Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
(١٠) - بَابُ جَوَازِ كَوْنِ الإِمَامِ عَلَى مَكَانٍ أَرْفَعَ مِنَ الْمَأْمُومِينَ، ... إلخ - حديث رقم (١٢٢١)
يُصْنَع بالشام؟ فشاور النبيّ وَّ المسلمين في ذلك، فَرَأَوْا أن يتخذه، فقال
العباس بن عبد المطلب: إن لي غلاماً يقال له: كلاب أعْمَلُ الناسِ، فقال:
((مره أن يعمل))، الحديث، ورجاله ثقات إلا الواقدي.
خامسها: تميم الداري، رواه أبو داود مختصراً، والحسن بن سفيان،
والبيهقي، من طريق أبي عاصم، عن عبد العزيز بن أبي رَوَّادِ، عن نافع، عن
ابن عمر: أن تميماً الداري قال لرسول الله وَلوَ لَمّا كثر لحمه: ألا نتخذ لك
منبراً يحمل عظامك؟، قال: ((بلى))، فاتخذ له منبراً، الحديث، وإسناده جيد.
سادسها: ميناء، ذكره ابن بشكوال عن الزبير بن بكار: حدثني إسماعيل،
هو ابن أبي أويس، عن أبيه، قال: عمل المنبر غلام لامرأة من الأنصار، من
بني سَلِمَةَ، أو من بني ساعدة، أو امرأة لرجل منهم، يقال له: ميناء. انتهى.
قال الحافظ: وهذا يَحْتَمِل أن يعود الضمير فيه على الأقرب، فيكون
ميناء اسم زوج المرأة، وهو بخلاف ما حكيناه عن ابن التين أن المنبر عمله
غلام سعد بن عبادة، وجوّزنا أن تكون المرأة زوج سعد.
قال: وليس في جميع الروايات التي سُمِّيَ فيها النجارُ شيء قويّ السند،
إلا حديث ابن عمر، وليس فيه التصريح بأن الذي اتخذ المنبر تميم الداريّ،
بل قد تبيّن من رواية ابن سعد أن تميماً لم يعمله.
قال: وأشبه الأقوال بالصواب قول من قال: هو ميمون، لكون الإسناد
من طريق سهل بن سعد أيضاً، وأما الأقوال الأخرى فلا اعتداد بها لِوَهَائها،
ويَبْعُد جدّاً أن يُجْمَع بينها بأن النجّار كانت له أسماء متعددة، وأما احتمال كون
الجميع اشتركوا في عمله، فيَمْنَع منه قوله في كثير من الروايات: ((لم يكن
بالمدينة إلا نجار واحد))، إلا إن كان يُحْمَل على أن المراد بالواحد الماهر في
صناعته، والبقية أعوانه، فيمكن، والله تعالى أعلم.
ووقع عند الترمذيّ، وابن خزيمة، وصححاه من طريق عكرمة بن عمار،
عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس: ((كان النبيّ وَّ يقوم يوم الجمعة، فيسند
ظهره إلى جِذْع منصوب في المسجد، يخطب، فجاء إليه رُومِيّ، فقال: ألا نصنع
لك منبراً))، الحديث، ولم يسمّه، فَيَحْتَمِل أن يكون المراد بالرومي تميم الداري؛
لأنه كان كثير السفر إلى أرض الروم، وقد عرفت مما تقدم سبب عمل المنبر.

٣٢٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وجزم ابن سعد بأن ذلك كان في السنة السابعة، وفيه نظر؛ لذكر
العباس، وتميم فيه، وكان قدوم العباس بعد الفتح في آخر سنة ثمان، وقدوم
تميم سنة تسع، وجزم ابن النجار بأن عمله كان سنة ثمان، وفيه نظر أيضاً؛ لما
ورد في حديث الإفك في ((الصحيحين)) عن عائشة، قالت: ((فثار الحيان،
الأوس والخزرج حتى كادوا أن يقتتلوا، ورسول الله وَّر على المنبر، فنزل،
فخفّضهم، حتى سكتوا))، فإن حُمِل على التجوز في ذكر المنبر، وإلا فهو أصحّ
مما مضى.
وحَكَى بعض أهل السير أنه ◌ّ ر كان يخطب على منبر من طين قبل أن
يُتَّخذ المنبر من خشب، ويعكُر عليه أن في الأحاديث الصحيحة أنه كان يستند
إلى الجذع إذا خطب.
ولم يزل المنبر على حاله ثلاث درجات حتى زاده مروان في خلافة
معاوية ستّ درجات من أسفله، وكان سبب ذلك ما حكاه الزبير بن بكار في
أخبار المدينة بإسناده إلى حميد بن عبد الرحمن بن عوف، قال: بعث معاوية
إلى مروان، وهو عامله على المدينة أن يَحْمِل إليه المنبر، فأمر به، فقُلِعَ،
فأظلمت المدينة، فخرج مروان، فخطب، وقال: إنما أمرني أمير المؤمنين أن
أرفعه، فدعا نَجّاراً، وكان ثلاث درجات، فزاد فيه الزيادة التي هو عليها
اليوم، ورواه من وجه آخر، قال: ((فكسفت الشمس حتى رأينا النجوم، وقال:
فزاد فيه ست درجات، وقال: إنما زدت فيه حین کثر الناس)).
قال ابن النجّار، وغيره: استَمَرّ على ذلك إلا ما أصْلِحَ منه إلى أن احترق
مسجد المدينة سنة أربع وخمسين وستمائة، فاحتَرَق، ثم جَدَّد المظفر صاحب
اليمن سنة ست وخمسين منبراً، ثم أرسل الظاهر بيبرس بعد عشر سنين منبراً،
فأزيل منبر المظفَّر، فلم يزل إلى هذا العصر، فأرسل الملك المؤيد سنة عشرين
وثمانمائة منبراً جديداً، وكان أرسل في سنة ثماني عشرة منبراً جديداً إلى مكة
أيضاً، شكر الله له صالح عمله آمين، ذكر هذا كلّه في ((الفتح)) (١)، وهو بحثٌ
نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ٢/ ٤٦٢ - ٤٦٤.

٣٢٣
(١٠) - بَابُ جَوَازٍ كَوْنِ الإِمَامِ عَلَى مَكَانٍ أَرْفَعَ مِنَ الْمَأْمُومِينَ، ... إلخ - حديث رقم (١٢٢١)
وقال في ((العمدة)): فإن قلت: رَوَى أبو داود عن ابن عمر: ((أن
النبيّ وَ ﴿ لما بَدَّنَ قال له تميم الداري: ألا أتخذ لك منبراً يا رسول الله، يَجْمَع
- أو يَحْمِل - عظامك؟، قال: ((بلى)) فاتخذ له منبراً مِرْقاتين)). أي اتخذ له منبراً
درجتين، فبينه وبين ما ثبت في الصحيح أنه ثلاث درجات منافاة.
قلت: الذي قال: مرقاتين لم يعتبر الدرجة التي كان يجلس عليها وَله.
انتھی(١).
(يَعْمَلْ لِي) بجزم الفعل في جواب الأمر، وهو ((انظري))، ويَحْتَمِل أن
يكون مرفوعاً على الاستئناف البيانيّ، كما مرّ نظيره غير مرّة.
(أَعْوَاداً) بالنصب على المفعوليّة، وهو بالفتح: جمع عُود بالضمّ، وهو
الخشب، ويُجمع أيضاً على عِيدان، والمراد أن يجمع الأعواد، ويرتّبها،
ويصنعها على وجه يُمكن الجلوس عليها .
وفي رواية البخاريّ: ((مُري غلامك النجّار أن يَعمل لي أعواداً أجلس
عليهنّ إذا كلّمت الناس)).
(أُكَلِّمُ النَّاسَ عَلَيْهَا))) جملة في محلّ نصب صفة لـ((أعواداً)، أي أخطب
الناس على تلك الأعواد، أي على المنبر المصنوع منها، ويَحتمل أن تكون
الجملة مستأنفةً استئنافاً بيانيّاً، كأنه قيل له: ما تصنع بالأعواد؟ فقال: أكلّم
الناس عليها .
(فَعَمِلَ هَذِهِ الثَّلَاثَ دَرَجَاتٍ) هكذا الرواية في ((صحيح مسلم))، بتنكير
((درجات))، قال النوويّ كَّلُهُ: هذا مما يُنكره أهل العربيّة، والمعروف عندهم
أن يقول: ((ثلاث الدرجات))، أو ((الدرجات الثلاث))، وهذا الحديث دليلٌ
لكونه لغةً قليلةً. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: القاعدة في هذه المسألة أن العدد إذا كان
مضافاً، وأردت تعريفه عرّفت الآخر، وهو المضاف إليه، فيصير الأول مضافاً
إلى معرفة، فتقول: ((ثلاثة الأثواب))، و((مائة الدرهم))، و((ألف الدينار))، وأجاز
الكوفيّون الثلاث الأثواب بتعريف الجزأين.
(١) ((عمدة القاري)) ٣١١/٦.
(٢) ((شرح النووي)) ٣٤/٥ - ٣٥.

٣٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وأما ما وقع هنا فقد عرّف المضاف، ونكَر المضاف إليه، ونظيره ما وقع
في ((صحيح البخاريّ)) في قصّة الرجل الذي استسلف ألف دينار، فقال: ((ثم
قَدِمَ الذي كان أسلفه، وأتى بالألف دينار))، وأوّله الدمامينيّ بتقدير مضاف من
المعرّف، أي بالألف ألف دينار، قال: ولا يقال: إن ((أل)) زائدة؛ لأن ذلك لا
ینقاس. انتھی.
وقد تقدّم البحث في هذه المسألة في هذا الشرح مستوفى، في ((كتاب
الإيمان)) برقم (٣٨٨/٧١)، فراجعه تستفد علماً جمّاً، وبالله تعالى التوفيق.
(ثُمَّ أَمَرَ بِهَا) أي بتلك الأعواد المصنوع منها المنبر (رَسُولُ اللهِ إِِّ،
فَوُضِعَتْ) بالبناء للمفعول (هَذَا الْمَوْضِعَ) منصوب على الظرفيّة لـ((وُضعت))،
وهو مقيسٌ؛ لوجود شرطه، وهو كونه من مادَّته، كما قال في ((الخلاصة)):
يَقْبَلُهُ الْمَكَانُ إِلَّا مُبْهَمَا
وَكُلُّ وَقْتٍ قَابِلٌ ذَاكَ وَمَا
صِيغَ مِنَ الْفِعْلِ كَمَرْمَى مِنْ رَمَی
نَحْوُ الْجِهَاتِ وَالْمَقَادِيرٍ وَمَا
ظَرْفاً لِمَا فِي أَصْلِهِ مَعْهُ اجْتَمَعْ
وَشَرْطُ كَوْنِ ذَا مَقِيساً أَنْ يَقَعْ
والمعنى: أن تلك الأعواد وُضِعت في محلّها التي هي فيه حينما حدّثهم
سهل نظُّه بالحديث، ولا زال موضعها إلى الآن.
(فَهِيَ) أي تلك الأعواد المصنوع منها المنبر (مِنْ طَرْفَاءِ الْغَابَةِ) وفي رواية
للبخاريّ من طريق ابن عيينة، عن أبي حازم: ((هو من أثل الغابة)).
و((الطَّرْفَاء)) - بفتح الطاءَ، وسكون الراء المهملتين، وبعد الراء فاء ممدودة
- قال سيبويه: الطرْفاء: واحدٌ، وجمعٌ، والطرفاء: اسم للجمع، وقيل:
واحدتها: طرْفَاءة، وقال ابن سِيدَه: والطرَفَة: شجرة، وهي الطَّرَف، والطرْفاء:
جماعة الطَّرَفَة، وبها سمي طَرَفَة بن العبد، والطَّرَفُ - بفتحتين -: اسم يُجْمَعُ
على طَرْفَاء، وقَلّمَا يُسْتَعمَل في الكلام إلا في الشعر، والواحدة طَرَفَة، وقياسه
قَصَبَة، وقَصَب، وقَصْبَاء وشجَرَة، وشَجَرٌ، وشَجْراء، أفاده في ((اللسان)).
و((الأَثْلُ)) - بفتح، فسكون -: شَجَرٌ يُشْبِهُ الطَّرفاء، إلا أنه أعظم منه،
وأكرم، وأجود عُوداً، تُسَوَّى به الأَقْداحِ الصُّفْر الجِيَاد، وفي ((الصحاح)): هو
نوع من الطرفاء، والأثْلُ: أصول غليظة، يُسَوَّى منها الأبواب، وغيرها، ووَرَقُهُ
عَبْلٌ كَوَرَق الطِّرْفَاءِ.

٣٢٥
(١٠) - بَابُ جَوَازِ كَوْنِ الإِمَامِ عَلَى مَكَانٍ أَرْفَعَ مِنَ الْمَأْمُومِينَ، ... إلخ - حديث رقم (١٢٢١)
وقال أبو حنيفة - الدِّينَوَريّ -: قال أبو زياد: من العِضَاة: الأثْلُ، وهو
◌ُوَال في السماء، مستطيل الخشب، وخشبه جيد يُحمَل إلى القرى، فتُبْنى عليه
بيوتُ المَدَر، وورَقُه هَدَبٌ طوال دُقَاق، وليس له شوك، ومنه تُصنع القِصَاعِ
والجِفَان، وله ثمر حمراء، كأنها أُبْنَة - يعني عُقْدة الرِّشاء - واحدته أثْلَة،
وجمعه: أُثُول، كتَمْر، وتُمُور، قاله في ((اللسان))(١).
و((الغابة)) - بالغين المعجمة، وبعد الألف باء موحدة -: هي أرض عَلَى
تسعة أميال من المدينة، كانت بها إبل النبيّ وَّهِ مُقِيمةً بها للمَرْعَى، وبها وقعت
قِصّةُ العُرَنيين الذين أغاروا على سَرْحِه. وقال ياقوت: بينها وبين المدينة أربعة
أميال، وقال الزمخشري: الغابة بَرِيد من المدينة، من طريق الشام. وفي
((الجامع): كل شجر مُلْتَفٍّ فهو غابة، وفي ((المحكم)): الغابة: الأجَمَةُ التي
طالت، ولها أطراف مرتفعة باسقة، وقال أبو حنيفة الدينوريّ: هي أجَمَة
القصب، قال: وقد جُعِلَت جماعة الشجر غاباً، مأخوذاً من الغيابة، والجمع
غابات، وغاب، ذكره في ((العمدة))(٢).
و((الأجَم)): الشجر المُلْتَفُّ، جمعه أَجَمٌ، كقصبة، وقصب، والآجام
جمع الجمع. قاله في (المصباح)).
(وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَ لِّ قَامَ عَلَيْهِ) أي على المنبر المصنوع من تلك
الأعواد (فَكَبَّرَ) أي تكبيرة الإحرام (وَكَبَّرَ النَّاسُ وَرَاءَهُ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ) جملة
حاليّة من الفاعل (ثُمَّ رَفَعَ) هكذا الرواية هنا (رَفَع)) بالفاء مبنيّاً للفاعل، أي
رفع ◌ّ رأسه من الركوع، وفي رواية البخاريّ: ((ثم رأيت رسول الله وَّ صلّى
عليها، وكبّر وهو عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القهقرى، فسجد في
أصل المنبر)).
قال الحافظ تَّهُ: لم يذكر القيام بعد الركوع في هذه الرواية، وكذا لم
يذكر القراءة بعد التكبيرة، وقد تَبَيَّن ذلك في رواية سفيان، عن أبي حازم،
ولفظه: ((كبر، فقرأ، وركع، ثم رفع رأسه، ثم رجع القهقرى))، وفي رواية
هشام بن سعد، عن أبي حازم، عند الطبرانيّ: ((فخطب الناس عليه، ثم أقيمت
(١) ((لسان العرب)) ٢٨/١.
(٢) ((عمدة القاري)) ٢١٦/٦.

٣٢٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
الصلاة، فكبر، وهو على المنبر))، فأفادت هذه الرواية تقدُّم الخطبة على
(١)
الصلاة. انتهى
(فَنَزَّلَ الْقَهْقَرَى) أي نزل من المنبر نزولاً إلى جهة ورائه؛ لئلا يستدبر
القبلة.
و((القَهْقَرى)): الرجوعُ إلى خَلْفُ، فإذا قلت: رَجَعتُ القَهْقَرى، فكأنك
قلت: رجعت الرجوعَ الذي يُعرفُ بهذا الاسم؛ لأن القهقرى ضرب من
الرجوع، وقَهْقَرَ الرجلُ في مِشيته: فَعَلَ ذلك. وتقهقر: تراجع على قفاه،
والقَهْقرى: مصدر قَهْقَرَ: إذا رجع على عقبيه. قاله في ((اللسان))(٢).
وقال في ((العمدة)): قيل: يقال: رجع القهقرى، ولا يقال: نزل
القهقرى؛ لأنه نوع من الرجوع، لا من النزول.
وأجيب بأنه لما كان النزول رجوعاً من فوق إلى تحت صحّ ذلك(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره العينيّ لا حاجة إليه؛ لأن معنى
القهقرى موجود في حال النزول، إذ هو الرجوع إلى خلفُ، ونزول النبيّ ◌َل
كان إلى جهة خلفه، وإنما فعل ذلك محافظةً على استقبال القبلة، فتبصر، والله
تعالى أعلم.
(حَتَّى سَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ) أي على الأرض إلى جنب الدرجة السفلى
منه (ثُمَّ عَادَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ آخِرِ صَلَاتِهِ) يعني أنه وَّهِ رجع إلى درجات المنبر بعد
القيام من السجدة الثانية، ثم فعل هكذا إلى أن انتهى من تلك الصلاة.
قال السنديّ تَخْثُ: وهذا العمل القليل لا يبطل الصلاة، وقد فعله وَ اخيه
لبيان كيفية الصلاة، وجواز هذا العمل، فلا إشكال، ويُفْهَم منه أن نظر
المقتدي إلى إمامه جائز. انتهى.
(ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ) وفي رواية البخاريّ: ((فلَمّا فرغ أقبل على الناس))
(فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا) وفي رواية البخاريّ: ((إنما صنعت
هذا)) بدون ((إنّي)) (لِتَأْتُمُّوا بِي) - بكسر اللام -: أي لتقتدوا بأفعالي (وَلِتَعَلَّمُوا
(١) ((الفتح)) ٤٦٤/٢.
(٣) ((عمدة القاري)) ٢١٦/٦.
(٢) ((لسان العرب)) ٣٧٦٥/٥.

٣٢٧
(١٠) - بَابُ جَوَازٍ كَوْنِ الإِمَامِ عَلَى مَكَانٍ أَرْفَعَ مِنَ الْمَأْمُومِينَ، ... إلخ - حديث رقم (١٢٢١)
صَلَاِي))) - بكسر اللام، وفتح التاء المثناة من فوقُ، وتشديد اللام - وأصله
لتتعلموا، فحذفت إحدى التاءين، تخفيفاً لتوالي المثلين، كما قال ابن مالك:
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ فِيهِ عَلَى تَا كَثَبَيَّنُ الْعِبَرْ
وعطف جملة ((لتعلَّمُوا)) على ما قبلها للتأكيد.
يعني أنه ◌ّ إنما صلى على المنبر على هذه الكيفية؛ للتعليم، حتى يَرَى
جميعهم أفعاله ◌َّه، بخلاف ما إذا صلى على الأرض، فإنه لا يراه إلا مَن
قرب منه.
قال ابن حزم كَّتُهُ: وبكيفية هذه الصلاة قال أحمد، والشافعي، والليث،
وأهل الظاهر، ومالك، وأبو حنيفة لا يجيزانها .
وقد ردّ العيني هذا على ابن حزم، وقال: هذا غير صحيح، بل مذهب
أبي حنيفة الجواز مع الكراهة.
وقال ابن التين: الأشبه أن ذلك كان له وَل خاصة(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى الخصوصية غير صحيحة،
فالصواب جواز ذلك لكل من احتاج للتعليم بهذا الطريق لمن لا يعلم كيفية
الصلاة، ولذا قال وَل: ((إنما صنعت هذا لتأتمّوا بي، ولتعلّموا صلاتي))،
فأطلقه، فلو كان خاصّاً به، لبيّنه بأنه لا يحلّ ذلك لغيره، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد الساعدي
كما هذا متفق عليه .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٢٢١/١٠ و١٢٢٢] (٥٤٤)، و(البخاريّ) في
(الصلاة)) (٣٧٧)، و((الجمعة)) (٩١٧)، و((البيوع)) (٢٠٩٤)، و((الهبة))
(٢٥٦٩)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٠٨٠)، و(النسائيّ) في ((الصلاة))
(٧٣٩)، و((الكبرى)) (٨١٨)، و(ابن ماجه) فيها (١٤١٦)، و(الشافعيّ) في
(١) ((عمدة القاري)) ٣١٢/٦.

٣٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج .- كتاب المساجد ومواضع الصلاة
((مسنده)) (١٣٨/١)، و(الحميدي) في ((مسنده)) (٩٢٦)، و(أحمد) (٣٣٠/٥
و٣٣٩)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٢٦١)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى))
(٣١١ و٣١٢)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٧٧٩)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٢١٤٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٧٤٤ و١٧٤٥ و١٧٤٦)،
و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١١٩٧ و١١٩٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣/
١٠٨)، و((دلائل النبوّة)) (٥٥٤/٢ - ٥٥٥)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٥٧٥٢
و٥٧٩٠ و٥٨٨١ و٥٩٧٧ و٥٩٩٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٤٩٧)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): جواز اتّخاذ المنبر، واستحباب كون الخطيب ونحوه على
مرتفع كمنبر، أو غيره.
٢ - (ومنها): جواز الصلاة على المنبر، وقد عَلّل النبيّ وَ لو صلاته عليه،
وارتفاعه على المأمومين بالاتباع له، والتعليم، فإذا ارتفع الإمام على المأموم
لغير حاجة كمثل هذا كُرِهِ، وبه قال الشافعيّ، وأحمد، والليث، وعن مالك،
والشافعيّ، المنع، وبه قال الأوزاعيّ.
٣ - (ومنها): جواز اختلاف موقف الإمام والمأموم في العلو والسفل،
قال البخاري في ((صحيحه)): قال علي بن عبد الله - يعني ابن المديني -: سألني
أحمد بن حنبل عن هذا الحديث؟ قال: إنما أردتُ أن النبيّ ◌َلو كان أعلى من
الناس، فلا بأس أن يكون الإمام أعلى من الناس بهذا الحديث؟ قال: فقلت:
إن سفيان بن عيينة كان يُسأل عن هذا، فلم تسمعه منه؟ قال: لا. انتهى.
ولابن دقيق العيد في ذلك بحث، فإنه قال: من أراد أن يستدل به على
جواز الارتفاع من غير قصد التعليم لم يستقم؛ لأن اللفظ لا يتناوله، ولانفراد
الأصل بوصف معتبر، تقتضي المناسبةُ اعتبارَه، فلا بد منه.
وقال النوويّ تَخْلُهُ: وفيه جواز صلاة الإمام على موضع أعلى من موضع
المأمومين، ولكنه يكره ارتفاع الإمام على المأموم، وارتفاع المأموم على الإمام
لغير حاجة، فإن كان لحاجة بأن أراد تعليمهم أفعال الصلاة لم يكره، بل
يُسْتَحَبّ لهذا الحديث، وكذا إن أراد المأموم إعلام المأمومين بصلاة الإمام،

(١٠) - بَابُ جَوَازٍ كَوْنِ الإِمَامِ عَلَى مَكَانٍ أَرْفَعَ مِنَ الْمَأْمُومِينَ، ... إلخ - حديث رقم (١٢٢١)
٣٢٩
واحتاج إلى الارتفاع. انتهى(١).
٤ - (ومنها): جواز العمل اليسير في الصلاة، فإن الخطوتين لا تبطل
بهما الصلاة، ولكن الأولى تركه إلا لحاجة، فإن كان لحاجة فلا كراهة فيه،
كما فعل النبيّ ◌َّر، وكذا الفعل الكثير كالخطوات وغيرها إذا تفرقت لا تبطل
الصلاة؛ لأن النزول والصعود قد تكرر، وجملته كثيرة، ولكن أفراده المتفرّقة
كلّ واحد منها قليلٌ.
٥ - (ومنها): جواز الصلاة على الخشب، وكَرِهَ ذلك الحسن، وابن
سيرين. أخرجه ابن أبي شيبة عنهما، وأخرج أيضاً عن ابن مسعود، وابن عمر
نحوه، وعن مسروق أنه كان يَحْمِل لَبِنةً ليسجد عليها إذا رَكِب السفينة، وعن
ابن سيرين نحوه، قال الحافظ: والقول بالجواز هو المعتمد.
٦ - (ومنها): جواز قصد تعليم المأمومين أفعال الصلاة بالفعل، وأن
ذلك لا يَقْدَح في صلاته، ولا يكون من باب التشريك في العبادة، بل هو كرفع
الصوت بالتكبير؛ ليُسمعهم.
٧ - (ومنها): أن مَن فَعَلَ شيئاً يخالف العادة يُبَيِّن حكمته لأصحابه.
٨ - (ومنها): استحباب اتّخاذ المنبر لكل خطيب خليفةً كان، أو غيره؛
لكونه أبلغ في مشاهدة الخطيب، والسماع منه.
وقال ابن بطال: إن كان الخطيب هو الخليفة، فسنته أن يخطب على
المنبر، وإن كان غيره يُخَيَّر بين أن يقوم على المنبر، أو على الأرض.
وتعقبه الزين ابن الْمُنَيِّر بأن هذا خارج عن مقصود الترجمة(٢)، ولأنه
إخبار عن شيء أحدثه بعض الخلفاء، فإن كان من الخلفاء الراشدين، فهو سنة
متبعة، وإن كان من غيرهم، فهو بالبدعة أشبه منه بالسنة.
قال الحافظ: ولعل هذا هو حكمة هذه الترجمة - يعني ترجمة البخاري
بقوله: ((باب الخطبة على المنبر)) - أشار بها إلى أن هذا التفصيل غير مستحبّ،
ولعل مراد من استحبّه أن الأصل أن لا يرتفع الإمام عن المأمومين، ولا يلزم
(١) ((شرح النوويّ)) ٣٤/٥.
(٢) يعني ترجمة البخاريّ في ((صحيحه) بقوله: ((باب الخطبة على المنبر)).

٣٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
من مشروعية ذلك للنبيّ وَّة، ثم لمن ولي الخلافة أن يُشْرَع لمن جاء بعدهم،
وحجة الجمهور وجود الاشتراك في وعظ السامعين، وتعليمهم بعض أمور
الدین.
٩ - (ومنها): استحباب الافتتاح بالصلاة في كل شيء جديد، إما شكراً،
وإما تبركاً .
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكر في ((الفتح))، وفي هذا الاستنباط نظر
لا يخفى؛ لأنه ◌َّهُ بَيّن سبب صلاته على المنبر، وهو أن يتعلّم الناس صلاته،
ولم يقل: إنه افتتح به للتبرّك، فتأمل، والله تعالى أعلم.
١٠ - (ومنها): جواز نظر المأموم إلى إمامه في الصلاة؛ ليتعلم منه، وأن
ذلك لا ينافي الخشوع.
١١ - (ومنها): أن فيه التصريح بأن منبره وم * كان ثلاث درجات، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظْهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٢٢٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَا قُتَنْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيُّ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمِ، أَنَّ رِجَالاً أَتَوْا
سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيُّ(١)
الْقُرَشِيُّ) المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، حَلِيف بني زُهرة، ثقةٌ [٨] (ت١٨١) (خ م
د ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٥/٣٥.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
والإسناد أيضاً من الرباعيّات، كسابقه، ولاحقه، وهو (٧٣) من رباعيّات
الكتاب.
(١) بتخفيف الراء، وتشديد الياء التحتانيّة: نسبة إلى قارة قبيلة معروفة بجودة الرمي.

٣٣١
(١٠) - بَابُ جَوَازِ كَوْنِ الإِمَامِ عَلَى مَكَانٍ أَرْفَعَ مِنَ الْمَأْمُومِينَ، ... إلخ - حديث رقم (١٢٢٢)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[ ... ] ( .. ) -(قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ
:
حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالُوا: حَدَّثْنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمِ، قَالَ: أَتَوْا
سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ، فَسَأَلُوهُ مِنْ أَِّ شَيْءٍ مِنْبَرُ النَّبِيِّ نَّهِ، وَسَاقُوا الْحَدِّيثَ نَحْوَ(١)
حَدِيثِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ).
قال الجامع عفا الله عنه: كان ينبغي أن أجعل لهذا السند رقماً مستقلاً،
إلا أني لَمّا رأيت المصنّف جمع بينهم بالتحويل، وجعل الضمير في قوله:
((وساقوا الحديث)) في الأخير راجعاً إليهم معاً جعلت لهما رقماً واحداً، فتنبّه.
وقوله: ((قال)) من كلام الراوي عن المصنّف، وفاعله ضمير يعود إلى
المصنّف.
ورجال الإسناد: أربعة أيضاً، وكلّهم تقدّموا قريباً، فأبو بكر تقدّم قبل
باب، وزُهير قبل بابين، وابن أبي عمر، وهو محمد بن يحيى العدنيّ، وسفيان
في الباب الماضي، والباقيان في هذا الباب.
والسند أيضاً من رباعيّات المصنّف تَخْذَتُهُ، وهو (٧٤) من رباعيّات
الكتاب.
وقوله: (وَسَاقُوا الْحَدِيثَ) قال النوويّ تَخْتُ: قوله: ((وساقوا الحديث نحو
حديث ابن أبي حازم)) هكذا هو في النسخ: ((وساقوا)) بضمير الجمع، وكان
ينبغي أن يقول: وساقا؛ لأن المراد بيان رواية يعقوب بن عبد الرحمن،
وسفيان بن عيينة، عن أبي حازم، فهما شريكا ابن أبي حازم في الرواية، عن
أبي حازم، ولعله أتى بلفظ الجمع، ومراده الاثنان، وإطلاق الجمع على
الاثنين جائز بلا شكّ، لكن هل هو حقيقة، أم مجاز؟ فيه خلاف مشهور،
والأكثرون أنه مجاز.
(١) وفي نسخة: ((بنحو)).

٣٣٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
قال: ويَحْتَمِل أن مسلماً أراد بقوله: ((وساقوا)) الرواةَ عن يعقوب، وعن
سفيان، وهم كثيرون، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ تَخّْثُ .
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم نظير هذا البحث في الباب الماضي عند
قوله بعد سوقه رواية سعيد المقبريّ: ((بنحو حديثهم))، وهو يرجع إلى اثنين،
وهما: عامر بن عبد الله بن الزبير، وبكير بن الأشج، فتفطّن لدقائق الإسناد،
وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: (نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي حَازِم) وفي بعض النسخ: ((بنحو حديث ابن
أبي حازم)).
[تنبيه]: رواية يعقوب بن عبد الرحمن هذه ساقها أبو داود في ((سننه))
بسند المصنّف نَخْذَتُهُ، فقال:
(١٠٨٠) حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا يعقوب بن عبد الرحمن بن
محمد بن عبد الله بن عبد القاريّ القرشيّ، حدَّثني أبو حازم بن دينار، أن
رجالاً أَتَوْا سهل بن سعد الساعديّ، وقد امْتَرَوا في المنبر مِمَّ عوده؟، فسألوه
عن ذلك؟ فقال: والله إني لأعرف مما هو؟ ولقد رأيته أوَّلَ يوم وُضِعَ، وأوّلَ
يوم جلس عليه رسول الله وَ له، أرسل رسول الله وَل﴾ إلى فلاَّنة، امرأة قد
سماها سهل، أَنْ مُرِي غلامك النجّار، أن يَعْمَل لي أعواداً أجلس عليهنّ، إذا
كلمتُ الناس، فأمرته، فعملها من طَرْفاء الغابة، ثم جاء بها، فأرسلته إلى
النبيّ وََّ، فَأَمَرَ بها، فَوُضِعَتْ ها هنا، فرأيت رسول الله وَ له صلى عليها، وكَبّر
عليها، ثم ركع، وهو عليها، ثم نزل القهقرى، فسَجَدَ في أصل المنبر، ثم
عاد، فلما فرغ أقبل على الناس، فقال: ((أيها الناس، إنما صنعت هذا؛ لتأتموا
بي، ولِتَعَلَّمُوا صلاتي)). انتهى.
وأما رواية سفيان بن عُيينة تَّتُهُ، فساقها أبو عوانة في ((مسنده)) (١/ ٤٧٠)
فقال :
(١٧٤٤) حدّثنا بشر بن موسى، قال: ثنا الحميديّ، قال: ثنا سفيان،
قال: ثنا أبو حازم، قال: سألوا سهل بن سعد من أيِّ شيء المنبر؟ قال: ما
بقي في الناس أعلم مني، من أَثْل الغابة، عَمِله فلان، مولى فلانة،
لرسول الله وَّ، فقام عليه رسول الله وَ له حين عُمِلَ، ووُضِعَ، فاستقبل القبلة،

٣٣٣
(١١) - بَابُ الَّهْيِ عَنِ الاخْتِصَارِ فِي الصَّلَاةِ - حديث رقم (١٢٢٣)
وكَبّر، وقام الناس خلفه، فقرأ، وركع، وركع الناس خلفه، ثم رفع، فرجع
القهقرى، فسجد على الأرض، ثم عاد إلى المنبر، ثم قرأ، ثم ركع، ثم رفع
رأسه، ثم رجع القهقرى، حتى سجد بالأرض، فهذا شأنه. انتهى. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ .
(١١) - (بَابُ النَّهْيِ عَنِ الاخْتِصَارِ فِي الصَّلَاةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٢٣] (٥٤٥) - (وَحَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى الْقَنْطَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
الْمُبَارَكِ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، وَأَبُو أُسَامَةً
جَمِيعاً، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُصَلِّيَّ
الرَّجُلُ مُخْتَصِراً، وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ(١) ◌ِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى الْقَنْطَرِيُّ) هو: الحكم بن موسى بن أبي زُهير
البغداديّ القَنْطَريّ، ثقةٌ [١٠] (٢٣٢) (خت م مد س ق) تقدم في ((الإيمان))
٤٦/ ٢٩٤.
[تنبيه]: ((الْقَنْطَريّ)) - بفتح القاف -: منسوب إلى مَحِلّة من مَحَالِ بغداد،
تُعْرَف بقنطرة الْبُرّ، ويُنْسَب إليها جماعات كثيرون، منهم الحكم بن موسى هذا،
ولهم جماعات يقال فيهم الْقَنْطَريّ، يُنْسَبون إلى مَحِلّة من مَحَالّ نيسابور، تُعْرَف
برأس القنطرة، وقد أوضح القسمين الحافظ أبو الفضل، محمد بن طاهر
المقدسيّ، قاله النوويّ ◌َُّهُ(٢).
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ) بن واضح الحنظليّ مولاهم، أبو عبد الرحمن
المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه عالمٌ جَوَادٌ مجاهدٌ، جُمعت فيه خصال الخير [٨]
(ت١٨١) عن (٦٣) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٢/٥.
(١) وفي نسخة: ((نهى النبيّ ◌َّ)).
(٢) ((شرح النوويّ)) ٣٦/٥.

٣٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة
إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠]
(ت٢٣٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٤ - (أَبُو خَالِدٍ) الأحمر سليمان بن حيّان الأزديّ الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ
[٨] (ت١٩٠) أو قبلها عن بضع وسبعين سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٠/٥.
٥ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، مشهور
بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) وهو ابن (٨٠) سنةً (ع) تقدم في
((المقدمة) ٥١/٦.
٦ - (هِشَام) بن حسّان الأزديّ القردوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ من
أثبت الناس في ابن سيرين [٦] (ت٧ أو ١٤٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥.
٧ - (مُحَمَّد) بن سيرين الأنصاريّ، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ عابدٌ كبير القَدْر [٣] (ت١١٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٨.
٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابي الشهير بَظُه، مات سنة (٥٩) عن (٧٨) سنة
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وله فيه شيخان فرّق بينهما
بالتحويل؛ لاختلاف صيغ الأداء بسبب اختلاف كيفيّة التحمّل، فكان أخذه عن
الحكم بن موسى وحده، ولذا قال: ((وحدّثني الحكم))، وكان أخذه عن أبي
بكر مع جماعة، ولذا قال: ((وحدثنا أبو بكر))، وأيضاً فالحكم روى عن ابن
المبارك وحده، وأبو بكر روى عن أبي خالد، وأبي أسامة، فتنبّه لهذه الدقائق،
وبالله تعالى التوفيق.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج
له الترمذيّ، والثاني علق له البخاريّ، وأخرج له أبو داود في ((مسند مالك))،
ولم يُخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنهم ما بين مدنيّ، وهو الصحابيّ، ومروزيّ، وهو ابن
المبارك، وبغداديّ، وهو الحكم، وبصريينٍ، وهما: محمد، وهشام،
وکوفیین، وهم الباقون.

٣٣٥
(١١) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ الاخْتِصَارِ فِي الصَّلَاةِ - حديث رقم (١٢٢٣)
٤ - (ومنها): أن أبا هريرة ظله أحفظ من روى الحديث في عصره،
روى (٥٣٧٤) حديثاً .
شرح الحديث:
(عَنِ النَّبِيِّ بَِّ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِراً)
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)
منصوب على الحال من ((الرجل))، وهو اسم فاعل، من الاختصار، ووقع في
بعض الرواية: ((متخصِّراً))، اسم فاعل من التَّخَصُّر، وهو وضع اليد على
الخاصرة، فسّره بذلك الترمذيّ في ((جامعه))، وأبو داود في ((سننه))، وفسّره
بذلك أيضاً محمد بن سيرين، رَوَى ذلك عنه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)).
وكذلك فسّره هشام بن حسّان، رواه عنه البيهقي في ((سننه))، قال: ورَوَى
سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ظُله معنى هذا
التفسير.
وحَكَى الخطابيّ وغيره قولاً آخر في تفسير الاختصار، فقال: وزعم
بعضهم أن معنى الاختصار هو أن يُمسِك بيده مِخْصَرَة، أي عصاً يتوكأ عليها،
قال ابن العربي: ومن قال: إنه الصلاة على المِخْصَرَة لا معنى له.
وفيه قول ثالث، حكاه الهرويّ في ((الغريبين))، وابن الأثير في ((النهاية))،
وهو أن يَخْتَصِر السورة، فيقرأ من آخرها آية، أو آيتين.
وفيه قول رابع، حكاه الهرويّ، وهو أن يَحذِف من الصلاة، فلا يمدّ
قيامها وركوعها وسجودها .
قال العراقيّ تَُّ: والقول الأول هو الصحيح الذي عليه المحققون،
والأكثرون من أهل اللغة، والحديث، والفقه، هذا ما ذكره العلامة الشوكانيّ
في شرح ((منتقى الأخبار))(١).
وذكر ابن منظور في ((اللسان)) نحو ما تقدم، أحببت إيراده، وإن كان فيه
تكرار لما سبق، زيادةً في الإيضاح، قال ◌َّتُهُ :
(١) ((نيل الأوطار)) ٢٣١/٣ - ٢٣٢.

٣٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
والاختصار، والتخاصر: أن يَضْرِب الرجل يده إلى خَصْرِهِ(١) في
الصلاة، وروي عن النبيّ وَّر أنه ((نَهَى أن يصلي الرجل مُخْتصِراً))، وقيل:
((مُتَخَصِّراً))، قيل: هو من الْمِخْصَرَة، وقيل: معناه أن يصلي الرجل، وهو
واضع يده على خَصْرِهِ، وجاء في الحديث: ((الاختصار في الصلاة راحة أهل
النار))(٢)، أي أنه فعل اليهود في صلاتهم، وهم أهل النار، على أنه ليس لأهل
النار الذين هم خالدون فيها راحة، هذا قول ابن الأثير.
قال ابن منظور: ليس الراحة المنسوبة لأهل النار هي راحتهم في النار،
وإنما هي راحتهم في صلاتهم في الدنيا، يعني أنه إذا وَضَعَ يده على خَصْرِهِ
كأنه استراح بذلك، وسماهم أهل النار لمصيرهم إليها، لا لأن ذلك راحتهم
في النار.
وقال الأزهري في الحديث الأول: لا أدري أرُوي ((مُخْتصِراً))، أو
(مُتَخَصراً))؟(٣)، ورواه ابن سيرين، عن أبي هريرة ((مُخْتَصِراً))، وكذا رواه أبو
عبيد؛ قال: هو أن يصلي، وهو واضع يده على خَصْرِهِ، قال: ويروى في
كراهيته حديث مرفوع، قال: ويروى فيه الكراهة عن عائشة، وأبي هريرة، وقال
الأزهري: معناه أن يأخذ بيده عصاً يتكئ عليها .
وفيه وجه آخر، وهو أن يقرأ آية من آخر السورة، أو آيتين، ولا يقرأ
سورة بكمالها في فرضه، قال ابن الأثير: هكذا رواه ابن سيرين عن أبي
هريرة. انتهى (٤).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الأول، وهو وضع اليد على
الخاصرة، هو الراجح.
(١) ((الْخَصْر)): من الإنسان وسطه، وهو المستدقّ فوق الْوَرِكَين، والجمع: خُصُورٌ،
مثلُ فَلْس وفُلُوس، قاله في ((المصباح)) ١٧٠/١.
(٢) أخرجه ابن خزيمة وابن حبّان في ((صحيحيهما)) إلا أن فيه علّة، وهي الانقطاع في
سنده، وسيأتي بيانه قريباً - إن شاء الله تعالى -.
(٣) وقع في بعض نسخ النسائيّ بلفظ: ((مختصراً))، وفي بعضها: ((متخصِّراً)).
(٤) ((لسان العرب)) ٢٤٠/٤.

٣٣٧
(١١) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الاخْتِصَارِ فِي الصَّلَاةِ - حديث رقم (١٢٢٣)
قال النوويّ كَّلهُ: الصحيح الذي عليه المحققون، والأكثرون من أهل
اللغة والغريب والمحدثين، وبه قال أصحابنا في كتب المذهب أن المختَصِر هو
الذي يصلي، ويده على خاصرته. انتهى.
قال الحافظ تَُّهُ: ويؤيده ما رواه أبو داود، والنسائيّ من طريق سعيد بن
زياد، عن زياد بن صُبَیح، قال: صليت إلى جنب ابن عمر، فوضعت يدي على
خاصرتي، فلما صلى، قال: هذا الصَّلْب في الصلاة، وكان رسول الله وَ ل
ينهى عنه. انتهى. وسيأتي ما قاله أهل العلم في سبب النهي في المسألة
الرابعة، إن شاء الله تعالى.
والحديث دليل على تحريم الاختصار في الصلاة، وبه يقول أهل الظاهر،
وهو الظاهر؛ إذ لا صارف للنهي عنه، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الخامسة
- إن شاء الله تعالى -.
وقوله: (وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرٍ) هو ابن أبي شيبة شيخه الثاني (قَالَ: نَهَى
رَسُولُ اللهِ وَ﴾﴾ يعني أنه صرّح برفع الحديث، فإن رواية الحكم كانت صورتها
صورة الموقوف، وإن كان لها حكم الرفع؛ لأن قول الصحابيّ: ((نُهِيَ عن كذا))
يعطى حكم الرفع، كما هو مذهب جمهور المحدثون، وإن خالف في ذلك
بعضهم، قال الحافظ السيوطيّ في ((ألفية الحديث)):
نَحْوُ ((مِنَ السُّنَّةِ)) مِنْ صَحَابِي
وَلِيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوابِ
فِي عَهْدِهِ) أَوْ عَنْ إِضَافَةٍ عَرَى
كَذَا ((أُمِرْنَا)) وَكَذَا «كُنَّا نَرَى
تَصْرِيحِهِ بِعِلْمِهِ الْخُلْفُ نُفِي
ثَالِثُهَا إِنْ كَانَ لا يَخْفَى وَفِي
وأخرج الحديث الإمام أحمد في ((مسنده)) (٢/ ٢٩٠) عن يزيد بن هارون
عن هشام موقوفاً، بلفظ: ((نُهِيَ عن الاختصار في الصلاة)). وزاد بعده: قال:
قلنا لهشام: ما الاختصار؟ قال: يَضَع يده على خَصْره، وهو يصلي. قال
يزيد: قلنا لهشام: ذكره عن النبيّ وَل﴾؟ قال برأسه: نعم، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌ُه هذا مُتّفقٌ عليه.

٣٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٢٢٣/١١] (٥٤٥)، و(البخاريّ) في ((العمل في
الصلاة)) (١٢١٩ و١٢٢٠)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٩٤٧)، و(الترمذيّ) فيها
(٣٨٣)، و(النسائيّ) في ((الافتتاح)) (٨٩٠) وفي ((الكبرى)) (٩٦٤)، و(الطيالسيّ)
في ((مسنده)) (٢٥٠٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٧/٢ - ٤٨)، و(أحمد)
في («مسنده)) (٢٣٢/٢ و٢٩٠ و٢٩٥ و٣٣١ و٣٩٩)، و(الدارميّ) في ((سننه))
(١٤٣٥)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٩٠٨)، (وابن حبّان) في ((صحيحه))
(٢٢٨٥)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٢٢٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(١٥٤٦ و١٥٤٧ و١٥٤٨ و١٥٤٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١١٩٩)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٨٧/٢ و٢٨٨)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة))
(٧٣٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): اختلف العلماء - رحمهم الله تعالى - في المعنى الذي
نُهِيَ عن الاختصار في الصلاة لأجله على أقوال:
(الأول): أن اليهود تُكثر من فعله، فنُهِي عنه؛ كراهة للتشبه بهم، أخرجه
البخاري في ((صحيحه)) في ذكر بني إسرائيل عن عائشة رفيقًا، زاد ابن أبي شيبة
فيه: ((في الصلاة))، وفي رواية: ((لا تشبهوا باليهود)).
(الثاني): أنه تَشَبُّهُ بإبليس، قال الترمذيّ في ((جامعه)»: ويُرْوَى أن إبليس
إذا مشى يمشي مختصراً، ولأنه أهبط مُتَخَصِّراً، أخرجه ابن أبي شيبة، عن
حميد بن هلال موقوفاً، وروي عن ابن عباس ها، حكاه عنه ابن أبي شيبة.
(الثالث): أنه راحة أهل النار، رَوَى ذلك ابن أبي شيبة عن مجاهد، قال:
((وضع اليد على الْحِقْو استراحة أهل النار))، ورواه أيضاً عن عائشة ﴿ُها، ورَوَى
البيهقيّ عن أبي هريرة ظبه، أن النبيّ وَ لو قال: ((الاختصار في الصلاة راحة
أهل النار))، قال العراقي: وظاهر إسناده الصحة(١)، ورواه أيضاً الطبرانيّ.
(١) لكن في سنده علّة قادحة، وهي سقوط راو من إسناده بين عيسى بن يونس،
وهشام بن حسّان، وهو عبد الله بن الأزور.
فقد أخرجه الطبرانيّ في ((الأوسط)) (١/٤٥/١) من طريق محمد بن سلّام المنبجيّ،
عن عيسى بن يونس، عن عبد الله بن الأزور، عن هشام الْقُردوسيّ، وهو ابن

٣٣٩
(١١) - بَابُ النَّهْىٍ عَنِ الاخْتِصَارِ فِي الصَّلَاةِ - حديث رقم (١٢٢٣)
(الرابع): أنه فعل المختالين والمتكبرين، قاله المهلب بن أبي
صفرة تَخْشُهُ .
(الخامس): أنه شَكْلٌ من أشكال أهل المصائب، يصفّون أيديهم على
الخواصر إذا قاموا في المآتم، قاله الخطابيّ نَّتُهُ.
(السادس): أنه صفة الراجز حين ينشد، رواه سعيد بن منصور من طريق
قیس بن عباد بإسناد حسن.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أقرب الأقوال في ذلك هو الأول، فقد
أخرجه البخاري في ((صحيحه)) عن عائشة رضيويّا، ولكن لا منافاة بين الجميع،
كما قاله الحافظ تَخّْتُهُ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): حديث الباب يدل على تحريم الاختصار في الصلاة،
وإليه ذهب أهل الظاهرية، قال الإمام أبو محمد بن حزم كَخْتُ: ومن تعمّد في
الصلاة وضع يده على خاصرته بطلت صلاته. انتهى.
قال الإمام أبو بكر بن المنذر كَّتُهُ: وممن كَرِهَ الاختصار في الصلاة:
ابن عباس، وعائشة أم المؤمنين، ومجاهد، وأبو مِجْلَز، والنخعيّ، ومالك،
والأوزاعيّ، وإسحاق، وأصحاب الرأي. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كون النهي للتحريم كما قال أهل الظاهر
= حسّان عن محمد - هو ابن سيرين - عن أبي هريرة ر ◌ُه.
وقال: لم يروه عن هشام إلا ابن الأزور، تفرّد به عيسى.
وقال الذهبيّ في («الميزان)) (٣٩١/٢): عبد الله بن الأزور، عن هشام بن حسّان
بخبر منكر، قال الأزديّ: ضعيف جدّاً، له عن هشام، عن محمد، عن أبي هريرة،
مرفوعاً: ((الاختصار في الصلاة استراحة أهل النار))، والمنبجيّ ذكره ابن حبان في
((الثقات))، وقال: ربّما أغرب، وقال ابن منده: له غرائب. انتهى.
وأخرجه ابن أبي شيبة (٤٧/٢)، وعبد الرزاق (٣٣٤٢) من طريق سفيان الثوريّ،
عن ابن جريج، عن إسحاق بن عُويمر، عن مجاهد أنه قال ... فذكره موقوفاً
عليه، وإسحاق بن عُويمر مجهولٌ، أورده ابن أبي حاتم (٢٣١/٢) ولم يذكر فيه
جرحاً ولا تعديلاً.
فتبيّن بهذا أن الحديث ضعيف، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

٣٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج .- كتاب المساجد ومواضع الصلاة
هو الظاهر؛ لعدم قيام قرينة تصرف النهي عن التحريم الذي هو معناه الحقيقي،
كما هو مذهب الجمهور أن الأمر للوجوب، والنهي للتحريم، ما لم يصرفه
صارفٌ، وقد صَرّح بهذا العلامة الشوكانيّ تَّثُ، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ .
(١٢) - (بَابُ النَّهْي عَنْ مَسِّ الْحَصَى، وَتَسْوِيَةِ التُّرَابِ فِي الصَّلَاةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٢٢٤] (٥٤٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِبِعٌ، حَدَّثَنَا
هِشَامُ الدَّسْتَوَائِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ مُعَيْقِيبٍ، قَالَ:
ذَكَرَ النَّبِيُّ ◌َّهِ الْمَسْحَ فِي الْمَسْجِدِ، يَعْنِي الْحَصَى، قَالَ: ((إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلاً
فَوَاحِدَةً»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور في الباب الماضي.
٢ - (وَكِيع) بن الجرّاح، تقدّم قريباً.
٣ - (هِشَامُ الدَّسْتَوَائِيُّ) هو: هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر، أبو بكر
البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، ورُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) عن (٧٨) سنةً (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، ثم
اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه يدلّسَ ويُرسل [٥] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٤.
٥ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه
[٣] (ت٩٤) (ع) تقدّم في (شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٣.
٦ - (مُعَيْقِيب) - بقاف، وآخره موحّدة، مصغّراً - ابن أبي فاطمة
الدَّوْسيّ، حَلِيف بني عبد شمس، أسلم قَديماً بمكة، وهاجر الهجرتين، وشهد