Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ (١٧) - بَابُ نَهْيٍ مَنْ أَكَلَ ثُوماً، أَوْ بَصَلاً، أَوْ كُرَّاناً، ... إلخ - حديث رقم (١٢٦٢) وقال في ((القاموس)): الدِّيكُ بالكسر معروفٌ، جمعه: دُيُوهٌ، وأَدْيَاءٌ، ودِيَكَةٌ، كَقِرَدَةٍ، وقد يُطلَق على الدَّجَاجة، كقوله [من الرجز]: وَزَقَّتِ الدِّيكُ بِصَوتٍ زَقًّا (١) وقال في ((اللسان)): الدِّيك: ذكر الدَّجَاج معروفٌ، وقوله [من الرجز]: وَزَقَّتِ الدِّيكُ بِصَوتٍ زَقًّا إنما أنّثه على إرادة الدجاجة؛ لأن الديك دَجَاجة أيضاً، والجمع القليل أَدْيَاك، والكثير دُيُوك، ودِيَكَةٌ. انتهى(٢). (نَقَرَنِي) يقال: نقر الطائر الحبّ نَقْراً، من باب نصر: التقطه، والْمِنْقَار له كالفم للإنسان، ونَقَرَ السهمُ الْهَدَفَ نَقْراً: أصابه، قاله في ((المصباح))(٣). (ثَلَاثَ نَقَرَاتٍ) بفتحات جمع نَقْرَة، بفتح فسكون، ولا يجوز تسكين العين في الجمع؛ لكونه وسطه حرفاً صحيحاً، إلا في الضرورة الشعريّة، كقوله [من الطويل]: وَحُمِّلْتُ زَفْرَاتِ الضُّحَى فَأَطَقْتُهَا وَمَا لِي بِزَقْرَاتِ الْعَشِيِّ يَدَانِ وقد أشار إلى هذا في ((الخلاصة)) حيث قال: إِنْبَاعَ عَيْنٍ فَاءَهُ بِمَا شُكِلْ وَالسَّالِمَ الْعَيْنِ الثُّلَائِي اسْماً أَنِلْ مُخْتَتَماً بِالتَّاءِ أَوْ مُجَرَّدَا إِنْ سَاكِنَ الْعَيْنِ مُؤَنَّئاً بَدَا خَفِّفْهُ بِالْفَتْحِ فَكُلّاً قَدْ رَوَوْا وَسَكِّنِ الثَّالِيَ غَيْرَ الْفَتْحِ أَوْ وفي رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة عن أبي نعيم: ((كأن دِيكاً نقرني نقرةً أو نقرتين))، وفي رواية شعبة، عن قتادة عند ابن أبي عوانة: ((كأن ديكاً أحمر نقرني نقرة أو نقرتين)). قال القرطبيّ كَخَُّهُ: هذا الديك الذي أُريه عُمر ◌َّه مثال لِلْعِلْج الذي قتله، وهو أبو لُؤْلُؤَة، غلام المغيرة بن شُعبة، وكان مجوسيّاً، وكان نَجّاراً حدّاداً نقّاشاً، وكان من شأنه ما ذكره البخاريّ وغيره، وهو أنه وثب على عمر ربه، وهو في صلاة الصبح، بعد أن دخل عمر فيها، فطعنه ثلاث طَعَنات، فصاح عمر: قتلني، أو أكلني الكلب ظانّاً منه أنه كلبٌ عضَّه، فتناول (١) ((القاموس المحيط)) ٣٠٣/٣. (٣) ((المصباح المنير)) ٦٢١/٢. (٢) ((لسان العرب)) ٤٣٠/١٠. ٤٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة عمر عبد الرحمن بن عوف، فكمّل الصلاة بالناس، ثم إن العِلْجِ وَثَبَ، وفي يده سكين ذات طرفين، لا يمرّ على أحد يميناً ولا شِمالاً إلا طعنه، حتى طَعَن ثلاث عشر رجلاً، مات منهم تسعة، وقيل: سبعة، فطَرَح عليه رجلٌ خميصةً كانت عليه، فلما رأى الْعِلْج أنه مأخوذٌ نَحَرَ نفسه، وحزَّ عبد الرحمن بن عوف(١) رأسه، وهو الذي كان طرح عليه الخميصة. انتهى كلام القرطبيّ تَخْذُ(٢). قال الجامع عفا الله عنه: قصّة قتل عمر ظ ◌ُبه ساقها الإمام البخاريّ ◌َُّهُ في ((صحيحه)) بطولها، وهو من أفراده، وإليك نصّه: (٣٧٠٠) حدّثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا أبو عوانة، عن حُصين(٣)، عن عمرو بن ميمون، قال: رأيت عمر بن الخطاب ﴿به قبل أن يصاب بأيام بالمدينة وَقَف على حذيفة بن اليمان، وعثمان بن حُنيف، قال: كيف فعلتما؟ أتخافان أن تكونا قد حَمَّلتما الأرض ما لا تطيق؟(٤) قالا: حملناها أمراً هي له مطبقة، ما فيها كبير فضل، قال: انظرا أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق، قال: قالا: لا، فقال عمر: لئن سَلّمني الله لأدَعَنّ أرامل أهل العراق لا يَحتَجن إلى رجل بعدي أبداً، قال: فما أتت عليه إلا رابعة حتى أصيب، قال: إني لقائم ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس غَداةَ أصيب، وكان إذا مَرّ بين الصفين قال: استووا، حتى إذا لم يَرَ فيهن خللاً تقدم فكبر، وربما قرأ سورة يوسف، أو النحل، أو نحو ذلك في الركعة الأولى، حتى يجتمع الناس، فما هو إلا أن كبّر، فسمعته يقول: قتلني، أو أكلني الكلب، حين طعنه، فطار الْعِلج بسكين ذات طرفين، لا يَمُرّ على أحد يميناً ولا شمالاً إلا طعنه، حتى طَعَن ثلاثة عشر رجلاً، مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجل من (١) هكذا في ((المفهم))، والظاهر أنه غلط، وإنما هو عبد الله بن عبد الرحمن الزهري، كما ذكره في ((الفتح)) ٧٨/٧ - ٧٩. (٢) ((المفهم)) ١٦٩/٢. (٣) هو: ابن عبد الرحمن. (٤) المراد أرض السواد من العراق، وكان عمر ظُبه بعثهما يضربان عليها الخراج، وعلى أهلها الجزية. ٤٨٣ (١٧) - بَابُ نَهْيٍ مَنْ أَكَلَ ثُوماً، أَوْ بَصَلاً، أَوْ كُرَّانً، ... إلخ - حديث رقم (١٢٦٢) المسلمين(١)، طرَحَ عليه بُرْنُساً، فلما ظن العلج أنه مأخوذ نَحَر نفسه، وتناول عُمر يد عبد الرحمن بن عوف، فقدّمه، فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى، وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون، غير أنهم قد فَقَدوا صوت عمر، وهم يقولون: سبحان الله سبحان الله، فصلّى بهم عبد الرحمن صلاةً خفيفةً، فلما انصرفوا، قال: يا ابن عباس، انظر من قتلني، فجال ساعةً، ثم جاء، فقال: غلام المغيرة، قال: الصَّنَعُ؟ قال: نعم، قال: قاتله الله، لقد أمرتُ به معروفاً، الحمد لله الذي لم يجعل مِيتتي بيد رجل يَدَّعِي الإسلام، قد كنتَ أنت وأبوك تحبان أن تَكْثُر العلوج بالمدينة، وكان العباس أكثرهم رقيقاً، فقال: إن شئت فعلت، أي إن شئت قتلنا، قال: كذبتَ، بعدَما تكلموا بلسانكم، وصَلَّوا قبلتكم، وحُّوا حجكم، فاحتُمِل إلى بيته، فانطلقنا معه، وكأن الناس لم تُصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقائل يقول: لا بأس، وقائل يقول: أخاف عليه، فأتي بنبيذ فشربه، فخرج من جوفه، ثم أتي بلبن فشربه، فخرج من جرحه، فعَلِموا أنه ميت، فدخلنا عليه، وجاء الناس، فجعلوا يُثنون عليه، وجاء رجل شابّ، فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك، من صحبة رسول الله وَلآ ، وَقَدَم في الإسلام ما قد علمتَ، ثم وُلِّيتَ فعدلتَ، ثم شهادةٌ، قال: ودِدتُ أن ذلكَ كفافٌ، لا عليّ، ولا لي، فلما أدبر إذا إزاره يَمَسّ الأرض، قال: رُدُّوا علي الغلام، قال: يا ابن أخي ارفع ثوبك، فإنه أبقى لثوبك، وأتقى لربك، يا عبد الله بن عمر انظر ما عليّ من الدين، فحَسَبُوه، فوجدوه ستة وثمانين ألفاً، أو نحوه، قال: إن وَفَى له مال آل عمر فأدِّه من أموالهم، وإلا فسَلْ في بني عديّ بن كعب، فإن لم تَفِ أموالهم، فسل في قريش، ولا تَعْدُهم إلى غيرهم، فأدِّ عَنِّي هذا المال، انطلق إلى عائشة أم المؤمنين، فقل: يَقْرأ عليكِ عمر السلامَ، ولا تقل: أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميراً، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يُدْفَن مع صاحبيه، فسَلَّم، واستأذن، ثم دخل عليها، فوجدها قاعدةً تبكي، فقال: يَقرَأ عليكِ عمر بن الخطاب السلامَ، (١) صحّح في ((الفتح)) أنه حطّان التميميّ اليربوعيّ، وأما ما جاء أنه غيره، فهو بسند ضعيف منقطع، فتنبه. ٤٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج .- كتاب المساجد ومواضع الصلاة ويستأذن أن يُدفَن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي، ولأوثرِنٌ به اليومَ على نفسي، فلما أقبل قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء، قال: ارفعوني، فأسنده رجل إليه، فقال: ما لديك؟ قال: الذي تُحِبّ يا أمير المؤمنين أذنت، قال: الحمد لله، ما كان من شيء أهمّ إليّ من ذلك، فإذا أنا قضَيتُ، فاحمِلُوني، ثم سَلِّم، فقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لي، فأدخلوني، وإن رَدَّتني رُدُّوني إلى مقابر المسلمين، وجاءت أم المؤمنين حفصة، والنساء تسير معها، فلما رأيناها قمنا، فوَلَجَت عليه، فبكت عنده ساعةً، واستأذن الرجال، فولَجَت داخلاً لهم، فسمعنا بكاءها من الداخل، فقالوا: أَوْصٍ يا أمير المؤمنين، استَخْلِف، قال: ما أجد أحداً أحقّ بهذا الأمر من هؤلاء النفر، أو الرهط الذين تُؤُفِّي رسول الله وَّ، وهو عنهم راضٍ، فسَمَّى عليّاً، وعثمان، والزبير، وطلحة، وسعداً، وعبد الرحمن، وقالَ: يَشْهَدكم عبدُ الله بن عمر، وليس له من الأمر شيءٌ، كهيئة التعزية له، فإن أصابت الإمرة سعداً، فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيُّكم ما أُمِّر، فإني لم أعزله عن عجز، ولا خيانة، وقال: أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين، أن يعرف لهم حقَّهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيراً، ﴿وَلَّذِينَ نَبَوَّهُو الذَّارَ وَاَلْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أن يُقْبَل من محسنهم، وأن يُعْفَى عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيراً، فإنهم رِدْءُ الإسلام، وجُبَاةُ المال، وغيظ العدوّ، وأن لا يؤخذ منهم إلا فَضْلُهم عن رضاهم، وأوصيه بالأعراب خيراً، فإنهم أصل العرب، ومادّة الإسلام، أن يؤخذ من حواشي أموالهم، ويُرَدَّ على فقرائهم، وأوصيه بذمة الله، وذمة رسوله وّر أن يُوَفَّى لهم بعهدهم، وأن يُقاتَل من ورائهم، ولا يُكَلَّفوا إلا طاقتهم، فلما قُبِض خرجنا به، فانطلقنا نمشي، فسَلَّم عبد الله بن عمر، قال: يستأذن عمر بن الخطاب، قالت: أدخلوه، فأُدخل، فوُضِع هنالك مع صاحبيه، فلما فُرِغ من دفنه، اجتمع هؤلاء الرهط، فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى عليّ، فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف، فقال عبد الرحمن: أيكما تَبَرَّأ من هذا الأمر، فنجعله إليه، واللهُ عليه والإسلام، لَيَنْظُرنّ أفضلهم في نفسه، فأسكت الشيخان، ٤٨٥ (١٧) - بَابُ نَهْيٍ مَنْ أَكَلَ ثُوماً، أَوْ بَصَلاً، أَوْ كُرَّانً، ... إلخ - حديث رقم (١٢٦٢) فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إليّ، والله عليّ أن لا آلُو عن أفضلكم، قالا: نعم، فأخذ بيد أحدهما، فقال: لك قرابة من رسول الله وَلّه، والقِدَم في الإسلام ما قد علمتَ، فالله عليك لئن أَمَّرتُك لتعدِلَنّ، ولئن أمَّرتُ عثمان لتَسمَعَنّ، ولَتُطيعنّ، ثم خلا بالآخر، فقال له مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق، قال: ارفع يدك يا عثمان، فبايَعَهُ، فبايع له عليّ، ووَلَجَ أهل الدار، فبايعوه. انتھی . وروى مالك في ((الموّأ)) عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيِّب، أنه سمعه يقول: لَمّا صَدَر عمر بن الخطاب من منى، أناخ بالأبطح، ثم كَوَّم كُومة بطحاء، ثم طَرَح عليها رداءه، واستلقى، ثم مَدَّ يديه إلى السماء، فقال: اللهم كَبِرت سني، وضَعُفت قُوّتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مُضَيِّع، ولا مُفَرِّط، ثم قَدِم المدينة، فخطب الناس، فقال: أيها الناس قد سُنَّت لكم السُّنَنُ، وفُرِضت لكم الفرائض، وتُرِكتم على الواضحة، إلا أن تَضِلُّوا بالناس يميناً وشمالاً، وضرب بإحدى يديه على الأخرى، ثم قال: إياكم أن تَهْلكوا عن آية الرجم، أن يقول قائل: لا نجد حَدَّين في كتاب الله، فقد رَجَم رسول الله وَّ﴾، ورجمنا، والذي نفسي بيده، لولا أن يقول الناس: زاد عمر بن الخطاب في كتاب الله تعالى، لكتبتها: ((الشيخُ والشيخةُ فارجموهما ألبتة))، فإنا قد قرأناها، قال مالك: قال يحيى بن سعيد، قال سعيد بن المسيِّب: فما انسلخ ذو الحجة حتى قُتِلَ عمر كَّتُهُ. انتهى(١). (وَإِنِّي) بكسر الهمزة عطفاً على ((إني)) الماضي (لَا أُرَاهُ) بضمّ الهمزة، أي لا أظنّ تفسير ما رأيته من نَقَرات الديك، ويَحْتَمِل أن يكون ((أَرَاهُ)) بفتح الهمزة، بمعنى أعتقده (إِلَّا حُضُورَ أَجَلِي) أي إلا كونها إشارةً إلى قرب موتي (وَإِنَّ) بالكسر أيضاً؛ لما مرّ آنفاً (أَقْوَاماً يَأْمُرُونَنِي) بنونين: الأولى نون الرفع، والثانية نون الوقاية، وفي بعض النسخ بنون واحدة، فيحتمل أن يكون بالتخفيف على حذف إحدى النونين، ويَحْتَمِل أن يكون بالتشديد على الإدغام (أَنْ) بالفتح مصدريّة (أَسْتَخْلِفَ) أي أجعل خليفة يقوم مقامي في أمر الأمة. (١) رواه في ((الموّأ)) برقم (١٢٩٧). ٤٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة قال القرطبيّ تَخْلَتُهُ: معنى الأمر هنا: الْعَرْضُ، والتحضيض، أو الْفُتيا بأنه يجب عليه أن يستخلف، وأنه مأمورٌ بذلك من جهة الله تعالى، وظاهر هذا الأمر أنه إنما كان من هؤلاء الأقوام لَمّا سَمِعُوا من عمر مَلُّه تأوله لمنامه بحضور أجله، وهذا قبل وقوع طعنه . وَيَحْتَمِلُ أن يكون هذا بعد أن طُعِنَ، ويكون بعض الرواة ضمّ أحد الخبرين إلى الآخر، وعلى هذا يدلّ مساقُ هذا الخبر. انتهى(١). (وَإِنَّ اللهَ لَمْ يَكُنْ لِيُضَبِّعَ) يَحْتَمِلُ أن يكون مضارعٍ ضَيّع بالتشديد، من التضييع، ويَحْتَمِل أن يكون بالتخفيف، من الإضاعة، وبها جاء القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٤٣]. وقوله: (دِينَهُ) منصوب على المفعوليّة، وكذا قوله: (وَلَا خِلَافَتَهُ) وقوله: (وَلَا الَّذِي بَعَثَ بِهِ نَبِيَّهُ نَّهِ﴾ من عطف المؤكِّد على المؤكَّد؛ لأن الذي بُعِثَ به ◌َ خر هو دين الله رحمت. قال النوويّ رَّتُهُ: معناه: إن أستخلف فحسَنٌّ، وإن تركتُ الاستخلاف فحسنٌ، فإن النبيّ وَّ لم يستخلف؛ لأن الله وَّ لا يضيع دينه، بل يُقيم له من يقوم به. انتھی(٢). وقال القرطبيّ تَخُّْ: إنما قال ذلك عمر رَُّه؛ لأنه عَلِمَ مما قد فَهِمَه من كتاب الله تعالى، وسَمِعه من رسول الله وَ﴿ أن الله تعالى يستخلف المؤمنين في الأرض، ويُمكِّنُ لهم دينهم، ويُظهره على الدين كلّه، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَّهُمْ فِ الْأَرْضِ كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَمْ دِينَهُمُ الَّذِ آَرْتَضَى لَهُمْ وَيُبَيِّلَهُ مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَّأْ يَعْبُدُونَنِ لَا يُشْرِكُنَ بِ﴾ [النور: ٥٥] الآية، فقال ذلك ثقةً بوعد الله، وتوكّلاً عليه. والخلافة هنا: القيام بأمر أمة محمد # على نحو ما قام به محمد وأبو بكر، وعمر ◌ًَّا. انتهى(٣). صَلىالله (فَإِنْ عَجِلَ) بكسر الجيم، يقال: عَجِلَ عَجَلاً، من باب تَعِبَ وعَجَلَةً: (١) ((المفهم)) ١٦٩/٢ - ١٧٠. (٣) ((المفهم)) ٢/ ١٧٠. (٢) ((شرح النوويّ)) ٥٢/٥. ٤٨٧ (١٧) - بَابُ نَهْيٍ مَنْ أَكَلَ ثُوماً، أَوْ بَصَلاَ، أَوْ كُرَّاثاً، ... إلخ - حديث رقم (١٢٦٢) أسرع، وحَضَرَ، فهو عاجلٌ، ومنه العاجلة للساعة الحاضرة، قاله الفيّوميّ (١). (بِي أَمْرٌ) يعني إن حلّ بي الموت (فَالْخِلَافَةُ شُورَى) بضمّ الشين المعجمة، والقصور: اسم من التشاور، قال الفيّوميّ دَّثُ: وشاورته في كذا، واستشرته: راجعته لأرى رأيه فيه، فأشار عليّ بكذا أراني ما عنده فيه من المصلحة، فكانت إشارةً حسنةً، والاسم الْمَشُورة، وفيها لغتان: سكون الشين، وفتح الواو، والثانية ضمّ الشين، وسكون الواو، وزانُ مَعُونةٍ، ويقال: هي من شارَ الدابّةَ: إذا عَرَضَها في الْمِشْوَارِ، ويقال: من شُرْبِ الْعَسَل، شُبِّهَ حُسْنُ النصيحة بشرب العشل، وتشاور القوم، واشتوروا، والشُّورَى اسم منه، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ مثلُ قولهم: أمرُهُم فَوْضَى بينهم، أي لا يستأثِرُ أحدٌ بشيء دون غيره. (٢) انتهى (٢). (بَيْنَ هَؤُلَاءِ السِّنَّةِ) ((بين)) ظِرف لـ((شُورَى))، يعني أنهم يتشاورون فيما بينهم بشأن الخلافة، ويتّفقون على واحد منهم، وليس المراد أنهم يحكمون معاً، بدليل قول عمر ظُه فيما سبق من حديث ابن عبّاس ظها عند البخاريّ: ((فإن أصابت الإمرة سعداً، فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيُّكم ما أُمِّر)). (الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ، وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ) جملة حاليّة، والسّة هم: عليّ بن أبي طالب، وعثمان بن عفّان، والزبير بن العوّام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقّاص، وعبد الرحمن بن عوف وإنما لم يُدخل سعيد بن زيد معهم، وإنْ كان من العشرة؛ لأنه من أقاربه، فتورّع عن إدخاله، كما توزّع عن إدخال ابنه عبد الله عظيم، قاله النوويّ تَذَتُهُ(٣). [تنبيه]: هؤلاء السّة مع الشيخين، وسعيد بن زيد بن نُفيل هم: العشرة المبشرّون بالجنّة في حديث واحد (٤). (١) ((المصباح المنير)) ٣٩٤/٢. (٣) ((شرح النوويّ)) ٥٢/٥. (٢) ((المصباح المنير)) ٣٢٧/١. (٤) المراد بالعشرة المبشرين بالجنّة هم الذين ذكروا في سياق حديث واحد، وإلا فالمبشّرون أكثر من العشرة. ٤٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة أخرج الإمام أحمد، وأصحاب السنن بسند صحيح، عن عبد الرحمن بن الأخنس، أنه كان في المسجد، فذكر رجل عليّاً ظبه، فقام سعيد بن زيد، فقال: أشهد على رسول الله وَالر أني سمعته، وهو يقول: ((عشرة في الجنة: النبيّ في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعليّ في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، ولو شئت لسميت العاشر، قال: فقالوا: من هو؟ فسكت، قال: فقالوا: من هو؟ فقال: هو سعيد بن زيد)) هذا لفظ أبي داود. وأخرجه أحمد في ((مسنده))، فقا (١٦٣٢) حدّثنا يحيى بن سعيد، عن صدقة بن المثنَّى، حدثني جدِّي رِيَاح بن الحارث، أن المغيرة بن شعبة، كان في المسجد الأكبر، وعنده أهل الكوفة عن يمينه، وعن يساره، فجاءه رجل يُدْعَى سعيد بن زيد، فحيّاه المغيرة، وأجلسه عند رجليه على السرير، فجاء رجل من أهل الكوفة، فاستقبل المغيرةَ، فسَبَّ وسَبّ، فقال: من يَسُبُّ هذا يا مغيرة؟ قال: يسب عليّ بن أبي طالب، قال: يا مغير بن شُعْبَ، يا مغير بن شُعْبَ ثلاثاً، ألا أسمع أصحاب رسول الله وَ﴿ يُسَبُّون عندك، لا تنكر، ولا تُغَيِّر، فأنا أشهد على رسول الله وَه بما سمعت أذناي، ووعاه قلبي، من رسول الله وَ ل﴿، فإني لم أكن أَرْوِي عنه كذباً يسألني عنه إذا لقيته، أنه قال: ((أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعليّ في الجنة، وعثمان في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وتاسع المؤمنين في الجنة))، لو شئت أن أسميه لسميته، قال: فَضَجّ أهل المسجد یناشدونه، یا صاحب رسول الله من التاسع؟ قال: ناشدتموني بالله، واللهِ العظيم أنا تاسع المؤمنين، ورسول الله وَ ﴿ العاشر، ثم أَتْبَع ذلك يميناً، قال: والله لمشهد شَهِده رجل يُغَبِّر فيه وجهه مع رسول الله وَّ أفضل من عمل أحدكم، ولو عُمِّر عمر نوح ليلا. انتهى. وجاء في رواية أخرى أن العاشر هو أبو عبيدة بن الجرّاح ◌َظ ◌ُبه، فقد أخرج النسائيّ في ((الفضائل)) من ((الكبرى)) من طريق عبد الرحمن بن حميد، ٤٨٩ (١٧) - بَابُ نَهْيٍ مَنْ أَكَلَ ثُوماً، أَوْ بَصَلاً، أَوْ كُرَّاثاً، ... إلخ - حديث رقم (١٢٦٢) عن أبيه، أن سعيد بن زيد حدّثه في نفَر أنه سمع رسول الله وَّر قال: ((عشرة في الجنة، أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن، وأبو عبيدة بن الجرّاح، وسعد بن أبي وقّاص))، قال: فعدّ هؤلاء التسعة، ثم سكت عن العاشر، فقال القوم: ننشُدُك الله يا أبا الأعور، أنت العاشر؟ قال: إذ نشدتُموني بالله، أبو الأعور في الجنّة. وأخرجه الترمذيّ من حديث عبد الرحمن بن عوف ظنه أن النبيّ وَلـ قال: ((أبو بكر في الجنّة، وعمر في الجنّة، وعثمان في الجنّة، وعليّ في الجنّة، وطلحة في الجنّة، والزبير في الجنّة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنّة، وسعد بن أبي وقّاص في الجنّة، وسعيد بن زيد في الجنّة، وأبو عُبيدة بن الجرّاح في الجنّة))(١). والله تعالى أعلم. (وَإِنِّي) بكسر الهمزة أيضاً عطفاً على ((إني)) الأول (قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ أَقْوَاماً يَطْعَنُونَ) بضمّ العين وفتحها، وهو الأصحّ هنا، قاله النوويّ، وقال الفيّوميّ: طَعَنَهُ بالرُّمْحِ طَعْناً، من باب قَتَل، وطَعَنَ في الْمَفَازَةِ طَعْناً: ذَهَبَ، وطَعَن في السِّنِّ: كَبِرَ، وطَعَنَ الْغُصنِ في الدار: مال إليها مُعْتَرِضاً فيها، قال الزمخشريّ: طَعَنْتُ في أمر كذا، وكلُّ ما أخذتَ فيه، ودخلتَ فقد طَعَنْتَ فيه، وعلى هذا فقولهم: طَعَنت المرأة في الحيضة، فيه حَذفٌ، والتقدير: طَعَنَتْ في أيام الحيضة، أي دخلت فيها، وطَعَنتُ فيه بالقول، وطَعَنْتُ عليه، من باب قَتَل أيْضاً، ومن باب نَفَعَ لغةٌ: قَدَحْتُ، وعِبْتُ طَعْناً، وطَعَنَاناً، وهو طاعنٌ، وطَعّان في أعراض الناس، وأجاز الفراء يَطْعَن في الكل بالفتح؛ لمكان حرف الحلق، والْمَطْعَنُ يكون مصدراً، ويكون موضعَ الطَّعْنِ. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيَّن بما ذُكر أن ((يَطْعُنُ)) هنا يجوز فيه ضم العين، وفتحها، وأن المعنى المراد هنا هو القدح والعيب، أي يقدحون ويَعِيبون (فِي هَذَا الأَمْرِ) أي الأمر الذي أصدره في وصيّته الآن، وهو جعله أمر (١) حديث صحيح. أخرجه الترمذيّ في ((المناقب)) رقم (٦١١٨)، وأحمد في ((مسنده)) رقم (١٦٧٥). (٢) ((المصباح المنير)) ٣٧٣/٢. ٤٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة الخلافة شُورَى بين هؤلاء السّة (أَنَا ضَرَبْتُهُمْ بِيَدِي هَذِهِ عَلَى الْإِسْلَام) أي حاربتهم، وقاتلتهم على أن يدخلوا في الإسلام، والمراد أنهم ليسوا من السابقين الأولين إليه، ولا ممن رسخ قدمه فيه، بل هم قريبو العهد به، فجملة ((أنا ضربتهم)) صفة لـ((أقواماً)) بعد صفة (فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ) أي الطعن في هذا الأمر، وأرادوا إثارة الفتن (فَأُولَئِكَ أَعْدَاءُ اللهِ الْكَفَرَةُ) بفتحات: جمع كافر، كما قال في الخلاصة» : وَشَاعَ نَحْوُ كَامِلٍ وَكَمَلَهْ وقوله: (الضُّلَالُ) بضمّ الضاد، وتشديد اللام: جمع ضالّ، كما قال في «الخلاصة)» : وَمِثْلُهُ الْفُعَالُ فِيمَا ذُكِّرَا وَذَانِ فِي الْمُعَلِّ لَاماً نَدَرَا قال النوويّ ◌َُّهُ: معناه: إن استحلّوا ذلك فهم كَفَرَةٌ ضُلَالٌ، وإن لم يستحلّوا ذلك، ففعلهم كفعل الكفرة، أي فُخُذوا على أيديهم. انتهى. وقال القرطبيّ تَُّهُ: قوله: ((فإن فعلوا ذلك)) أي إن أفشوا الطعن، وعَمِلوا على الخلاف في ذلك والمشاقّة، ولم يَرْضَوا بالذين اخترتهم، فأولئك عند الله الْكَفَرَة الضُّلّال، وظاهر هذا أنه حَكَم بكفرهم، وكأنه عَلِمَ أنهم منافقون، وعلى هذا يدلّ قوله: ((أنا ضربتهم بيدي على الإسلام))، يعني أنهم إنما دخلوا في الإسلام على تلك الحال، لم تنشرح صدورهم للإسلام، إنما تستّروا بالإسلام، وذلك حال المنافقين. ويَحْتَمِل أنهم لَمّا فَعَلوا فعل الكفّار من الخلاف، وموافقة أهل الأهواء، ومُشاقّة المسلمين، أَظْلَقَ عليهم ما يُطلَق على الكفّار، وعلى هذا فيكون هذا الكفر من باب كُفْرِان النِّعَم والحقوق. انتهى(١). (ثُمَّ إِنِّي لَا أَدَعُ) أي لا أترك (بَعْدِي) أي بعد موتي (شَيْئاً أَهَمَّ عِنْدِي مِنَ الْكَلَالَةِ) قال الحافظ ابن كثير ◌َُّهُ: الكلالة مُشْتَقَّةٌ من الإكليل، وهو الذي يُحيط بالرأس من جوانبه، والمراد هنا مَن يرثه من حواشيه، لا أصوله، ولا فروعه، كما رَوَى الشعبيُّ عن أبي بكر الصديق رضيُّه أنه سئل عن الكلالة؟ (١) ((المفهم)) ٢/ ١٧٠. ٤٩١ (١٧) - بَابُ نَهْىٍ مَنْ أَكَلَ ثُوماً، أَوْ بَصَلاً، أَوْ كُرَّاثاً، ... إلخ - حديث رقم (١٢٦٢) فقال: أقول فيها برأيي، فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه، الكلالة: من لا ولد له ولا والد، فلما وُلِّيَ عمر رظُه قال: إني لأستحي أن أخالف أبا بكر في رأي رآه، كذا رواه ابن جرير وغيره، وقال ابن أبي حاتم في ((تفسيره)): حدَّثنا محمد بن يزيد، عن سفيان، عن سليمان الأحول، عن طاوس، قال: سمعت ابن عباس ظًا يقول: كنت آخر الناس عهداً بعمر نظله، فسمعته يقول: القول ما قلت، وما قلت، وما قلت، قال: الكلالة: من لا ولد له ولا والد، وهكذا قال عليّ، وابن مسعود، وصَحّ عن غير واحد، عن ابن عباس، وزيد بن ثابت، وبه يقول الشعبيّ، والنخعيّ، والحسن، وقتادة، وجابر بن زيد، والحكم، وبه يقول أهل المدينة، وأهل الكوفة والبصرة، وهو قول الفقهاء السبعة، والأئمة الأربعة، وجمهور السلف والخلف، بل جميعهم، وقد حَكَى الإجماع عليه غيرُ واحد، وورد فيه حديثٌ مرفوعٌ(١)، قال أبو الحسين بن اللَّان: وقد رُوي عن ابن عباس ما يخالف ذلك، وهو أنه من لا ولد له، والصحيح عنه الأول، ولعل الراوي ما فَهِمَ عنه ما أراد. انتهى كلام ابن كثير دَّتُهُ(٢). وقال في موضع آخر بعد ذكره تفسير الصدّيق ◌ُه للكلالة الماضي ما نصّه: وهذا الذي قاله الصدِّيق ظُبه عليه جمهور الصحابة، والتابعين، والأئمة في قديم الزمان وحديثه، وهو مذهب الأئمة الأربعة، والفقهاء السبعة، وقول علماء الأمصار قاطبةً، وهو الذي يدُلُّ عليه القرآن، كما أرشد الله أنه قد بَيَّنَ ذلك، ووَضَّحَهُ في قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦]. انتهى كلام ابن كثير تَخْذَثُ(٣)، وهو تحقيقُ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. وقال أبو عبد الله القرطبيّ ◌َّتُهُ في ((تفسيره)): الكلالة مصدرٌ من تكلَّله النسبُ: أي أحاط به، وبه سُمِّي الإكليل، وهي منزلة من منازل القمر؛ (١) الحديث المرفوع ضعيف، ولفظه: ((من لم يترك مالاً ولا والداً، فورثته كلالةٌ))، راجع: ((السلسلة الضعيفة)) للشيخ الألبانيّ رقم (٤٦٥٣). (٢) ((تفسير ابن كثير)) ١/ ٤٦١. (٣) ((تفسير ابن كثير)) ٥٩٦/١. ٤٩٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة لإحاطتها بالقمر إذا احْتَلّ بها، ومنه الإكليل أيضاً، وهو التاج، والعصابة المحيطة بالرأس، فإذا مات الرجل، وليس له وَلَدٌ ولا والد، فورثته كلالةٌ، هذا قول أبي بكر الصديق، وعمر، وعليّ، وجمهور أهل العلم، وذكر يحيى بن آدم، عن شَرِيك، وزهير، وأبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن عبد، قال: ما رأيتهم إلا وقد تواطئوا، وأجمعوا على أن الكلالة مَن مات ليس له ولد ولا والد، وهكذا قال صاحب «كتاب العين»، وأبو منصور اللغوي، وابن عرفة، والْقُتَبِيّ، وأبو عبيد، وابن الأنباريّ، فالأب والابن طرفان للرجل، فإذا ذهبا تكلَّله النسب، ومنه قيل: رَوْضَةُ مُكَلَّلةُ: إذا حُفَّت بالنَّوْر، وأنشدوا: مَسْكَنُهُ رَوْضَةٌ مُكَلَّلَةٌ عَمَّ بِهَا الأَيْهُقَانُ وَالذُّرَقُ(١) يعني نَبْتَيْن، وقال امرؤ القيس [من الطويل]: أَصَاحِ تَرَى بَرْقاً أُرِيكَ وَمِيضَهُ كَلَمْع الْيَدَيْنِ فِي حَبِيٍّ مُكَلَّلٍ(٢) فَسَمُّوا القرابة كلالةً؛ لأنهم أطافوا بالميت من جوانبه، وليسوا منه، ولا هو منهم، وإحاطتهم به أنهم يَنْتَسِبون معه، كما قال أعرابيّ: مالي كثير، ويرثني كلالةٌ مُتَرَاخِ نسبهم، وقال الفرزدق [من الطويل]: عَنِ ابْنَيْ مَنَافِ عَبْدِ شَمْسٍ وَهَاشِمٍ وَرِثْتُمْ قَنَاةَ الْمِّجْدِ لَا عَنْ كَلَالَةٍ وقال آخر [من المتقارب]: وَإِنَّ أَبَا الْمَرْءِ أَحْمَى لَهُ وَمَوْلَى الْكَلَالَةِ لَا يَغْضَبُ وقيل: إن الكلالة مأخوذة من الكَلال، وهو الإعياء، فكأنه يصير الميراث إلى الوارث عن بُعْدٍ وإعياء، قال الأعشى [من الطويل]: فَأَلَيْتُ لَا أَرْثِي لَهَا مِنْ كَلَالَةٍ وَلَا مِنْ وَجَّى(٣) حَتَّى تُلَاقِي مُحَمَّدَا وذكر أبو حاتم، والأثرم، عن أبي عبيدة، قال: الكلالة كلُّ من لم يرثه أبٌ، أو ابنٌ، أو أخٌ، فهو عند العرب كلالةٌ. (١) ((الأَّيهُقان)): الجرجير البريّ، و((الذُّرَقُ)) كصُرَدٍ: بقلة وحشيشة كالقتّ الرطب. (٢) وَمضَ البرق: لَمَعَ، و((الْحَبيّ)): السحاب المعترض، و((المكلَّل)): الذي في جوانبه البرق مثل الإكليل. (٣) الوجَى: الْحَفَى. ٤٩٣ (١٧) - بَابُ نَّهْيٍ مَنْ أَكَلَ ثُوماً، أَوْ بَصَلاَ، أَوْ كُرَّاناً، ... إلخ - حديث رقم (١٢٦٢) قال أبو عُمر: ذِكْر أبي عبيدة الأخ هنا مع الأب والابن في شرط الكلالة غلطٌ، لا وجه له، ولم يذكره في شرط الكلالة غيره. ورَوَى عن عمر بن الخطاب ظُبه أن الكلالة من لا وَلَدَ له خاصّةً، ورُوي عن أبي بكر ثم رجعا عنه، وقال ابن زيد: الكلالة الحيّ والميت جميعاً، وعن عطاء: الكلالةُ المال، قال ابن العربيّ: وهذا قول طريف لا وجه له. قال القرطبيّ: له وجه يتبيّن بالإعراب آنفاً. ورُوي عن ابن الأعرابيّ: أن الكلالة بنو العم الأباعد، وعن السُّديّ: أن الكلالة الميت، وعنه مثل قول الجمهور. وهذه الأقوال تتبيّن وجوهها بالإعراب، فقرأ بعض الكوفيين: ((يُوَرِّث كلالةً)) بكسر الراء وتشديدها، وقرأ الحسن، وأيوب: ((يُورِثُ)) بكسر الراء وتخفيفها، على اختلاف عنهما، وعلى هاتين القراءتين لا تكون الكلالةُ إلا الوَرَثَةَ، أو المال، كذلك حَكَى أصحاب المعاني، فالأول مِن وَرَّثَ، والثاني من أَوْرَثَ، و((كلالةً)) مفعوله، و((كان)) بمعنى وَقَعَ، ومن قرأ ((يُورَثُ)) بفتح الراء احتَمَلَ أن تكون الكلالة المالَ، والتقدير: يُورَثُ وِراثةَ كلالةٍ، فتكون نعتاً لمصدر محذوف، ويجوز أن تكون الكلالة اسماً للورثة، وهي خبر ((كان))، فالتقدير: ذا وَرَثَةٍ، ويجوز أن تكون تامّة بمعنى وقع، و((يورَثُ)) نعت لـ((رجلٌ))، و((رجلٌ)) رُفِعَ بـ((كان))، و((كلالةً)) نُصِب على التفسير، أو الحال على أن الكلالة هو الميت، والتقدير: وإن كان رجلٌ يورَث مُتَكَلِّل النسب إلى الميت. انتهى كلام القرطبيّ تَخْتُهُ(١). [تنبيه]: ذكر الله وم في كتابه الكلالة في موضعين: في قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةً أَوِ أَمْرَأَةٌ﴾ الآية [النساء: ١٢]، وقوله تعالى: ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِ الْكَلَّةِ﴾ [النساء: ١٧٦]، ولم يذكر في الموضعين وارثاً غير الإخوة، فأما في الآية الأولى فأجمع العلماء على أن الإخوة فيها عُنِي بها الإخوة للأم؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ (١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٧٦/٥ - ٧٧. ٤٩٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة فِى الثُّلُثِ﴾، وكان سعد بن أبي وقاص يقرأ: ((وله أخ أو أخت من أمه))، ولا خلاف بين أهل العلم أن الإخوة للأب والأم، أو للأب ليس ميراثهم كهذا، فدلَّ إجماعهم على أن الإخوة المذكورين في آخر السورة هم إخوة الْمُتَوَفَّى لأبيه وأمه، أو لأبيه؛ لقوله رَتْ: ﴿وَإِن كَانُّوْاْ إِخْوَةَ رِّجَالًا وَنِسَآءٍ فَلِلَّذَّكَرِ مِثْلُ حَظٍ اُلْأُنثَّيْنِ﴾، ولم يختلفوا أن ميراث الإخوة للأم ليس هكذا، فدَلَّت الآيتان أن الإخوة كُلَّهم جميعاً كلالةٌ. وقال الشعبيّ: الكلالة ما كان سوى الولد والوالد، من الورثة إخوةً أو غيرهم من العصبة، كذلك قال عليّ، وابن مسعود، وزيد، وابن عباس څ، قال الطبريّ: والصواب أن الكلالة هم الذين يرثون الميت مَن عدا ولده ووالده؛ لصحة خبر جابر ته، فقلت: يا رسول الله إنما يرثني كلالةٌ، أَفْأُوصي بمالي كلِّه؟ قال: ((لا ... )) الحديث، متّفقٌ عليه(١). [فائدة]: قال أهل اللغة: يقال: رجلٌ كلالةٌ، وامرأةٌ كلالةٌ، ولا يثنَّى، ولا يُجمَعُ؛ لأنه مصدرٌ، كالوكالة، والدلالة، والسَّمَاحة، والشَّجَاعة، وأعاد ضمير مفرد في قوله: ﴿وَلَهُ: أَخُ﴾، ولم يقل: لهما، وقد سبق ذكر الرجل والمرأة، على عادة العرب، إذا ذَكَرت اسمين، ثم أَخَبَرَت عنهما، وكانا في الحكم سواءً، ربما أضافت إلى أحدهما، وربما أضافت إليهما جميعاً، تقول: من كان عنده غلام وجارية، فليحسن إليه، وإليها، وإليهما، وإليهم، قال الله تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا قَاللَّهُ أَوْلَى بِمَّ﴾ الآية، ويجوز أولى بهم، قاله الفراء وغيره(٢). (مَا) نافيةٌ (رَاجَعْتُ رَسُولَ اللهِ ◌ِ ◌ِهِ فِي شَيْءٍ) أي من أحكام الدين (مَا رَاجَعْتُهُ فِي الْكَلَالَةِ) أي بيان حكمها، و((ما)) مصدريّةٌ، والمصدر المؤول نعت المصدر مفعول مطلقٌ لـ((راجعتُ))، أي مثل مراجعتي في الكلالة (وَمَا أَغْلَظَ) أََّ، وهو بالبناء للفاعل (لِي فِي شَيْءٍ) أي مما سأله من الأحكام (مَا أَغْلَظَ لِي فِيهِ) أي مثل إغلاظه في سؤالي عن الكلالة (حَتَّى طَعَنَ) بالبناء للفاعل (١) راجع: ((الجامع لأحكام القرآن)) ٧٨/٥. (٢) راجع: ((الجامع لأحكام القرآن)) ٧٨/٥. ٤٩٥ (١٧) - بَابُ نَهْيٍ مَنْ أَكَلَ ثُوماً، أَوْ بَصَلاَ، أَوْ كُرَّاناً، ... إلخ - حديث رقم (١٢٦٢) أيضاً (بِإِصْبَعِهِ) تقدّم أن فيها عشر لغات، تثليث الهمزة، مع تثليث الموحّدة، والعاشرة أُصبوع بالضمّ، وزانُ أُسْبُوع، وأفصحها كسر الهمزة، وفتح الموحّدة (فِي صَدْرِي) أي تأديباً له لتشدّدة في السؤال. قال أبو العبّاس القرطبيّ تَخُّْهُ ما حاصله: مقتضى الآية الأولى أن كلَّ واحد من الأخوين له السدس، سواء كان أحدهما ذكراً أو أنثى، فإن كانوا أكثر اشتركوا في الثلث، ومقتضى الآية الثانية أن للأخت النصف، وللاثنين الثلثين، ولم يُبَيَّن في واحدة من الآتين الإخوة، هل هي لأمّ، أو لأب، أو لهما؟ ثم إذا تنزّلنا على أن الإخوة في الأولى للأم، وفي الثانية للأب، أو أشقّاءُ، فهل ذلك فرضهم إذا انفردوا؟ أو يكون ذلك فرضهم، وإن كان معهم بعض الورثة؟ كلُّ ذلك أمورٌ مطلوبة، والوصول إلى تحقيق تلك المطالب عَسِيرٌ، كما سنبيّن الصحيح من ذلك كلّه في ((الفرائض)) - إن شاء الله تعالى -. فلَمّا استُشكلت على عمر رَُّله هذه الوجوه تشوّف إلى معرفتها بطريق يُزيح له الإشكال، فأَلَحّ على النبيّ وَّه بالسؤال عن ذلك، حتى ضرب النبيّ وَّـ على صدره، وأغلظ عليه في ذلك؛ رَدْعاً له عن الإلحاح؛ إذ كان قد نُهي عن كثرة السؤال، وتنبيهاً له على الاكتفاء بالبحث عمّا في الكتاب من ذلك، وعلى أن الكتاب يُبيِّنُ بعضه بعضاً. وقال الخطّابِيّ ◌َّتُهُ: يُشبه أن يكون لم يُفْتِهِ، ووكل الأمر إلى بيان الآية؛ اعتماداً على علمه وفهمه؛ ليتوصَّلَ إلى معرفتها بالاجتهاد، ولو كان السائل ممن لا فَهْمَ له لَبَيَّنَ له البيان الشافي. قال: وإن الله تعالى أنزل في الكلالة آيتين: إحداهما في الشتاء، وهي التي في أول ((سورة النساء))، وفيها إجمالٌ، وإبهامٌ لا يكاد يتبيّن المعنى من ظاهرها، ثم أنزل الآية التي في آخر ((النساء)) في الصيف، وفيها زيادة بيان. انتھی(١). (فَقَالَ) وََّ، وفي نسخة: ((وقال)) ((يَا عُمَرُ أَلَا) أداة تحضيض (تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ) أي الآية التي نزلت في فصل الصيف، وهو أحد الفصول الأربعة (١) ((المفهم)) ١٧٢/٢. ٤٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة المشهورة، قال الفيّوميّ تَخّْثُ: السنة: أربعة أزمنة، وهي الفُصول أيضاً: [فالأول]: الرَّبِيع، وهو عند الناس الخَرِيف، سَمَّته العرب رَبِيعاً؛ لأن أوّل المطر يكون فيه، وبه يَنْبُت الربيع، وسمّاه الناس خَرِيفاً؛ لأن الثمار تُخْتَرَف فيه، أي تُقْطَع، ودخوله عند حلول الشمس رأس الميزان. [والثاني]: الشتاء، ودخوله عند حلول الشمس رأس الْجَدْي. [والثالث]: الصيف، ودخوله عند حلول الشمس رأس الحمل، وهو عند الناس الربيع. [والرابع]: الْقَيْظُ، وهو عند الناس الصيف، ودخوله عند حلول الشمس رأس السَّرَطَان. انتهى(١). (الَّتِي فِي آخِرٍ سُورَةِ النِّسَاءِ») يعني قوله تعالى: ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِ اَلْكَلَلَةِ﴾ الآية [النساء: ١٧٦]. (وَإِنِّي إِنْ أَعِشْ) بفتح أوله، وكسر ثانيه، من عاش يعيش، يقال: عاش يَعيش عيشاً، كسار يسير سيراً: صار ذا حياة، فهو عائشٌ، والأنثى عائشة، وعيّاشٌ أيضاً مبالغةٌ(٢)، وقوله: (أَقْضٍ) مجزوم على أنه جواب الشرط، أي أحكم، يقال: قضيتُ بين الخصمين، وعليهما: أي حكمت(٣). (فِيهَا) أي في الكلالة، أي في معرفة أحكامها (بِقَضِيَّةٍ) أي بقضاء، فالمراد بالقضيّة هنا معناها المصدريّ، قال في ((القاموس)): ((القضاءُ))، ويُقصر: الحكم، قَضَى عليه يَقْضِي قَضْياً، وقَضَاءً، وقَضِيَّةً، وهي الاسمِ أيضاً. انتهى (٤). (يَقْضِي بِهَا) أي بتلك القضية (مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَمَنْ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ) يعني أنه يستوي في فهم تلك القضيّة الخاصّ والعامّ؛ لوضوحها وبيانها . قال القرطبيّ تَخْذّتُهُ: هذا يدلّ على أنه كان اتّضح له وجهُ الصواب فيها، وأنه كان قد استعمل فِكْرَه فيها حتى فَهِمَ ذلك، وأنه أراد أن يوضّح ذلك على غاية الإيضاح، ولم يتمكّن من ذلك في ذلك الوقت الحاضر للعوائق والموانع، ثم فاجأته المنّة رَظُه، ولم يُرْوَ عنه فيها شيءٌ من ذلك. (١) ((المصباح المنير)) ٢٥٦/١. (٣) ((المصباح)) ٢/ ٥٠٧. (٢) ((المصباح)) ٤٤٠/٢. (٤) ((القاموس المحيط)) ٣٧٨/٤. ٤٩٧ (١٧) - بَابُ نَهْيٍ مَنْ أَكَلَ ثُوماً، أَوْ بَصَلاَ، أَوْ كُرَّاناً، ... إلخ - حديث رقم (١٢٦٢) لكن قد اهتدى علماء السلف لفهم الآيتين، وأوضحوا ذلك، فتبيَّن الصبح لذي العينين، وسيأتي ذلك في موضعه - إن شاء الله تعالى. انتهى كلام القرطبيّ ◌َُّ(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ قَالَ) عمر ◌َه (اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ عَلَى أُمَرَاءِ الْأَمْصَارِ) أي الذين ولّاهم على أمصار المسلمين النائية من المدينة (وَإِنِّي) وفي نسخة: ((فإني)) (إِنَّمَا بَعَثْتُهُمْ عَلَيْهِمْ) أي على أهل الأمصار (لِيَعْدِلُوا) بكسر الدال، من العَدْل - بفتح، فسكون - وهو خلاف الْجَوْر، قال الفيّومي تَُّ: العَدْلُ: القَصْدُ في الأمور، وهو خلاف الْجَورِ، يقال: عَدَلَ في أمره عَدْلاً، من باب ضَرَبَ، وعدل على القوم عَدْلاً أيضاً، ومَعْدِلَةً بكسر الدال وفتحها، وأما عَدَلَ يَعْدَل بكسر الدال في الماضي، وفتحها في المضارع، من باب تَعِبَ، فهو بمعنى جار وظَلَم. انتهى بتصرّف(٢). (عَلَيْهِمْ، وَلِيُعَلِّمُوا) بتشديد اللام، من التعليم (النَّاسَ دِينَهُمْ) وقوله: (وَسُنَّةَ نَبِّهِمْ وَّه) عطف تفسير وبيان لـ(دينهم))؛ لأن دينهم هو سنّة النبيّ ◌ََِّ، وهو الإسلام، قال الله رَك: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ اَلْإِسْلَمُ﴾، وهو الذي أكمله الله تعالى، ورضيه لنا، قال تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَتَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] (وَيَقْسِمُوا فِيهِمْ فَيْئَهُمْ) بفتح الفاء، وسكون التحتانيّة، وهو: ما أَصيب من أموال الكفّار بعد أن تضع الحرب أوزارها، وأما ما أُصيب منهم عَنْوَةً، والحرب قائمةٌ، فهو الغنيمة. قال ابن الأثير تَُّ: ((الْفيءُ)): هو ما حصل للمسلمين من أموال الكفّار من غير حرب، ولا جهاد، وأصل الفيء: الرجوع، يقال: فاء يفيء فِئَةً، وفُيُوءاً، كأنه كان أصله لهم، فرجع إليهم، ومنه قيل للظلّ الذي يكون بعد الزوال: فيٌ؛ لأنه يرجع من جانب الغرب إلى جانب الشرق. قال: والغَنِيمة: ما أصيب من أموال أهل الحرب، وأوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب. انتهى كلام ابن الأثير تَذَتُهُ(٣). قال الجامع عفا الله عنه: لقد صدق في قوله: ((كأنه كان أصله لهم إلخ))؛ (١) ((المفهم)) ٢/ ١٧٣. (٣) ((النهاية)) ٣٨٩/٣ و٤٨٢. (٢) ((المصباح المنير)) ٣٩٦/٢. ٤٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة لأن منافع الدنيا من المال وغيره خُلقت؛ ليستعين بها المؤمنون على طاعة الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِىَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَاَلَّيِّبَتِ مِنَ الْرِّزْقِ قُلّ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ اُلْقِيَمَةُ﴾ [الأعراف: ٣٢] الآية، فاستولى عليها الكفّار، واغتصبوها منهم، فلما أقام المؤمنون الجهاد، وغلبوا عليهم، وأخذوا أموالهم، فقد رجع إليهم ما اغتصبوه منهم، فلهذا سمّاه الله تعالى فيئاً، والله تعالى أعلم بالصواب. (وَيَرْفَعُوا) أي أمراء الأمصار (إِلَيَّ مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْرِهِمْ) أي أمر أهل الأمصار الذي لا يستطيعون حلّه، ولا يقدرون على أن يقيموه على الوجه المطلوب، فيرفعوه إلى وليّ الأمر حتى يقوم بحلّ ما أشكل منه، ويُعينهم على إقامته على الوجه المطلوب. (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ تَأْكُلُونَ شَجَرَتَيْنٍ) تقدّم أن إطلاق الشجر على ما لا ساق له، مثل البصل والثوم جائز لغةً، وهو الراجح؛ لأحاديث هذا الباب الصحيحة، وإن كان أكثر أهل اللغة لا يُطلقونه إلا على ما له ساق، وأما ما لا ساق له، فهو النَّجْم، فتنبّه. وقوله: (لَا أَرَاهُمَا) بالبناء للفاعل: أي لا أعتقدهما (إِلَّا خَبِيثَتَيْنٍ) جملة في محل نصب على الحال، سُمِّيَا خبيثتين؛ لقبح رائحتهما، وتقدّم أن الخبيث في اللغة: هو المكروه من قول، أو فعل، أو غير ذلك، وقوله: (هَذَا الْبَصَلَ وَالثُّومَ) يَحْتَمِل النصب على البدليّة من ((شجرتين))، ويَحْتَمِل الرفع، على أنه مبتدأ وخبره، والجملة مستأنفة استئنافاً بيانيّاً، كأنه قيل له: ما هاتان الشجرتان؟، فأجاب بقوله: هذا البصلُ والثُّومُ. (لَقَدْ) وفي نسخة: ((ولقد)) بالواو (رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا) أي ريح البصل والثوم (مِنَ الرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ) النبويّ (أَمَرَ بِهِ) أي بإخراجه من المسجد (فَأُخْرِجَ) بالبناء للمفعول (إِلَى الْبَقِيعِ) بفتح الموحّدة، وكسر القاف: مقبرة المدينة، وإنما أُخرج إلى ذلك المكانَ البعيد، ولم يُترك خارج المسجد؛ تشديداً في تأديبه حتى لا يعود مرّةً أخرى. (فَمَنْ أَكَلَهُمَا) أي من أراد أكل البصل والثُّومِ (فَلْيُمِتْهُمَا) بضمّ حرف المضارعة، من الإماتة، أي ليُزل رائحتهما الكريهة (طَبْخاً) منصوب بنزع ٤٩٩ (١٧) - بَابُ نَهْيٍ مَنْ أَكَلَ ثُوماً، أَوْ بَصَلاَ، أَوْ كُرَّاثاً، ... إلخ - حديث رقم (١٢٦٢) الخافض، أي بالطبخ، وإماتة الشيء: كسرُ حِدّته، ومنه قولهم: قتلت الخمر: إذا مزجتها بالماء، وكسرت حِدّتها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمر رضيالله عنه هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٢٦٢/١٧ و١٢٦٣] (٥٦٧) وسيأتي في ((كتاب الفرائض)) (١٦١٧)، و(النسائيّ) في ((المساجد)) (٤٣/٢) وفي ((الكبرى)) (٧٨٧) و(التفسير)) من ((الكبرى)) (١١١٣٥) و((الأطعمة)) منها (٦٦٧٣ و٦٦٨٢ و٦٦٨٤)، و(ابن ماجه) في ((إقامة الصلاة)) (١٠١٤) و(الأطعمة)) (٣٣٦٣)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده)) (ص١١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥١٠/٢ - ٥١١ و٣٠٤/٨)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٣٣٥/٣ - ٣٣٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٥/١ و٢٦ و٤٨ - ٤٩)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٠ و٢٩)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٦٦٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٠٩١)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢٣٨/٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٢١٧ و١٢١٨ و١٢١٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٢٣٦ و١٢٣٧ و١٢٣٨)، و(الطبريّ) في ((تفسيره)) (١٠٨٧٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٦/ ٢٢٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في انتقاد الحافظ أبي الحسن الدارقطنيّ ◌َُّ على المصنّف هذا الحديث: قال النوويّ نَّتُهُ: هذا الحديث مما استدركه الدارقطنيّ على مسلم، وقال: خالف قتادة في هذا الحديث ثلاثة حفاظ، وهم منصور بن المعتمر، وحصين بن عبد الرحمن، وعَمْرو بن مُرّة، فرووه عن سالم، عن عمر منقطعاً، لم يذكروا فيه معدان، قال الدارقطنيّ: وقتادة وإن كان ثقةً، وزيادة الثقة مقبولة عندنا، فإنه مُدَلِّس، ولم يَذكُر فيه سماعَهُ من سالم، فأشبه أن يكون بَلَغه عن سالم، فرواه عنه. ٥٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة قال النوويّ: هذا الاستدراك مردودٌ؛ لأن قتادة، وإن كان مُدَلِّساً، فقد قدمنا في مواضع من هذا الشرح أن ما رواه البخاريّ ومسلم عن المدلسین، وعنعنوه، فهو محمولٌ على أنه ثبت من طريق آخر سماع ذلك المدلِّس هذا الحديثَ ممن عنعنه عنه، وأكثر هذا، أو كثير منه يَذكُر مسلم وغيره سماعه من طريق آخر، متصلاً به، وقد اتفقوا على أن المدلِّس لا يُحتَجُّ بعنعنته، كما سبق بيانه في الفصول المذكورة في مقدمة هذا الشرح، ولا شك عندنا في أن مسلماً كَثْتُهُ يَعْلَم هذه القاعدة، ويعلم تدليس قتادة، فلولا ثبوت سماعه عنده لم يَحْتَجَّ به، ومع هذا كله فتدليسه لا يلزم منه أن يَذكُر معداناً، من غير أن يكون له ذكر، والذي يُخاف من المدلِّس أن يَحذِف بعض الرواة، أما زيادة من لم يكن فهذا لا يفعله المدلِّس، وإنما هذا فعل الكاذب المجاهر بكذبه، وإنما ذِكْرُ معدان زيادة ثقة، فيجب قبولها . والعجب من الدارقطني: في كونه جعل التدليس موجِباً لاختراع ذكر رجل لا ذكر له، ونسبه إلى مثل قتادة الذي محلُّهُ من العدالة والحفظ والعلم بالغاية العالية، وبالله التوفيق. انتهى كلام النوويّ تَظّفُهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما ردّ به النوويّ على الدار قطنيّ أمران: أحدهما: أن ما كان في ((الصحيحين)) معنعناً عن طريق المدلّسين محمول على السماع. والثاني: أن هذا ليس من نوع التدليس؛ لأن التدليس إنما يُخاف فيه من الإسقاط، وهذا زيادة، لا إسقاط، بل هو من زيادة الثقة، فيجب قبولها، هذا ملخّص ردّه نّلهُ. وعندي أن قتادة وإن كان معروفاً بالتدليس، فهذا ليس مما دلّسه قطعاً؛ لأنه رواه شعبة عنه كما في الرواية التالية، وقد ثبت وعُرف أن شعبة لا يروي عن قتادة إلا ما صرّح فيه بالسماع، نُقل عنه أنه قال: كنت أتفقّد فم قتادة، فإذا قال: ((حدّثنا))، و((سمعتُ)) حفظته، وإذا قال: حدّث فلانٌ تركته، وقال أيضاً: كَفَيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش، وأبي إسحاق، وقتادة. (١) ((شرح النوويّ)) ٥١/٥ - ٥٢.