وإنما خص الذكور بالخطاب لعله لكونهم الحاضرين وقت الخطاب، والله تعالى أعلم. (إِذَا قَامَ يُصَلِّي) المراد إذا دخل في الصلاة، فلا يقتضي أنه لو صلّى جالساً لا يحصل له ذلك. ثمّ إن قوله: ((يُصَلِّي)) يَشمَل الفرضَ والنفل. [فإن قلت]: قوله في الرواية التالية: ((إذا نودي بالصلاة)) قرينة في كون المراد الفريضة، وكذا قوله: ((إذا ثُوِّبَ)). ٥٢٥ (١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٦٩) [وأجيب]: بأن ذلك لا يمنع تناول النافلة؛ لأن الإتيان بها حينئذ مطلوب، لقوله وَليقول: ((بين كلّ أذانين صلاة))(١)، والله تعالى أعلم. (جَاءَهُ الشَّيْطَانُ) الظاهر أن ((أل)) فيه للعهد الذهنيّ، وهو شيطان الصلاة الذي يُسمّى خَنْزَب، فسيأتي للمصنّف في ((كتاب السلام)) أن عثمان بن أبي العاص ◌َ ابُه أتى النبيّ وَله، فقال: يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي، يَلْبِسها عليّ، فقال رسول الله وَله: ((ذاك شيطان يقال له: خَنْزَب، فإذا أحسسته، فتعَوَّذ بالله منه، واتفُلْ على يسارك ثلاثاً))، قال: ففعلت ذلك، فأذهبه الله عني. (فَلَبَسَ عَلَيْهِ) أي خَلَطَ عليه صلاته، وهو: بفتح الموحّدة المخففة، من الثلاثيّ، يقال: لَبَس عليه يَلْبِسُ، من باب ضرب: إذا خلطه عليه، وجعله مشتبهاً بغيره، خافياً حتى لا يعرف جهته، والمعنى هنا: خلط عليه أمر صلاته، وشوّش عليه خاطره. وقال النوويّ تَخّْتُهُ: هو بالتخفيف هنا، أي خلط عليه صلاته، وشبّهها عليه، وشگّكه فيها(٢). وقال ابن الأثير كَّتُهُ: هو بالتخفيف، وربّما شُدّد للتكثير. انتهى(٣). وقال القرطبيّ كَُّ: يُرْوَى مخفف الباء ومشدَّدها، وهي مفتوحة في الماضي مكسورة في المستقبل، ومعناه: خَلَطَ، يقال: لَبَستُ عليه الأمر أَلْبِسُهُ: أي خَلَطته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩]، فأما بكسر الباء في الماضي، وفتحها في المستقبل: فهو من لِيَاس الثوب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّنِ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١]. انتهى(٤). (حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى؟ فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ) الإشارة إلى التردّد وعدم العلم، ويَحْتَمِل أن يكون للسهو. (فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ) أي ترغيماً للشيطان حيث لَبَسَ علیه صلاته، ولیس (١) ((المرعاة)) ٣٩٤/٣. (٣) ((النهاية)) ٢٢٦/٤. (٢) ((شرح النووي)) ٥٧/٥. (٤) ((المفهم)) ٢/ ١٧٧ - ١٧٨. ٥٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة شيء أثقل عليه من السجود؛ لما لَحِقه ما لحِقه بسبب الامتناع عن السجود لآدم ◌َلَّا. وفيه دلالة على أنه لا زيادة على السجدتين، وإن تكرر السهو. (وَهُوَ جَالِسٌ) قال القرطبيّ تَخْتُ: هذا الحديث مقصوده الأمر بالسجود عند السهو، وهل ذلك بعد السلام، أو قبله؟ لم يَتعرَّض له فيه، وقد رُوي عن مالك والليث أنهما حملا هذا الحديث على المستنكح، وهو الذي يغالبه النعاس(١)، وليس في الحديث ما يدلّ عليه، وما قالاه ادّعاء تخصيص، ولا بُدّ من دليله، على أنه قد اختَلَفَ قول مالك في المستنكح، هل عليه سجودٌ أم لا؟ بل نقول: إن في الحديث ما يدلّ على نقيض ما قالاه، وهو قوله: ((فإذا وَجد أحدكم))، وهذا خطابٌ لعموم المخاطبين، وعمومُهُم السلامة من الاستنكاح، فإنه نادر الوقوع. وقد ذهب الحسن في طائفة من السلف إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث، فقالوا: ليس على من لم يَدرِ كم صلّى؟ ولا يدري هل زاد أو نقص؟ غير سجدتین، وهو جالسٌ. وذُكر عن الشعبيّ، والأوزاعيّ، وجماعة كثيرة من السلف أن من لم يدر كم صلّى؟ أعاد أبداً حتى يتيقّن، والذي ذهب إليه الأكثر أن يُحْمَلَ حديث أبي هريرة ◌ُه هذا على مُفَصَّل حديث أبي سعيد الخدريّ ظُهُ الآتي بعد، ويُردّ إليه، ولا سيّما وقد زاد أبو داود في حديث أبي هريرة ◌ُه من طريق صحيحة: ((وهو جالسٌ قبل أن يُسلِّم))، فيكون مساوياً لحديث أبي سعيد نظ ◌ّته، فهو هو. انتهى كلام القرطبيّ كَُّ(٢)، وسيأتي تمام البحث قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌ُه هذا متّفق عليه، وقد تقدّم (١) يقال: نكح النعاس عينه: غلبها. انتهى. ((القاموس)) ٢٥٤/١. (٢) ((المفهم)) ١٧٨/٢ - ١٧٩. ٥٢٧ (١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٦٩) تخريجه، وبقيّة مسائله في كتاب ((الصلاة)) برقم [٨٦٥/٨] (٣٨٩)، فراجعها تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في المراد بقوله وَله: ((فإذا وَجَد ذلك أحدكم، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنٍ، وَهُوَ جَالِسٌ)): قال النوويّ تَخْذَّتُهُ: اختَلَفَ العلماء في المراد به، فقال الحسن البصريّ، وطائفة من السلف بظاهر الحديث، وقالوا: إذا شكّ المصلّي، فلم يَدْرِ، زاد أو نقص؟ فليس عليه إلا سجدتان، وهو جالسٌ؛ عملاً بظاهر هذا الحديث. وقال الشعبيّ، والأوزاعيّ، وجماعة كثيرة من السلف: إذا لم يدر كم صلّى، لزمه أن يُعِيد الصلاة مرةً بعد أخرى أبداً حتى يَسْتَيقِن. وقال بعضهم: يُعيد ثلاث مرّات، فإذا شك في الرابعة فلا إعادة عليه. وقال مالك، والشافعيّ، وأحمد، والجمهور - رحمهم الله -: متى شك في صلاته، هل صلى ثلاثاً، أم أربعاً؟ مثلاً، لزمه البناء على اليقين، فيجب أن يأتي برابعة، ويسجد للسهو؛ عملاً بحديث أبي سعيد عظ ته، وهو قوله قوله: ((إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يَذْر كم صلّى، ثلاثاً أم أربعاً، فليطرح الشكّ، ولْيَبْنِ على ما استَيْقَنَ، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلِّم، فإن كان صلّى خمساً شَفَعْنَ له صلاته، وإن كان صلّى إتماماً لأربع كانتا ترغيماً للشيطان)). قالوا: فهذا الحديث صريح في وجوب البناء على اليقين، وهو مُفَسِّرٌ لحديث أبي هريرة رُه، فيُحْمَل حديث أبي هريرة رَظُه عليه، وهذا متعينٌ، فوجب المصير إليه، مع ما في حديث أبي سعيد ظُه من الموافقة لقواعد الشرع في الشكّ في الإحداث، والميراث من المفقود وغير ذلك. انتهى كلام النوويّ تَخْذُهُ(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ. قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة القول في هذه المسألة أنه ليس في حديث أبي هريرة ظُه هذا أكثر من أنّ رسول الله وَ ل ◌ّ أمر بسجدتين عند السهو في الصلاة، وليس فيه بيان ما يصنعه مَنْ وقع له ذلك، والأحاديثُ الأخرى قد اشتَمَلت على زيادةٍ، هي بيانُ ما هو الواجب عليه عند ذلك من غير السجود، (١) ((شرح النوويّ)) ٥٧/٥ - ٥٨. ٥٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة فالمصير إليها واجب (١). والحاصل أنّ حديث أبي هريرة ظبه هذا مُجْمَل، يجب حمله على الأحاديث الأخرى المبيِّنة للمراد منه، فيكون المعنى: فليسجد سجدتين بعد البناء على غالب الظنّ، إن كان له غلبة ظنّ وميلُ قلب إلى أحد الطرفين، أو البناء على اليقين، إن لم يكن له ذلك، كما هو المذهب الراجح فيما سيأتي بيانه - إن شاء الله تعالى -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم سجود السهو: (اعلم): أنهم اختلفوا فيه، هل هو واجب لا بدّ منه، أو سنة؟. فمذهب الشافعيّ رَّتُهُ، وكافة أصحابه أنه سنة، وحكاه الشيخ أبو حامد عن جمهور العلماء. وقال القاضي عبد الوهّاب المالكي: الذي يقتضيه مذهبنا أنه واجب في سهو النقصان. وقال القرطبي: من أصحابنا من قال: سجود السهو مندوب، وقال بعض أصحابنا: السجود للنقص واجب، وللزيادة فضيلة، ثم اختلفوا هل ذلك في كلّ نقص، أو يختص الوجوب بما كان المسقط فعلاً، ولم يكن قولاً؟ روايتان. والصحيح من مذهب الحنفية: أن سجود السهو واجب كذلك، قاله في ((الهداية))، وكذلك حكاه الشيخ أبو حامد الإسفراييني وغيره عنهم أنه واجب يأثم بتركه، وليس بشرط لصحّة الصلاة، وهو اختيار الكرخي منهم، وبعض أصحابهم قال: إنه سنة كمذهب الشافعي. وأما مذهب أحمد نَّتُهُ، فأفعال الصلاة منقسمة عندهم على ثلاثة أنواع: [أحدها]: أركان يُبطل الصلاةَ الإخلال بها عمداً، ويجب تداركها إذا تركت سهواً، كتكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والركوع والسجود ونحوها. [وثانيها]: واجبات، من ترك منها شيئاً عمداً بطلت صلاته، ومن تركه سهواً لم تبطل، ولم يتداركه، بل يسجد للسهو، كتكبيرات الانتقالات، والتشهد الأول، والجلوس له، والتسبيح في الركوع، وفي السجود وأشباهها. (١) راجع: ((نيل الأوطار)) في هذا ١٤١/٣ - ١٤٢. ٥٢٩ (١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٦٩) [وثالثها]: سننٌ قوليةٌ، كالاستفتاح، والتعوذ، والتأمين، وقراءة السورة، والجهر، والإسرار، ونحو ذلك، فهل يُشرَع سجود السهو لتداركها؟ فيه روايتان، وليس سجود السهو واجباً في هذا القسم الأخير قطعاً، وأما في الثاني: فسجود السهو له واجب قطعاً، وكذلك هو أيضاً واجب إذا سها بزيادة فعل في الصلاة، يُبطلها عمدُهُ، كالكلام والسلام، ونحو ذلك، فإن تعمّد ترك سجود عن واجب محله قبل السلام بطلت صلاته عندهم، وإن ترك المشروع بعد السلام لم تبطل، وإذا شكّ في ترك واجب، فهل يلزمه السجود؟ فعلى وجھین، وإن شكّ في زیادة لم یسجد. واحتجّ أصحاب الشافعيّ على أن سجود السهو سنة، وليس بواجب بما روى أبو داود في ((سننه)) من حديث ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخُدريّ ص ◌ُبه، قال: قال رسول الله وَطاهر: ((إذا شكّ أحدكم في صلاته فَلْيُلْقِ الشكّ، وليبن على اليقين، فإن استيقن التمام سجد سجدتين، فإن كانت صلاته تامّةً كانت الركعة نافلةً، والسجدتان، وإن كانت ناقصةً كانت الركعة تماماً لصلاته، وكانت السجدتان مُرغمتي الشيطان)). قالوا: فهذا الحديث يدلّ على أن السجدتين نافلة، والحديث حسن، لأن ابن عجلان روى عنه مالك، وشعبة، ووثقه الجمهور، وأخرج له مسلم في مواضع من كتابه. قال العلائيّ ◌َُّ: لكن يَرِدُ على هذا أن الحديث رواه جماعة عن زيد بن أسلم، لم يذكروا هذه الزيادة، وابن عجلان متكلّم في حفظه، وقد أدخله البخاريّ في ((كتاب الضعفاء))، فعلى تقدير قبوله إذا خالف من هو أوثق منه، وأحفظ، وأكثر عدداً في قبوله نظرٌ. وأما القائلون بوجوب سجود السهو، فلهم ثلاث مسالك: [الأول]: الأمر بذلك في قوله وَليّ: ((ثم ليسجد سجدتين))، وهو صحيح طرد. ثابتٌ في حديث ابن مسعود، وأبي سعيد الخدريّ، وغيرهما [والثاني]: التمسك بفعله بَّر، وسجوده له كما ثبت في أحاديث ذي اليدين، وحديث ابن بُحينة. ٥٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة قال العلائيّ ◌َّتُهُ: وهذا إما على القول بأن فعله وَل في يدلّ على الوجوب فيما ظهر فيه قصد القربة، وإما على القول بأن فعله وَله وقع هنا بياناً لأفعال الصلاة الواجبة، لأنها مُجمَلة فيما يتعلق بالسهو فيها أيضاً، لم يتبين ذلك إلا بفعله وَّر، وبيان الواجب واجب، وهذا فيما إذا كان قبل السلام واضح. وأما فيما إذا كان بعد السلام فهو على قول من يقول: إن هذا السلام يحصل به التحلل من الصلاة، كالحنفية، وبعض المالكية. وإما على طريق الجمع بأن يُضمّ إلى سجوده وَ ﴿ قوله: ((صلّوا كما رأيتموني أصلي))، وهو كالذي قبله فيما كان منه قبل السلام أو بعده. [والمسلك الثالث]: اعتبار سجود السهو بالمقتضي له الذي يُجْبَر به. وقد ناقش هذه المسالك الحافظ العلائي، فانظر كلامه في ((نظم الفرائد)) ص ٣٦٤ - ٣٦٥. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن قول من قال بالوجوب هو الراجح؛ لوروده بصيغة الأمر، مع مداومته وَلير على فعله، كما مر بيانه والأمر للوجوب إلا إذا وُجد ما يصرفه، ولم يذكروا هنا صارفاً، والله تعالى أعلم. ثم رأيت شيخ الإسلام كثّهُ نصر هذا الذي رجّحته من كون سجود السهو واجباً، ودونك نصّه: قال ◌َخْتُ: وأما وجوبه فقد أمر به النبيّ وَّ في حديث أبي هريرة ◌ُه لمجرد الشكّ، فقال: ((إذا قام أحدكم يصلّي جاءه الشيطان، فلبس عليه صلاته، حتى لا يدري كم صلّى؟ فإذا وجد أحدكم ذلك، فليسجد سجدتين، وهو جالس))، متّفقٌ عليه، وأَمَرَ به فيما إذا طرح الشك، فقال في حديث أبي سعيد رَُّه: ((فليطرح الشك، ولْيَبْنِ على ما استيَقَنَ، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلّم، فإن كان صلّى خمساً شفعتا له صلاته، وإن كان صلّى تماماً لأربع كانتا ترغیماً للشيطان))، رواه مسلم. وكذلك في حديث عبد الرحمن ظُبه: ((ثم ليسجد سجدتين، وهو جالس قبل أن يسلّم، ثم يسلّم))، وأَمَر به في حديث ابن مسعود ظُه، حديثِ التحري قال: ((فليتحرَّ الصواب، فليتمّ عليه، ثم ليسجد سجدتين))، متّفقٌ عليه، وفي لفظ: ((هاتان السجدتان لمن لا يدري أزاد في صلاته أم نقص؟، فيتحرى ٥٣١ (١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٦٩) الصواب، فيتم عليه، ثم يسجد سجدتين))، وفي الحديث الآخر المتفق عليه لابن مسعود ربه: ((فقلنا: يا رسول الله، أَحَدَث في الصلاة شيءٌ؟ فقال: لا، فقلنا له الذي صنع، فقال: إذا زاد أو نقص، فليسجد سجدتين، قال: ثم سجد سجدتين))، فقد أَمَر ◌َ له بالسجدتين إذا زاد أو إذا نقص، ومراده إذا زاد ما نُهِي عنه، أو نقص ما أمر به. ففي هذا إيجاب السجود لكل ما يُتْرَك مما أمر به إذا تركه ساهياً، ولم يكن تَرْكُهُ ساهياً موجباً لإعادته بنفسه، وإذا زاد ما نُهي عنه ساهياً، فعلى هذا كلُّ مأمور به في الصلاة إذا تركه ساهياً، فإما أن يعيده إذا ذكره، وإما أن يسجد للسهو لا بدّ من أحدهما . فالصلاة نفسها إذا نسيها صلاها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك، وكذلك إذا نسي طهارتها كما أُمر الذي ترك موضع لُمْعَة من قدمه لم يصبها الماء، أن يعيد الوضوء والصلاة، وكذلك إذا نسي ركعةً، كما في حديث ذي اليدين، فإنه لا بدّ من فعل ما نسيه، إما مضموماً إلى ما صَلَّى، وأما أن يبتدئ الصلاة . فهذه خمسة أحاديث صحيحة، فيها كلِّها يأمر الساهي بسجدتي السهو، وهو ◌َّ لَمَّا سَهَى عن التشهد الأول سجدهما بالمسلمين قبل السلام، ولما سلَّم في الصلاة من ركعتين، أو من ثلاث، صلّى ما بقي، وسجدهما بالمسلمين بعد الصلاة، ولَمّا أذكروه أنه صلّى خمساً سجدهما بعد السلام والكلام. وهذا يقتضي مداومته 8* عليهما، وتوكيدهما، وأنه لم يَدَعْهما في السهو المقتضي لهما قط، وهذه دلائل بينةٌ واضحٌ على وجوبهما، وهو قول جمهور العلماء، وهو مذهب مالك، وأحمد، وأبي حنيفة، وليس مع مَن لم يوجبهما حُجَّةٌ تقارب ذلك. انتهى كلام شيخ الإسلام نَّتُهُ، وهو بحثٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قال أبو عبد الله المازريّ كَّتُهُ: أحاديث الباب خمسة: ١ - حديث أبي هريرة ﴿به فيمن شك فلم يَدْرِ كم صلّى؟، وفيه أنه يسجد سجدتين، ولم يذكر موضعهما . ٥٣٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، فيمن شك، وفيه أن يسجد سجدتين قبل أن ٢ - وحديث أبي سعيد يُسَلِّم. ٣ - وحديث ابن مسعود ره، وفيه القيام إلى خامسة، وأنه سجد بعد السلام. ٤ - وحديث ذي اليدين، وفيه السلام من اثنتين، والمشي والكلام، وأنه سجد بعد السلام. ٥ - وحديث ابن بُحَينة ظه، وفيه القيام من اثنتين، والسجود قبل السلام. واختَلَف العلماء في كيفية الأخذ بهذه الأحاديث، فقال داود نَّهُ: لا يقاس عليها، بل تُسْتَعمل في مواضعها على ما جاءت، وقال أحمد نَّتُهُ بقول داود في هذه الصلوات خاصّة، وخالفه في غيرها، وقال: يَسجُد فيما سواها قبل السلام لكل سهو. وأما الذين قالوا بالقياس فاختلفوا، فقال بعضهم: هو مُخَيَّرُ في كل سهو، إن شاء سجد بعد السلام، وإن شاء قبله في الزيادة والنقص. وقال أبو حنيفة تَخْلَتُ: الأصل هو السجود بعد السلام، وتأوّل بعضَ الأحاديث عليه. وقال الشافعيّ تَّتُهُ: الأصل هو السجود قبل السلام، ورَدَّ بقية الأحاديث إليه. وقال مالك كَّلُهُ: إن كان السهو زيادةً سجد بعد السلام، وإن كان نقصاً فقبله. فأما الشافعيّ: فقال في حديث أبي سعيد: ((فإن كانت خامسةً شفعها))، ونَصّ على السجود قبل السلام، مع تجويز الزيادة، والمجوَّز كالموجود، ويتأول حديث ابن مسعود ظُه في القيام إلى خامسة، والسجود بعد السلام على أنه ◌َّهِ ما عَلِمَ السهو إلا بعد السلام، ولو علمه قبله لسجد قبله، ويتأول حديث ذي اليدين على أنها صلاةٌ جرى فيها سهوٌ، فسها عن السجود وقبل السلام، فتداركه بعده. انتهى. قال النوويّ كَُّ بعد نقل كلام المازريّ هذا: هو كلام حسنٌ نفيسٌ، ٥٣٣ (١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٦٩) وأقوى المذاهب هنا مذهب مالك تَخْتُ، ثم مذهب الشافعيّ، وللشافعيّ ◌َظَّتُهُ قول كمذهب مالك: يفعل بالتخيير، وعلى القول بمذهب مالك: لو اجتمع في صلاة سهوان: سهوٌ بزيادة، وسهوٌ بنقص، سجد قبل السلام، قال القاضي عياض تَخْذَلُ وجماعة من أصحابنا: ولا خلاف بين هؤلاء المختلفين وغيرهم من العلماء أنه لو سجد قبل السلام، أو بعده للزيادة أو النقص أنه يجزئه، ولا تفسد صلاته، وإنما اختلافهم في الأفضل، والله أعلم. قال الجمهور: لو سها سهوين فأكثر كفاه سجدتان للجميع، وبهذا قال الشافعيّ ومالك وأبو حنيفة وأحمد رحمهم الله تعالى، وجمهور التابعين، وعن ابن أبي ليلى: لكل سهو سجدتان، وفيه حديث ضعيف. انتهى كلام النوويّ تَخْفُ(١) . وقال في ((الفتح)) ما حاصله: ذهب مالك، والمزنيّ، وأبو ثور من الشافعية إلى التفرقة بين ما إذا كان السهو بالنقصان أو الزيادة، ففي الأول يسجد قبل السلام، وفي الثاني يسجد بعده، قال: وزعم ابن عبد البرّ أنه أولى من غيره؛ للجمع بين الخبرين، قال: وهو موافق للنظر؛ لأنه في النقص جَبْرٌ، فينبغي أن يكون من أصل الصلاة، وفي الزيادة ترغيم للشيطان، فيكون خارجها . وقال ابن دقيق العيد: لا شك أن الجمع أولى من الترجيح، وادّعاءٍ النسخ، ويترجح الجمع المذكور بالمناسبة المذكورة، وإذا كانت المناسبة ظاهرةً، وكان الحكم على وفقها كانت علّةً، فيعمّ الحكم جميع محالّها، فلا تخصص إلا بنصّ. وتُعُقِّب بأن كون السجود في الزيادة ترغيماً للشيطان فقط ممنوعٌ، بل هو جبرٌ أيضاً لما وقع من الخلل، فإنه وإن كان زيادةً فهو نقص في المعنى، وإنما سَمَّى النبيّ وَّ سجود السهو ترغيماً للشيطان في حالة الشك، كما في حديث أبي سعيد ◌ُبه عند مسلم. وقال الخطابيّ: لم يَرْجِع مَن فَرَّق بين الزيادة والنقصان إلى فرق صحيح، (١) ((شرح النوويّ على صحيح مسلم)) ٥٦/٥. ٥٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وأيضاً فقصة ذي اليدين وقع السجود فيها بعد السلام، وهي عن نقصان. وأما قول النوويّ: أقوى المذاهب فيها قولُ مالك، ثم أحمد، فقد قال غيره: بل طريق أحمد أقوى؛ لأنه قال: يُستَعْمَل كلُّ حديث فيما ورد فيه، وما لم يَرِد فيه شيء يسجد قبل السلام، قال: ولولا ما رُوي عن النبيّ ◌َّ في ذلك لرأيته كلَّه قبل السلام؛ لأنه من شأن الصلاة، فيفعله قبل السلام. وقال إسحاق مثله، إلا أنه قال: ما لم يرد فيه شيء يُفَرَّق فيه بين الزيادة والنقصان، فحرَّر مذهبه من قولي أحمد ومالك، وهو أعدل المذاهب فيما یظھر . وأما داود فجرى على ظاهريته، فقال: لا يُشرَع سجود السهو إلا في المواضع التي سجد النبيّ وَلّ فيها فقط، وعند الشافعيّ سجود السهو كلّه قبل السلام، وعند الحنفية كلّه بعد السلام. واعتمد الحنفية على حديث ابن مسعود رضيبه. وتُعُقِّب بأنه لم يَعْلَم بزيادة الركعة إلا بعد السلام، حين سألوه، هل زيد في الصلاة؟، وقد اتّفق العلماء في هذه الصورة على أن سجود السهو بعد لتجويزهم السلام؛ لتعذره قبله؛ لعدم علمه بالسهو، وإنما تابعه الصحابة الزيادة في الصلاة؛ لأنه كان زمان توقع النسخ. وأجاب بعضهم بما وَقَع في حديث ابن مسعود ظُه من الزيادة، وهي: ((إذا شك أحدكم في صلاته، فليَتَحَرَّ الصواب، فليتم عليه، ثم لْيُسَلِّم، ثم یسجد سجدتین)). وأجيب بأنه معارَضٌ بحديث أبي سعيد ◌َظُه عند مسلم، ولفظه: ((إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلّى، فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم))، وبه تمسك الشافعية. وجَمَع بعضهم بينهما بحمل الصورتين على حالتين، ورَجَّح البيهقي طريقة التخيير في سجود السهو قبل السلام أو بعده. ونَقَل الماورديّ وغيره الإجماع على الجواز، وإنما الخلاف في الأفضل، وكذا أطلق النوويّ. وتُعُقِّب بأن إمام الحرمين نَقَل في ((النهاية)) الخلاف في الإجزاء عن ٥٣٥ (١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٦٩) المذهب، واستبعد القول بالجواز، وكذا نَقَل القرطبيّ الخلاف في مذهبهم، وهو مخالف لما قاله ابن عبد البرّ: إنه لا خلاف عن مالك أنه لو سجد للسهو كله قبل السلام أو بعده أن لا شيء عليه، فيُجْمَع بأن الخلاف بين أصحابه. والخلافُ عند الحنفية، قال القدوريّ: لو سجد للسهو قبل السلام رُوي عن بعض أصحابنا لا يجوز؛ لأنه أداء قبل وقته، وصَرَّح صاحب ((الهداية)) بأن الخلاف عندهم في الأولوية. وقال ابن قدامة في ((المقنع)): مَن تَرَك سجود السهو الذي قبل السلام بطلت صلاته إن تعمد، وإلا فيتداركه ما لم يطل الفصل. ويمكن أن يقال: الإجماع الذي نقله الماورديّ وغيره قبل هذه الآراء في المذاهب المذكورة. وقال ابن خزيمة: لا حجة للعراقيين في حديث ابن مسعود رضيُه؛ لأنهم خالفوه، فقالوا: إن جلس المصلِّي في الرابعة مقدار التشهد أضاف إلى الخامسة سادسةً، ثم سلّم، وسجد للسهو، وإن لم يجلس في الرابعة لم تصحّ صلاته، ولم يُنْقَل في حديث ابن مسعود ظُه إضافة سادسة، ولا إعادةٌ، ولا بُدّ من أحدهما عندهم، قال: ويَحْرُم على العالم أن يخالف السنة بعد علمه بها. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد اتّضح مما سبق من عرض آراء العلماء في مسألة كون سجود السهو قبل السلام، أو بعده، وذكر أدلّتهم أن الأرجح هو القول بالتخيير بين السجود قبل السلام أو بعدها فيما لا نصّ فيه. والحاصل أن ما جاء النصّ فيه بأن النبيّ وَلّ سجد فيه قبل السلام فهو قبل السلام، وما جاء أنه سجد فيه بعد السلام فهو بعد السلام على موافقة النصّ، وما ليس فيه نصّ فالساهي بالخيار، إن شاء سجد قبل السلام، وإن شاء سجد بعد السلام. قال الشوكانيّ كَّتُهُ: وأحسن ما يقال في المقام: إنه يعمل على ما تقتضيه أقواله وأفعاله ويملو من السجود قبل السلام وبعده، فما كان من أسباب (١) ((الفتح)) ١١٣/٣ - ١١٤ (كتاب السهو)) رقم (١٢٢٦). ٥٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج .- كتاب المساجد ومواضع الصلاة السجود مُقيَّداً بقبل السلام سجد له قبله، وما كان مقيّداً ببعد السلام سجد له بعده، وما لم يَرِد تقييده بأحدهما كان مخيّراً بين السجود قبل السلام وبعده من غير فرق بين الزيادة والنقص؛ لما أخرجه مسلم في ((صحيحه)) عن ابن مسعود نظرابه أن النبيّ وَل﴾ قال: ((إذا زاد الرجل أو نقص، فليسجد سجدتين)). وجميع أسباب السجود لا تكون إلا زيادة أو نقصاً، أو مجموعهما. انتهى كلامه ◌َّتُهُ(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب. ثم بعد أن كتبت ما سبق رأيت لشيخ الإسلام ابن تيميّة تَظْهُ ترجيح ما رجّحته، أحببت إيراده هنا تكميلاً للفائدة، قال تَخْتُ بعد إيراده المذاهب، وأدلتها : وحينئذ فأظهر الأقوال الفرق بين الزيادة والنقص، وبين الشك مع التحرِّي، والشكِّ مع البناء على اليقين، وهذا إحدى الروايات عن أحمد، وقول مالك قريب منه، وليس مثله، فإن هذا مع ما فيه من استعمال النصوص كلِّها فيه الفرق المعقول، وذلك أنه إذا كان في نقص، كترك التشهد الأول احتاجت الصلاة إلى جبر، وجابرُها يكون قبل السلام؛ لتتم به الصلاة، فإن السلام هو تحليل من الصلاة، وإذا كان من زيادة كركعة، لم يُجمَع في الصلاة بين زيادتين، بل يكون السجود بعد السلام؛ لأنه إرغام للشيطان بمنزلة صلاة مستقلة، ◌ُبِر بها نقص صلاته، فإن النبيّ وَّ ر جعل السجدتين كركعة. وكذلك إذا شك وتَحَرَّى، فإنه أتم صلاته، وإنما السجدتان لترغيم الشيطان، فيكون بعد السلام، ومالك لا يقول بالتحرِّي، ولا بالسجود بعد السلام فيه. وكذلك إذا سَلَّم، وقد بقي عليه بعض صلاته، ثم أكملها، فقد أتمها، والسلام منها زيادةٌ، والسجود في ذلك بعد السلام؛ لأنه إرغام للشيطان. وأما إذا شك، ولم يتبين له الراجح، فهنا إما أن يكون صلَّى أربعاً أو خمساً، فإن كان صلّى خمساً فالسجدتان يشفعان له صلاته؛ ليكون كأنه قد (١) ((نيل الأوطار)) ١٣٤/٣. ٥٣٧ (١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٦٩) صلّى ستّا لا خمساً، وهذا إنما يكون قبل السلام، ومالك هنا يقول: يسجد بعد السلام. فهذا القول الذي نصرناه، هو الذي يُستَعْمَل فيه جميع الأحاديث، لا يُترك منها حديثٌ، مع استعمال القياس الصحيح فيما لم يَرِدْ فيه نَصِّ، وإلحاق ما ليس بمنصوص بما يُشبهه من المنصوص. ومما يُوَضِّح هذا أنه إذا كان مع السلام سهوٌ سجد بعد السلام، فيقال: إذا زاد غير السلام من جنس الصلاة، كركعة ساهياً، أو ركوع، أو سجود ساهياً، فهذه زيادة لو تعمدها بطلت صلاته كالسلام، فإلحاقها بالسلام أولى من إلحاقها بما إذا ترك التشهد الأول، أو شك وبنى على اليقين. وقول القائل: إن السجود من شأن الصلاة فيقضيه قبل السلام، يقال له: لو كان هذا صحيحاً لوجب أن يكون كلُّه قبل السلام، فلما ثبت أن بعضه بعد السلام، عُلِم أنه ليس جنسه من شأن الصلاة الذي يقضيه قبل السلام، وهذا معارَضٌ بقول من يقول: السجود ليس من موجب تحريم الصلاة، فإن التحريم إنما أوجب الصلاة السليمة، وهذه الأمور دعاوي لا يقوم عليها دليل، بل يقال: التحريم أوجب السجود الذي يُجَبَّر به الصلاة. ويقال: من السجود ما يكون جبره للصلاة إذا كان بعد السلام؛ لئلا يجتمع فيها زيادتان، ولأنه مع تمام الصلاة إرغام للشيطان، ومعارَضةٌ له بنقيض قصده، فإنه قصد نقص صلاة العبد بما أدخل فيها من الزيادة، فأُمر العبد أن يُرغِمه، فيأتي بسجدتين زائدتين بعد السلام؛ ليكون زيادة في عبادة الله، والسجود لله، والتقرب إلى الله الذي أراد الشيطان أن يَنقُصه على العبد، فأراد الشيطان أن ينقص من حسناته، فأمره الله أن يُتِمَّ صلاته، وأن يُرغم الشيطان، وعفا الله للإنسان عما زاده في الصلاة نسياناً، من سلام، وركعة زائدة، وغير ذلك، فلا يأثم بذلك، لكن قد يكون تقرُّبه ناقصاً لنقصه فيما ينساه، فأمره الله أن يُكَمِّل ذلك بسجدتين زائدتين على الصلاة، والله أعلم. انتهى كلام شيخ الإسلامِ تَخْلَتُهُ، وهو بحثٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في تدارك سجود السهو: ٥٣٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة رَوَى ابن أبي شيبة عن سلمة بن نُبيط، قال: قلت للضحّاك بن مُزاحم: إني سهوت، ولم أسجد، قال: ههنا فاسجد، وعن وضّاح، قال: سألت قتادة؟ فقال: يُعيد سجدتي السهو. وعن الحسن، وابن سيرين قالا: إذا صرف وجهه عن القبلة لم يسجد سجدتي السهو. وعن إبراهيم النخعي، قال: هما عليه حتى يخرج، أو يتكلّم. وعن حماد بن أبي سليمان في رجل نسي سجدتي السهو حتى يخرج من المسجد قال: لا يعيد. وقال ابن شُبرُمة: يعيد الصلاة. وعن الحكم أنه لقي ذلك، فأعاد الصلاة. وروى عبد الرزاق عن الحسن في رجل نسي سجدتي السهو، قال: إذا لم يذكرهما حتى ينصرف لم يسجدهما، وقد مضت صلاته على الصحّة، وإن ذكرهما وهو قاعد لم يقم سَجَدَهما . وعن ابن جريج قال: قلت لعطاء: نسيت سجدتي السهو، فتحدثتُ أو تكلمت، ولم أقم؟ قال: فاسجدهما، قلت: فإن قمتُ حين فرغت، ولم أتكلم، ثم ذكرت؟ قال: فاجلس فاسجدهما . وعن علقمة أنه صلّى، فسها، ثم انفتل عن القبلة، فقال له رجل: إنك لم تسجد سجدتي السهو، فقال: كذلك؟ قال: نعم، فانحرف إلى القبلة، فسجدهما . وأما الأئمة الأربعة ففي مذاهبهم تفاصيل قد استوعبها العلائيّ تَظُّ في كتابه المذكور ص ٣٦٧ - ٣٧٠. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجح عندي أن المصلِّي يَتدارَك سجود السهو، وإن انحرف عن القبلة، أو تكلم، أو خرج من المسجد، ناسياً؛ لأنه ثبت عن النبيّ ◌َ﴿ أنه سجد للسهو بعدما انحرف عن القبلة، وتكلم، ودخل حجرته، كما ستأتي الأحاديث المبيِّنة لذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في حكم التشهد والسلام بعد سجدتي السهو : (اعلم): أنهم اختلفوا أيضا في سجود السهو، هل يعقبه تشهد وسلام أم لا؟ أم أحدهما؟ وهل يحتاج إذا وقع بعد السلام إلى تكبيرة الإحرام، أم لا؟. ٥٣٩ (١٩) - بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ لَهُ - حديث رقم (١٢٦٩) فروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضيُه أنه يتشهد فيها، ويسلّم، وعن حماد بن أبي سليمان، والْحَكَم كذلك، وعن إبراهيم النخعيّ أيضاً، ورواه عبد الرزاق عن قتادة. وقال آخرون: لا تشهّد بعدها، ولا تسليم، روى ابن أبي شيبة ذلك عن أنس بن مالك، والحسن البصري، والشعبي، وعطاء بن أبي رباح على خلاف عنه . وقال آخرون: يُسلّم بعدها، ولا يتشهّد، روي هذا عن سعد بن أبي وقّاص، وعمّار بن ياسر، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعن إبراهيم النخعي، والحسن البصري أيضاً، وحكاه ابن عبد البرّ عن ابن سيرين، وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن سيرين أنه قال: أحبّ إليّ أن يتشهّد فيهما. وحكى ابنُ عبد البرّ أيضاً عن يزيد بن قُسيط أنه يتشهّد بعدهما، ولا يسلّم، قال: وهو رواية أيضاً عن الحكم بن عُتيبة، وحماد، والنخعي. فهذه أقوال المتقدمين. وأما الأئمة الأربعة، فقال القاضي عياض تظُّّهُ: مذهب مالك: أنه إذا كانتا - يعني السجدتين - بعد السلام، فيتشهّد لهما، ثم يسلّم، ثم اختُلفَ عنه، هل يجهر بسلامهما الإمام كسائر الصلوات، أم يسرّ، ولا يجهر؟ واختُلف عنه، هل لهما تكبيرة إحرام أم لا؟ واختلف عنه، هل يتشهّد لهما إذا كانتا قبل السلام أم لا؟. وأشار القرطبي إلى ترجيح القول باشتراط تكبيرة الإحرام إذا كانتا بعد السلام، لكن قول مالك لم يختلف في وجوب السلام، وما يُتحلل منه بسلام لا بدّ من تكبير يُتَحرّم به كسائر الصلوات. ومذهب أبي حنيفة أنه يتشهّد بعد سجدتي السهو، ثم يسلّم، ولا يحتاج عندهم إلى تكبيرة إحرام؛ لأنه لم يخرج بالسلام الذي قبل سجود السهو من الصلاة أصلاً. هذا قول محمد بن الحسن، حتى قال: يجوز للمقتدي أن يأتمّ به ابتداء بعدما سلّم، ويكون كالمسبوق. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن سجد للسهو بعدما سلّم لم يكن خارجاً ٥٤٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة من الصلاة بسلامه ذلك، وجاز أن يُؤتمّ به، وإن أعرض عن السجود، وكان بذلك السلام خارجاً من الصلاة، فلم يجز ربط القدوة به. ويظهر فائدة الخلاف بينهم في انتقاض الطهارة بالقهقهة على أصلهم، واتفقوا على أنه لو سلّم يريد به قطع الصلاة لَغَت هذه الإرادة، وأتى بسجود السهو الذي عليه؛ لأن نيته تغيير للمشروع. وقال أحمد رَّتُهُ: متى سجد قبل السلام لم يحتج إلى تشهّد، وكان سلامه بعد السجود هو الذي يتحلل به من الصلاة، ليس معلّقاً بسجود السهو، وأما إذا سجد بعد السلام، فإنه يتشهّد بعده، ثم يسلّم، ولم يذكر تكبيرة إحرام. وأما مذهب الشافعيّ تَظُّ، فإن سجد قبل السلام، فلا تشهّد، ولا تسليم قطعاً، وإن سجد بعده ففيه تفاصيل لأصحابه قد ذكرها العلائيّ تَذْتُهُ، وتركتها اختصاراً(١). وقد ذكر العلائي تَخَّهُ أدلتهم بعد ذكر أقوالهم، فقال: أما تكبيرة التحريم فلم يأت ذكرها في حديث صريحاً، إلا أن حمّاد بن زيد روى عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة رَظ ◌ُبه في حديث ذي اليدين أن النبيّ لمّا أتم الصلاة، وسلّم منها كبّر، ثم كبّر، وسجد للسهو. أخرجه أبو داود، وقال: إنها تفرّد بها هشام بن حسّان من رواية حماد بن زيد عنه، وقد رواه حماد بن سلمة، وأبو بكر بن عياش، عن هشام بن حسان لم يذكروا هذه اللفظة - أعني قوله: ((كبّر، ثم كبّر)) -. وكذلك رواه عن ابن سيرين جماعة كثيرون فوق العشرة بدونها . فالحاصل: أن هذه الزيادة شاذّة، وإن كان راويها ثقةً، ولكنه خالف فيها جماعة حُفّاظاً أكثر عدداً منه، فكانت مردودة. والذي اعتمده القرطبي في اشتراط تكبيرة التحريم ما تكرر في روايات حديث ذي اليدين في ((الصحيح)) من قول أبي هريرة - ظه -: فصلّى ركعتين، ثم گبر، ثم سجد، ثم کېّر ورفع، ثم کېّر وسجد، ثم كبّر فرفع. (١) راجع: كتابه ((نظم الفرائد)) (ص ٣٤٧ - ٣٥٠).