Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ (١٧) - بَابُ نَهْيٍ مَنْ أَكَلَ ثُوماً، أَوْ بَصَلاَ، أَوْ كُرَّاناً، ... إلخ - حديث رقم (١٢٥٧) أبي أيوب: ((ذكرُ ما خَصَّ الله نبيه وَلي به من ترك أكل الثوم ونحوه مطبوخاً)). وقد جَمَع القرطبيّ في ((المفهم)) بين الروايتين بأن الذي في القِدْر لم يَنْضِج حتى تَضْمَحِلّ رائحته، فبقي في حكم النيء. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: الذي رجّحه الحافظ تَخْلُ من كون رواية ((بقِدر)) أصحّ هو الظاهر؛ لما ذكره، ولأن فيه السلامة من دعوى التصحيف على الرواة الثقات، ولأن معناه صحيح على التأويل الذي قاله القرطبيّ نَّتُهُ، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (فِيهِ) أي في ذلك القدر (خُضَرَاتٌ) قال في ((الفتح)): ضُبِط في رواية أبي ذرّ بضم الخاء، وفتح الضاد المعجمتين، وهو جمع خُضْرَة، ولغيره بفتح أوله، وكسر ثانيه، ويجوز مع ضم أوله ضمُّ الضاد، وتسكينها أيضاً. انتهى. وقال في ((العمدة)): قال ابن التين: رَوَيناه بفتح الخاء، وكسر الضاد، وقال ابن قرقول: ضبطه الأصيليّ بضمّ الخاء، وفتح الضاد، والمعروف (٢) الأول. انتهى(٢). (مِنْ بُقُولٍ): ((من)) بيانيّة، ويجوز كونها للتبعيض، قاله في ((العمدة)) (فَوَجَدَ) النبيّ وَّ (لَهَا) أي لتلك الخضرات (رِيحً) المراد الريح الكريه (فَسَأَلَ) أي عما فيها (فَأُخْبِرَ) بالبناء للمفعول (بِمَا فِيهَا) أي بما في تلك القدر، وقد تقدّم أنه يؤنّث، وقد يُذكّر (مِنَ الْبُقُولِ) بالضمّ جمع بَقَل، كفلس وفُلُوس، وقد تقدّم أنه كل نبت اخضرّت به الأرض (فَقَالَ) وَ (قَرِّبُوهَا))) أمرٌ من التقريب، والضمير المنصوب يجوز أن يرجع إلى الخضرات، ويجوز أن يرجع إلى القدر، ويجوز أن يرجع إلى البقول، أفاده في ((العمدة))(٣). (إِلَى بَعْضٍ أَصْحَابِهِ) وَّ، قال الكرمانيّ كَّتُ: فيه النقل بالمعنى؛ إذ الرسول وَّه لم يقله بهذا اللفظ، بل قال: قَرِّبوها إلى فلان مثلاً، أو فيه حذفٌ، أي قال: قَرِّبوها مشيراً، أو أشار إلى بعض أصحابه. انتهى. قال الحافظ تَّتُهُ: والمراد بالبعض أبو أيوب الأنصاريّ، ففي ((صحيح (١) ((الفتح)) ٣٩٨/٢ - ٣٩٩. (٣) ((عمدة القاري)) ٢١٢/٦. (٢) ((عمدة القاري)) ٢١٢/٦. ٤٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة مسلم)) من حديث أبي أيوب في قصة نزول النبيّ وَلّر عليه قال: فكان يصنع للنبيّ وَله طعاماً، فإذا جيء به إليه - أي بعد أن يأكل النبيّ وَّ منه - سأل عن موضع أصابع النبيّ وَّر، فصنع ذلك مرّةً، فقيل له: لم يأكل، وكان الطعام فيه ثُومٌ، فقال: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: ((لا، ولكن أكرهه)). انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الحافظ تَخُّْ من أن ذلك البعض هو أبو أيوب رضيه هو الظاهر؛ لما ذكره، وقد تعقّبه العينيّ في ذلك، فإن أراد الاعتراض على جزمه بأنه أبو أيوب، فله وجه، وإلا فلا، فتأمّل ما كتبه بالإنصاف(٢)، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (فَلَمَّا رَآهُ) أي رأى النبيّ وَّر ذلك الرجل (كَرِهَ أَكْلَهَا) جملة في محلّ نصب على الحال، أي حال كونه كارهاً أكل ما في تلك القدر؛ لكونه ويله ترك أكلها (قَالَ) بَِّ لذلك الرجل («كُلْ) ثم علّل تركه لها، وأمْرَه بأكلها بقوله: (فَإِنِّي) الفاء فيه للتعليل، أي لأني (أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي))) أي أُسارُّ من لا تُسارُ، وهم الملائكة، قال في ((القاموس)): وناجاه مناجاةً، ونِجاءً: سارّه، وانتجاه: خصّه بمناجاته، وناجى القومُ: تسارُّوا، كتَنَاجَوْا، قال: ونَجَاه نَجْواً، ونَجْوَى: سارّه، ونَكَهَهُ، والنَّجْوَى: السِّرُّ، والْمُسَارُّون، اسمٌ، ومصدرٌ. انتهى بتصرّف(٣). قال القرطبيّ تَخْلَتُهُ: هذا يُشعر بأن هذا الحكم خاصّ به و8َ؛ إذ هو المخصوص بمناجاة الملك، ولكن قد عُلِّلَ هذا الحكم في أول الحديث بما يقتضي التسوية بينه وبين غيره في هذا الحكم، حيث قال: ((فإن الملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه بنو آدم))، وقولِهِ: (ولا تؤذينا بريح الثُّوم)). انتهى (٤). وقال في ((الفتح)): قوله: ((كُلْ، فإني أناجي من لا تناجي)) أي الملائكة، وفي حديث أبي أيوب ظُّه عند ابن خزيمة، وابن حبان من وجه آخر: أن رسول الله ◌َ﴿ أرسل إليه بطعام من خُضْرة، فيه بَصَلٌ، أو كُرّاثٌ، فلم يَرَ فيه أثر رسول الله صل﴿، فأبى أن يأكل، فقال له: ((ما منعك؟»، قال: لم أَرَ أَثَرَ (١) ((الفتح)) ٣٩٨/٢. (٣) ((القاموس المحيط)) ٣٩٣/٤. (٢) ((عمدة القاري)) ٢١٢/٦ - ٢١٣. (٤) ((المفهم)) ١٦٧/٢ - ١٦٨. ٤٦٣ (١٧) - بَابُ نَهْيٍ مَنْ أَكَلَ ثُوماً، أَوْ بَصَلاَ، أَوْ كُرَّاثاً، ... إلخ - حديث رقم (١٢٥٨) يدك، قال: ((أستحي من ملائكة الله، وليس بمحرَّم))، ولهما من حديث أم أيوب ﴿ّا قالت: نزل علينا رسول الله وَل﴾، فتكلَّفنا له طعاماً فيه بعض البقول ... فذكر الحديث نحوه، وقال فيه: ((كلوا، فإني لست كأحد منكم، إني أخاف أُوذي صاحبي))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ظًّا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٢٥٧/١٧ و ١٢٥٨ و١٢٥٩] (٥٦٤)، و(البخاريّ) في ((الأذان)) (٨٥٥) و((الأطعمة)) (٥٤٥٢) و((كتاب الاعتصام)) (٧٣٥٩)، و(أبو داود) في ((الأطعمة)) (٣٨٢٢)، و(الترمذيّ) في ((الأطعمة)) (١٨٠٦)، و(النسائيّ) في ((المساجد)) (٤٣/٢)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٧٣٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥١٠/٢ و٣٠٣/٨)، و(أحمد) في (مسنده)) (٤٠٠/٣)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢٣٧/٤)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٦٦٤ و١٦٦٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٦٤٤)، و(الطبرانيّ) في ((الصغير)) (١٢٨/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٢٢٧ و١٢٢٨)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٢٣١ و١٢٣٢ و١٢٣٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧٦/٣ و٥٠/٧)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٤٩٦). وفوائد الحديث تقدّمت قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّقُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٢٥٨] ( ... ) - (وحَدَّثَنِي(١) مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبَّدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: (١) وفي نسخة: ((حدّثنا)). ٤٦٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ((مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ الثُّوم - وَقَالَ مَرَّةً -: مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ، وَالثُّومَ، وَالْكُرَّاثَ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون السمين البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوقٌ فاضلٌ ربّما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو٢٣٦) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٤. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم أول الباب. ٣ - (ابْنُ جُرَيْج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، تقدّم في الباب الماضي. والباقيان ذُكرا في السند الماضي. وقوله: (الثُّوم) بالجرّ بدل من ((الْبَقْلة)). وقوله: (وَقَالَ مَرَّةً إلخ) فاعل ((قال)) ضمير ابن جُريج، كما بيّنته رواية أبي نعيم في ((مستخرجه))، من طريق رَوْح بن عُبادة، عن ابن جُريج، ولفظه: ((قال ابن جريج: وقال عطاء في وقت آخر: الثوم والبصل والكراث)). وقوله: (فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ) قال القاضي عياض تَخُّْ: قال أبو القاسم بن أبي صفرة: فيه دليلٌ على تفضيل الملائكة على بني آدم، قال: ولا دليل في ذلك، ولا سيّما مع قوله: ((فإن الملائكة تتأذى بما يتأذّى به الإنس))، فقد سوّاهم. انتهى(١). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، ومسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظْلُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٥٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَا جَمِيعاً: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ: ((مَّنْ أَكَلَ (٢) مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ - يُرِيدُ الثُّومَ - (١) ((إكمال المعلم)) ٤٩٩/٢. (٢) وفي نسخة: ((قال: من أكل)). ٤٦٥ (١٧) - بَابُ نَهْيٍ مَنْ أَكَلَ ثُوماً، أَوْ بَصَلاً، أَوْ كُرَّاثاً، ... إلخ - حديث رقم (١٢٥٩) فَلَ يَغْشَنَا (١) فِي مَسْجِدِنَا))، وَلَمْ يَذْكُرِ الْبَصَلَ، وَالْكُرَّاثَ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الْحَنظليّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ إمام [١٠] (ت٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْر) بن عثمان الْبُرْسانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٩/٦٥. والباقون تقدّموا في الباب. وقوله: (قَالَا جَمِيعاً) الضمير لمحمد بن بكر، وعبد الرزّاق. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) يعني إسناد ابن جريج الماضي، وهو: عن عطاء، عن جابر څبه . وقوله: (يُرِيدُ الثُّومَ) قال الحافظ تَخْتُ: لم أعرف الذي فسره، وأظنه ابن جريج، فإن في الرواية التي تلي هذه - يعني عند البخاريّ - عن الزهريّ، عن عطاء الجزم بذكر الثوم، على أنه قد اختُلِف في سياقه عن ابن جريج، فقد رواه مسلم من رواية يحيى القطان، عن ابن جريج بلفظ: ((من أكل من هذه البقلةِ الثُّوم)) - يعني الرواية التي قبل هذه - وقال مرةً: ((من أكل البَصَلَ، والثومَ، والكُرّاث))، ورواه أبو نعيم في ((المستخرج)) من طريق رَوْح بن عُبادة، عن ابن جريج مثله، وعَيَّن الذي قال: ((وقال مرةً))، ولفظه: قال ابن جريج: وقال عطاء في وقت آخر: ((الثوم والبصل والكراث))، ورواه أبو الزبير عن جابر بلفظ: (نَهَى النبيّ ◌َله عن أكل البصل والكراث))، قال: ولم يكن ببلدنا يومئذ الثوم، هكذا أخرجه ابن خزيمة، من رواية يزيد بن إبراهيم، وعبد الرزاق، عن ابن عيينة كلاهما، عن أبي الزبير. قال الحافظ: وهذا لا ينافي التفسير المتقدم؛ إذ لا يلزم من كونه لم يكن بأرضهم أن لا يُجْلَب إليهم، حتى لو امتَنَع هذا الحمل لكانت رواية المثبِتِ مقدمة على رواية النافي. انتهى (٢). (١) وفي نسخة: ((فلا يغشانا في المسجد)). (٢) ((الفتح)) ٣٩٧/٢. ٤٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وقوله: (فَلَا يَغْشَنَا فِي مَسْجِدِنَا) وفي نسخة: ((فلا يغشانا في المسجد)»، قال في ((الفتح)): قوله: ((فلا يغشانا)) كذا فيه بصيغة النفي التي يراد بها النهي، قال الكرمانيّ: أو على لغة من يُجرِي المعتلَّ مُجرَى الصحيح، أو أشبع الراوي الفتحة، فَظُنّ أنها ألف، والمراد بالغشيان: الإتيان، أي فلا يأتينا. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما أشار إليه في توجيه إثبات ألف ((يغشانا))؛ إذ الأصل أن تُحذف للجازم، إما أن نقول: إن ((لا)) هنا للنفي، لا للنهي، فليست جازمة، ويكون المراد بالنفي النهيَ المؤكّد، وإما أن نقول: هي ناهية، والفعل مجزوم، وإنما ثبتت الألف على لغة من يُجري المعتلّ مُجرى الصحيح، فيحذف الحركة المقدّرة، ومنه قول الشاعر [من الطويل]: كَأَنْ لَمْ تَرَى قَبْلِي أَسِيراً یَمَانِیًا وَتَضْحَكُ مِنِّ شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ وقوله: وَلَا تَرَضَّاهَا وَلَا تَمَلَّقِ إِذَا الْعَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقٍ وذكر السيوطيّ كَظُّهُ في ((همع الهوامع)) أنه لغة، وخرّج عليها قراءة قُنبل: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِّ وَيَصْبِرْ﴾ بإثبات ياء ﴿يَّقِى﴾، وجزم ﴿وَيَصْبِرْ﴾ . ويَحْتَمِل أن تكون الألف تولّدت من إشباع الفتحة، والوجه الثاني هو الأولى؛ لأن تخريج القراءة المذكورة على اللغة أولى، فتبصّر. والحديث متّفق عليه، وقد مضى تخريجه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٢٦٠] (٥٦٥) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (١)، قَالَ: لَمْ نَعْدُ أَنْ فُتِحَتْ خَيْبَرُ، فَوَقَعْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي تِلْكَ الْبَقْلَةِ، الثُّومِ، وَالنَّاسُ جِيَاعٌ، فَأَكَلْنَا مِنْهَا أَكْلاً شَدِيداً، ثُمَّ رُحْنَا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَوَجَدَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ الرِّيحَ، فَقَالَ: «مَنْ أَكَلَ (١) وفي نسخة: ((عن أبي سعيد الخدريّ)). ٤٦٧ (١٧) - بَابُ نَهْىٍ مَنْ أَكَلَ ثُوماً، أَوْ بَصَلاَ، أَوْ كُرَّاثاً، ... إلخ - حديث رقم (١٢٦٠) مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ شَيْئاً، فَلَا يَقْرَبَنَّا (١) فِي الْمَسْجِدِ))، فَقَالَ النَّاسُ: حُرِّمَتْ حُرِّمَتْ، فَبَلَغَ ذَاكَ النَّبِيَّ نَّهِ فَقَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَيْسَ بِي تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لِي، وَلَكِنَّهَا شَجَرَةٌ أَكْرَهُ رِيحَهَا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) تقدّم في الباب. ٣ - (الْجُرَيْرِيُّ) - بضم الجيم مصغّراً - هو: سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقة، اختَلَط قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٦٦/٤٠. ٤ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطَعَة الْعَبْدِيّ الْعَوَفيّ البصريّ، ثقةٌ، مشهور بكُنيته [٣] (ت ٨ أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٦/ ١٢٧. ٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان بن عُبيد الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ◌ًَّا، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف، وفيه التحديث، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، وأبو نضرة علّق له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، فبغداديّ، ثم رقّيّ، والصحابيّ، فمدنيّ. ٤ - (ومنها): أن الْجُريريّ قد اختلط ثلاث سنين، كما أسلفته آنفاً، إلا أن الراوي عنه ابن عُليّة، وهو ممن أخذ عنه قبل اختلاطه، وإلى ذلك أشرت في ((عمدة المحتاط)) حيث قلتُ: كَذَا الْجُرَيْرِيُّ سَعِيدٌ اخْتَلَطْ ثَلَاثَةً سِنِينَ حِفْظُهُ هَبَظْ (١) وفي نسخة: ((فلا يَقْرَبَنَا)) مخففاً. ٤٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة قَبْلُ وَإِسْمَاعِيلُ سُفْيَانُ تَلَا وَعَنْهُ شُعْبَةُ وُهَيْبٌ نَقَلَا حَمَّادُ حَمّادٌ وَبِشْرٌ قَدْ حَذَا وَمَعْمَرٌ وَعَبْدُ وَارِثٍ كَذَا وَالثَّقَفِيْ وَابْنُ زُرَيْعِ أَعْلَى(١) وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَعَبْدُ الأَعْلَى ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الجريريّ، عن أبي نضرة. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ ﴿ّه، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سنان ﴿ه، زاد في نسخة: ((الْخُدريّ))، أنه (قَالَ: لَمْ نَعْدُ) بفتح النون، وسكون العين المهملة، مضارع عدا، يقال: عدوتُ الشيء أعدوه، من باب ((قال)): إذا تجاوزته إلى غيره، وعدّيته وتعدّيته بالتشديد فيهما كذلك(٢)، وقوله: (أَنْ فُتِحَتْ خَيْبَرُ) ((أن)) مصدريّة، والفعل مبنيّ للمفعول، والمصدر المؤوّل مفعول به لـ((نَعْدُ))، أي لم نتجاوز فتح خيبر، ولم يطل زمن فتحها حتى وقعنا في أكل الثوم، وفي نسخة: ((لم يَعْدُ)) بالياء، وعليها يكون المصدر المؤوّل فاعلاً، أي لم يتجاوز فتحُ خيبر، وقوعنا، ويَحْتَمِل أن يكون الفاعل ضمير الوقوع المفهوم من السياق، والمصدر مفعولاً، أي لم يتجاوز وقوعنا في الأكل فتح خيبر، والله تعالى أعلم. (فَوَقَعْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ وَّ) بنصب أصحاب على الاختصاص، أي أخصّ أصحاب رسول الله وَعليه، وإلى هذا أشار في ((الخلاصة)) حيث قال: كَـ«أَيُّهَا الْفَتَى)) بِإِثْرِ ((ارْجُونِيَا)) الاخْتِصَاصُ كَنِدَاءٍ دُونَ ((يَا)) كَمِثْلِ «نَحْنُ الْعُرْبَ أَسْخَى مَنْ بَذَلْ)» وَقَدْ يُرَى ذَا دُونَ ((أَيِّ)) تِلْوَ ((أَل)) (١) وقولي ((وإسماعيل)): هو ابن عليّة، و((سفيان)): هو الثوريّ، و((حماد)) الأول: هو ابن سلمة، والثاني: ابن زيد، و(بشر)): هو ابن المفضّل، و((الثقفيّ)) هو: عبد الوهّاب بن عبد المجيد، و((ابن زُريع)): هو يزيد. راجع الشرح ((عدة أولي الاعتباط)) (ص٣٢ - ٣٤). (٢) راجع: ((المصباح المنير)) ٣٩٧/٢. ٤٦٩ (١٧) - بَابُ نَهْيٍ مَنْ أَكَلَ ثُوماً، أَوْ بَصَلاً، أَوْ كُرَّاثاً، ... إلخ - حديث رقم (١٢٦٠) (فِي تِلْكَ الْبَقْلَةِ) هي كلّ نبات اخضرّت به الأرض، كما تقدّم، وقوله: (الثُّوم) بضمّ المثلثة بدل من ((الْبَقْلة)) (وَالنَّاسُ جِيَاٌ) جملة حاليّة من الفاعل، وفيه بيان سبب وقوعهم في أكلها مع خُبث رائحتها (فَأَكَلْنَا مِنْهَا) أي من تلك البقلة (أَكْلاَ شَدِيداً) المراد كثرة أكلهم منها (ثُمَّ رُحْنَا) بضمّ الراء، يقال: راح يروح، كقال يقول رَوَاحاً: إذا سار في وقت الرَّوَاحِ، وهو الْعَشيّ، أو من الزوال إلى الليل، أفاده في ((القاموس))(١). (إِلَى الْمَسْجِدِ) الظاهر أنه المسجد النبويّ (فَوَجَدَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ الرِّيحَ) أي ريح البقلة التي أكلوها (فَقَالَ) وَ («مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْخَبِيئَةِ) أي المستكرَهَة، والْمُنْتِنَ ريحُهَا، قال النوويّ ◌َُّهُ: سمّاها خبيثةً؛ لقبح رائحتها، قال أهل اللغة: الخبيث في كلام العرب المكروه، من قول، أو فعل، أو مال، أو طعام، أو شراب، أو شخص. انتهى (٢). وقوله: (شَيْئاً) نكّره ليعمّ القليل والكثير (فَلَا يَقْرَبَنَّا) بتشديد النون كما تقدّم، وهي نون التوكيد مدغمة في نون ((نا)) الضمير، ووقع في بعض النسخ بتخفيفها، وعليها يكون الفعل غير مؤكّد بالنون (فِي الْمَسْجِدِ))) تقدّم أن ((أل)) هنا للجنس، فيشمل المسجد النبويّ وغيره، ويؤيّده رواية: ((في مساجدنا)» بالجمع. قال القاضي عياض ◌َّهُ: وفي اختصاصه النهي عن دخول المساجد إباحة دخول الأسواق وغيره بها، وذلك لأنه ليس فيها حرمة المساجد، ولا هي محلّ الملائكة، ولأنه إن آذى به أحداً في سوقه تنحّى عنه إلى غيره، وجالس سواه، ولا يُمكنه ذلك في المسجد؛ لانتظاره الصلاة، وإن خرج فاتته الصلاة. انتهى(٣). (فَقَالَ النَّاسُ) أي الصحابة الذين سمعوا منه وََّ كلام الكلام (حُرِّمَتْ حُرِّمَتْ) بالبناء للمفعول، وكُرّر للتوكيد، والضمير للبقلة، والمعنى أنهم لَمّا سمعوا النبيّ ◌َّ نهى من أكل منها أن يقرب المسجد، ظنّوا أنه يريد تحريمها، ولا سيّما وقد سمّاها الشجرة الخبيثة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اُلْخَبَيِّثَ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٧]. (١) راجع: ((القاموس المحيط)) ٢٢٥/١. (٣) ((إكمال المعلم)) ٤٩٩/٢. (٢) ((شرح النوويّ)) ٥٠/٥. ٤٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة و هذا الذّمّ ظنّوا أنها قد وقال القرطبيّ كَُّهُ: لَمَّا سَمِع الصحابة حُرِّمت، فصرَّحوا به، وكأنهم فَهِموا هذا من إطلاق الخبيئة عليها من أنهم قد سَمِعوا من قول الله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيْبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيِثَ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٧]، فبَيَّن لهم النبيّ وَّ أن إطلاق الخبيث لا يلزم منه التحريم؛ إذ قد يُراد به ما لا يوافق عادةً واستعمالاً، وعند هذا لا يصحّ للشافعيّ الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيِّثَ﴾ على تحريم ما يُستَخبَثُ عادةً، كالحشَرَات وغيرهما؛ إذ الخبائث منقسمة إلى مستخبث عادةً، وإلى مستخبث شرعاً، ومراده تعالى في الآية المستخبثات الشرعيّة؛ إذ قد أباح البصل والثوم مع أنها مستخبثة، وحرّم الخمر والخنزير، وإن كان قد يُستطاب، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ◌َّهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: من هنا يتبيّن أن من يستدلّ على تحريم شرب الدخان (السجارة) بهذه الآية غير مصيب؛ لأن الخبث لا يدلّ على التحريم؛ إذ ليس كلّ خبيث حراماً، كما بيّن النبيّ وَّر أن خُبْث هذه الشجرة لا يجعلها حراماً، وإنما يصحّ الاستدلال على النهي عن شرب الدخان من جهة الطبّ؛ إذ هو مناف للصحّة، كما أثبت ذلك الأطبّاء، ففيه إلقاء النفس إلى التهلكة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَبْدِيَكُمْ إِلَى النَّْكَةِ﴾، وأيضاً هو متلف للمال بدون ضرورة. والحاصل أن كلّ حرام خبيثٌ وليس كلُ خبيث حراماً، فتنبه، لهذه الدقائق، فإنها مزلّة أقدام، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (فَبَلَغَ ذَاكَ النَّبِيَّ وََّ﴾ أي قولهم: ((حُرّمت حُرّمت)) (فَقَالَ)ِ ◌ِ («أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَيْسَ بِي تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لِي) يعني أنه وَّهَ لا يجوز له أن يُحَرِّم شيئاً مما أحلّ الله تعالى له دون أن يأتيه الأمر من الله رَبَّك بتحريمه، فإن التحريم والتحليل الله ، وإنما النبيّ وَلّ مبلّغ عنه (وَلَكِنَّهَا) أي البقلة التي أكلوها (شَجَرَةٌ أَكْرَهُ) بفتح الراء، يقال: كَرِهت الأمرَ أَكْرَهه، من باب تَعِبَ كُرْهاً بضمّ الكاف، أكرهه: ضدّ أحببته، فهو مكروه (٢). (رِيحَهَا) يعني أن سبب (١) ((المفهم)) ١٦٨/٢. (٢) راجع: ((المصباح المنير)) ٥٣١/٢ - ٥٣٢. ٤٧١ (١٧) - بَابُ نَهٍْ مَنْ أَكَلَ ثُوماً، أَوْ بَصَلاَ، أَوْ كُرَّاناً، ... إلخ - حديث رقم (١٢٦١) نهيي مَن أكلها عن قرب المسجد ليس لكونها حراماً، وإنما هو لكراهتي ريحها، حيث يتأذَّى بها الناس، والملائكة. قال النوويّ ◌َّتُهُ: فيه دليلٌ على أن الثُّوم ليس بحرام، وهو إجماعُ مَن يُعْتَدُّ به كما سبق، وقد اختَلَفَ أصحابنا في الثوم، هل كان حراماً على رسول الله ◌َ، أم كان يتركه تَنَزُّهاً؟، وظاهر هذا الحديث أنه ليس بمحرَّم عليه وَّ، ومن قال بالتحريم يقول: المراد ليس لي أن أُحَرِّم على أمتي ما أَحَلَّ الله لها. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: عدم تحريمه على النبيّ ◌َّ هو الأرجح، كما دلّ عليه ظاهر هذا الحديث، حيث قال بَّ: ((ليس بي تحريم ما أحلّ الله لي))، فقد بيّن أنه حلال له، فكيف يُقبل تأويلهم بما أحلّ الله لأمته؟ هذا غير صحيح، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ظُه هذا من أفراد المصنّف رَخْلُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٢٦٠/١٧] (٥٦٥)، و(أبو داود) في ((الأطعمة)) (٣٨٢٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٢/٣)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (١٦٦٧ و١٦٦٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٠٨٥)، و(البيهقيّ) في (الكبرى)) (٧٧/٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٢٢٩ و١٢٣٠)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٢٣٤)، وفوائد الحديث تقدّمت قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٦١] (٥٦٦) - (حَدَّثَنَا (١) هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، (١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)). ٤٧٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنِ ابْنِ خَبَّابٍ(١)، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ مَرَّ عَلَى زَرَّاعَةِ بَصَلٍ، هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَنَزَّلَ نَاسٌ مِنْهُمْ، فَأَكَلُوا مِنْهُ، وَلَمْ يَأْكُلْ آخَرُونَ، فَرُحْنَا إِلَيْهِ، فَدَعَا الَّذِينَ لَمْ يَأْكُلُوا الْبَصَلَ، وَأَخَّرَ الْآخَرِينَ حَتَّى ذَهَبَ رِيحُهَا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المصريّ، يُعرَف بابن التستريّ، صدوقٌ، تُكلِّم فيه بلا حجة [١٠] (ت ٢٤٣) (خ م س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٤/٨. ٢ - (ُكَيْرُ بْنُ الْأَشَجِّ) هو: بكير بن عبد الله بن الأشجّ، نُسب لجدّه المخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت١٢٠) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٤/ ٥٥٤. ٣ - (ابْنُ خَبَّابِ) هو: عبد الله بن خَبّاب الأنصاريّ النّجّاريّ مولاهم، المدنيّ، ثقةٌ [٣] ماتَ بعد المائة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٥١٩/٩٦. والباقون تقدّموا في الباب الماضي، و((أبو سعيد)) في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذُ، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد صيغة أدائهما، وفيه التحديث، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ، والثاني ما أخرج له أبو داود، والترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى بكير، وهو مدنيّ، ثم مصريّ، والباقيان مدنيّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ خَبَّابٍ) زاد في نسخة: ((وهو عبد الله بن خبّاب)) (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (١) وفي نسخة: ((عن ابن خبّاب، وهو عبد الله بن خبّاب)). ٤٧٣ (١٧) - بَابُ نَهْيٍ مَنْ أَكَلَ ثُوماً، أَوْ بَصَلاَ، أَوْ كُرَّاثاً، ... إلخ - حديث رقم (١٢٦١) الْخُدْرِيِّ) ◌َبُه (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ مَرَّ عَلَى زَرَّاعَةِ بَصَلٍ) بفتح الزاي، وتشديد الراء: هي الأرض المزروعة، قاله النوويّ(١). وقال في ((اللسان)): الْمَزْرَعَةُ، والْمَزْرُعَةُ، والزَّرَّاعَةُ، والْمُزْدَرَعُ: موضع الزَّرْعِ، وقال الشاعر [من البسيط]: وَأَظْلُبْ لَنَا مِنْهُمُ نَخْلاً وَمُزْدَرَعاً كَمَا لِجِيرَانِنَا نَخْلٌ وَمُزْدَرَعُ وهو مُفْتَعَلٌ من الزرع، وقال جرير [من الطويل]: لَقَلَّ غَنَاءٌ عَنْكَ فِي حَرْبٍ جَعْفَرٍ تُغَنِّيكَ زَرَّاعَاتَهَا وَقُصُورُهَا أي قصيدتك التي تقول فيها: زرّاعاتها وقُصُورها. انتهى (٢). والمعنى هنا: أنه نَله مرّ على أرض مزروعة بصلاً. (هُوَ) أتي بالضمير المنفصل، ليمكنه عطف الاسم الظاهر، وهو قوله: ((وأصحابُهُ)) على الضمير المتّصل، كما قال في ((الخلاصة)): وَإِنْ عَلَى ضَمِيرٍ رَفْع مُتَّصِلْ عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ فِي النَّظْم فَاشِياً وَضَعْفَهُ اعْتَقِدْ أَوْ فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَضْلٍ يَرِدْ (وَأَصْحَابُهُ) ◌َه مرفوع عطفاً على فاعل ((مَرَّ)). [تنبيه]: كان مرور النبيّ وَّيه وأصحابه على تلك الزرّاعة في غزوة خيبر، كما بيّنته رواية أبي عوانة، وأبي نعيم في ((مستخرجيهما))، ولفظ أبي عوانة: عن أبي سعيد الخدريّ، قال: غزونا مع رسول الله وَّهُ خيبر، فمررنا بِمَبْقَلَة فيها بصلٌ، فأكل منه طائفة منّا، وطائفة وَقَفُوا ولم يأكلوا، وطائفة لم يَرَوَا المبقلة، وكنا نَرُوح إلى رسول الله بََّ، فَيَمْسَح رؤوسنا، ويَدْعُو لنا، فرُحْنا إليه، فلما اقتربنا إليه، وجد ريح البصل، فقال: ((من أكل الشجرة فلا يقربنا))، أو نحو هذا، وقال بعضهم: حتى يذهب ريحها، وقال أصبغ: فدعا الذين لم يأكلوا، وأخَّر الآخرين حتى ذهب ريحها. انتهى(٣). (فَنَزَلَ نَاسٌ مِنْهُمْ) أي من أصحاب النبيّ ◌ََّ (فَأَكَلُوا مِنْهُ) أي من ذلك البصل الذي في تلك الزّرّاعة، والظاهر أن صاحب الزرّاعة أذن لهم، أو أكلوا (١) ((شرح النوويّ)) ٥١/٥. (٣) ((مسند أبي عوانة)) ٣٤٤/١. (٢) ((لسان العرب)) ١٤١/٨. ٤٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة بناءً على جوازه للمحتاج، فقد أخرج الإمام أحمد، وأصحاب السنن، واللفظ لأحمد، عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه، عبد الله بن عمرو: سئل رسول الله ◌َ﴿ عن الرجل يدخل الحائط؟، قال: ((يأكلُ غير مُتَّخِذٍ خُبْنَةً))(١) وهو حديثٌ حسنٌ. ورواه أيضاً الترمذيّ، وابن ماجه من حديث عمر ظُه مرفوعاً، ولفظ الترمذيّ: ((من دخل حائطاً فليأكل، ولا يَتَّخِذ خُبْنَةً))، ولفظ ابن ماجه: ((إذا مَرّ أحدكم بحائط فليأكل، ولا يتخذ خُبْنةً))، وصحّحه الشيخ الألبانيّ ◌َُّهُ(٢). (وَلَمْ يَأْكُلْ آخَرُونَ) لعلهم سمعوا كراهة النبيّ بَّ له، أو لعدم حاجتهم إليه (فَرُحْنَا) بضمّ الراء، كما سبق قريباً، أي ذهبنا (إِلَيْهِ) بِِّ (فَدَعَا الَّذِينَ لَمْ يَأْكُلُوا الْبَصَلَ) أي طلبهم أن يتقربوا من مجلسه مَّ﴾؛ لعدم ارتكابهم ما يستوجب البعد عنه، فيَمْسَحُ رؤوسهم، ويَدْعُو لهم، كما سبق في رواية أبي عوانة (وَأَخَّرَ الْآخَرِينَ) أي أبعدهم عن مجلسه؛ لارتكابهم أكل ما له رائحة كريهة (حَتَّى ذَهَبَ رِيحُهَا) أي ريح تلك الزرّاعة، والمراد ريح ما زُرع فيها من البصل ونحوه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ رُه هذا من أفراد المصنّف نَخْدَتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٢٦١/١٧] (٥٦٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١) ((الخُبْنة بضمّ الخاء، وسكون النون: مَعْطِف الإزار، وطرفُ الثوب، أي لا يتّخذ منه في ثوبه، يقال: أخبن الرجل: إذا خَبَأَ شيئاً في خُبْنَة ثوبه، أو سراويله، قاله في ((النهاية)) ٩/٢. (٢) رواه الترمذيّ برقم (١٢٠٨)، وابن ماجه (٢٣٠١)، وصححه الشيخ الألبانيّ. راجع: ((صحيح الترمذيّ)) ٥٨٣/٣، ولعل تصحيحه لشواهده، وإلا ففي سنده يحيى بن سُليم متكلّم فيه، ولا سيّما في روايته عن عبيد الله بن عمر، وهذا منه، فليتأمل. ٤٧٥ (١٧) - بَابُ نَهْىٍ مَنْ أَكَلَ ثُوماً، أَوْ بَصَلاً، أَوْ كُرَّاثاً، ... إلخ - حديث رقم (١٢٦٢) (١٢٣٠)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٢٣٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٥٠٩)، وفوائد الحديث تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٢٦٢] (٥٦٧) - (حَدَّثَنَا(١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَطَبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَذَكَرَ نَبِيَّ اللهِ وَ ﴿ِ، وَذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ، قَالَ(٢): إِنِّي رَأَيْتُ كَأَنَّ دِيكاً نَقَرَنِي ثَلَاثَ نَقَرَاتٍ، وَإِنِّي لَا أُرَاهُ إِلَّا حُضُورَ أَجَلِي، وَإِنَّ أَقْوَاماً يَأْمُرُونَنِي (٣) أَنْ أَسْتَخْلِفَ، وَإِنَّ اللهَ لَمْ يَكُنْ لِيُضَيِّعَ دِينَهُ، وَلَا خِلَافَتَهُ، وَلَا الَّذِي بَعَثَ بِهِ نَبِيَّهُ بََّ، فَإِنْ عَجِلَ بِي أَمْرٌ، فَالْخِلَافَةُ شُورَى بَيْنَ هَؤُلَاءِ السَِّّةِ، الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ، وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، وَإِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ أَقْوَاماً يَطْعَنُونَ فِي هَذَا الْأَمْرِ، أَنَا ضَرَبْتُهُمْ بِيَدِي هَذِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ، فَأُولَئِكَ أَعْدَاءُ اللهِ الْكَفَرَةُ الضُّلََّلُ، ثُمَّ إِنِّي لَا أَدَعُ بَعْدِي شَيْئاً أَهَمَّ عِنْدِي مِنَ الْكَلَالَةِ، مَا رَاجَعْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ فِي شَيْءٍ، مَا رَاجَعْتُهُ فِي الْكَلَالَةِ، وَمَا أَغْلَظَ لِي فِي شَيْءٍ مَا أَغْلَظَ لِي فِيهِ، حَتَّى طَعَنَ بِإِصْبَعِهِ فِي صَدْرِي، فَقَالَ(٤): ((يَا عُمَرُ أَلَا تَكْفِيَكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ»، وَإِنِّي إِنْ أَعِشْ أَقْضِ فِيهَا بِقَضِيَّةٍ يَقْضِي بِهَا(٥) مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَمَنْ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ عَلَى أُمَرَاءِ الْأَمْصَارِ، وَإِنِّي (٦) إِنَّمَا بَعَثْتُهُمْ عَلَيْهِمْ لِيَعْدِلُوا عَلَيْهِمْ، وَلِيُعَلِّمُوا النَّاسَ دِينَهُمْ، وَسُنَّةَ نَبِّهِمْ وَّةِ، وَيَقْسِمُوا فِيهِمْ فَيْئَهُمْ، وَيَرْفَعُوا إِلَيَّ مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْرِهِمْ، ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ تَأْكُلُونَ شَجَرَتَيْنٍ، لَا أَرَاهُمَا إِلَّا خَبِيثَتَيْنِ، (١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)). (٣) وفي نسخة: ((يأمروني)). (٥) وفي نسخة: ((قضى بها)). (٢) وفي نسخة: ((وقال)). (٤) وفي نسخة: ((وقال)). (٦) وفي نسخة: ((فإني)). ٤٧٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة هَذَا الْبَصَلَ وَالثُّومَ، لَقَدْ (١) رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِنَّ إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنَ الرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ أَمَرَ بِهِ، فَأُخْرِجَ إِلَى الْبَقِيعِ، فَمَنْ أَكَلَهُمَا فَلْيُمِنْهُمَا طَبَّخاً). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم أول الباب. ٢ - (يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان تقدّم أيضاً أول الباب. ٣ - (هِشَام) بن أبي عبد الله الدستوائيّ، تقدّم في الباب أيضاً. ٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رأس الطبقة [٤] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠. ٥ - (سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ) واسمه رافع الْغَطَفانيّ الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ، يُرسل كثيراً [٣] (ت ٧ أو٩٨) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ((الحيض)) ٧٢٨/٨. ٦ - (مَعْدَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ) ويقال: ابن طلحة، الْيَعْمَريّ الشاميّ، ثقةٌ [٢] (م ٤) تقدم في ((الصلاة)) ٤٤/ ٧ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) بن نُفيل بن عبد العُزّى بن رِيَاح بن عبد الله بن قُرط بن رَزَاح بن عديّ بن كعب القرشيّ العدويّ، أمير المؤمنين، استُشهِد في ذي الحجة سنة (٢٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف نَّتُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى معدان، فما أخرج له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين إلى سالم، وهو كوفيّ، ومعدان شاميّ، وعمر رضيالله مدنيّ. ٤ - (ومنها): أن شيخه أحد المشايخ التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستّة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. (١) وفي نسخة: ((هذا البصل، وهذا الثوم، ولقد)). ٤٧٧ (١٧) - بَابُ نَهْيٍ مَنْ أَكَلَ ثُوماً، أَوْ بَصَلاَ، أَوْ كُرَّاناً، ... إلخ - حديث رقم (١٢٦٢) ٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: قتادة، عن سالم، عن معدان. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه ظ له أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وأحد السابقين إلى الإسلام، وكان الشيطان يفرّ منه، ـة. وكان من المحدّثين، جمّ المناقب شرح الحديث : (عَنْ مَعْدَانَ بْنٍ أَبِي طَلْحَةَ) سيأتي أن الدارقطنيّ انتقد على مسلم ذكر معدان بين سالم، وعمر رضيته؛ لمخالفة قتادة للحفّاظ فيه، وسيأتي تمام البحث فيه قريباً - إن شاء الله تعالى - (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) رَظُه (خَطَبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) وفي رواية أبي عوانة الآتية: ((خطبنا عمر بن الخطّاب))، فصرّح معدان بأنه حضر تلك الخطبة. [تنبيه]: كانت خطبة عمر نظرائه هذه بعد رجوعه من الحجة الأخيرة التي حجها بالناس، وقد ذكر البخاريّ تَُّ في ((صحيحه)) سبب هذه الخطبة مطوّلاً، ودونك نصّه : (٦٨٣٠) حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدّثني إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، قال: كنت أُقرئ رجالاً من المهاجرين، منهم عبد الرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى، وهو عند عمر بن الخطاب، في آخر حَجّةٍ حجَّها، إذ رجع إليّ عبد الرحمن، فقال: لو رأيت رجلاً أتى أمير المؤمنين اليوم، فقال: يا أمير المؤمنين، هل لك في فلان، يقول: لو قد مات عمر، لقد بايعت فلاناً، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فَلْتَةً فتمَّت؟ فَغَضِب عمر، ثم قال: إني إن شاء الله لقائمٌ العشيةَ في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يَغْصِبوهم أمورهم، قال عبد الرحمن: فقلت يا أمير المؤمنين: لا تفعل، فإن الموسم يَجمَعِ رَعَاع الناس وغَوْغَاءهم(١)، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم (١) ((الرَّعَاع)) بالفتح الرذلاء، وقيل: الشباب منهم، و((الْغَوغاء)): السفلة المسرعون إلى = ٤٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة في الناس، وأنا أخشى أن تقوم، فتقول مقالةً يُطِيرها عنك كل مُطِير، وأن لا يَعُوها، وأن لا يَضَعوها على مواضعها، فَأَمْهِل حتى تَقْدَم المدينة، فإنها دار الهجرة والسنة، فتَخْلُص بأهل الفقه، وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكناً، فيَعِي أهل العلم مقالتك، ويضعونها على مواضعها، فقال عمر: أما والله إن شاء الله لأقومنّ بذلك أولَ مَقَام أقومه بالمدينة، قال ابن عباس: فقدِمنا المدينةَ في عقب ذي الحجة، فلما كان يومُ الجمعة عَجَّلت الرواح حين زاغت الشمس، حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل جالساً إلى ركن المنبر، فجلست حوله تَمَسُّ ركبتي ركبته، فلم أَنْشَب أن خرج عمر بن الخطاب، فلما رأيته مقبلاً، قلت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل: ليقولنّ العشيةَ مقالةً لم يقُلها منذ استُخْلِف، فأنكر عليّ، وقال: ما عسيت أن يقول ما لم يقل قبله، فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذنون، قام فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعدُ فإني قائل لكم مقالةً قد قُدِّر لي أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عَقَلها ووعاها فليحدِّث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خَشِي أن لا يَعقِلها فلا أُحِلُّ لأحد أن يكذب عليّ، إن الله بعث محمداً وَله بالحقّ، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها، وعقلناها، ووعيناها، رجم رسول الله وَلقر، ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيَضِلُّوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حقّ على من زنى، إذا أُحْصِن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبّلُ، أو الاعتراف، ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله: أن لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كُفْر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، أو إن كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم، ألا ثم إن رسول الله وَلو قال: ((لا تُطروني كما أُطرِي عيسى ابن مريم، وقولوا: عبد الله ورسوله))، ثم إنه بلغني أن قائلاً منكم يقول: والله لو قد مات عمر، بايعت فلاناً، فلا يَغْتَرَّنَّ امرؤ أن يقول: إنما كانت بيعة أبي بكر فَلْتَة وتمَّت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وَقَى شَرَّها، وليس منكم من تُقطَّع الأعناق إليه مثل أبي بكر، من = الشرّ، وأصله صغار الجراد حين يبدأ في الطيران. ٤٧٩ (١٧) - بَابُ نَهْيٍ مَنْ أَكَلَ ثُوماً، أَوْ بَصَلاَ، أَوْ كُرَّاناً، ... إلخ - حديث رقم (١٢٦٢) بايع رجلاً عن غير مشورة من المسلمين، فلا يبايع هو، ولا الذي بايعه تَغِرَّةً أن يُقتَلا(١)، وإنه قد كان مِن خبرنا حين توفى الله نبيه وَّ ر أن الأنصار خالفونا، واجتمعوا بأسرهم في سَقِيفة بني ساعدة، وخالف عنّا عليّ والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نُريدهم، فلما دنونا منهم لَقِيَنا منهم رجلان صالحان، فذكرا ما تمالأ عليه القوم، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم أن لا تَقْرَبوهم، اقضوا أمركم، فقلت: والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مُزَّمَّل بين ظهرانيهم، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا سعد بن عُبادة، فقلت: ما له؟ قالوا: يُوعَك، فلما جلسنا قليلاً تشهّد خطيبهم، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فنحن أنصار الله، وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهطٌ، وقد دَقَّت دافَّة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يَحضُنُونا من الأمر (٢) فلما سكت، أردت أن أتكلم، وكنت قد زَوَّرت مقالة أعجبتني، أريد أن أُقَدِّمها بين يدي أبي بكر، وكنت أُداري منه بعض الحدّ، فلما أردت أن أتكلّم، قال أبو بكر: على رسلك، فكَرِهت أن أُغضبه، فتكلم أبو بكر، فكان هو أحلم مني، وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري، إلا قال في بديهته مثلها، أو أفضل منها، حتى سكت، فقال: ما ذكرتم فيكم من خير، فأنتم له أهل، ولن يُعْرَف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً، وقد رَضِيتُ لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح، وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أُقَدَّم فتضرب عنقي، لا يقربني ذلك من إثم أحبّ إليّ من أن أتأَمَّر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تُسَوِّل إليّ نفسي عند الموت شيئاً لا أجده الآن، فقال قائل من الأنصار: أنا جُذَيلها الْمُحَكَّك(٣)، وعُذَيقها (١) أي حذراً من القتل. (٢) أي يُخرجونا منه. (٣) هو تصغير جِذل، وهو العود الذي يُنصب للإبل الْجَرْبَى لتحتكّ به، وهو تصغير = ٤٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة الْمُرَجَّب(١)، منا أمير، ومنكم أمير يا معشر قريش، فكثُرَ اللَّغَط، وارتفعت الأصوات، حتى فَرِقْتُ من الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته، وبايعه المهاجرون، ثم بايعته الأنصار، ونَزَونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة، فقلت: قتل الله سعد بن عبادة، قال عمر: وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم، ولم تكن بيعةٌ أن يبايعوا رجلاً منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نَرْضَى، وإما نخالفهم فيكون فساد، فمن بايع رجلاً على غير مَشُورَةٍ من المسلمين، فلا يُتَابَعُ هو، ولا الذي بايعه تَغِرَّةً أن يُقْتَلا. انتهى. (نَبِيَّ اللهِ وََّ) قد سبق في حديث البخاريّ قوله: ((إن الله (فَذَكَرَ) عمر ◌َُّه بعث محمداً ﴿ بالحقّ، وأنزل عليه الكتاب ... ))، وقوله: ألا ثم إنّ رسول الله وَ﴾ قال: ((لا تُطروني كما أُطرِي عيسى ابن مريم، وقولوا: عبد الله ورسوله ... )) (وَذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ) رَُّه، أي ذكره بالخير وأثنى عليه. (قَالَ) عمر ◌َبه، وفي نسخة: ((وقال)) (إِنِّي) بكسر الهمزة؛ لوقوعها محكيّة بالقول، كما قال في «الخلاصة)): وَحَيْثُ ((إِنَّ) لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ فَاكْسِرْ فِي الْابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ حَالٍ كَـ«زُرْتُهُ وَإِنِّي ذُو أَمَلْ)) أَوْ حُكِيَتْ بِالْقَوْلِ أَوْ حَلَّتْ مَحَلْ (رَأَيْتُ) أي في المنامِ (كَأَنَّ دِيكاً) بكسر الدال: ذكرُ الدَّجَاج، والجمع: دُيُوٌ، ودِيَكَةٌ، وزانُ عِنْبَةٍ، قاله في ((المصباح))(٢). = تعظيم، أي أنا ممن يُستشفى برأيه، كما تَستشفِي الإبل الجَربَى بالاحتكاك بهذا العود. انتهى. ((النهاية)) ٢٥١/١. (١) قال في ((النهاية)): الرُّجْبة: هو أن تُعْمَد النخلة الكريمة ببناء، من حجارة، أو خشب، إذا خيف عليها؛ لطولها وكثرة حَمْلها أن تقع، ورَجَّبْتُها فهي مُرَجَّبةٌ، والْعُذيق تصغير الْعَذْق بالفتح، وهي النخلة، وهو تصغير تعظيم، وقد يكون ترجيبها بأن يُجعَل حولها شوك؛ لئلا يُرقَى إليها، ومن الترجيب أن تُعْمَد بخشبة ذات شعبتين. انتهى. ((النهاية في غريب الأثر)) ٢/ ١٩٧. (٢) ((المصباح المنير)) ٢٠٥/١.